المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌ ميادين الجمال:

5 /‌

‌ ميادين الجمال:

من خلال ما سبق ذكره من تقسيم الجمال إلى حسّي ومعنوي، نستطيع أن ننطلق منه، لمعرفة ميادين الجمال ومجالاته وهي: -

أ-الطبيعة: فالطبيعة بكل ما تحتويه من أرض وسماء، وإنسان وحيوان، ونبات وجماد، تصلح ميدانا" رحبا"، ومجالا" فسيحا" للجمال، والقرآن الكريم حين تناول "الطبيعة" لفت الإنسان إلى كثير من دقائقها. وأسلوب القرآن في عرض مشاهد الجمال من الطبيعة على نوعين:

ص: 89

- نوع إجمالي: وذلك أن يتناول الأشياء الكلية على وجه الإجمال، ثم يحوّل النظر إليها، كي يعيش المرء معها بعمق وتمعن، ويستخرج منها نتائج وأسرارا". قال تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فهذا المشهد العظيم لوحة من الطبيعة، التي لا تحدها الأبعاد والأنظار، يسرح فيها العقل والبصر، ليستنتج منها نتائج معينة، الجمال ليس بآخرها.

- نوع تفصيلي: وذلك أن يتناول جزءا من أجزاء الطبيعة، ومظهرا من مظاهرها، ويرشد إلى الجمال فيه، بالتصريح أو بالتلميح. قال تعالى:{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}

ص: 90

ب-الإنسان: الإنسان ميدان آخر للجمال، يتخلله الجمال منذ مرحلة تكوينه ونشأته، إلى مرحلة نضجه وتكامله، بل إن الجمال من أبرز سمات الإنسان التي نوه بها القرآن الكريم، للدلالة على قدرة الله تعالى وإبداعه، يمتن الله به على عباده، فيقول تعالى:{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} وقال جل وعلا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} وقال عز سبحانه: {يا أيها الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} فالتسوية التامة للإنسان، هي النقطة الأساسية، التي ينطلق منها جمال الإنسان، لأن عدم الخلل والنقص في بنيته، دليل على جماله وقد خلق الله الإنسان فبلغ به من الإحسان والإتقان ما بلغه.

ص: 91

ج-الفن: والفن نتاج إنساني، استفاده من الطبيعة التي سخرها الله له، ومن عقله الذي وهبه إياه، والإسلام قائم على أساس العقيدة، ذات التصور الشامل عن الكون والحياة والإنسان، ولهذا فلا مجال فيه للباطل من الأوهام والخرافات، والأصنام والأوثان. ويعد الفن مجالا خصبا للجمال لا ينضب ما دام الإنسان قائما على وجه الأرض، وقد تمثل الجمال الفني في الإسلام في أمور كثيرة، أهمها ما يلي:

* النقش والزخرفة: عرف المسلمون قديما بهذا الفن الجمالي، حتى قيل: إن الفن الإسلامي فن زخرفي، ذلك أنه لا يكاد يخلو أثر إسلامي، بدءا بالخاتم ومرورا بالأواني، وانتهاء بالبناء الضخم وقد قامت الزخرفة على نمطين:

- نمط نباتي أو ورقي: وهو الذي أبرز بأساليب متعددة، من إفراد ومزاوجة، وتقابل وتعانق، وفي مجالات متنوعة، من جدران وقباب، وتحف نحاسية وزجاجية، وصفحات الكتب وأغلفتها، ونحو ذلك.

- نمط هندسي: وذلك باستعمال الخطوط الهندسية وصياغتها في أشكال فنية رائعة، على شكل نجوم أو دوائر متداخلة، أو نحو ذلك، وقد زينت بهذا النوع من الزخرفة المباني والتحف الخشبية والنحاسية، والأبواب والسقوف، ونحو ذلك.

ص: 92

* الكتابة والخط: كانت الكلمة ولا زالت، ميدانا رحبا للجمال الفني، سواء كانت نثرا أو شعرا، ولقد تبوأ الخط والكتابة مكانة عظيمة، منذ بدء الوحي حيث اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي، يكتبون كل ما ينزل من القرآن، فكتب على جريد النخل، وصفائح الحجارة، وجلود الأنعام، والأخشاب كما نقل من ذلك وكتب في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق عندما خشي ضياعه بذهاب القراء في الجهاد. ولقد برع الكتاب براعة عظيمة، عندما أصبح الخلفاء والأمراء والخطباء والعلماء، والشعراء وغيرهم من صناع الكلمة ومصدرها، ذوي منزلة في المجتمع، وأصحاب الشأن في الدولة، فبلغ الخط والكتابة شأوا بعيدا، وحظي بعناية فائقة من المسلمين، وتفنن الناس فيه، حين صار أداة ضرورية للمعرفة، فأكسبوه ألوانا وأشكالا، فوجد الخط الكوفي، والفارسي، والنسخي والرقعي، والمغربي والديوانى والثلث، كما فَرَّعُوا عليها فروعا كثيرة، لا يسع المجال لذكرها.

ص: 93

* العمارة والتخطيط: والعمارة قديمة قدم الإنسان، وتتطور كلما طوّرت وسائلها عبر القرون والأجيال، إلا أنها في الإسلام، أحدث فيها ما لم يكن موجودا من قبل، ووضعت أمام معطيات منهجية تجعلها تؤدي وظيفتها، بطريقة جمالية مضبوطة، وقد تركز هذا الفن الجمالي على شيئين بارزين، هما:

1 / المساجد ودور العبادة: لقد قطع الفن المعماري أشواطا بعيدة، حقق فيها التنوع الرائع، والانسجام الجميل، إذ ظل المسجد، ذا طابع خاص، وشكل مميز، إضافة إلى العناصر الأخرى التي تؤكد ذلك التميز.

2 / المساكن والبيوت: كان للإسلام أيضا تأثيره على الفن المعماري للبيوت والمساكن التي يسكنها كثير من الناس، والقصور التي يسكنها الخلفاء والأمراء، وأصحاب الجاه والمال، وقد شهد لهذا التأثير، عالم غربي، هو ج. مارسيه حين قال:(لقد تغلغل الإسلام في الحياة البيتية، كما دخل حياة المجتمع، وصاغت الطبائع التي نشرها، شكل البيوت والنفوس)

وإنما تميز البيت المسلم عن غيره، لارتباطه بالكثير من الشئون الاجتماعية، التي صاغها الإسلام صياغة جيدة، ونظمها تنظيما رائعا والتي ينبغي مراعاتها في البيوت الإسلامية، ومن تلك الأمور:

ص: 94

- الحجاب، الذي يفصل الرجال عن النساء.

- الاستئذان خارج البيت، للدخول فيه.

- الاستئذان داخل البيت، للدخول في غرفه، ونحو ذلك.

ص: 95

وقد بقي من القصور القديمة، في الأندلس (أسبانيا الآن) بقية، يعد قصر الحمراء في غرناطة من أهمها، أما القصور الحديثة فكثيرة ومتعددة، لا يحصيها العد كثرة، يراها كل الناس في البلاد التي يقطنها المسلمون، وستبقى كل من البيوت والقصور، تحكي ما وصل إليه المعماريون المسلمون من فن وعبقرية، وعلم عميق بالهندسة. على أن عمارة البيوت والقصور، والعناية بنقشها وزخرفتها، يجب أن يكون في حدود المنهج الإسلامي، الذي لا يسمح بالإسراف والتبذير ولا يرضي بالشح والتقتير، ولكنه بالتوسط والاعتدال، ولا ينسين المرء الجمال المادي ما حققه الإسلام من الجمال المعنوي، الذي يجعل كل إنسان، يهتم بالأمور الضرورية التي هي أكثر أهمية من غيرها، فجمال القاضي بعدله وإنصافه، وجمال الحاكم باهتمامه بشئون رعيته، وسهره لأمنهم وراحتهم، وجمال الغني بصدقته وإنفاقه، وجمال الفقير بكده وعمله لذا قال الله تعالى:{يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} وقال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}

ص: 96