الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يَفْتُرَانِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ فِي حَالِ مُوَاجِهَةِ فِرْعَوْنَ. لِيَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ عَوْنًا لَهُمَا عَلَيْهِ، وَقُوَّةً لَهُمَا وَسُلْطَانًا كَاسِرًا لَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:«إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي الَّذِي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُنَاجِزٌ قِرْنَهُ» اه مِنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي لَا تَزَالَا فِي ذِكْرِي. وَاسْتُشْهِدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ طَرَفَةَ:
كَأَنَّ الْقُدُورَ الرَّاسِيَاتِ أَمَامَهُمْ
…
قِبَابٌ بَنَوْهَا لَا تَنِي أَبَدًا تَغْلِي
أَيْ لَا تَزَالُ تَغْلِي. وَمَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى.
أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا نَبِيَّهُ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ: أَنْ يَقُولَا لِفِرْعَوْنَ فِي حَالِ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْهِ «قَوْلًا لَيِّنًا» أَيْ كَلَامًا لَطِيفًا سَهْلًا رَقِيقًا، لَيْسَ فِيهِ مَا يُغْضِبُ وَيُنَفِّرُ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [79 17 - 18] وَهَذَا، وَاللَّهِ غَايَةُ لِينِ الْكَلَامِ وَلَطَافَتِهِ وَرِقَّتِهِ كَمَا تَرَى. وَمَا أُمِرَ بِهِ مُوسَى وَهَارُونُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَشَارَ لَهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [16 125] .
مَسْأَلَةٌ
يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِالرِّفْقِ، وَاللِّينِ. لَا بِالْقَسْوَةِ، وَالشِّدَّةِ، وَالْعُنْفِ. كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الْآيَةَ 105] . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [20
44] :
يَا مَنْ يَتَحَبَّبُ إِلَى مَنْ يُعَادِيهِ، فَكَشَفَ بِمَنْ يَتَوَلَّاهُ وَيُنَادِيهِ؟ اه وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ:
وَلَوْ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا طَغَى
…
وَقَالَ عَلَى اللَّهِ إِفْكًا وَزُورًا
أَنَابَ إِلَى اللَّهِ مُسْتَغْفِرًا
…
لَمَا وَجَدَ اللَّهَ إِلَّا غَفُورًا
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ «لَعَلَّ» فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى التَّعْلِيلِ، إِلَّا الَّتِي فِي سُورَةِ «الشُّعَرَاءِ» : وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [129] فَهِيَ بِمَعْنَى كَأَنَّكُمْ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا أَنَّ «لَعَلَّ» تَأْتِي فِي الْعَرَبِيَّةِ لِلتَّعْلِيلِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
فَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا
…
نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ
…
كَشِبْهِ سَرَابٍ بِالْمَلَا مُتَأَلِّقِ
فَقَوْلُهُ: «لَعَلَّنَا نَكُفُّ» أَيْ لِأَجْلِ أَنْ نَكُفَّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى مَعْنَاهُ عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا، فَالتَّرَجِّي، وَالتَّوَقُّعُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِلَعَلَّ رَاجِعٌ إِلَى جِهَةِ الْبَشَرِ. وَعَزَا الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْقَوْلَ لِكُبَرَاءِ النَّحْوِيِّينَ كَسِيبَوَيْهِ، وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى.
أَلِفُ الِاثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ «فَأْتِيَاهُ» رَاجِعَةٌ إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ. وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى فِرْعَوْنَ. أَيْ فَأْتَيَا فِرْعَوْنَ «فَقُولَا» لَهُ: «إِنَّا رَسُولَانِ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ» أَيْ خَلِّ عَنْهُمْ وَأَطْلِقْهُمْ لَنَا يَذْهَبُونَ مَعَنَا حَيْثُ شَاءُوا، وَلَا تُعَذِّبْهُمْ.
الْعَذَابُ الَّذِي نَهَى اللَّهُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ: هُوَ الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2 49]، وَفِي سُورَةِ «إِبْرَاهِيمَ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [14 6]، وَفِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [7 141] . وَفِي سُورَةِ «الدُّخَانِ» فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ [44 20] وَفِي سُورَةِ «الشُّعَرَاءِ» فِي قَوْلِهِ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [26 22] .
وَمَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ مُوسَى وَهَارُونَ فِي آيَةِ «طه» هَذِهِ مِنْ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لِفِرْعَوْنَ إِنَّهُمَا رَسُولَا رَبِّهِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَا يُعَذِّبُهُمْ أَشَارَ إِلَيْهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «الشُّعَرَاءِ» : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [26 16 - 17] .
تَنْبيهٌ
فَإِنْ قِيلَ، مَا وَجْهُ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي «الشُّعَرَاءِ» ؟ مَعَ أَنَّهُمَا رَسُولَانِ؟ كَمَا جَاءَ الرَّسُولُ مُثَنَّى فِي «طه» فَمَا وَجْهُ التَّثْنِيَةِ فِي «طه» ، وَالْإِفْرَادِ فِي «الشُّعَرَاءِ» ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ: الْمُثَنَّى، وَالْمُفْرَدُ يُرَادُ بِهِ مُوسَى وَهَارُونُ؟
فَالَّذِي يَظْهَرُ لِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ أَصْلُهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، وَالْمَصْدَرُ إِذَا وُصِفَ بِهِ ذُكِرَ وَأُفْرِدَ كَمَا قَدَّمْنَا مِرَارًا. فَالْإِفْرَادُ فِي «الشُّعَرَاءِ» نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَصْلَ الرَّسُولِ مَصْدَرٌ. وَالتَّثْنِيَةُ فِي «طه» اعْتِدَادًا بِالْوَصْفِيَّةِ الْعَارِضَةِ وَإِعْرَاضًا عَنِ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا يُجْمَعُ الرَّسُولُ اعْتِدَادًا بِوَصْفِيَّتِهِ الْعَارِضَةِ، وَيُفْرَدُ مُرَادًا بِهِ الْجَمْعُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ أَصْلَهُ مَصْدَرٌ. وَمِثَالُ جَمْعِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ الرُّسُلُ الْآيَةَ [2 253]، وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ. وَمِثَالُ إِفْرَادِهِ مُرَادًا بِهِ الْجَمْعُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
أَلِكْنِي إِلَيْهَا وَخَيْرُ الرَّسُولِ
…
أَعْلَمُهُمْ بِنَوَاحِي الْخَبَرْ
وَمِنْ إِطْلَاقِ الرَّسُولِ مُرَادًا بِهِ الْمَصْدَرُ عَلَى الْأَصْلِ قَوْلُهُ:
لَقَدْ كَذَّبَ الْوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ
…
بِقَوْلٍ وَلَا أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أَيْ بِرِسَالَةٍ.
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
أَلَا بَلِّغْ بَنِي عُصْمٍ رَسُولًا
…
بِأَنِّي عَنْ فُتَاحَتِكُمْ غَنِيٌّ
يَعْنِي أَبْلِغْهُمْ رِسَالَةً.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ يُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْآيَةِ الصَّادِقُ بِالْعَصَا، وَالْيَدِ، وَغَيْرِهِمَا. لِدَلَالَةِ آيَاتٍ أُخَرَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى يَدْخُلُ فِيهِ السَّلَامُ عَلَى فِرْعَوْنَ إِنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. وَيُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعِ الْهُدَى لَا سَلَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَلِذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ. . .» إِلَى آخَرِ كِتَابِهِ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى.
مَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ مُوسَى وَهَارُونَ. أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِمَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أُشِيرَ إِلَى نَحْوِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. كَقَوْلِهِ: فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [79 37 - 39]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [92 14 - 16] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى [75 31 - 35] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ لَمَّا بَلَّغَا فِرْعَوْنَ مَا أُمِرَا بِتَبْلِيغِهِ إِيَّاهُ قَالَ لَهُمَا: مَنْ رَبُّكُمَا الَّذِي تَزْعُمَانِ أَنَّهُ أَرْسَلَكُمَا إِلَيَّ؟ زَاعِمًا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ. وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لَهُمَا إِلَهًا غَيْرَ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [28 38]، وَقَالَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [26 29] . وَبَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ قَوْلَهُ فَمَنْ رَبُّكُمَا تَجَاهُلُ عَارِفٍ بِأَنَّهُ عَبَدٌ مَرْبُوبٌ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ الْآيَةَ [17 102]، وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [27 13 - 14] كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَسُؤَالُ فِرْعَوْنَ عَنْ رَبِّ مُوسَى، وَجَوَابُ مُوسَى لَهُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي سُورَةِ «الشُّعَرَاءِ» بِأَبْسَطِ مِمَّا هُنَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [26 23 - 33] إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [20 \ 50] فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ أَوْجُهٌ لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَكُلُّهَا حَقٌّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ شُمُولِ الْآيَةِ لِجَمِيعِهَا. مِنْهَا أَنَّ مَعْنَى أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ نَظِيرَ خَلْقِهِ فِي الصُّورَةِ، وَالْهَيْئَةِ، كَالذُّكُورِ مِنْ بَنِي آدَمَ أَعْطَاهُمْ نَظِيرَ خَلْقِهِمْ مِنَ الْإِنَاثِ أَزْوَاجًا. وَكَالذُّكُورِ مِنَ الْبَهَائِمِ أَعْطَاهَا نَظِيرَ خَلْقِهَا فِي صُورَتِهَا وَهَيْئَتِهَا مِنَ الْإِنَاثِ أَزْوَاجًا. فَلَمْ يُعْطِ الْإِنْسَانَ خِلَافَ خَلْقِهِ فَيُزَوِّجُهُ بِالْإِنَاثِ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَلَا الْبَهَائِمَ بِالْإِنَاثِ مِنَ الْإِنْسِ، ثُمَّ هَدَى الْجَمِيعَ لِطَرِيقِ الْمَنْكَحِ الَّذِي مِنْهُ النَّسْلُ، وَالنَّمَاءُ، كَيْفَ يَأْتِيهِ، وَهَدَى الْجَمِيعَ لِسَائِرِ مَنَافِعِهِمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ، وَالْمَشَارِبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَعَنِ السُّدِّيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: ثُمَّ هَدَى أَيْ هَدَاهُ إِلَى الْأُلْفَةِ، وَالِاجْتِمَاعِ، وَالْمُنَاكَحَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى أَيْ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صَلَاحَهُ ثُمَّ هَدَاهُ إِلَى مَا يُصْلِحُهُ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى: أَيْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ الْمُنَاسِبَةَ لَهُ. فَلَمْ يَجْعَلِ الْإِنْسَانَ فِي صُورَةِ الْبَهِيمَةِ، وَلَا الْبَهِيمَةَ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى الشَّكْلِ الْمُنَاسِبِ لَهُ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ
…
وَكَذَاكَ اللَّهُ مَا شَاءَ فَعَلْ
يَعْنِي بِالْخِلْقَةِ: الصُّورَةَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَمُقَاتِلٍ، وَعَطِيَّةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ هَدَى كُلَّ صِنْفٍ إِلَى رِزْقِهِ وَإِلَى زَوْجِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ: أَيِ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ وَشَكْلَهُ الَّذِي يُطَابِقُ الْمَنْفَعَةَ الْمَنُوطَةَ بِهِ، كَمَا أَعْطَى الْعَيْنَ الْهَيْئَةَ الَّتِي تُطَابِقُ الْإِبْصَارَ، وَالْأُذُنَ الشَّكْلَ الَّذِي يُوَافِقُ الِاسْتِمَاعَ. وَكَذَلِكَ الْأَنْفُ، وَالرِّجْلُ، وَاللِّسَانُ، وَغَيْرُهَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُطَابِقٌ لِمَا عُلِّقَ بِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ غَيْرَ نَابٍ عَنْهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ. وَعَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى كُلَّ شَيْءٍ هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِـ «أَعْطَى» ، وَ «خَلْقَهُ» هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ «خَلْقَهُ» هُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَ «كُلَّ شَيْءٍ» هُوَ
الْمَفْعُولُ الثَّانِي. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى أَعْطَى الْخَلَائِقَ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ هَدَاهُمْ إِلَى طَرِيقِ اسْتِعْمَالِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَفْعُولَ مِنْ مَفْعُولَيْ بَابِ كَسَا وَمِنْهُ «أَعْطَى» فِي الْآيَةِ لَا مَانِعَ مِنْ تَأْخِيرِهِ وَتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ الْأَخِيرِ إِنْ أَمِنَ اللَّبْسُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَا يُوجِبُ الْجَرْيَ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَأَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَيُلْزَمُ الْأَصْلُ لِمُوجِبٍ عَرَا
…
وَتَرْكُ ذَاكَ الْأَصْلِ حَتْمًا قَدْ يُرَى
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَا مَانِعَ مِنْ شُمُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ. لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَى الْخَلَائِقَ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ هَدَاهُمْ إِلَى طَرِيقِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ صِنْفٍ شَكْلَهُ وَصُورَتَهُ الْمُنَاسِبَةُ لَهُ، وَأَعْطَى كُلَّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى الشَّكْلَ الْمُنَاسِبَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ فِي الْمُنَاكَحَةِ، وَالْأُلْفَةِ، وَالِاجْتِمَاعِ. وَأَعْطَى كُلَّ عُضْوٍ شَكْلَهُ الْمُلَائِمَ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَنُوطَةِ بِهِ فَسُبْحَانَهُ جَلَّ وَعَلَا! مَا أَعْظَمَ شَأْنِهِ وَأَكْمَلَ قُدْرَتِهِ! !
وَفِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَرَاهِينُ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا:
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [28 88] .
وَقَدْ حَرَّرَ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ فِي رِسَالَتِهِ فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنِ اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي مَعَانِي الْآيَاتِ لَيْسَ اخْتِلَافًا حَقِيقِيًّا مُتَضَادًا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ تَنَوُّعِيٍّ لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَالْآيَاتُ تَشْمَلُ جَمِيعَهُ، فَيَنْبَغِي حَمْلُهَا عَلَى شُمُولِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْجَارِي عَلَى أُصُولِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رضي الله عنهم، وَعَزَاهُ لِجَمَاعَةٍ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ «مَهْدًا» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ بَعْدَهَا أَلِفٌ. وَالْمِهَادُ: الْفِرَاشُ. وَالْمَهْدُ بِمَعْنَاهُ. وَكَوْنُ أَصْلِهِ مَصْدَرًا لَا يُنَافِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ اسْمًا لِلْفِرَاشِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِي مَحَلِّ رَفْعِ نَعْتٍ لِـ «رَبِّي»
مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [20 52] أَيْ لَا يَضِلُّ رَبِّي الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. أَيْ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ عَلَى الْمَدْحِ، وَهُوَ أَجْوَدُ مِنْ أَنْ يُقَدَّرَ عَامِلُ النَّصْبِ لَفَظَةَ أَعْنِي، كَمَا أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ مِنَ الْإِعْرَابِ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَارْفَعْ أَوِ انْصِبْ إِنْ قَطَعْتَ مُضْمِرًا
…
مُبْتَدَأً أَوْ نَاصِبًا لَنْ يَظْهَرَا
هَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَلَا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِ مُوسَى لَا يَضِلُّ رَبِّي لِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَخْرَجْنَا يُعَيِّنُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ. وَمَعَ كَوْنِهَا مِنْ آيَاتٍ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَهِيَ مِنَ النِّعَمِ الْعُظْمَى عَلَى بَنِي آدَمَ.
الْأُولَى: فَرْشُهُ الْأَرْضَ عَلَى هَذَا النَّمَطِ الْعَجِيبِ.
الثَّانِيَةُ: جَعْلُهُ فِيهَا سُبُلًا يَمُرُّ مَعَهَا بَنُو آدَمَ وَيَتَوَصَّلُونَ بِهَا مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ.
الثَّالِثَةُ: إِنْزَالُهُ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ الْعَجِيبِ.
الرَّابِعَةُ: إِخْرَاجُهُ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ.
أَمَّا الْأُولَى الَّتِي هِيَ جَعْلُهُ الْأَرْضَ مَهْدًا فَقَدْ ذَكَرَ الِامْتِنَانَ بِهَا مَعَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا الْآيَةَ [43 9 - 10]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [78 6 - 7]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [51 48]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا [13 3] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ الَّتِي هِيَ جَعْلُهُ فِيهَا سُبُلًا فَقَدْ جَاءَ الِامْتِنَانُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ فِي «الزُّخْرُفِ» : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [43 9] ،
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [21 31] وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [16 15] .
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، وَالرَّابِعَةُ وَهُمَا إِنْزَالُ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِخْرَاجُ النَّبَاتِ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُمَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِنَانِ، وَالِاسْتِدْلَالِ مَعًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ الْآيَةَ [16 10] . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ. وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي «الْأَنْعَامِ» : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا [6 99]، وَقَوْلُهُ فِي «فَاطِرٍ» : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا [35 27]، وَقَوْلُهُ فِي «النَّمْلِ» : أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ [27 60] .
وَهَذَا الِالْتِفَاتُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا فِي إِنْبَاتِ النَّبَاتِ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِ إِنْبَاتِ النَّبَاتِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْزِلِ الْمَاءُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَيْءٌ لَهَلَكَ النَّاسُ جُوعًا وَعَطَشًا. فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَشِدَّةِ احْتِيَاجِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَلُزُومِ طَاعَتِهِمْ لَهُ جَلَّ وَعَلَا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى أَيْ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ. فَالْأَزْوَاجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وَهُوَ هُنَا الصِّنْفُ مِنَ النَّبَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْحَجِّ» : وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [22 5] أَيْ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ مِنْ أَصْنَافِ النَّبَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «لُقْمَانَ» : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [31 10] أَيْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ حَسَنٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «يس» :
سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [36 36] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ شَتَّى نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: أَزْوَاجًا [20 53] . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى أَيْ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةَ الْأَشْكَالِ، وَالْمَقَادِيرِ، وَالْمَنَافِعِ، وَالْأَلْوَانِ، وَالرَّوَائِحِ، وَالطُّعُومِ. وَقِيلَ شَتَّى جَمْعٌ لِـ «نَبَاتٍ» أَيْ نَبَاتٌ مُخْتَلِفٌ كَمَا بَيَّنَّا. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ شَتَّى جَمْعُ شَتِيتٍ. كَمَرِيضٍ وَمَرْضَى. وَالشَّتِيتُ: الْمُتَفَرِّقُ. وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ يَصِفُ إِبِلًا جَاءَتْ مُجْتَمِعَةً ثُمَّ تَفَرَّقَتْ، وَهِيَ تُثِيرُ غُبَارًا مُرْتَفِعًا:
جَاءَتْ مَعًا وَأَطْرَقَتْ شَتِيتًا
…
وَهِيَ تُثِيرُ السَّاطِعَ السَّخْتِيتَا
وَثَغْرٌ شَتِيتٌ: أَيْ مُتَفَلِّجٌ لِأَنَّهُ مُتَفَرِّقُ الْأَسْنَانِ. أَيْ لَيْسَ بَعْضُهَا لَاصِقًا بِبَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَعْنَى السَّلْكُ: الْإِدْخَالُ. وَقَوْلُهُ سَلَكَ هُنَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ فِي دَاخِلِ الْأَرْضِ بَيْنَ أَوْدِيَتِهَا وَجِبَالِهَا سُبُلًا فِجَاجًا يَمُرُّ الْخَلْقُ مَعَهَا. وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ هُنَا بِقَوْلِهِ: وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [20 53] وَعَبَّرَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْجَعْلِ، كَقَوْلِهِ فِي «الْأَنْبِيَاءِ» : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [21 31] وَقَوْلُهُ فِي «الزُّخْرُفِ» : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [43 10] وَعَبَّرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِلْقَاءِ كَقَوْلِهِ فِي «النَّحْلِ» : وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [31 15] لِأَنَّ عَطْفَ السُّبُلِ عَلَى الرَّوَاسِي ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ أَيْ كُلُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ الثِّمَارِ، وَالْحُبُوبِ الَّتِي أَخْرَجْنَاهَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَا مِنْ جَمِيعِ مَا هُوَ غِذَاءٌ لَكُمْ مِنَ الْحُبُوبِ، وَالْفَوَاكِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ. أَيْ أَسِيمُوهَا وَسَرِّحُوهَا فِي الْمَرْعَى الَّذِي يَصْلُحُ لِأَكْلِهَا. تَقُولُ: رَعَتَ الْمَاشِيَةُ الْكَلَأَ، وَرَعَاهَا صَاحِبُهَا: أَيْ أَسَامَهَا وَسَرَّحَهَا. يَلْزَمُ وَيَتَعَدَّى. وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ كُلُوا وَارْعَوْا لِلْإِبَاحَةِ. وَلَا يَخْفَى مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الِامْتِنَانِ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمُنْعِمِ بِذَلِكَ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مِنَ الِامْتِنَانِ عَلَى بَنِي آدَمَ بِأَرْزَاقِهِمْ وَأَرْزَاقِ أَنْعَامِهِمْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «السَّجْدَةِ» : فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [32 27]، وَقَوْلِهِ فِي «النَّازِعَاتِ» : أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [79 31 - 33]] ،
وَقَوْلِهِ فِي «عَبَسَ» : ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [80 25 - 32] وَقَوْلِهِ فِي «النَّحْلِ» : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [31 10] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِأُولِي النُّهَى أَيْ لِأَصْحَابِ الْعُقُولِ. فَالنُّهَى: جَمَعُ نُهْيَةٍ بِضَمِّ النُّونِ، وَهِيَ الْعَقْلُ. لِأَنَّهُ يَنْهَى صَاحِبَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ. تَقُولُ الْعَرَبُ: نَهُوَ الرَّجُلُ بِصِيغَةِ فَعُلَ بِالضَّمِّ: إِذَا كَمُلَتْ نُهْيَتُهُ أَيْ عَقْلُهُ. وَأَصْلُهُ نَهُيَ بِالْيَاءِ فَأُبْدِلَتِ الْيَاءُ وَاوًا لِأَنَّهَا لَامُ فِعْلٍ بَعْدَ ضَمٍّ. كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَوَاوًا إِثْرَ الضَّمِّ رُدَّ الْيَا مَتَى
…
أُلْفِيَ لَامُ فِعْلٍ أَوْ مِنْ قَبْلِ تَا
قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى.
الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ «مِنْهَا» مَعًا، وَقَوْلِهِ فِيهَا رَاجِعٌ إِلَى «الْأَرْضَ» الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
الْأُولَى: أَنَّهُ خَلَقَ بَنِي آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُعِيدُهُمْ فِيهَا.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
أَمَّا خَلْقُهُ إِيَّاهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ. كَقَوْلِهِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ الْآيَةَ [22 5]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ الْآيَةَ [30 20]، وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ «الْمُؤْمِنِ» : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [40 67] ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَعْنَى خَلْقِهِ النَّاسَ مِنْ تُرَابٍ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاهُمْ آدَمَ مِنْهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ الْآيَةَ [3 59] . وَلَمَّا خَلَقَ أَبَاهُمْ مِنْ تُرَابٍ وَكَانُوا تَبَعًا لَهُ فِي الْخَلْقِ صَدَقَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ تُرَابٍ. وَمَا يَزْعُمُهُ
بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ مَعْنَى خَلْقِهِمْ مِنْ تُرَابٍ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ انْطَلَقَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالرَّحِمِ فَأَخَذَ مِنْ تُرَابِ الْمَكَانِ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ فَيَذْرُهُ عَلَى النُّطْفَةِ فَيَخْلُقُ اللَّهُ النَّسَمَةَ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالتُّرَابِ مَعًا فَهُوَ خِلَافُ التَّحْقِيقِ. لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرْحَلَةَ النُّطْفَةِ بَعْدَ مَرْحَلَةِ التُّرَابِ بِمُهْلَةٍ. فَهِيَ غَيْرُ مُقَارِنَةٌ لَهَا بِدَلِيلِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا بِـ «ثُمَّ» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [22 5]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ الْآيَةَ [40 67]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [23 12 - 13]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [32 6 - 8] وَكَذَلِكَ مَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى خَلْقِهِمْ مِنْ تُرَابٍ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنَ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ ظَاهِرُ السُّقُوطِ كَمَا تَرَى.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ ذَكَرَهَا تَعَالَى أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [77 25 - 26] فَقَوْلُهُ كِفَاتًا [77 26] أَيْ مَوْضِعُهُمُ الَّذِي يَكْفِتُونَ فِيهِ أَيْ يُضَمُّونَ فِيهِ: أَحْيَاءً عَلَى ظَهْرِهَا، وَأَمْوَاتًا فِي بَطْنِهَا. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ إِخْرَاجُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ أَحْيَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَدْ جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ: وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [30 19] أَيْ مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [50 \ 11] أَيْ مِنَ الْقُبُورِ بِالْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [30 25]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [7 57]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [70 43]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [50 \ 42] ، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ الْآيَةَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [7 25] . وَالتَّارَةُ فِي قَوْلِهِ تَارَةً أُخْرَى بِمَعْنَى
الْمَرَّةِ. وَفِي حَدِيثِ السُّنَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَضَرَ جِنَازَةً، فَلَمَّا أَرَادُوا دَفْنَ الْمَيِّتِ أَخَذَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ فَأَلْقَاهَا فِي الْقَبْرِ وَقَالَ «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ» ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى وَقَالَ «وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ» ثُمَّ أُخْرَى وَقَالَ «وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» .
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى.
أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِهِ آيَاتِنَا مُضَمَّنَةٌ مَعْنَى الْعَهْدِ كَالْأَلِفِ، وَاللَّامِ. وَالْمُرَادُ بِآيَاتِنَا الْمَعْهُودَةِ لِمُوسَى كُلُّهَا وَهِيَ التِّسْعُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ الْآيَةَ [17 101]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الْآيَةَ [27 12] . وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْآيَاتُ التِّسْعُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ: الْعَصَا، وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ، وَفَلْقُ الْبَحْرِ، وَالْحَجَرُ الَّذِي انْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَنَتْقُ الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ. وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْآيَاتِ التِّسْعِ فِي سُورَةِ «الْإِسْرَاءِ» . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْعُمُومُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَى فِرْعَوْنَ جَمِيعَ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى، وَالَّتِي جَاءَ بِهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ بِأَنْ عَرَّفَهُ مُوسَى جَمِيعَ مُعْجِزَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهَا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الزُّخْرُفِ» : وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا [48]، وَقَوْلُهُ: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [20 23]، وَقَوْلُهُ: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى [79 20] لِأَنَّ الْكُبْرَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَأَنِيثُ الْأَكْبَرِ، وَهِيَ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَكْبَرُ مِنْ غَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَكَذَّبَ وَأَبَى يَعْنِي أَنَّهُ مَعَ مَا أَرَاهُ اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِ مُوسَى، كَذَّبَ رَسُولَ رَبِّهِ مُوسَى، وَأَبَى عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ. وَقَدْ أَوْضَحَ جَلَّ وَعَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ شِدَّةَ إِبَائِهِ وَعِنَادِهِ وَتَكَبُّرِهِ عَلَى مُوسَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ. كَقَوْلِهِ: وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [7 132]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ [43 47] وَقَوْلِهِ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [26 29]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [43 51 - 53] ،