المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

جريبة قال: لما وصل الملك المسعود من الديار المصرية وعبر - العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية - جـ ١

[علي بن الحسن الخزرجي]

الفصل: جريبة قال: لما وصل الملك المسعود من الديار المصرية وعبر

جريبة قال: لما وصل الملك المسعود من الديار المصرية وعبر طريق خبت القحرية كان على قارعة الطريق شيخان من المشائخ الصالحين أحدهما المغيث والآخر الهدس فقال أحدهما: هل ترى ما أرى. فقال له صاحبه: وما ترى قال: أرى شخصاً أن سار العسكر جميعه وإن وقف المعسكر جميعه فقال له صاحبه: لعل ذلك المسعود فقال له: لا بل هو الملك المسعود عمر بن عيّ بن رسول والملك في عقبه إلى آخر الدهر قال صاحب السيرة: وسمعت الحكاية بعينها من جدّي رحمه الله.

ويروى أن رجلاً كان على جبل الموسم وهو جبل صغير منفرد في خبت العسلقية من نواحي سهام. وكان الرجل يحرش شجراً من العطب له هنالك بالليل. وقد أقبل الملك المسعود في عسكره وطبلخانته. فسمع الرجل نحب الطبلخانة والعسكر. فقعد متعجباً. فسمع قائلاً يقول وهو قريب من اجبل:

أقبَلَ مثل السهم يزجيه الوترْ

ليس له من ملكه سوى السفرْ

هيهات في الأيام طيات أُخر قال: فقصدت موضع الصوت فلم أر شيئاً ولا وجدت أحداً فعلمت أنه من الجن وعلمت أن ملك الملك المسعود لسواه ويحكى أن الشيخ الصالح محمد بن أبي بكر الحكمي صاحب عواجة رأى راية الملك المسعود يوم وصوله من مصر فقال: هذه آخر راية تصل من مصر إلى اليمن.

‌فصل

ولما توفي الملك المسعود في التاريخ المذكور ووصل علم موته إلى اليمن قام السلطان نور الدين قياماً كلياً واضمر الاستقلال بالملك وأظهر أنه نائب للمسعود: ولم يغير سكةً ولا خطبةً: وجعل يولي في الحصون والمدن من يرتضيه ووثق به ويعزلُ من يخشى منه خلافاً: ومن ظهر منه عصيان أو خلافُ عمل في قتلهِ وأسره.

وكان السلطان نور الدين من أهل العزم والحزم جواداً كريماً سريع النهضة

ص: 52

وكان محراباً لا يسأم الحرب. وكان صاحب حلم ودهاءٍ وكان يومئذ مقيماً بزبيدٍ يتولى على البلاد التهامية. وقرر قواعدهُ وسار من محروسة زبيد قاصداً تعزَّ في شوال من سنة ست وعشرين وستمائة. فحطَّ على حصن تعزَّ وحصرهُ حصراً شديداً وضيق على أهله حتى أجهدهم حتى قيل أنهم ابتاعوا من الحنكة فقط بثلاثين ألف دينار ملكية. وفي سنة 627 تسلم حصن التعكر وحصن خدد وتسلم صنعاء وأعمالها. وأقطعها أبن أخيه أسد الدين محمد بن الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسولٍ. فطلع الأمير نجمُ الدين أحمد بن أبي زكريّ حصن براشٍ خائفاً من الملك المنصور.

وفي سنة 628 تسلم حصن حبٍّ وبيت عزٍّ وحطَّ على حصن تعزَّ مرةً ثانية فأخذهُ صلحاً على يد القاضي المكين. وتزوّج بنت جودَةَ. وكان زمامها الطواشي نظامَ الدّين مختصُ وكان لبيباً عاقلاً كاملاً في خدمة الملك.

ثم طلع إلى صنعاء فحطاَّ على براشٍ وفيه الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زكريٍ وذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة. وفي خلال ذلك وصل إليه الأشرافُ على حصن ذمرمر وهم الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة وأولاده والأمير شمس الدين أحمد بن الإمام وجميع اخوته ووهاَّس بن أبي قاسم فتحالفوا وتعاضدوا وعقدوا بينهم صلحاً عاماً وقالوا له: يا مولانا نور الدين تسلطن في اليمن ونحن نخدمك ونبايعك على أن بني أيوب لا يدخلون اليمن فتبايعوا على ذلك وأشاروا على السلطان بعمارة البرك وأشار نور الدين على الأشراف بعمارة حصن مدّع وثم الصلح بينهم على أحسن الوجوه ولم يجرِ بينهم قتال إلى أيام الإمام أحمد بن الحسين في سنة 646 إلَاّ مرة واحدة وسأذكر سبب ذلك في موضعه من الكتاب. فلما انتظم عقد الصلح وصلهم السلطان نور الدين بمال جزيل وخلع سنيه وأقرَّهم على بلادهم فلما افترقوا على الصلح والسداد اضطرب حال الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زكريّ وعلم حينئذ أن أسبابه انقطعت فراسل السلطان نور الدين في معنى الصلح. ونزل الأمير نجم الدين من الحصن إلى لقاء السلطان فترجل بين يديه وحمل الغاشية. فخلع عليه السلطان خلعاً سنية وأنعم عليه أنعاماً تاماً وعقد له بكريمتهِ ونزل صحبتهُ إلى اليمن

ص: 53

ونزل أيضاً الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن عليّ بن رسول في صحبته أيضاً فلما أستقر السلطان في دار ملكه رجع الأمير أسد الدين إلى صنعاءَ.

وفي هذه السنة توفي الأمام العلامة ابو العتيق ابو بكر بن الشيخ يحيى ابن اسحق بن علي بن اسحق العياني ثم السكسكي نسبة إلى عُيانة بضم العين المهملة وفتح المثناة من تحتها وبعد الألف نون مفتوحة وآخر الاسم هاءُ تأنيث وهي قرية معروفة. وكان والده الشيخ يحيى من أعيان أهل اليمن في الصلاح والجود والثروة وفعل الخير وكثرة الحج.

ولما علم به صاحب بغداد وتحقق حسن سيرته كتب له مسامحة في أرضه وإن تبقى على ذريته ما بقي منهم إنسان. قال الجندي وهي بأيدي ذريته إلى الآن يجزن عليها وذريته اكمل أهل وقتنا في فعل المعروف وإطعام الطعام. وكان كثير الزيارة لفقهاء ذي اشرف فلما سمعهم يثنون على الفقيه إبراهيم حديث بجودة الفقه والدين سأله أن ينتقل معه إلى جبا ليقرئ ابنه أبا بكر المذكور فأَجاب إلى ذلك وسار معه فثقفه به أبو بكر المذكور. وأخذ عن الإمام سيف السنة عدة من كتب الحديث وكان ممن حضر السماع لصحيح مسلم عليه في مدينة الجند.

وحجم مكة سنة ثمانين وخمسمائة فلما رجع إلى مدينة زبيد أخذ بها عن الفقيه عباس بن محمد الآتي ذكره أن شاءَ لله تعالى. وكان فقيهاً محققاً مدققاً ذا صلاح مشهور وعلم مذكور فقصده الطلبة من أنحاء اليمن رغبة في علمه وإنسانيته. ومن أخذ عنه ولده يحيى وأخوهُ محمد ومن المشرق أحمد بن محمد ابن منصور الجنيد وعثمان بن اسعد الشعبي وطائفة من فقهاء الجبال ومن فقهاء تهامة إبراهيم بن علي بن عجيل وعلي بن قاسم الحكمي وعلي بن مسعود الكتبي من أهل المحالفة وغيرهم. وهم أكثر فقهاء الجبال أصحاباً. قال الجندي واخبرني الثقة أنه حج سنة ولم يستطع الزيارة إلى المدينة فقلق لذلك قلقاً شديداً فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له يا أبا بكر لما لم تزرنا زرناك فقال بكرمك يا رسول الله فعلت ذلك لي فادع لي

ص: 54

فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي سنة تسع وعشرين " وستمائة " طلع السلطان نور الدين إلى صنعاءَ مرة ثانية وتسلم حصن بكر وكوكبان وحصن براش. وبعث إلى مكة المشرفة أميراً يقال له ابن عيدان مع الشريف راجح بن قتادة وبعث معهما خزانة كبيرة. وهو أوَّل جيش جهزه إلى الحجاز. فنزلوا الأبطح وحاصروا الأمير الذي فيها من قبل الملك الكامل وكان يسمى طغتكين وكان معه مائتا فارس. فأنفق الطغتكين في أهل مكة نفقة جيدة وحلفهم وتوثَّق منهم. فراسلهم الشريف راجح بن قتادة وذكرهم إحسان السلطان نور الدين أيام كان أميراً على مكة من قبل الملك سعود. وكانت ولاية السلطان نور الدين في مكة سنة 617 وفي السنة المذكورة كانت ولادة السلطان الملك المظفر في مكة المشرفة.

فلما راسلهم الشريف كما ذكرنا مال رؤَساؤُهم إلى جيش المنصور فأحس بذلك الطغتكين فخاف على نفسه فخرج هارباً في من معه إلى ينبع. وكان في ينبع رتبة الملك الكامل وزردخانة وغلة. فأقاموا هنالك وأرسلوا إلى الملك الكامل رسولاً إلى مصر وأخبروه بوصول عسكر صاحب اليمن وما كان من أهل مكة. فجهز الملك الكامل عسكراً كثيفاً وقدَّم عليهم الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ. فأرسل إلى الشريف سنجة أمير المدينة وإلى الشريف أبي سعد أن يكونا معه. وكانا في خدمة الملك الكامل فوصلوا إلى مكة وحاصروا أبن عيدان والشريف راجحاً وقاتلوهم فقتل ابن عيدان وانكسر اهل مكة وقتل منهم مقتلة عظيمة. وأظهر الطغتكين حقده عليهم ونهب مكة ثلاثة أيام وأخاف أهلها خوفاً شديداًز فلما علم الملك الكامل بما فعل غضب عليه وعزله واستدعاه إلى مصر وأرسل إلى مكة أميراً غيره يقال ابن محليٍّ. فوصل إلى مكة في سنة ثلاثين وستمائة.

ص: 55

وفي هذه السنة توفي الفقيه يحيى بن الفقيه فضل ابن اسعد بن حمير ابن جني أبي سالم المليكي. وكان مولده سنة ستين وخمسمائة. وتفقه بعبد الله بن سالم الأصبحي وتزوج ابنته منيرة ولهُ منها أولاد معروفون تفقه منهم جماعة ومسكنهم قرية الملحمة ولهم فيها مسجد ينسب إليهم وهو شرقيها يعرف بالمسجد الأعلى " وكانت " قراءته البيان على سليمان بن فتح. وكانت وفاته في القرية المذكورة ليلة الخميس ثالث عشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة والله اعلم.

وفي سنة ثلاثين وستمائة أمر السلطان نور الدين بصرب السكة على اسمه وأمر الخطباءَ أن يخطبوا له في سائر أقطار اليمن. وإلى هذا أشار الحارث الرائش بقوله الذي تقدم ذكره حيث يقول:

ويظهر راية المنصور فيهم

على خاءٍ مخففة ولام

وقد ذكرنا ذلك في الباب الأول وبالله التوفيق.

وفي هذه السنة توفي الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن ابن علي بن أبي علي القَلعْي بفتح القاف وسكون اللام نسبة إلى قلعة حلب بالشام وقيل نسبة إلى قلعة بلدة بالمغرب هذا قول الجندي. وقال الأسنوي في طبقاته أنه منسوب إلى قلعة بينها وبين زبيد نحو يوم ولم يذكر الأسنوي اسم هذه القلعة التي نسبه اليها ولا في أي ناحية هي من زبيد وهذا غلط من الأسنوي والله اعلم. وكان القلعي المذكور فقهياً عالماً كبيراً عاملاً له مصنفات كثيرة مشهورة انتفع الناس بها. منها قواعد المهذب ومنها مستعذب ومنها إيضاح الغوامض في علم الفرائض مجلدان جيدان جمع فيه بين مذهب الشافعي وغيره وأورد فيه طرفاً من الجبر والمقابلة والوصايا. وله احتراز المهذب. وله لطائف الأنوار في فضل الصحابة الأبرار. وله كنز الحفاظ في غرائب الألفاظ يعني أَلفاظ المهذب. وله تهذيب الرياسة في ترتيب السياسة. وله كتاب أحكام القضاة. وله غير ذلك. وأكثر ما توجد مصنفاته في ظفار وحضرموت ونواحيها وعنه انتشر الفقه في تلك الناحية ولم ينتشر العلم عن أحد في تلك الناحية كما انتشر عنه. وأعيان فقهائها أصحابه وأصحاب أصحابه.

ص: 56

وحج من مرباط فاخذ عنه بمكة وزبيد وغيرهما من البلاد التي مر بها خلق كثير. وكانت وفاته بمرباط في السنة المذكورة وقبره هناك والله أعلم. وفيها توفي الفقيه سلم بن محمد بن سالم بن عبد اله بن خلف بن زبد أبن أحمد بن محمد العامري وكان فقيهاً محدثاً غلب عليه الحديث. وكان زاهداً روعاً تأتيه الناس من البعد للزيارة وقراءّة العلم وانتفع بصحبته خلق كثير منهم الشيخ أحمد بن الجعد وأبو شعبة وغيرهما. وكان من كرام الفقهاء شريف النفس عالي الهمة. ولم يزل على الطريق المرضية إلى أن توفي في السنة المذكورة. وكان مولده في سنة سبعين وخمسمائة والله اعلم. وفيها توفي الفقيه الصالح عبد الله بن علي بن أبي عبد الله بن أبي القسم بن أَسلم المرادي وكان فقيهاً عارفاً ورعاً مشهوراً. وكان أخوه ناجي بن علي فقيهاً غلبت عليه العبادة. وشهر بالصلاح وله كرامات كثيرة وكان كبير القدر شهير الذكر وروي أنه خرج لزيارة الشيخ عمران المتسن صاحب ذُبْحَان فخرج بخروجه جماعة من أهل بلده على عزم السفر لزيارة الشيخ المذكور. فقال الفقيه ناجي ينبغي أن تجعلوا لكم رأساً تمتثلون قوله وتقبلون أمره ولا تخالفونه فإنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا له يا فقيه أنت أولى من يلي فقال قد رضيتم قالوا نعم فتوثق منهم. وساروا من قريتهم المعروفة بسند من نواحي دلال فوصلوا الجند وصلوا في الجامع بها ثم خرجوا يريدون زيارة مسجد صرب المشهور هنالك وهو خارج عن المدينة فلقيهم فقير فطلب منهم شيئاً فقال الفقيه للذي يحمل زادهم أعط هذا درهماً فأعطاه فرضي بذلك بعضهم ولم يرضَ آخرون ففهم الفقيه ذلك منهم فلما رجعوا إلى المسجد وصلوا فيه العصر جاءَهم فقير عليه مدرعة صوف وصافحهم ثم صافح الفقيه وقبل يده ونزل فيها عشرة دراهم فالتفت الفقيه إلى أصحابه وقال هذه حسنتكم قد عجت لكم لما تغيرت نياتكم. ثم سلم الفقيه الدراهم إلى

ص: 57

صاحب الزاد فعلموا أن الفقيه قد اطلع على ضمائرهم فاستغفروا الله تعالى عن ذلك وسألوا الفقيه التجاوز عنهم. ومن غريب ما جرى له أنه قرب يوماً طعاماً لأصحاب له ليأكلوا فجاءَهم هر فجعل يتدعك بأرجل الجماعة فضربه بسواك كان عنده فوثب الهر عنهم وقال أنا أبو الربيع فتبسم الفقيه وقال ولا تنفذ علي فما عرفت أن اسمك سليمان. توفي بين المدينتين في قاع البزواءِ ليس له تاريخ محقق. وفيها توفي الفقيه العالم أبو العباس أحمد بن الفقيه مقبل بن عثمان بن مقبل بن عثمان بن أسعد العلبي بضم العين وفتح اللام نسبة إلى جد له اسمه علبة. وكان ميلاده بذي اشرق سنة ست وخمسين وخمسمائة ثم انتقل إلى موضع يسمى عَرَج بفتح العين والراء المهملتين وبعدهما جيم. وهو أول من سكن قريته وكان تفقه بالإمام سيف السنة وبالفقيه زيد بن عبد الله الزبراني وغيرهما. وكان حافظاً محققاً فقهياً مدققاً صنف كتاباً يسمى الجامع يدل على جودة علمه وكتاباً في أصول الفقه سماه الإيضاح وله شرح المشكل في غريب اللمع. وهو أحد الفقهاء الذين كثرت ذراريهم وانتفع الناس بهم وعنه أخذ عمر بن الحداد والسكيل وابناه محمد وأبو بكر وامتحن بقضاء عدن وعاد

إلى بلده فتوفي بها في شعبان من السنة المذكورة والله اعلم.

وفي سنة 631 جهز السلطان نور الدين خزانة عظيمة إلى الشريف راجح بن قتادة وعسكراً جراراً. فنهض الشريف راجح في العسكر المنصوري واخرجوا العسكر المصريَّ من مكة. وفيها أَرسل السلطان نور الدين هدية عظيمة إلى الخليفة ببغداد. وكان الخليفة يومئذ المستنصر بن الظاهر العباسي وهو والد المستعصم بالله. وطلب تشريفة السلطنة. وكان التقليد بالنيابة كما جرت عوائد الملوك. فعاد الجواب بأن التشريفة تصلك إلى عرفة. فخرج من اليمن يريد الحج. فحج على النجب حجة هنيئة. وهرب منهُ الشريف راجح بن قتادة ولم يحج معهُ. فضاق صدره. فلما قضى نسكه ورجع إلى اليمن رجع الشريف إلى مكة.

ص: 58

وكان الخليفة قد أرسل بالتشريفة والتقليد إليه صحبة الحاج من العراق فبلغ حاجُّ العراق إلى نصف الطريق فقطعت العرب عليهم الطريق ودفنوا المناهل: فإعتاق الحاجُّ في الطريق إلى أن فاتهم الحجُّ فرجعوا إلى بغداد: ولم يصل منهم في ذلك العام أحدُ.

وفي سنة 632 وصلت كسوة الكعبة من بغداد: ومعها رسولُ من الخليفة المستنصر إلى السلطان نور الدين: فعلق الكسوة ودخل اليمن إلى السلطان نور الدين: واعلمه أن التشريفة والتقليد يصلانه في البحر على طريق البصرة: فوصلت التشريفة ووصل التقليد بالنيابة في السنة المذكورة: وكان رسول الخليفة إلى السلطان نور الدين بالتشريفة والتقليد رجل يسمى معالي وكان السلطان نور الدين يومئذ في الجند: فارتقى الرسول على المنبر وقال: يا نور الدين أن العزيز يقرئك السلام ويقول: قد تصدقت عليك باليمن ووليتك إياه. والبسهُ الخلعة الشريفة الخليفية على المنبر.

وفي هذه السنة " 632 " أرسل السلطان نور الدين إلى مكة المشرَّفة بقناديل من ذهب وفضة للكعبة المعظمة. وأرسل بخزانة كبيرة على يد ابن البصري إلى الشريف راجح بن قتادة وأمر باستخدام الخيل والرجل واعلم أن عسكراً واصلاً من مصر إلى مكة. فلما وصل ابن البصري مكة وعلَّق القناديل وصلَ العسكر المصريُّ إلى مكة قبل أن يستخدم الشريف أحداً فخرج الشريف راجح وابن البصري إلى اليمن. وكان العسكر البصري خمسمائة فارس فيه إمارة. يقال لأحدهم وحد السبعُ. والثاني البندقي. والثالث ابن أبي زكريٍّ. والرَّابع ابن برطاس. والخامس المقدَّم الكبير وهو أمير يقال له جبرائيل. فدخلوا مكة وأقاموا بها. وفي سنة 633 جهز السلطان نور الدين عسكراً من اليمن وقدم عليهم الأمير شهاب الدين بن عيدان. وبعث بخزانة إلى الشريف راجح بن قتادة وأمره أن يستخدم العسكر ففعل. فلما صاروا قريباً من مكة خرج إليهم العسكر المصري فالتقوا في موضع يقال له الخريفين بين مكة والسرين فانهزمت العرب واسر الأمير شهاب الدين

ص: 59

بن عيدان فقيَّده الأمير جبرائيل وأرسل به إلى مصر.

وفي هذه السنة توفي الفقيه أحمد بن الفقيه إبراهيم بن أبي عمران وكان ميلاده يوم الخميس السابع عشر من شهر شعبان من سنة سبع وخمسين وخمسمائة وكان ثقته بالإمام سيف السنة.

ويروى أنه لزم مجلسه إحدى عشرة سنة. وأنه أقام في جامع اب لم يخرج منهُ إلا في قُبران صاحبٍ يعز عليهِ. وبعد ذلك كان يختلف إلى بلدهِ في قليل من الأوقات. فاخذ عن سيف السنة الفقه. والنحو. واللغة. والحديث. والأصول. وحاكاه في أموره كلها حتى في الخط ومات وهو ابن تسع وعشرين سنة. فقال في ذلك شعراً.

ولما مضت تسع وعشرون حجةً

من العمر غرتني وغرت إلى الصبا

وأنذرني شيبي بحتفي معجلاً

فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحبا

وسمعاً لداعي الحق منك وطاعةً

وإن كنت بطالاً وإن كنت مذنبا

وهي أطول مما ذكرت ونسخ بيده كتباً كثيرة. وكتب على كل منها أبياتاً من قوله يقول فيها

وقف خرام وحبس دائم الأبد

بتأَرجاءَ ثواب الواحد الصمد

على الحنابلة المشهور مذهبهم

من آل بيت أبي عمران ذي الرشد

لاحظ فيهِ لبدعي يخالفني

أو كان معتقداً صدًّا لمعتقد

وكان السلطان نور الدين يحبه ويعتقده. ولما بنا مدرسته التي بدرجة المعزية المعروفة بالوزيرية لم يزل يتلطف به ويرسل إليه حتى نزل من بلده وقعد في المدرسة ودرس بها. ثم قال له السلطان نور الدين رحمة الله عليه أني احب أن اقرأَ عليك وترد لي في كل يوم إلى المدرسة يشق علي وعليك وعلى الناس. فإن رأيت أن يأْتيك الركبدار في يوم ببغلة تركبها وتطلع إلينا الحصن فاقرأْ عليك في خلوة

ص: 60

فافعل. فاستعفاه من ركوب البغلة. وقال أنا اطلع كل يوم بدرسيّ من أصحابي يؤنسني. فكان يطلع الحصن كل يوم ويطلع معه درسي من أصحابه. فإذا وصل إلى باب السادة وقف الدرسي ويدخل الفقيه من غير إذن. فيقرأُ عليه السلطان ما شاء الله. ثم يخرج الفقيه. فكان هذا دأْبه. وكان السلطان رحمه الله إذا أراد أن ينزل من الحصن يأمر من يسبقه إلى الفقيه يساَل منه أن يقف له على باب المدرسة. فإذا قابل السلطان ذلك الموضع طرح السلام. ثم رفع يده يشير إلى الفقيه أن يدعو فيفهم الفقيه الإشارة فيدعو والسلطان واقف رافع يده. فإذا مسح الفقيه وجهه مسح السلطان وجهه. ثم يتقدم السلطان حيث يريد. ولما دنت وفاته انتقل إلى بلده فتوفي بها عند طلوع الفجر من يوم الجمعة لليلة أو ليلتين من المحرم أول السنة المذكورة. وكان آخر ما فهم من كلامه لا اله إلَاّ الله ولله الحمد وكان يقول من زمن متقدم. يوم الجمعة وليلتها عليَّ تعتليان. ولعل موتي فيهما. وممن أخذ عنه القاضي محمد بن علي وسيأتي ذكره أن شاء الله تعالى. قال الجندي ومن أحسن ما رأيته معلقاً بخطه ما كتبه عقيب سماع البخاري إذ كتبه لقوم أجازهم

فيا سامعاً ليس السماع بنافع

إذا أنت لم تعمل بما أنت سامع

إذا كنت في الدنيا عن الخير زاهداً

فما أنت في يوم القيمة صانع

وفيها توفي الفقيه الصالح عثمان بن محمد بن الفقيه فضل بن أَسعد بن حمير بن جعفر المليكي الحميري وكان فقيهاً فاضلاً صالحاً عالماً متأدباً له محفوظات جيدة. وبديهة حسنة وكان حاضر الجواب. يحسن الإيراد نظماً ونثراً. توفي يوم الأحد لثلاث بقين من رمضان من السنة المذكورة. وكان ميلاده آخر نهار الجمعة سلخ شهر المحرم من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة والله اعلم.

وفيها توفي القاضي أبو الحسن. علي بن عمر بن محمد بن علي بن أبي القسم الحميري. وكان ميلاده سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وأمتحن بقضاءِ إب فكان ذا سيرة مرضية. وكان زاهداً ورعاً ولو لم يكن من ورعه إلَاّ امتناعه من قبض الرزق

ص: 61

على القضاء في مدينة إب لكفى. ولما حضرته الوفاة أوصى ابنه الأكبر أن لا يتولى القضاء. وأوصى أهله ومن حضره بتقوى الله ولم يزل على القضاء المرضي إلى أن توفي ليلة السبت لست خلون من جمادى الأولى من السنة المذكورة والله اعلم.

وفي سنة 634 تسلم السلطان نور الدين حصون حجة والمخلافة ومخلافيهما وكان السبب أن الأمير تاج الدين محمد بن الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة نزل إلى السلطان نور الدين فأَكرمه وانصفه وأقطعه المحلاف فطلع إلى بلاده مسروراً فسوَّلت له نفسه أخذ حصن كوكبان فعامل فيه ودخله أصحابه ولم يبق من أخذه شيء وكان في الحصن رتبة جيدة من الخيل والرَّجل وكان من عادتهم في كوكبان أن تركوا عشراً من الخيل لابسة وخمسين راجلاً بسلاحهم استمراراً على الأبد. فلما طلع أصحاب الشريف خرجت عليهم الرتبة من الخيل ومن معها من الرجل فقتلوا منهم جماعة وطرح أكثرهم نفسه إلى الحيد تردياً.

وكان الأمير يحيى بن حمرة قد عمر حصن منابر. وهو في بلاد السلطان مما يلي تهامة يطل على المحالب والمهجم. فلما علم السلطان بما فعل الشريف وولده محمد بن يحيى غضب من ذلك غضباً شديداً. وكان مع السلطان يومئذ الأمير محمد بن حاتم العباسيُّ صاحب حصن عزان المصانع. وكان عزيزاً كريماً عند السلطان. فلما رأى اهتمام السلطان بأخذ حصن منابر. قال للسلطان. أنا أعطيك حصن عزان وأنا أعلم أن الشريف يحيى بن حمزة يرغب إليه. وسلم حصن منابر. فقال السلطان وأنا أزيده عشرة آلاف دينار. فأرسل السلطان وزيره وهو الشيخ ناجي بن أسعد إلى الشريف يحيى بن حمزة وعرض عليه ذلك فلم يقبل وقال قد صرت شريكاً لكم في المهجم.

فعاد الوزير بغير شيءٍ. فاشتد غضب السلطان لذلك وكتب إلى الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة متمثلاً بقول الأول

ص: 62

إذا لم يكن إلَاّ الأسنَّةُ مركباً

فلا رأيَ للمضْطرِ إلا ركوبها

وكان الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام مُتغيّر الخاطر من عمه الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة في نقضه الذمم والصلح الذي جرى في ذمرْمرَ ولم يمكنهُ التخلي من عمه. فخرج السلطان من محروسه زبيدٍ وقدمَّ تجاههُ الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زكريّ ولقيه المشائخ بنو بطين وغيرُهم واستخدم السلطان العساكر وأنفق الخزائن وأَتلف الأموال. فكانت الأكياس تصبُّ بين يديه صبا كما يُصبُّ أعدالُ الطعام: وسار نحو حجَّة والمِخلَافة في ستين ألف راجل فاستولى على حجة والمخلافة ومخلافيهما في يوم واحد اتفاقاً لم يتفق لأحد قبلهُ ولا بعدهُ. وأنتجت هذه الفعلات على يحيى بن حمزة أخذ السلطان نور الدين جميعَ ما قد كان صالحهم عليه من البلاد العليا. وهي البونُ والإسناد والحسبُ والحاردُ ومطرة. ولما رجع السلطان من سفره المذكور مؤَيداً منصوراً وصل إليه الأمير جعفر بن أبي هاشم والشيخ حسام الدين حاتم بن علي الجنديُّ من جهة الأشراف فأًصلحوهُ على البلاد التي قد استفتحها لا معارض له فيها. وعاد إلى تهامة. وكان السلطان نور الدين عند مسيرتهِ إلى حجة ومخلافة قد أمر الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بالخروج لمنع الأمير شمس الدين أحمد بن عبد الله بن حمزة أن أراد نُصرَة عمه. فخرج الأمير أسد الدين فحط بالجناب. وكان الأمير شمس الدين بالطرف وكان يومُ قارن وهو من مشاهير الأيام العظام.

ولما رجع السلطان نور الدين من غزوتهِ إلى المخلافة قال الأَديبُ جمال الدين محمد بن حميرَ:

هنئت بالنصر لما جئت في لجبٍ

مظللاً بالرُّدَينيات والقصبِ

ومرحباً يا رسوليَّ الملوكِ وإن

غاب السّما كان والجوزاءُ لم تغبِ

ص: 63

غزَوت مُبينَ إذ هاجت شقاشقها

وفي الرُّتَيْنيّ ألفافُ من العرب

فاليوم قَلْحَاحُ لا يَرْغُوا بها جملُ

والذئبُ لو نَطَحتَهُ الشاة لم يثِبِ

وهي قصيدة طويلة ثم أن الأمير عماد الدين يحيى بن حمزة وأولادهُ اعترفوا بالخطأ واعتذروا إلى مولانا السلطان نور الدين فأّعادَ عليهم حجة والمخلافة وحصونهما. وهكذا شيم الملوك يأخذون قهراً ويعيدون عفواً: وفي سنة 635 خرج السلطان نفسه قاصداً مكة المشرفة في ألف فارس وأَطلق لكل جندي يصل إليه من أهل مصر المقيمين في مكة ألف دينار وحصاناً وكسوة. ومال إليهِ كثير من الجند. ثم أَمر الشريف راجح بن قتادة فواجههُ في أثناءِ الطريق. فحمل إليهِ النقارات والكوسات. واستخدم من أصحابه ثلاثمائة فارس. وكان يسايرهُ على الساحل. ثم تقدم إلى مكة: لما تحقق الأمير جبرائيل وصول الملك المنصور بنفسه وأته عيونهً بصحة ذلك وقاربهُ الشريف راجحُ أحرق ما كان معهُ من الحوائج خانة والفرشخانة والأَثقال وتقدَّم نحو الديار المصرية. وكان السلطان يومئذ في السّرِّين. فلم يشعر حتى جاءَهُ نجَّاب من الشريفق: فقال البشارة يا من لا يهزمهُ الأمير جبرائيل وأصحابهُ: فقال له السلطان: من أين جئت فقال: من مكة. قال: ومتى خرجت قال: أمس العصر. فاستبعد السلطان ذلك فقال: ما أَمارة ذلك. فقال هذا الكتاب من الشريف راجح. فعجب السلطان أّشد العجب من مسيرهِ وأَمر المراءَ المماليك أن يرموا ما عليهم على البشير. فأَلقوا عليهِ من ذلك ما أَثقلهُ. وسار السلطان من فوره إلى مكة ودخلها معتمراً في سنة رجب 635.

قال صاحب العقد. اخبرني من أثق به أن مولانا أسلطان نور الدين دخل مكة معتمراً ثمان سنين. وكل ذلك في غير أيام الحج.

ولما صل الأمير جبرئي إلى المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لقيه الخبر بوفاة السلطان الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب صاحب الديار

ص: 64

المصرية. فندم كل من مكان معه من العسكر لما لم يميلوا إلى الملك المنصور وكان الأمير جبرائيل أشجع أُمراءِ مصر. ولما دخل السلطان نور الدين مكة أَنفق على عساكره وتصدق بأَموال جزيلة. وجعل رتبة في مكة مائة وخمسين فارساً. وجعل عليهم ابن الوليديّ وابن التعزّي. فأقاموا في مكة. وفي هذه الوقعةِ يقول الأديب جملا الدين محمدُ بن عمير رحمة الله عليه:

ما ضرَّ جيران نجد حيثما بعدوا

لو أنهم وجدوا لي مثل ما أجدُ

ومن أَباح لأَهل الدمنتين دمي

ما فيه لا ديةُ منهم ولا قَودُ

وفيها يقول

قل للعصائد حثي واذملي وخذي

مثل النجائب في القفر الذي أخدُ

قصي الحديث عن المنصور ما فعلت

جنوده وعن القوم الذي حسدوا

لقيهم بجنود لا عديد لها

وهم كذاك جنودُ مالها عددُ

فزلزل الرعب أيديهم وأرجاءَهم

حتى السماء رأَوها غير ما عهدوا

ولَّوا وكان الذي يلقى بهم أَسداً

فعاد ثعلب قفر ذلك الأَسدُ

ومن يلوم أميراً فرَّ من ملك

لا ذا كذاك ولا كالخنصر العضدُ

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح محمد عمر بن موسى بن عبد الله الجبرتي بلداً القرشي نسباً. وكان فقيهاً كبير القدر شهير الذكر عالماً عاملاً. أخذ عن جماعة في مواضع شتى. وكان أخذه بعدن عن الفقيه إبراهيم العريطي ثم لما طلع الجبال أخذ عن جماعة. منهم عبد الله بن عبد الرحمن الرهي وغيره وكان صاحب كرامات ومكاشفات. درس في مسجد السنة مدة طويلة. فتفقه به جماعة من الأكابر ومن الأصاغر. ومن جملة من أخذ عنه من المشاهير عمر بن سعيد العقيبي وغيره. ولا يعرف له شيخ غيره في الفقه خاصة.

وحكى بعض تلامذته. قال كنت أتولى خدمة الفقيه محمد بن عمر فخرجنا معه يوماً إلى الغيل لا غسل له ثيابه بحضرة. فبينا أنا وهو كذلك إذ اقبل فقيه من أهل

ص: 65

المشرق يقال له الخضر وهو يمشي حافياً ونعله في يده. فلما رآه الفقيه تبسم. وقال لي يا فقيه هذا فلان قد جاءَ يريد السلام عليَّ. قلت فما حمله على المشي حافياً. قال كراهة أن يطأَ على ما بناه فخر الدين بن رسول. وعن قريب يبني بنو رسول محلة ويقعد فيها مدرساً. ثم وصل الفقيه الخضر المذكور إلى عند الفقيه محمد بن عمر المذكور. وتسالما مسالمة مرضية. ثم تباحثا ساعة في بعض مسائل الفقه. ثم توادعا وعاد الخضر في طريقه التي جاء منها. ثم لم تظل المدة حتى بنا بنو رسول المدارس وطلبوا الفقيه الخضر ورتبوه مدرساً في المدرسة الرائية. ثم أن الفقيه محمد ابن عمر انتقل من جبلة إلى قرية من مسشار الجند. يقال لها الحمراء. فأقام فيها مدة ثم انتقل إلى وادي عميدة فسكن في قرية يقال لها الطفر. وكان كثير الاجتماع بابن ناصر والفقيه حسين العدبني. والإقامة معهما بقرية الذنبتين. فتوفي بها في السنة المذكورة. وحضر الفقيه عمر بن سعيد دفنه في جماعة من أصحابه رحمة الله تعالى.

وفي سنة 636 رجع السلطان نور الدين من مكة إلى اليمن وأقام ابن الوليديّ وابن التعزيّ في مكة كما ذكرنا حتى انقضت السنة المذكورة والله اعلم: وفي سنة 637 وصل الأمير سنجه صاحب المدينة إلى مكة المشرفة في ألف فارس. وخرج عسكر السلطان نور الدين من مكة وأَخلوها له. وفي هذه السنة تسلم السلطان نور الدين حصن الكميم وطلعٍ صنعاء مرةً ثانية. فأَتاه خبر قتل الأمير نجم الدين أحمد بن أبي زكريٍ. وأَتاه الخبر بهزيمة العسكر من مكة.

قال صاحب العقد الثمين. حدثني من أثق به ممن شاهد الحال قال ما رأيت اربط جأشاً ولا أطلق وجهاً من السلطان نور الدين وقد اقبل إليه العسكران مغلوبين مهزومين فلم يتلعثم ولم يتوقف في خبر كسرهم وإصلاح أُمورهم بالخيل والعدد والملابس والنفقات حتى عادوا احسن حالاً واجمل قشرة مما كانوا عليه.

ثم أن السلطان نور الدين رحمة الله عليه جهز ابن البصري والشريف راجح إلى مكة في عسكر جرَّارٍ. فلما سمع بهم الشريف سنجة وأصحابه خرجوا من مكة هاربين. فتقدم سنجة إلى مصر. وكان سلطانها يومئذ الملك الصالح نجم الدين

ص: 66

أيوب بن الملك الكامل. فجهز مع عسكراً فيهم علم الدين الكبير وعلم الدين الصغير.

وفي سنة 638 وصلت العساكر المصرية إلى مكة المشرفة فأَخذوها وحجوا بالناس.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصالح أبو محمد بن راشد بن سالم ابن راشد بن حسن. وكان فقيهاً كبيراً وإماماً جليلاً. تفقه بمحمد بن أحمد بن حديل بسهفنة. ودرس بالمصنعة مدة. فتفقه به خلق كثير منهم القاضي بهاءُ الدين محمد بن سعيد واخوته وابن عمهم قاضي القضاة محمد بن أبي بكر. وعنه أخذ الخطيب علي بن عمر العبيدي وأبو بكر بن ناصر. وكان وفاته في سلخ جمادى الأولى من السنة المذكورة. وتوفي الفقيه الصالح الفاضل عبد الله بن أحمد بن أبي القسم بن أحمد بن اسعد الخطابي. وكان فقيهاً ماهراً معاصراً لعلي بن الحسن الأصابي. وتفقه بمحمد بن مضمون ومحمد ابن أحمد بن حديل. وامتحن بقضاء السَّحُول والمسترق ووحاضة. وكان يسكن قرية الجعامي التي كان يسكنها الإمام زيد الغايشي. لأنه تزوج في ذريته ثم صار إلى هدافة. وتزوج في ذرية الهيثم أهل الجحفة واصله من عرب يقال لهم بنو خطاب بحاءٍ معجمة يسكنون حارة القحمة. وكان وفاته بهدافة في القرية المذكورة. وتوفي الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن إسماعيل المازني. وكان رجلاً مباركاً فقهياً ذاكراً للفقه له مروءَة. وأصل بلده ذي أشرق. وتفقه بالقاضي مسعود. وتزوج بابنته في حياته فكان أولاده منها. وقيل للقاضي مسعود كيف تزوج المازني وهو رجل فقير. فقال أرجو ببركة العلم أن يكون كافياً لي ولأولادي فكان كما قال. وكان يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وكان مدرساً بالمسجد الذي بناه الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول. على تربة والده الأمير شمس الدين بقرية عكار.

ص: 67

ويرى أنه صلى يوم الجمعة بذي جبلة. ثم خرج من الجامع يريد بيته. وكان يسكن بذي بجدان مواضع من موقف المسجد المذكور. فلما صار في الطريق لقيه رجل راكب على بغلة حسنة ومعه عدة غلمانٍ. فظنه وزيراً أو قاضياً أو بعض الكبراء من غلمان الدولة. وكان السلطان نور الدين يومئذ في قصر عومان. فسأَل الفقيه عن صاحب البغلة حين قابله فقيل له هذا طبيبُ يهوديَُ يخدم السلطان في هذه الوظيفة. فانقضّ عليه الفقيه واجتذبه من البغلة التي هو عليها وألقاه على الأرض وخلع نعله وضربه به ضرباً موجعاً شديداً وجعل يقول. يا عدوَّ الله وعدو رسوله لقد تعديت طورك وخرجت عن واجب الشرع فينبغي إهانتك. ثم تركه وقد بلغ منه مبلغاً. فقام اليهوديُّ ورجع إلى باب السلطان وهو يستغيث وقد قلت عمامته. فقيل له من خصمك. فقال الفقيه محمد الماربي. فأرسل مولانا السلطان نور الدين رحمة الله عليه رسولاً يسأله عن القصة. فلما جاء الرَّسولُ قال له الفقيه سلم على مولانا السلطان وعرفه أنه لا يحل له أن يترك اليهود يركبون البغال بالسروج ولا يحلُّ لهم أن يترأَسوا على المسلمين ومتى فعلوا هذا فقد خرجوا عن ذمة الإسلام عليهم. فرجع الرسول بالجواب إلى السلطان عن الفقيه والسبب. فلما سمع السلطان ذلك قال لليهوديّ. تقدَّم مع الرسول إلى الفقيه ليعرفك ما يجب عليك من الشرع فتفعله. ثم قال للرسول. قل للفقيه يسلم عليك السلطان ويجب أن تعرف هذا اليهودي ما يجب عليه في الشرع ومتى جاوزه فقد برئ من الذمة. فقال له الفقيه يجب عليك كذا وكذا ولا تفعل إلا ما هو كذا وكذا ومتى تعديت وجب عليك النكال وحل دمك. فانصرف اليهوديُّ ورجع الرسول إلى السلطان فأَخبره بما كان من الأمر. فقال له: إياك أن تتعدى ما أمرك به الفقيه فتقتل ولا ينفعك أحد فإن هذا حكم الله وشرع رسوله صلى الله عليه وسلم. فانصرف اليهودي إلى منزله. ولم يزل الفقيه على التدريس في المسجد المذكور إلى أن توفي في سنة 638.

وفي سنة 639 استولى السلطان نور الدين على حصنت يُميَن والشواهد

ص: 68

وقتل عمار بن الشيبانيّ. وكان عمار مطيعاً ممتنعاً على حصونه. فوفد إليه الأديب محمد بن حمير الشاعر المشهور. فأَقام على باب داره ساعة من نهار فلم يأذن له فكتب إليه رقعة يقول فيها:

يا البابٍ أصلحك الله أمرُْ لسن

أَمضه السير والإدلاج والسهر

وافى إلى أرض خولان فصادفها

مثل القتادة لا ظل ولا ثمر

فلما وقف على رقعته وقع على ظهره كتاباً يقول:

بل كالغمامة فيها الظل والثمر

ثم أذن له فأكرمه وأنصفه وأقام عنده أياماً ثم انصرف عنه فلقيه جماعة من عبيد عمار فنبهوه وأخذوا ما معه. فاتهم عماراً ووقع في خاطره أنه الذي أمرهم بذلك. ثم قدم على السلطان نور الدين فانشده في مجلس الشراب.

ما شاق قلبي أَمراجُ وأَكواد

ولا شجتني أَعلامُ وآثارُ

ولا أُسائلُ أَهل النجد أن نجدوا

ولا أُسائلُ أهل الغوْر أن غادروا

قد يزأر الذئب إذ لا حولهُ أَسدُ

ويصهل العيرُ أن لم يلق خطارُ

سررت باليمن الخضراء حين صفت

لابن الرسول فما من تلك أَكدارُ

وكان فيها عطاريدُ زعانفة

فما بقي من بني البظراء ديَّارُ

لكن بقي فردُ ثؤلولٍ تعاب بهِ

والنار تسهل مركوباً ولا العارُ

أن قلتُ لم يبق سلطان سوى عَمر

قالوا بلى وبقي السلطان عمارُ

أو قلت لا قصرَ إلا قصرُ دُملؤَه

قالوا براشُ يُمين القصرُ والدارُ

أو قلت ما أحسنَ المعشارَ من جؤة

قالوا وليس إلى ذبحان معشارُ

فخذ يمنياً ولا تقبل معاذره

فالكلب حيث خلا بالعظم جبارُ

لم يتفق قط سلطانان في بلد

هل يدخل الغمد بتَّارُ وبتارُ

ص: 69

ما غبت إلا رمي بالعين دملؤَة

وظل ينشد والأقداحُ دوَّارُ

وابن المحليّ يميثهُ بملحمة

كلاهما اتفقا طبل ومزمارُ

مولاي لا تحتقرهُ فابن ملجم قد

عدى بحيدر والدَّار غدَّارُ

بئس الخبيئة تحت الفرش قمَّلةُ

والسدُّ شرُّ كمين تحته الفارُ

وفي هذه السنة جهز السلطان نور الدين جيشاً كثيفاً إلى مكة المشرفة مع الشريف عليّ بن قتادة. فلما علم العسكر الذي في مكة من المصريين كتبوا إلى صاحب مصر طلبوا منه مادة. فأرسل إليهم بالأمير مبارز الدين عليّ بن الحسين بن برطاس وابن التركماني ومعهم مائة وخمسون فارساً. فلما علم الشريف عليُّ بن قتادة بوصولهم أَقام بالسرّين وأَرسل إلى السلطان نور الدين يعرفه صورة الحال فتجهز السلطان نور الدين بنفسه إلى مكة في عسكر جرار وخزانة جيدة وعزم شديد فلما علم أهل مصر بقدومه ولوا هاربين وأَخرجوا دار المملكة بمكة على ما فيها من عُدة وسلاح. فدخل السلطان نور الدين مكة وصام بها شهر رمضان من السنة 639 المذكورة. ووصل الأمير مبارز الدين عليُّ بن الحسين في عدة من بني عمه وأصحابه راغبين في خدمة السلطان. فأَنعم السلطان نور الدين عليهم وكساهم جمعاً. وأرسل السلطان نور الدين إلى الشريف صاحب ينبع. فلما أَتاه أكرمه وأَنعم عليه واستخدمه واشترى قلعة ينبع وأَمر بخرابها حتى لا يبقى قرار للمصريين. وأَبطل السلطان نور الدين عن مكة سائر المكوسات والجبايات والمظالم وكتب بذلك مربعة وجعلت قبالة الحجر الأسود ورتب في مكة الأمير فخر الدين السلَاّخ وابن فيروز وجعل الشريف أبا سعد بالوادي.

وفي سنة 640 توجه السلطان نور الدين من مكة إلى اليمن. وفيها مات الخليفة المستنصر وتولى الخلافة بعده ولده المستعصم بالله أمير المؤمنين أبو أحمد. وهو الذي يدعى له سائر المنابر إلى وقتنا هذا من سنة ثمان وتسعين وسبعمائة. وفيها وصل حجاج العراق إلى مكة وكان قد انقطع حاج العراق عن مكة سبع سنين فلما يحجج

ص: 70

فيها أحد من العراق من سنة اثنين وثلاثين إلى سنة أربعين. فلما وصل أمير الحاج العراقي إلى مكة كسى البيت وجعل الذهب والفضة على البيت وتصدق بصدقة كبيرة في مكة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه العلامة الإمام أبو الحسن علي بن قاسم بن العليف بن هيس بن سليمان بن عمرو بن نافع الحلمي الشراحيلي. وكان إماماً كبيراً عالماً محققاً مدققاً. وبه تفقه غالب فقهاء عصره من غالب نواحي اليمن. وله مصنفات مفيدة منها كتاب الدرر في الفرائض. وله مختصر سماه الدرر. بين فيه بعض مشكلات التنبيه سيرها إلى بغداد صحبة الإمام رضي الدين الصغاني. وأجاب عنها جماعة من علماء بغداد. وأجاب عنه أيضاً محمد بن يوسف الشويري. وأجاب عنها هو أيضاً. فكان جوابه أرضى الأجوبة كلها. واصله من حكماء حرض وقدم زبيد بعد أن تفقه على الفقيه إبراهيم بن زكريا. ثم لما قدم زبيد أخذ عن الفقيه عباس ابن محمد. ثم طلع الجبال فقصد ذي أشرق. فأدرك القاضي مسعوداً وأخذ عنه. ومن أعيان أصحابه بزبيد محمد بن الخطاب وعمر بن عاصم وإبراهيم ابن القلقل وعبد الرحمن بن المبارك السجيلي وعمر بن مسعود الابنان وحسن الشرعبي وعبد بن أحمد من السهولة. قال الجندي: ولقد أخبرني الثقة أنه خرج في درسه ستون مدرساً. وكان يحفظ التنبيه ولا يزال حاملاً له. ومقبلاً عليه. فقيل له أنت تحفظه فلم تحمله. فقال احتج به على أهل المراء. وكان راتبه في كل يوم سبعاً من القرآن أخذ ذلك عن شيخه إبراهيم بن زكريا. وكان ذا ورع شديد. لوزم على قضاء زبيد. ولزوم على التدريس فامتنع. ورسم عليه أياماً فلم يجب إلى ذلك. وكان فقيراً يعدم ما يقتاته وفضله أكثر من أن يحصى. وكانت وفاته يوم الخامس من شهر رمضان من السنة المذكورة بزبيد. وقبره في

ص: 71

الناحية الشرقية من مقبرة باب سهام. معروف مشهور وبتبرك عنده. ولما توفي في التاريخ المذكور خلفه ابنه أحمد. وكان فقيهاً مبرزا فرأس ودرس إلى أن توفي يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر من سنة أربع وستين وستمائة. ومن تلامذته إبراهيم بن علي القلقل بقافين مكسورتين بينهما لام ساكنة. وكان فقيهاً محققاً جليل القدر وله فتاوى تدل على فقهه وسعة عمله. لوزم على تدريس المنصورية بزبيد. فامتنع فرسم عليه. فأقام في ارسم أياماً. وكان من اجل الفقهاء قدراً. واليه تنسب القرية المعروفة بجمل القلقل غربي مدينة زبيد قاله الجندي والله أعلم. وتوفي الفقيه العالم أبو محمد عبد الله بن زيد مهدي العريقي من العروق أيامه وهي قرية قريبة من حصن السدف؟ وهي بضم الهمزة وفتح الياء المثناة من تحت ثم ألف ثم ميم مفتوحة وآخره هاء كان فقيهاً دقيق النظر ثاقب الفطنة اتضح له في بعض المسائل ما لم يتضح لغيره. فلم يقلد فيها أمامه. فأنكر عليه علماء وقته إذ لم يطيقوا الإنكار على غيره ممن يقول بقوله كأحمد وداود وكانوا يعظمونه ويثنون عليه. وكان مشهوراً بالعلم والصلاح والأصول وكان جيد الفقه. توفي في السنة المذكورة في جامع الصردف متعكفاً. وكان كثير الاعكتاف به بعد خلو الصردف من الساكن. وفيها توفي الفقيه أبو سعيد محمد ابن أحمد بن مقيل الذي كان فقيهاً فاضلاً تفقه بابيه وهو أحد مدرسي المدرسة المنصورية بالجند. وتفقه به جماعة من أهلها وأعاد إلى بلده فتوفي بها في السنة المذكورة وقبر إلى جنب فبر أبيه والله أعلم. وفي سنة إحدى وأربعين تسلمك السلطان نور الدين جبل خفاش وهو من معاقل اليمن المشهورة في الجهلية والإسلام. وفيها توفي الفقيه الفاضل عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن زكريا في بداية الأمر ثم تلميذه وابن عمه محمد بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن زكريا. فلما توفي محمد بن يوسف خلفه في التدريس هو وأخوه عبد الله بن محمد بن إبراهيم. وكانت وفاة الفقيه عبد الرحمن في السنة

ص: 72

المذكورة. وتوفي ابن عمه محمد بن يوسف سنة خمس وعشرين وستمائة والله أعلم. وأما جده إبراهيم بن عبد الله بن محمد ابن زكريا. فكان فقيهاً عالماً محققاً مدققاً ورعاً زاهداً. تفقه بابيه عبد الله ابن محمد ثم بالظوري. وتفقه به جمع كثير من التهائم والجبال وهو أكثر الفقهاء المتأخرين أصحاباً حتى نقل الثقة عن الفقه إسماعيل بن محمد الحضرمي أنه قال لبني زكريا على غالب فقهاء اليمن منة او كما قال فإن غالب طرقهم في الكتب المسموعة عليهم. وانتشر عنه الفقه في اليمن انتشاراً متسعاً فمن أعيان تلامذة الفقه إبراهيم بن عبد الله المذكور موسى بن علي بن عجبل وعبد الله بن عجمان وعلي ابن قاسم الحلمي وعلي بن أبي قاسم

ومحمد بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن زكريا وغيرهم. وكان ورده في كل يوم سبعاً من القرآن واقتدى به في ذلك جمع كثير من أصحابه وكانت وفاته في سنة سبع وستمائة والله أعلم.

وفي سنة 642 تسلم السلطان نور الدين حصن سمُاة في بلاد خولان. وفي ذلك يقول التاج بن العطار المصري وكان شاعر الملك المنصور رحمة الله عليه

ما سماءُ الدنيا على ابن علي

ببعيد فكيف أرض سماؤه

ملكُ يومه لفتح مبين

في الأعادي وليله للتلاوه

واستولى على بلاد علوان الجخدريّ وطرده إلى بلاد الخولان الشامية. واستولى على جميع اليمن الأعلى والأسفل ما خلا ذمرمر وبيت ردم وثلا وتلمص وظفار وكهلان بن تاج الدين والطويلة.

وفي هذه السنة توفي الفقه الصالح عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن زكريا وكان فقيهاً ماهراً في التدريس وهو المشار إليه في العلم والفضل والزهد ولما توفي في التاريخ المذكور خلفه ابن عمه محمد بن عمر بن يحيى بن زكريا. وكان فقيهاً فاضلاً وخطيباً كاملاً ولي خطابة زبيد سنتين وتوفي فيها السنة المذكورة والله أعلم. وفي سنة ثلاث وربعين توفي الفقيه المقرئ أبو بكر بن اسعد بن حسين. وكان فقيهاً صالحاً مقرباً حسن الصوت بقراءة القرآن فبلغ السلطان نور الدين خبره فاستدعاه في شهر رمضان ليشفع به فشفع به ليلتين أو ثلاث ليال. ثم مرض فلما اشتد به المرض عاد إلى بلده فتوفي بها في السنة المذكورة والله أعلم. ثم مرض أربع وأربعين توفي الفقيه العالم الإمام الفاضل القاضي أبو الخطاب عمر بن أبي بكر بن عبد الله ابن قيس بن أبي القاسم بن أبي الأعز النحوي اليافعي المعروف بالهزاز. وكان فقيهاً

ص: 73

صالحاً وهو أحد القضاة المتورعين تفقه باه له اسمه عبد الله غاب عني تاريخه. ولما امتحن القاضي المذكور بقضاء تعز سار فيه السيرة المرضية. فكان إذا مات أحد وله أولاد صغار أمر من يجهزه ويقضي دينه فإذا فضل شيء من تركته أمر المؤذن أن يصيح على سطح جامع المعزية المشرف على السوق إلا أن فلان بن فلان توفي إلى رحمة الله تعالى. وخلف من المال كذا وكذا ومن العيال كذا وكذا ومن الدين كذا وكذا فقضي الدين وبقي العيال كذا وكذا فقدر لهم الحاكم في كل شهر كذا وكذا. ثم إذا انفق عليهم في كل شهر أمر المنادي ينادي إلا أن اليتيم فلان بن فلان قد صرف من ماله كذا وكذا. وكان الناس يعرفون أموال الأيتام ومع من هي وما تصرف منها في كل شهر وما بقي لكل يتيم. وهذا أمر لم يسبقه إليه أحد من القضاة ولا لحقه فيه أحد وأصابه في آخر عمره الفالج. فلذلك قيل له الهزاز ولم يزل على القضاء المرضي إلى أن توفي في تعز ليلة الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. وكان ميلاده لبضع وستين وخمسمائة. واصل بلده العقيرة. ولما توفي في التاريخ المذكور قبر عند حول مجير الدين عند مرتاع البقر في سوق مدينة تعز. وكان له أخ يسمى يوسف كان فقيهاً أيضاً توفي قبله بثمانية أيام. وأما مجير الدين فكان اسمه كافور التقي. وهو أحد خدام سيف الإسلام الملك العزيز طغتكين بن أيوب وكان يتعانى القراءة ومحبة أهلها وكان يحب العلماء ويحسن الظن بهم. وله اشتغال بطلب العلم الشريف وكان شيخاً في الحديث. وقد روي عنه جماعة من الفقهاء. وهو الذي ابتنى المدرسة المعروفة بالمجيرية في مدينة تعز هنالك تزار ويتبرك بالدعاء عنده. ولم اقف على تاريخ وفاته رحمه الله تعالى.

ص: 74

وفي سنة 645 استولى السلطان نور الدين على بلد العوادر وحصونهم. وبلغه عن الأمير أسد الدين بن أخيه أمور مستحسنة. فاستدعاه إلى جوَّة فاتاه. فلما صار أسد الدين في الجوَّة تخوف من عمه خوفاً شديداً فرجع هارباً. فلما بلغ السحول وجد الأمر قد شيع إلى الأمير ناجي صاحب السحول أن يمنع أسد الدين من طلوع النقيل فاشرف عليه ناجي من طاقة بيته وقال له: ارجع إلى عمك فلا سبيل لك إلى النقيل. وكان ناجي المذكور من نصحاء الدولة المنصورية فتحير الأمير أسد الدين وضاق ذرعاً وخشي من غائلة عمه. وكان الأمير أسد الدين يصحب الورد بن ناجي فطلبه وأعمله بما هو فيه من الأمر وأنه خائف من عمه فسلك به الورد بن ناجي طريق القفر ووصل به إلى ذمار من طريق وصاب. وكان دخوله ذمار في أول سنة ست وأربعين وستمائة.

وفي هذه السنة أعني سنة خمس وأربعين. توفي الفقيه الصالح يحيى بن فضل بن سعيد بن حمير بن جعفر بن أبي سالم المليكي. وكان مولده ليلة الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وكان يتفقه بابيه وغيره وفتح له في العلم فارتقى فيه إلى درجة عالية وحاز منه نصيباً وافراً حتى قال الفقيه عمر بن سعيد العقيبي من العلماء المبرزين توفي ليلة الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة. وتوفي الفقيه الإمام العالم أبو محمد علي بن عبد الله بن الفقيه بأخيه أحمد وبالفقيه إسماعيل الحضرمي. وأخذ عن ابن عمه يحيى بن عمر بن عثمان بن الفقيه محمد ابن حميد. وعن علي بن أبي بكر بن الفقيه محمد بن حميد وتفقه بن جماعة من أهل تعز وولي قضاء تعز. فكان ذا سيرة مرضية إلى أن توفي يوم الجمعة عيد الفطر من السنة المذكورة والله أعلم.

ص: 75

وفي سنة 646 قام الإمام أحمد بن الحسين القاسمي فأقامه الزيدية. وكان قيامه في ثُلا في نصف شهر صفر من السنة المذكورة. وبث الدعوة في جميع الأقطار. فأجابه خلق كثير من ناحية اليمن. وأمر بالمحطة على حصون المخلافة. وكان واليها يومئذ القاضي شهاب الدين عمارة بن علي الأصبهاني من قبل السلطان نور الدين. وكانت حصون المخلافة يومئذ بأيدي الشرفاء أولاد يحيى بن حمزة فلما قام الإمام أحمد بن الحسين راسله الأمير أسد الدين على نصرته والقيام معه. فأجابه إلى ذلك وأقام الفتنة على عمه. فاقتضى الحال طلوع السلطان نور الدين لحربهما وقتالهما. وكان لا يملُّ الحرب فتجهز وطلع إلى صنعاء. فلقيه ابن أخيه الأمير أسد الدين إلى ذمار. فاستعطمه واعتذر إليه فرضى عنه وسار بين يديه إلى صنعاء فدخلها يوم الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة. فأقام بها إلى يوم الأحد من شهر جمادى الأولى وخرج من صنعاء وحط تحت حصن كوكبان في موضع بقال له الهدادى. ثم طلع الضلع وحط في الرُّحام إلى خوشان. ويقسم المادة والتنفيس على حصون الخلافة. فحال دون ذلك السواد الأعظم من أهل المعازب. فعاد من الرحام إلى خوشان. وكان الإمام في ثلَاّ فكان القتال في العقاب تحت حصن ثلَاّ. وفي بعض الأيام يكون القتال تحت حصن من حصون المصانع. فوقعت بينهم حروب عظيمة. منها اليوم المعروف بيوم العقاب. قتل فيه من عسكر الإمام تسعون رجلاً بالنشاب. وكان أمير القتال يومئذ مبارز الدين علي بن الحسين بن برطاس. تولى القتال بعد ذلك الأمير أسد الدين. والسلطان في محطته بخوشان. ثم جهز عسكر إلى بلد بني شهاب. وكان مقدم العسكر الأمير عبد الله بن الحسن بن حمزة. فحط في حدَة وسباع وخالف معه بنو شهاب وبنو الراعي وأهل حضور فنهض السلطان نور الدين إلى بلد بني الراعي. وكانوا قد عَّمروا موضعاً يقال له حجر الجواد في جبل حضور فأخبره ورتب في جبل حضور عسكراً من الرجل. ومال إليه جماعة من بني الراعي. وذلك في شعبان من السنة 646 المذكورة. ثم سار إلى جهة بني شهاب فأتلف زروعهم. ووقع هنالك

ص: 76

حروب كثيرة ورجع السلطان إلى صنعاء فدخلها يوم الجمعة الثاني من شهر رمضان من السنة 646 المذكورة.

ثم جهز السلطان ابن أخيه أسد الدين إلى بلاد هذاذ في السابع والعشرين من شهر رمضان. فاستولى علي مصنعة بني خوَّال فقتلهم في شوال وقتل أهل علَاّنة في ذي القعدة واخرب ستارة في آخر ذي القعدة. وخرج العسكر المصوريُّ من صنعاء إلى عَتمان فقتلوا جماعة من أهل عتمان في ذي القعدة أيضاً. ورجع الأمير أسد الدين إلى صنعاءَ فأقام بها أياماً. وخرج السلطان نور الدين من صنعاءَ إلى بلد بني شهاب في اليوم التاسع والعشرين من ذي الحجة. فحط في الحقل غربي صنعاءَ وأمر العسكر فأخربوا زروع حدة وسباع ووقع هنالك.

وفي هذه السنة 646 المذكورة عزل السلطان نور الدين الأمير فخر الدين السلاخ عن مكة وأعمالها وأَمّر المسبب عوضه بعد أن أَلزم نفسه مالاً يؤديه من الحجاز بعد كفاية الجند وقود مائة فرس في كل سنة. فتقدم إلى مكة بمرسوم السلطان فدخلها وخرج عنها الأمير فخر الدين السلاخ فأقام ابن المسبب أميراً بمكة ست وأربعين والتي بعدها فغير في هذه المدة جميع الخير الذي وضعه السلطان نور الدين وأَعاد الجبايات والمكوس بمكة وقلع المربعة التي كانت للسلطان كتبها وجعلها على زمزم واستولى على الصدقة التي كانت تصل من اليمن وأخذ من المجد بن أبي القاسم المال الذي كان تحت يده لمولانا السلطان الملك المظفر وبني حصناً بنخلة يُسمى العطشان واستحلف هذيلاً لنفسه ومنع الجند النفقة فتفرقوا عنه ومكر مكراً فمكر الله به.

ولما تحقق الشريف أبو سعد منه الخلاف على السلطان وثب عليه وأخذ ما كان معه من خيل ومماليك وقيده وأحضر أعيان أهل الحرم وقال: ما لزمته إلا لتحققي خلافه على مولانا السلطان فعلمت أنه أراد أن يهرب بالمال الذي معه إلى العراق وأنا غلام مولانا السلطان والمال عندي محفوظ والخيل والعدد إلى أن يصل إليّ

ص: 77

مرسوم السلطان فيه. فوردت الأخبار بعد أيام يسيرة بوفاة السلطان.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الفاصل أبو العقيق أبو بكر بن محمد بن ناصر بن الحسين الحميري نسباً وكان فقيهاً زاهداً ورعاً متقللاً عن الدنيا لا يلبس إلا ما يغزله حريمه من العطب الذي يجلب من تهامة ويكره عطب اليمن. ويقول بلغني أنه قد اغتصبها الملوك. ثم متى كل أعطاه نساجا تحقق دينه وأمانته لئلا يخلطه بغيره. وكان له حول لا يأكل إلا منه لأنه ورثه من أهله. وكان لا يقصر ثيابه بل ما تقدم منها جعله عمامة. وما كان جديداً جعله رداءاً. وكان إذا اقبل المسجد بالذنبتين أنار المسجد. حتى أن الذي يطالع في الكتاب يجد النور على كتابه فيرفع رأسه ليرى سبب ذلك فما يرى إلا الفقيه قد دخل المسجد ومناقبه كثيرة. وكان تفقه بالحسن بن راشد المقدم ذكره. وأخذ عن أبي الحديد وابن خديل ومحمد ابن اسعد بن ظاهر بن يحيى وغيرهم. وتفقه به جماعة منهم منصور بن محمد الأصبحي عم الفقيه محمد الأصبحي وعبيد بن أحمد الهشامي. وعنه أخذ محمد ابن أحمد بن خديل ولد شيخه. وكان فقيهاً محققاً. وله شعر مستحسن ومن شعره قوله

الوطءُ في دبر الحلال محرم

ومخالف في خمسة أحكام

إذن وتعبين وحلّ مطلق

والفيء والإحصان في الإسلام

وكان في عصره رجل من الصوفية متعاني الرقص اسمه عطية يسكن قرية الباقر يقول أن النبي صلى الله عيه وسلم كان يرقص سمع الفقيه ذلك عنه شق علي فقال قصيدة في ذلك المعني منها قوله

نبئت أن بهاقراً ظهرت به

لعب الولايد معلما بزفير

حاشى لأحمدان يرى متلاعباً

وعطية في ذاك غير خبير

ويروى أنه أصبح يوماً في حلقة تدريسه فجاءَه بعض أصحابه فقال له رأيت في المنام كان فوق رأسك حمامات كثيرة متجمعات. وبينهن طائر له عليهن تمييز

ص: 78

بالخلقة والصورة. فبينا أن أتعجب منه ومنهن إذ به قد غاب عنهن وظني أنه نزل في الأرض فحين فقدته الحمام أخذت في التفرق. فقال الفقيه أنا الطائر والحمام أصحابي.؟ ثم قال استعدوا للموت وأوصى ولم تطل مدته بعد لك فتوفي بعد أيام قلائل. وكانت وفاته يوم الخميس عاشر شهر ربيع الأول من السنة المذكورة رحمه الله تعالى.

وفي سنة 647 نهض السلطان نور الدين من محطته بالحقل إلى مخلاف صداء. فأخرب زرعه وتقدم إلى بيت نعامة وفيه الشرفاءِ وعسكرهم وبنو شهاب وبنو الراعي وأهل حضور إلى قرية داعر. فحاربهم السلطان هنالك وقتل جماعة منهم وأخرب القرية. وذلك في المحرم من السنة المذكورة. ولما كان يوم السابع عشر من المحرم المذكور طلع عسكر الإمام أحمد بن الحسين حصن كوكبان على حين غفلة من أهله. فلما استقلوا في رأسه خرج عليهم المرتبون فقتلوهم أبرح القتل. وكان الإمام قد أغار بكرة ذلك اليوم إلى كوكبان ووقف تحت الحصن فلما قتل عسكره عاد إلى حصن ثلَاّ من فوره وعاد مولانا السلطان نور الدين إلى صنعاء فأقام بها إلى يوم الثاني عشر من شهر صفر. ووصل إليه الأمير أحمد بن يحيى بن حمزة فخرج إلى لقائه فأكرمه ودخل به صنعاء وأنعم عليه بحصن تكريم.

تم تقدم السلطان إلى جهة اليمن فحط في قرة العين يوم الثلاثاء الثالث من شهر ربيع الأول وجعل طريقة على ينعم لقتال من فيها. وكان فيها الأمير عز الدين محمد بن الأمير شمس الدين أحمد بن الإمام عبد الله بن حمزة والأمير أبو هاشم بن صفي الدين. فحاربهم العسكر المنصور وقتل من عسكرهم جماعة. ثم تقدم السلطان إلى جهران ومعه الأمير أسد الدين محمد ابن الحسن بن علي بن رسول مشيعاً لهُ. فاجتمع أهل بكيل وأهل غابين وأهل الصبح وأهل تلك النواحي وعسكر الإمام. ومقدمهم الشريف الضياء وكانوا نحو عشرة آلاف راجل ومائة وخمسين فارساً وأرادوا أن يمنعوا السلطان من التوجه إلى ناحية بكيل وركزوا في نجد النونة.

ص: 79

فهزمهم العسكر المنصوري وقتل منهم كثيراً وأخرب غابين والصبح وكان ذلك في شهر ربيع الآخر سنة 647.

وفي سنة 647 وصل الأميران موسى وداود ابنا عبد الله بن حمزة إلى ظهر في خيل ورجل. وكان في صنعاء أستاذ دار الأمير أسد الدين وهو عز الدين المهندس رتبة. فحارب الشريفين وطردهما من ظهر. وعاد الأمير أسد الدين إلى صنعاء من زمار بعد نزول السلطان نور الدين إلى اليمن فلزم أهل البلاد وعسكر الإمام نقيل الغائرة ومنعوه من الطلوع إلى الكميم في لقاء الخزائن فاجتمعت شخيان البلاد كافة وعسكر الإمام وهموا بأخذ الخزائن وكانوا نحواً من أربعة آلاف راجل ومائة وخمسين فارساً فقاتلهم وهزمهم جميعاً. ثم خالفت عليه البلاد وأترق عسكره من غزو العرب وهربوا إلى الإمام ولم يبق إلا مماليكه. فما اكترث بشيء من ذلك ولا خطر له على بال. وكانت الحرب بينه وين الشرفاء سجالاً على قلة عسكره وإقبال الناس على الإمام. ثم كانت وقعة قارن بين الإمام أحمد بن الحسين وبين بني حمزة. فقتل من بني حمزة طائفة واسر طائفة وكان يوماً مشهوراً. وهو يوم الأربعاء 14 من شهر شوال من السنة المذكورة.

وفي هذه السنة توفي الفقيه الصلح عبد الله المازني وكان فقيهاً مشهوراً صالحاً ورعاً نفقه بعمر بن سعيد العقبي وكان صالحاً تقياً ولما توفي في التاريخ المذكور ودفن وقف شيخه على قبره ساعة وهو مصغ إلى القبر ثم قال بشرني والله يا تاج بشرني يا تاج فسأله بعض أصحابه عن موجب ذلك فقال لم أر من سبق الملكين قبل أن سألاه غير هذا. وكان الفقيه يلقبه بالتاج وكانت وفاته في رجب من السنة المذكورة. وفيها توفي الشيخ أبو موسى عمران الصوفي وكان من أعيان مشايخ الصوفية صحب الشيخ عليا الحداد بحق صحبته للشيخ عبد القادر الجيلاني. كان لزوماً للسنة نفوراً عن البدعة متعلقاً بأذيال العلم وله كرامات كثيرة. ويروي أنه اشتغل يوم جمعة بصلاة

ص: 80

فلم يزل في قيام حتى فاتته الجمعة وانقضت فلزم الخلوة واعتكف فلم يزل في قيام وصيام حتى وافقته الجمعة الأخرى. وكانت وفاته في السنة المذكورة.

وفي هذه السنة استشهد السلطان نور الدين رحمة الله عليه في قصر الجند ليلة السبت التاسع من ذي القعدة. وثب عليه جماعة من ممالكيه فقتلوه. وكان استكثر من المماليك حتى بلغت ممالكيه البحرية ألف فارس. وقيل ثمانمائة. وكانوا يحسنون من الفروسية والرمي ما لا يحسنه مماليك مصر وكان معه من المماليك الصغار قريب منهم في العدد خارجاً عن حلقته وعساكر أمرائه. ويقال أن الذي شجعهم على ذلك وآنسهم ووعدهم بما اطمأنت إليه نفوسهم ابن أخيه أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول. وذلك أنه كان مقطعاً صنعاء من قبل عمه المنصور ثم أراد أن ينزعه منها ويجعلها لولد شمس الدين يوسف المظفر. فعزَّ ذلك كثيراً على أسد الدين فعامل المماليك على قتل عمه فقتلوه في التاريخ المذكور فلم ير أسد الدين بعد قتل عمه يوم سعد أبداً. تجري التقادير على خلاف التقادير.

ويروى أنه لما رجع السلطان نور الدين رحمة الله عليه من حرب الإمام ودخل مدينة الجند وصل إليه رسول من ملك الهند قبل وفائه بيومين أو ثلاثة أيام. فحضر في مجلس السلطان وأدى رسالة مرسله. فأكرمه السلطان وأنعم عليه. فلما خرج قال لترجمانه. قد قرب أمده إلا أنه أبو ملك وجد ملك ومن ذريته ملوك. ثم قال قولاً بالعجمي فوجده. يأخذها ذو شامة من بعده ويلتقيها مسعد من بعده لا تنقضي من نسله وولده.

وكان السلطان نور الدين ملكاً كريماً حاذقاً حليماً حسن السياسة سريع النهضة عند الحادثة وكان شريف النفس عالي الهمة فارساً شجاعاً مقاماً محراباً لا يمل الحرب. ومن الدلائل على ذلك طرده العساكر المصرية عن مكة المشرفة مرة بعد

ص: 81

أخرى. ولم يقنعه استقلاله باليمن بعد أن كان نائباً لهم فيها بل قاتلهم عن مكة وطردهم عنها وعن الحجاز. واستمال عدة من عساكرهم. وممن استماله من الأمراء الأمير مبارز الدين علي بن الحسين ابن برطاس والأمير فيروز الذي ذريته الأمراء بنو فيروز أصحاب أب قال الجندي: ويقال أن الأمراء بنو فروز تديروا أباَّ من زمن قديم يعني من قبل أيام الملك المنصور. والله أعلم.

ولما قتل السلطان نور الدين في مدينة الجند ولم يكن يومئذ أحد من أولاده حاضراً بل كان الملك المظفر في المهجم واخوته ووالدتهم في حصن تعز بسبب جهاز الست عازبة ابنة السلطان الملك المنصور عروساً على شريف من أهل مكة فانتقلت بهم إلى الدملؤَة فاجتمع بنو فيروز وحملوا السلطان في محل وقصدوا به تعز فدفنوه في المدرسة الأتابكية بذي هزيم لكونه كان مزوجاً على بنت الأتابك سفر المعروفة ببنت حوزة. وكان مولانا السلطان الملك المظفر رحمة الله عليه يعرف ذلك لهم ويشكرهم على ما فعلوا ولذلك اقطعهم لإقطاعات الجليلة وحمل لشمس الدين طبل خانة ولأخيه فخر الدين أخرى وكانت له عندهم حظوة عظيمة.

وكان السلطان نور الدين رحمه الله قد أثر آثاراً حسنة فما أثره المدرسة التي بمكة المشرفة بحيث يغبطه عليها سائر الملوك. وابنتي في مدينة تعز مدرستين تعرف إحداهما بالوزيرية نسبة إلى مدرسها الوزيري والثانية الغرابية نسبة إلى مؤذنها وكان رجلاً صالحاً اسمه غراب كان مؤذناَ فيها. وابتني مدرسة في عدن. وابتني في زبيد ثلاث مدارس يعرفن بالمنصوريات مدرسة الشافعية ومدرسة الحنفية ومدرسة الحديث النبوي. وابتني مدرسة في حد المنسكية من وادي سهام. ورتب في كل مدرسة مدرساً ومعيداً ودرسه إماماً ومؤذناً ومعلماً وأيتاماً يتعلمون القرآن. ووقف على الجميع أوقافاً بعيدة تحملهم وتقوم بكفايتهم جميعاً. قال الجندي: وابتني في كل قرية من التهائم مسجداً ووقف عليها أوقافاً جيدة. وكان النوري مفازة عظيمة فيما بين حس وزبيد هلك الهارون فيها فأبتني فيها مسجداً وجعل فيه إمامين واشترط

ص: 82

لمن يسكن معهما مسامحة فيها يزرعه فسكن الناس معهما حتى صارت هنالك قرية جيدة وانتفع الناس بها نفعاً عظيماً. قال علي ابن الحسن الخزرجي. وأظنها إنما سميت النوري نسبة إليه لكونه الذي أحيي ذلك الموضع وكان يلقب نور الدين كما ذكرنا. والله أعلم. وابتني بين المدينتين حصوناً كثيرة ومصانع ورتب فيها الرجال. وآثارها هنالك إلى عصرنا هذا وأمر بعمارة البرك وهو جبل متصل بالبحر فيما بين مكة واليمن ورتب فيه العساكر الجيدة لمحاربة بني أيوب. وأرسل الشيخ معيبد بن عبد الله الأشعري صاحب رفح إلى الشيخ موسى بن علي الكتاني صاحب حّلْي ابن يعقوب بأن يتصدى لمحاربة بني أيوب. وكان موسى بن علي الكتابي ممن يضرب به المثل في الجود والكرم. فلما وصل إليه الشيخ معيبد برسالة السلطان نور الدين سمع وأطاع. وقال: أي شيءٍ تحملني من ضيافة هذا الرجل يعني معيبداً. فقاد إليه خمسين فارساً فقادها معيبد بأسرها إلى السلطان نور الدين. فأثنى عليه عنده وقال صاحب هذه النفس يصلح لمن يجري عليه اسم الأمير فأَجرى عليه اسم الإمارة من ذلك الوقت.

وكان للسلطان نور الدين من الولد ثلاثة رجال وهم المظفر والمفضل والفائز. وكان المظفر أكبرهم. وظهر في أيام أميرية أبيه في مكة المشرفة سنة تسعة عشر وستمائة وقيل سنة عشرين وستمائة وهو الذي تولى الملك بعد أبيه وكان أبوه قد أقصاه وقدم أخويه عليه موافقة لأُمهما بنت حوزة وكانت قد غلبت عليه حتى أنه استحلف العسكر لابنه المفضل وهو أصغر من المظفر.

وكان شاعره التاج بن العطار. وهو أحد فضلاء أهل مصر والأديب محمد بن حمير أحد فضلاء أهل اليمن فاجتمعا يوماً في مجلس الشراب. فقال له أبن العطار يا مولاي إني شاعرك من الديار المصرية وأراك تفضل أبن حمير عليَّ وتنعم عليه أكثر مني. فقال له السلطان أنه حاضر القريحة سريع البديهة وأنتم يا أهل مصر وإن كنتم أهل فضل وأدب فإنكم تبطئون. ثم التفت إلى أبن حمير وقال له. ما تقول:

ص: 83

فالتفت ابن حمير إلى أبن العطار وقال ارتجالاً:

متشعر بعمامة معقودة

لو بعثرت ملت الفضاء خميرا

وأبوك عطار فما بال ابنه

يهدي الصنان إلى الرجال بخورا

قال وكان به شيء من ذلك. فضحك السلطان نور الدين وقال: أجبه فأفحم. وحضر في مجلس الشراب يوماً عند السلطان نور الدن وكان عنده يومئذ ابن أخيه الأمير أسد الدين. وكان للأمير أسد الدين شاعر من أهل المشرق يقال له علي بن أحمد فجعل أسد الدين يثني على شاعره المذكور. فقال السلطان نور الدين لابن حمير ما تقول. فقال ارتجالاً.

أنا البحر فياضاً بكل غريبة

أحلى بها المنصور درّاً وجوهرا

وما أن أبالي عن عليّ بن أحمد

وعن شعره ذقن ابن أحمد في المسك

فقال له السلطان نور الدين: وما منعك من قافية الراءِ. قال خوف ابن أخيك هذا: وكان ابن حمير شاعراً فصيحاً جيد القريحة حسن البديهة وهو القائل في مدح مولانا السلطان نور الدين حيث يقول:

قد قيل جاورْ لتغني البحر أو ملكاً

أنت المليك وأنت البحر يا عمرُ

ما حاز ما حزت لا عربُ ولا عجم

ما شاد ما شدت لا جن ولا بشرُ

إذا الجدود بهم أبناؤُهم شرفوا

أو فاخروا فبك الأجداد تفتخرُ

والكل أنت وفيك السر أجمعهُ

فلا يغرَّنك أن غابوا وإن حضروا

عزُّوا بعزّك أولاهم وآخرهم

كما بأحمد عزت كلها مضرُ

وقال أيضاً يمدحه من قصيدة أخرى

قل للقوافي قفي على عمر

إياك أن تخدعي فتنخدعي

ص: 84

حولي المكان الرفيع توتفعي

ولا تحولي الوضيع تتضعي

من خمدت ناره أن أبا

أحمد نيرانه على السفعِ

وكان السلطان نور الدين حنفي المذهب ثم انتقل منه إلى مذهب الشافعي. قال الجندي في تاريخه: أخبرني شيخي أحمد بن علي الحرازي بإسناده عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إبراهيم العسلي المحدث بزبيد وكان أحد شيوخ المنصور. أخبرني السلطان نور الدين المنصور من لفظه أنه كان حنفي المذهب فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول له يا عمر صرت إلى مذهب الشافعي. أو كما قال: فأصبح ينظر في كتب الشافعي ويعتمد مذهبه. وكان يصحب الشيخ والفقيه صاحبي عواجة وهما ممن يشده بالملك. وصحب الفقيه محمد بن إبراهيم العسلي. وقرأ عليه وكان يحب العلماءَ والصالحين. وآثاره وأفعاله حميدة رحمه الله تعالى.

ص: 85