المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حلق اللحية تشبه بالكافرين - اللحية لماذا

[محمد إسماعيل المقدم]

الفصل: ‌حلق اللحية تشبه بالكافرين

صفحات التاريخ الإسلامى وعرضها لم تجد من أئمة الهدى، ومصابيح الدجى من كان يحلق لحيته، وإنما تسربت إلينا هذه الضلالة، واستمرأها بعض المسلمين لما اتصلوا بالكفار حين احتلوا بلادنا، أو حين رحلوا إلى بلاد هؤلاء الكفار فاحتلوا عقولهم، وأعرضوا عن هدى سلفهم الصالح، واتبعوا غير سبيل المومنين حَذْوَ القُذَّةِ بالقذة، وافتتنوا بسَنن اليهود والنصارى، فحاكَوْهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع.

‌حلق اللحية تشبه بالكافرين

قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية:18]، وهم كل من خالف شريعته صلى الله عليه وسلم، و"أهواؤهم"

= قبلنا، فنصلح لأن يأتم بنا مَن بعدنا"، ولم ينقل عن أحد من السلف الصالح حلق لحيته لعدم جوازه عندهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها، قال الإمام ابن حزم رحمه الله فى "مراتب الإجماع": (واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثْلَةٌ لا تجوز) اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يحرم حلق اللحية للأحاديث الصحيحة، ولم يُبِحْهُ أحد) اهـ.

ص: 17

ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر الذى هو من موجبات دينهم الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه.

وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} . [الحديد: 16]

وقوله تعالى: {وَلَا يَكُونُوا} نهى مطلق عن مشابهتهم، قال ابن كثير:" .. ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم فى شىء من الأمور الأصلية والفرعية".

إن ترك التشبه بالكفار فى أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التى أسسها القرآن الكريم، وبيَّنها وفَصَّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحققها فى أمور كثيرة من فروع الشريعة: فى الصلاة، والجنائز، والصيام، والأطعمة، واللباس والزينة، والآداب، والعادات، وغيرها،

وقال صلى الله عليه وسلم "لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا"، [حسن]

حتى عرف ذلك اليهود الذين كانوا فى مدينة النبى صلى الله عليه وسلم، وشعروا أنه صلى الله عليه وسلم يتحرى أن يخالفهم فى كل شئونهم

ص: 18

الخاصة بهم، فقالوا:" مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ"[رواه مسلم].

وقال صلى الله عليه وسلم " .. وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"[صحيح]

وعن الحسن قال: "قلما تشبه رجل بقوم إلا لحق بهم" يعنى فى الدنيا والآخرة.

وقال بعض مشيخة الأنصار: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ -أي لحاهم- وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ. -أي شواربهم- قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ" [حسن]

وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى» (1) متفق عليه،

(1) ومما ينبغى التنبه إليه أن المشركين الموجودين فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم كانوا ذوى لحى "انظر صحيح مسلم الحديث (1800) "، لأن العرب لم تترك زينة اللحى لا في الجاهلية ولا فى الإسلام، وقد أقرهم الإسلام عليها، ولعلهم توارثوها من دين إبراهيم عليه السلام، وكان الغربيون يعفون لحاهم إلى أن أشاع الملك بطرس ملك روسيا حلق اللحية فى أوربا فى أول القرن السابع عشر، ومنهم تسربت إلى المسلمين هده السنة السيئة فيما بعد. =

ص: 19

وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ» [رواه مسلم].

قال أبو شامة رحمه الله: (وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصونها).

تنبيه:

اعلم- رحمك الله- أنه لا يقدح فى استمرار هذا التعليل أن بعض المشركين اليوم يعفون لحاهم، وذلك لما يلى:

أولًا: أن حلق اللحية سنةُ أكثرِهم، بل ما تسربت إلينا هذه البدعة إلا من طريقهم.

ثانيًا: وأما من أعفى لحيته منهم باعتبار ذلك رجولة وفحولة، أو اقتداءً بأنبيائهم، فقد سلمت فطرته فى هذه الجزئية التى توافقت شريعتنا فيها

= أما كيفية مخالفة المشركين مع إعفائهم لحاهم فى زمنه صلى الله عليه وسلم فبقص الشارب، وأخذ ما طال عن الشفة، أو بتوفير اللحى إذا كانوا يقصرونها، فالمخالفة هنا فى وصف الفعل، أما إذا حلقوا لحاهم، فنحن نخالفهم فى أصل الفعل بإعفاء اللحى.

ص: 20

مع شريعتهم، وإن كنا نخالفهم بقص الشوارب، وأخذ ما طال عن الشفة، قال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا". [صحيح]

وإذا كان بعض الكفار -كاليهود- اليوم يعفون لحاهم وآخرون يحلقونها، فنحن مأمورون بمخالفة الحالقين والمقصرين، لا بمخالفة من أعفاها، فلو كانت القاعدة أن ما يفعله الكفار يجب اجتنابه مطلقًا، لوجب علينا ترك الختان لأن اليهود يختتنون.

ثالثا: كذلك لا يقدح فى استمرار التعليل بمخالفة المشركين أن أكثر المسلمين اليوم يحلقون لحاهم، لأن القرآن والسنة حجة عليهم، وقد دلَّا على تحريم تغيير خلق الله، والتشبه بالنساء، ودلت السنة على أن إعفاء اللحية من خصال الفطرة التى لا تتبدل بتبدلِ الأزمان، وانحرافِ البعض عنها، فلا يصح أن نرفض ما شرعه الله لنا، وفَطَرَنا عليه لمجرد أن يتلبس به بعض المخالفين لنا فى الدين، أو يُفَرِّطَ فيه بعض المنتسبين إليه.

ص: 21