المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل مسلم بحسب قدرته] - القول المحرر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

[حمود بن عبد الله التويجري]

فهرس الكتاب

- ‌فصل [التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب ضياع الدين]

- ‌فصل [في بيان أن أغلب الأقطار تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

- ‌فصل [في بيان أن من أشراط الساعة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

- ‌فصل [أسباب التهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

- ‌فصل [في بيان معنى المعروف]

- ‌فصل [في بيان منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

- ‌فصل [فضل وفضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]

- ‌فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل مسلم بحسب قدرته]

- ‌فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم قادر]

- ‌فصل

- ‌فصل [في بيان أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة من الكبائر]

- ‌فصل في تفنيد الاحتجاج بقوله تعالى: {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

- ‌فصل [في التحذير أن يخالف قول الآمر والناهي فعله]

- ‌فصل [في أن على ولاة الأمور الاهتمام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه من آكد الفرائض عليهم]

الفصل: ‌فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل مسلم بحسب قدرته]

وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} .

‌فصل [في بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب على كل مسلم بحسب قدرته]

إذا علم ما ذكرنا من فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليعلم أيضًا أنهما واجبان على كل مسلم بحسب قدرته، كما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم:«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .

وعلى هذا، فمن اقتصر على الإنكار بقلبه وهو قادر عليه بلسانه، فقد ترك الواجب عليه، وخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك من اقتصر على الإنكار بلسانه وهو قادر عليه بيده، فإما الإنكار بالقلب فهو واجب بكل حال لا يعذر أحد بتركه، ومن لم ينكر المنكرات بقلبه بأن يبغضها، ويكرهها ويمقت فاعلها، فليس بمؤمن لقول النبي صلى الله عليه وسلم «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هلك من لم يعرف قلبه معروفًا، ولم ينكر منكرًا. رواه ابن جرير.

وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي الطفيل أنه سمع حذيفة رضي الله عنه يقول: يا أيها الناس، ألا تسألوني، فإن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، أفلا تسألون

ص: 75

عن ميت الأحياء، فقال: إن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق من كان ميتًا، ومات بالباطل من كان حيًا، ثم ذهبت النبوة، فكانت الخلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملكًا عضوضًا، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، والحق استكمل، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافًا يده وشعبة من الحق ترك، ومنهم من ينكر بقلبه كافًا يده ولسانه وشعبتين من الحق ترك، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولسانه، فذلك ميت الأحياء.

وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: من ميت الأحياء فقال: الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا.

وهذا والعياذ بالله إنما ينشأ عن اتباع الهوى وقبول الفتن.

قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .

وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .

وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر

ص: 76

أسود مرباد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه».

قال النووي: قال أهل اللغة أصل الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان، والاختبار، قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء.

قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونًا إذا وقع في الفتنة، وتحول من حال حسنة إلى سيئة.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر كقوله تعالى:{وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} .

قلت: والمراد بما في حديث حذيفة رضي الله عنه الفتنة في الشر لقوله: «فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء» والله أعلم.

وقوله: «تعرض الفتن على القلوب» قال النووي: قال الأستاذ أبو عبد الله بن سليمان: معناه تظهر على القلوب أي تظهر لها فتنة بعد أخرى، وقوله كالحصير أي كما ينسج الحصير عودًا عودًا وشظية بعد أخرى، شبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد. ومعنى أشربها دخلت فيه دخولاً تامًا، وألزمها، وحلت به محل الشراب، ومعنى نكت نكتة نقط نقطة. انتهى.

ص: 77

وقوله: «مثل الصفا» ، كناية عن صلابته في الدين، وأن الفتن لا تؤثر فيه، ولهذا قال:«فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض» .

قال القاضي عياض ليس تشبيهه بالصفا بيانا لبياضه، لكن صفة أخرى لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه، كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء. انتهى.

والأسود المرابد: هو ما خالط سواده غيرة.

قال النووي: قال أبو عبيد عن أبي عمرو وغيره: الربدة لون بين السواد والغيرة.

وقال ابن دريد: الربدة لون أكدر.

وقال غيره: هي أن يختلط السواد بكدرة.

وقال نفطويه: المربد الملمع بسواد وبياض، ومنه: تربد لونه، أي: تلون، والله أعلم.

وقوله: «كالكوز مجخيًا» قال سعد بن طارق أحد رواة هذا الحديث: يعني منكوسًا.

وقال الجوهري وغيره من أهل اللغة: التجخية الميل، ومنه قول حذيفة كالكوز مجخيًا أي: مائلا؛ لأنه إذا مال انصب ما فيه.

وقال المنذري: قوله مُجَخِيًا هو بميم مضمونة ثم جيم مفتوحة ثم خاء معجمة مكسورة يعني مائلا، وفسره بعض الرواة بأنه منكوس.

ومعنى الحديث: أن القلب إذا افتتن، وخرجت منه حرمة المعاصي والمنكرات خرج منه نور الإيمان، كما يخرج الماء من الكوز إذا مال أو انتكس،

ص: 78

وقال ابن الأثير وابن منظور: المجخي المائل عن الاستقامة والاعتدال، فشبه القلب الذي لا يعي خيرًا بالكوز المائل الذي لا يثبت فيه شيء.

وقال النووي: قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الرجل إذا تبع هواه، وارتكب المعاصي دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإسلام، والقلب مثل الكوز؛ فإذا انكب انصب ما فيه، ولم يدخله شيء بعد ذلك.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتنة الشهوات، وفتنة الشبهات فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإدارة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد. انتهى.

إذا علم هذا، فكثير من القراء والمنتسبين إلى العلم معلمين ومتعلمين وكتاب في زماننا قد تهوكوا في كثير من فتن الشبهات وفتن الشهوات، واتبعوا في ذلك أهواءهم بغير حياء، ولا مبالاة {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

فكثير منهم تهوكوا في فتنة الكفر الأكبر والشرك الأكبر، ووسائل ذلك، وما يدعو إليه ويقرب منه.

وكثير منهم قد تهوكوا في فتنة النفاق الأكبر والزندقة والإلحاد، وكثير منهم قد تهوكوا في فتن الشرك الأصغر والكفر الأصغر والنفاق الأصغر.

ص: 79

وكثير منهم قد تهوكوا في فتن البدع والأهواء المضلة.

وكثير منهم قد تهوكوا في فتن الفسوق والعصيان من ترك المأمورات وارتكاب المحظورات.

فمن ذلك افتتانهم بالتشبه بأعداء الله تعالى، واتباع سننهم حذو النعل بالنعل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه ابن حبان وغيره.

فكثير منهم يتشبهون بالمجوس، ومن يحذو حذوهم من طوائف الإفرنج وغيرهم من أعداء الله تعالى في حلق اللحى والتمثيل بشعر الوجه.

وكثير منهم يتشبهون بالإفرنج في حلق جوانب الرأس وتسريح الباقي إلى جهة القفا وكثرة دهنه وتمشيطه ويسمونه التواليت.

وكثير منهم يتركون قنازع في مقادم رءوسهم كأنها قنازع الدجاج، وقد قيل: إن ذلك من زي اليهود.

وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم أن يتشبهن بنساء الإفرنج في فرق شعورهن من جانب الرأس، وفي تسريح شعورهن إلى جهة القفا وجمعها معقوصة خلف الرأس كأنها أسنمة البخت المائلة، كما أخبر بذلك عنهن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، ويأمرون نساءهم وبناتهم أن يتشبهن بنساء الإفرنج في لبس الثياب التي لا تستر إلا بعض أجسادهن، كما أخبر بذلك عنهن

ص: 80

الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه بقوله: كاسيات عاريات، ويكون في أوساط تلك الثياب تكة تشبه الزنار.

ومن ذلك لبس الكرتة والكبك فكلها من لباس الإفرنج، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما لما رأى عليه ثوبين معصفرين، وقال:«إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما» فقال: أغسلهما. قال: «بل احرقهما» رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما. وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم أن يجعلن جيوبهن من ناحية القفا مشابهة لنساء الإفرنج، وخلافًا لما عليه نساء المسلمين.

وكثير منهم يأمرون نساءهم وبناتهم بالسفور عند الرجال الأجانب مشابهة للإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال، ولا يغارون من خلوة الرجال الأجانب بهن، ولا بغيرهن من محارهم.

وكثير منهم يتشبهون باليهود والنصارى في الإشارة بالأكف والأصعب، ورفع اليد إلى جانب الوجه عند التسليم.

وكثير منهم يتشبهون بمشركي قريش وبطوائف الإفرنج وغيرهم من أمم الكفر والضلال في التصفيق في الأندية، والمجامع عند التعجب واستحسان الخطب والأشعار.

وكثير منهم يتشبهون بالإفرنج في تكتيف اليدين على الدبر، وكثير منهم قد اعتاضوا عن أحكام الشرع بقوانين أعداء الله تعالى ونظمهم وسياستهم الخاطئة وآرائهم الفاسدة.

ومن ذلك افتتانهم بموالاة أعداء الله تعالى وموادتهم وتعظيمهم بالقيام لهم وبداءتهم بالسلام، وتصديرهم في المجالس، وتقديمهم على

ص: 81

المسلمين في الدخول، ومناولة المأكولات والمشروبات، والانبساط معهم، وتصديقهم في كثير من مزاعمهم الباطلة المخالفة لما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى مع بعض أصحابه صحيفة أخذها من بعض أهل الكتاب، وقال: أمتهوكون فيها.

وإذا كان هذا قوله صلى الله عليه وسلم من أجل صحيفة واحدة، فكيف ولو رأى ما آل إليه الأمر في زماننا من انتشار مقالات أعداء الله تعالى وآرائهم وتخرصاتهم بين المسلمين، وقبول كثير منهم لها، وتنافسهم في قراءتها وتنفيرهم من كتب الحديث، وغيرها من كتب أهل السنة، وتسميتهم لها بالكتب الصفراء، وتسمية المتمسكين بالسنة الرجعيين، وتسمية أهل الكفر والنفاق والشقاق والزندقة والإلحاد وغيرهم من أهل الفسق والفجور التقدميين {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .

ومن ذلك افتتانهم بالدخان الخبيث، وانهماكهم في شربه.

ومن ذلك افتتانهم بالاستماع إلى الغناء والمزامير وأنواع المعازف والملاهي وأصوات النساء الأجنبيات، ونغمات البغايا المتهتكات، وتهوكهم في اتخاذ آلات ذلك كالراديو، والصندوق وغيرهما من آلات اللهو التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتمكين نسائهم وبناتهم وغيرهن من محارمهم من الحضور عند الراديو وغيره من آلات اللهو واستماعهن إلى أنواع المحرمات التي تشوقهن إلى فعل الفواحش وأنواع المحرمات.

ص: 82

ومن ذلك افتتانهم بالحضور عند السينما والتلفزيون الذين هما من أخبث الملاهي التي تصدر عن ذكر الله وعن الصلاة.

ومن ذلك افتتانهم باتخاذ الساعات التي فيها الموسيقى المطربة، ومثل ذلك اتخاذ السيارات التي فيها الراديو والموسيقى المطربة.

ومن ذلك افتتانهم بلبس الساعات والتشبه بالنساء في لبسهن الأساور والتشبه أيضًا بالكفار الذين يتحلون بالساعات.

والتشبه أيضًا بأهل النار؛ لأن الحديد حليتهم في نار جهنم.

ومن ذلك افتتان كثير منهم بلبس الحرير والتختم بخواتم الذهب، ومن ذلك افتتانهم باللعب بالأوراق المسماة بالجنجفة والمقامرة على اللعب بها، وذلك من الميسر المحرم.

ومثل ذلك اللعب بالكيرم ونحوه، وأخذ العوض على الغلبة فيه، ومن ذلك افتتانهم باللعب بالكرة، وهو من الأشر المذموم، وأخذ العوض على الغلبة فيه من الميسر المحرم.

ومن ذلك افتتانهم بتصوير ذوات الأرواح واقتناء الصور وشراء الصحف والكتب المشحونة بالتصاوير ووضع صور الملوك والأكابر في المجالس.

ومن ذلك افتتانهم بالجرائد والمجلات والكتب العصرية وصرف هممهم إلى مطالعتها، وإعراضهم عن تدبر كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعن النظر في علوم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.

ومن ذلك افتتانهم في بعض الأمصار بمعاشرة النساء الأجنبيات، والخلوة بهن وبالمردان، وذلك من أعظم الوسائل إلى

ص: 83

ارتكاب الفاحشة، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي والحكم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» قال الترمذي: حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

وروى الإمام أحمد أيضًا عن جابر وعامر بن ربيعة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

وفي الصحيحين والمسند وسنن ابن ماجة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» .

ورواه مسلم أيضًا والترمذي من حديث أسامة بن زيد، وسعيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنهم أنهما حدثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

ومن ذلك افتتانهم بالاشتراكية الخبيثة، وترغيبهم فيها، وهي من أعظم الظلم.

ومن ذلك افتتانهم بأخذ المكوس والضرائب من أموال الناس بغير حق.

ومن هذا الباب ما تأخذه البلديات ممن يريد أن يبني دارًا أو يجعل على السوق بابًا أو فرجة أو ميزابًا ونحو ذلك مما فيه منفعة لصاحب الدار، ولا مضرة فيه على غيره.

ص: 84

ومن ذلك افتتانهم بالقومية العربية، وترغيبهم فيها، وهي من عزاء الجاهلية وعصبيتها.

إلى غير ذلك من الفتن التي قد تهوك فيها كثير من الناس، وأشربتها أهواؤهم، فأصروا على ارتكابها مع العلم بتحريمها.

وهؤلاء أعظم جرمًا ممن يعمل المعاصي جاهلا بتحريمها.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على المنبر: «ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا، وهم يعلمون» رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وإسناده جيد.

وكثير من الناس يرون بعض هذه المنكرات من المعروف، ويأمرون غيرهم بها ويرغبونهم فيها، وهذا مصداق ما رواه رزين عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال:«نعم وأشد» . «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا» قالوا: يا رسول الله، وإن ذلك لكائن قال:«نعم» .

وقد تقدم هذا الحديث بتمامه في أول الكتاب فليراجع.

ص: 85