الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال ابن سليمان: شرب الخمر يا أمير المؤمنين، فسله بأي نار طبخت؟ قال أبو دلامة: بنار الله الموصدة، التي تطلع على فؤاد من علمك. فضحك المنصور منه وأجازه.
الإماء من شواعر النساء
وهن: عنان، والذلفاء، ورييم، وفضل، وملك، وخنساء، وصرف، ومخنثة، ومدام، وخشف، وعلم، وريا، وسكن. وسكن أغزرهن وأشهرهن ذكراً، وإنما أكثرهن افتناناً عنان، جارية الناطفي.
عنان جارية الناطفي وهي صاحبة أبي نواس، وبينهما معاتبات ومضاحكات، وتهاجيا في آخر أمرهما. وكان لها ظرف بارع، وأدب كامل، في سرعة جواب. وكان لها مجلس ينتابه السراة والشعراء وأهل الأدب، يطارحونها الأشعار ويناشدونها.
فمن شعراها ترثي مولاها:
يا موتُ أفنيتَ القرونَ، ولم تزلْ
…
حتى سقيتَ، بكأسكَ، النطافا
يا ناطفيُّ، وأنتَ عنا نازحٌ
…
ما كنتَ أولَ منْ دعوهُ فوافى
وقالت:
نفسي على زفراتها موقوفةٌ
…
فوددتُ لو خرجتْ من الزفراتِ
لا خيَر بعدكَ في الحياة، وإنما
…
أبكي مخافةَ أنْ تطولَ حياتي
قال محمد بن سليمان الكاتب: إفتصد الرشيد يوماً، فأهدى له يحيى بن خالد جارية عوف الخياط. فأقامت عنده شهراً، قم وهبها لخزيمة بن خازم.
ففي ذلك تقول عنان، تمدح يحيى، وتطلب أن يبتاعها:
نفى النومَ عن عينيَّ حوكُ القصائدِ
…
وآمالُ نفسٍ، همها غيرُ واحدٍ
إذا ما نفى عني الكرى طولُ ليلتي
…
تعوذتُ منهُ باسمِ يحيى بن خالدِ
وزيرِ أميرِ المؤمنينَ، ومنْ له
…
فعالانِ من جودٍ: طريفٍ وتالدِ
على وجهِ يحيى غرةٌ يهتدي بها
…
كما يهتدي ساري الدجى بالفراقدِ
بلغتَ الذي لم يبلغِ الناسُ مثلهُ
…
فأنتَ مكانُ الكفِّ من كلِّ ساعدِ
تعودَ إحساناً، فأصلحَ فاسداً
…
وما زال يحيى مصلحاً كلَّ فاسدِ
وكانتْ رقابٌ من رجالٍ تعطلتْ
…
فقلدها يحيى كرامَ القلائدِ
على كلِّ حيٍّ من أياديهِ نعمةٍ
…
وآثارهُ محمودةٌ في المشاهدِ
ففعلكَ محمودٌ، وكفكَ رحمةٌ
…
ووجهكَ بدرٌ، نورهُ غيرُ خامدِ
مننتَ على أختيَّ منكَ بنعمةٍ
…
صفتْ لهما منها عذابُ المواردِ
فمنَّ بما أنعمتَ منها عليهما
…
عليَّ، وقاكَ الله كيدَ المكائدِ
أعوذُ من الحرمانِ منك بخالدٍ
…
وطيبِ ترابٍ، فيه أعظمُ خالدِ
وذكرها يحيى لهارون الرشيد، فأمر بشرائها، فاشتراها بثلاثمائة ألف درهم، وأمر صاحب بيت المال برفع المال إلى مولاها. فقال لمولاها: اجعل لي من هذا المال عشرة آلاف درهم، فأبى أن يفعل. فأمر صاحب بيت المال بثلاثين حمالاً، فحملت البدر، وأدخلها على الرشيد، فقال: ما هذا؟ قال: هذا ثمن عنان. قال: ويلك هذا كله سرف، رده إلى بيت المال. وأبطل شراءها. ثم بعد ذلك عزم يحيى على معاودة الرشيد في أمرها، فعاق عن ذك حادثهم.
وقال: أحمد بن إبراهيم: هويت عنان فتى من أهل بغداد، لا نبات له بعارضيه، في غاية من الحسن، وكان يدعي النسك والعفاف. فطلبت وصاله فأبى. ثم أن الفتى بعد ذلك نبتت لحيته، وضجر من طول الزهد، فأتاها يلتمس منها ما كانت تلتمس منه، فأنشأت تقول:
هلا وأنتَ بماءِ وجهكَ تشتهي
…
رؤدَ الشابِ، قليل شعرِ العارضِ
ألآن إذْ نبتتْ بخدكَ لحيةٌ
…
ذهبت بملحكَ، ملءُ كفِّ القابضِ
مثلُ السلافةِ عادَ خمرُ عصيرها
…
بعدَ اللذاذ خلًّ خمرٍ، حامضِ
وقالت:
إلى الله أشكو طارقاتٍ من الهوى
…
لها في فؤادي جمرةٌ تتضرمُ
فلا مشتكى إلا إليهِ، فأنه
…
أرقُّ، وأحفى بالعبادِ، وأرحمُ
وحكى عنها أبو ثابت قال: خطر بقلبي بيت شعر قلته، وتعسر علي ثانيه، وطلبت من يجيزه. فتذكرت عنان جارية الناطفي، فأتيتها وأوردت عليها الشعر، فقلت:
وما زال يشكو الحبَّ حتى سمعتهُ
…
تنفسَ في أحشائهِ، أو تكلما
فأطرقت، ساعة، ثم قالت:
ويبكي فأبكي رحمةً لبكائهِ
…
إذا ما بكى دمعاً بكيتُ له دما
ويروى عن زريق الشاعر قال: أتيتها يوماً، فلما رأتني قالت: مرحباً يا عم، لقد جاء الله بك على حاجة إليك. قلت: وما ذاك؟ قالت: إن هذا الأعرابي الذي تراه سألني أن أقول بيتاً، وقد صعب علي الابتداء، فابتدئ علي بالقول.
فقلت:
لقد عزَّ العزاءُ، وغيلَ صبري
…
غداةَ جمالهم للبينِ زفتْ
فقال الأعرابي:
نظرتُ إلى أواخرها ضحياً
…
وقد رفعوا لها عصياً فرنتْ
فقالت عنان:
كتمتُ هواهمُ في الصدر مني
…
على أنَّ الدموعَ عليَّ نمتْ
قال: ودخلت إلى بعض الأمراء فكتب إليها:
ماذا تقولينَ فيمن شفهُ سقمٌ
…
من فرطِ حبكِ، حت ظلَّ حيرانا
فكتبت تحت هذا الشعر:
إذا رأينا محباً قد أضرَّ بهِ
…
جهدُ الصبابةِ، أوليناهُ إحسانا
وعرضت على عيسى بن جعفر، فأعجبته، فغمزها وقال:
جودي لصبٍّ حزينٍ
…
يكفيهِ منكِ قطيرهْ
فقالت:
إيايَ تعني
…
بهذا؟ عليكَ فاجلدْ عميرهْ
ودخل عليها أبو نواس، وقد ضربها مولاها، وهي تبكي، فقال:
بكتْ عنانً فجرى دمعها
…
كالدرِّ قد توبعَ في خيطهِ
فقالت:
أجلْ، ومنْ يضربها ظالمٌ
…
تيبسُ يمناهُ على سوطهِ
وقالت تهجو أبا نواس:
يا نواسيُّ، يا نفايةَ خلقِ الل
…
هِ، قد نلتَ بي سناءً وفخرا
متْ متى شئتَ، قد ذكرتكَ في الشع
…
رِ، وجررْ أطرافَ ثوبكَ كبرا
لا تسبحْ، فما عليكَ جناحٌ
…
جعلَ الله بين لحييكَ دبرا
فإذا ما أردتَ أن تولي الل
…
هـ على ما أبلى وأولاك، شكرا
فاذكر الله بالضمير وبالاي
…
ما، ولا تذكرنَّ ربكَ جهرا
فأخذ هذا المعنى البلاذري فقال:
يسبحُ لا من تقىً أحمدٌ
…
يحبُّ التظرفَ بالسبحةِ
ويخرجُ أنفاسهُ كالفسا
…
يفتقهُ السرمُ عن سلحةِ
أبا جعفرٍ فتوقَّ الإله
…
ولا تذكرِ الله من فقحةِ
وقالت تمدح جعفرا بن يحيى:
يا لائمي، جهلاً، ألا تقصرُ
…
منْ ذا على حرِ الهوى يصبُر
لا تلحني أني شربتُ الهوى
…
صرفاً، وممزوجُ الهوى يسكرُ
أحاطَ بي الحبُّ، فخلفي له
…
بحرٌ، وقدامي له أبحرُ
تخفقُ راياتُ الهوى بالردى
…
فوقي، وحولي للردى عسكرُ
سيانَ عندي، في الهوى، لائمٌ
…
أقلِّ فيهِ، والذي يكثرُ
أنتَ المصفى من بني برمكٍ
…
يا جعفرَ الخيراتِ، يا جعفرُ
لا يبلغُ الواصفُ في وصفهِ
…
ما فيهِ من فضلٍ، ولا يحصرُ
ما عصرتْ عوداً يدٌ لامرئٍ
…
أطيبَ من عودكَ إذ يعصرُ
منْ وفرَ العرضَ بأموالهِ
…
فجعفرٌ أعراضهُ أوفرُ
ديباجةَ الملك على وجههِ
…
وفي يديهِ العارضُ الأحمرُ
سحتْ علينا منهمُ ديمةٌ
…
ينهلُّ منها الذهبُ الأحمرُ
لو مسحتْ كفاه جلمودةً
…
نضرَ فيها الورقُ الأخضرُ
لا يستتمُّ الحمد إلا فتىً
…
يصبرُ للبذلِ، كما يصبرُ
يهتزُّ تاجُ الملكِ من فوقهِ
…
فخراً، ويزهز تحتهُ المنبرُ
يشبههُ البدرُ إذا ما بدا
…
أو غرة في وجههِ تزهرُ
والله ما ندري أبدرُ الدجى
…
من وجههِ، أم وجههُ أنورُ
يستمطرُ الزوارُ منكَ الغنى
…
وأنتَ بالزوارِ تستبشرُ
عودتَ طلابَ الندى عادةً
…
إن قصروا عنكَ، فما تقصرُ
قال جامع الكتاب: لقد طربت لهذه الأبيات، حتى كررتها فحفظتها.
وأما الذلفاء: فكانت أمة لابن الطرخان، وكان الشعراء أيضاً يأتونها ويطارحونها، وكانت حسنة الجواب. ودخل عليها مروان بن أبي حفصة، وعندها أبو نواس وغيره من الشعراء، فقال مولاها لمروان: يا أبا يحي إختر لها بيتاً لتجيزه. فقل: قول جرير:
غيضنَ من عبراتهنَّ، وقلنَ لي
…
ماذا لقيتَ من الهوى، ولفينا
فقالت، وكانت تشبب بالرشيد:
هيجتَ بالبيتِ الذي أنشدتني
…
حباً بقلبي، للإمامِ، دفينا
قال: فقام أبو نواس مغضباً، وهو يقول:
عجباً من حماقةِ الذلفاءِ
…
تشتهى
…
الخلفاءِ
فقالت:
إنَّ أحرى الأمورِ عندي منالاً
…
شهواتُ الأكفاءِ للأكفاءِ
ويقال: إن العباس بن الأحنف دخل على الذلفاء يوماً، فقال: أجيزي:
أهدى له أحبابهُ أترجةً
…
فبكى، وأشفقَ من عيافةِ زاجرِ
فقالت:
متطيراً مما أتاهُ، لأنها
…
لونانِ: باطنها خلافُ الظاهرِ
وأما ريم: فكانت جارية إسحق بن عمرو السلمي. وكانت شاعرة مجيدة. فامتحنها أبو اليدين عبد الرحمن، وكتب إليها:
ألا منْ لعينٍ لا ترى أسودَ الحمى
…
ولا ناضرَ الريانِ إلا استهلتِ
طروبٍ إذا حنتْ، لجوجٍ إذا بكتْ
…
بكتْ فأدقتْ في الهوى، وأجلتِ
فكتبت الجواب في ظهر الرقعة:
فليسَ مدنيهِ البكاءُ من الحمى
…
وإنْ كثرتْ منه الدموعُ، وقلتِ
يحنُّ إلى أهلِ الحمى، فدموعهُ
…
تسحُّ، كما سحتْ سماءٌ تدلتِ
فلم يصدق أن الشعر لها، فكتب إليهاً شعراً لجحاف لا يعرفه أحد، وهو:
كيف المقام بأرض لا أشد بها صوتي
…
إذا ما اعترتني سورة الغضب
فكتبت في الجواب:
ما إن يطيبُ مقامُ المرءِ في بلدٍ
…
فيه يخافُ ملماتٍ من العطبِ
فاحللْ بلادَ أناسٍ لا رقيبَ بها
…
فما يطيبُ لمرٍ عيشُ مرتقبِ
وأما فضل الشاعرة: فقد قال أحمد بن أبي طاهر: كنا نجتمع معها كثيراً. فجلسنا يوماً، أنا وهي وسعيد بن حميد الكاتب، فكتب إليها سعيد:
علمَ الجمالِ تركتني
…
بهواكِ أشهرَ منْ علمْ
فجابته:
وتركتني يا سيدي
…
غرضَ العواذلِ والتهمْ
صلةُ المحبِّ حبيبهُ
…
الله يعلمها كرمْ
وكتبت إلى سعيد بن حميد، وقد رأته يكثر العبث بقينة:
يا حسنَ الوجهِ، سيءَ الأدبِ
…
شبتَ، وأنتَ االغلامُ في اللعبِ
ويحكَ إنَّ القيانَ كالشركِ الل
…
منصوبِ بين الغرورِ والعطبِ
بينا تشكى إليكَ، إذ خرجتْ
…
بعدَ التشكي منها إلى الطلبِ
لا يتصدينَ للفقير، ولا
…
يطلبنَ إلا معادنَ الذهبِ
تلحظُ هذا وذا، وذاكَ وذا
…
لحظَ محبٍّ، ولحظَ مكتسبِ
وكتبت إلى آخر كانت توده:
يا منْ تزينتَ العلومُ بفضلهِ
…
وعلا، ففاتَ مراتبَ الأدباءِ
ما هكذا يجفو الأديبُ أديبةً
…
حلتْ، وحلَّ مراتبَ العلماءِ
صرفَ الإلهُ عن المودةِ بيننا
…
وعن الإخاءِ شماتةَ الأعداءِ
وقالت فضل: استدعاني يوماً أميير المؤمنين المتوكل، فلما دخلت عليه قال: إن بعض الجواري قالت بيتاً فما يجيزه سواك. فقلت: ما هو؟ فقال:
أقامَ الإمامُ منارَ الهدى
…
وأخرسَ ناقوسَ عموريهْ
فقلت:
فأضحى بهِ الدينُ مستبشراً
…
وأضحتْ زنادُ التقى موريهْ
وأما خنساء: فكانت جارية للفضل بن يحيى بن خالد. قال أبو عمرو: كتبت إلى خنساء:
خنساءُ، يا خنساءُ حتى متى
…
يرفعُ ذو الحبِّ، وينحطُ
وكيف منجاتي، وبحرُ الهوى
…
قد حفَّ بي، ليس له شطُّ
قكتبت:
يدرككَ الوصلُ فتنجو بهِ
…
أو يقعُ الهجرُ فتنغطُّ
وأما ملك: فكانت جارية لأم جعفر. وروى أبو زيد مر بن شبة، قل: كتب بعض الشعراء إلى ملك، وكان يهوها:
يا ملكُ قد صرتُ إلى خطةٍ
…
رضيتُ فيها منكِ بالضيمِ
يلومني الناسُ على حبكم
…
والناسُ أولى منكِ باللومِ
أشكو إليكِ الشوقَ يا منيتي
…
والموتُ من نفسي على سومِ
فكتبت إليه:
إن كانتِ الغلمةُ هاجتْ فقمْ
…
وعالجِ الغلمةَ بالصومِ
ليس بكَ الشوقُ، ولكنما
…
تدورُ من هذا على كومِ
وأما صرف: فكانت مملوكة لابن عمرو، وكانت شاعرة مصافية لعبد الصمد بن المعذل. قال أبو زيد: كتب إليها عبد الصمد يوماً:
حبوتُ صرفاً بهوى صرفِ
…
لأنها في غايةِ الظرفِ
يا صرفُ ما تقضينَ في عاشقٍ
…
بكاؤه يبدي الذي يخفي
فكتبت له:
لبيكَ من داعٍ، أبا قاسمٍ
…
يا غايةَ الآدابِ واللطفِ
صرفُ التي أصفتكَ محضَ الهوى
…
يقصرُ عن حبكمُ وصفي
وأما خشف: فكانت جارية للعباس بن الفضل. وهي القائلة في رجل كانت تهواه:
لو كنتُ رزقي ما أردتُ زيادةً
…
ولقلتُ: أحسنَ رازقي وأصابا
وأما علم: فكانت جارية لأحمد بن يزداد. ومن شعرها، وروى عنها المبرد، قولها:
شكى صاحبي أتعابهُ العيسَ في السرى
…
فلمْ يلفَ في الشكوى عليَّ معولا
وأتعبَ عندي من مطايا بقفرةٍ
…
وبعدها منها شقةً وترحلا
حشاً يمتطيها الشوقُ في كلِّ ساعةٍ
…
تقربها البلوى إلى الحتفِ منزلا
وأما مدام: فكانت جارية، وكانت للعباس بن الفضل مواصلة. فكتب إليها:
كوني بخيرٍ، وإنْ أصبحتِ في شغلٍ
…
القلبُ قلبكِ أعيتْ دونه حيلي
لو كنتُ أحسنُ هجراً ما هجرتكمُ
…
أوْ كنتُ أعرفُ غيرَ الوصلِ لم أملِ
أقررتُ بالذنبِ، خوفاً من عقابكِ لي
…
وقلتُ: ما الذنبُ إلا لي، ومن عملي
لما لحظتِ سوائي لحظَ مكتتم
…
علمتُ أنكِ قد وفيتني أجلي
كتبتُ، والدمعُ في القرطاسِ منحدرٌ
…
وإنْ شككتِ تبينيهِ في البللِ
فأجابته:
كم قد تعللتُ بالتسويفِ والأملِ
…
وكم تجرعتُ من لومٍ، ومن عذلِ
وكم رجوتُ، إذا ما الدهرُ باعدني
…
بأنْ أدالَ على قلبي، فلم أدلِ
لم يكفِ أن حزتَ نومي عن مسالكهِ
…
فليسَ يطرقُ في ريثٍ، ولا عجلِ
إن كنتُ خنتكَ في عهدي مختالةً
…
أو عمدَ عينٍ، أو استبدلتُ من بدلِ
فلا رأيتكَ يوماً إذاً
…
عني بغير، ولا من أملي
أمسى كتابكَ مبلولا، وقد درستْ
…
منه السطورُ، ورسمُ الدمعِ لم يزلِ
إذا بي، أو خنتَ خالصتي
…
أو غبتَ عني، فذا أقصى عقابكَ لي
وكتب إليها أيضاً:
تبرمتُ بعذالي
…
وبثِّ القيلِ والقالِ
فما يخطرُ من بعد
…
كِ في الحبِّ على بالي
فكفي من تجنيكِ
…
الذي هيجَ بلبالي
وعودي كالذي كنتِ
…
لنا في الزمنِ الخالي
وإلا كانَ شكوانا
…
إلى الشاهِ بنِ ميكالِ
فكتبت إليه:
بنفسي أنتَ من قالِ
…
وبالأهلِ، وبالمالِ
إذا ما كنتُ أرعى ل
…
كَ حبيكَ، وترعى لي
ولم تسألَ من واشٍ
…
فما الشكوى إلى الوالي
وأما ريا: فكانت جارية لابن القراطيسي، وكانت شاعرة. أنشد السيد بن أنس التليدي:
وإذا ترعرعَ من تليدٍ ناشئٍ
…
جعلَ الحسامَ ضجيعهُ في المسهدِ
فكتبت:
قومٌ لهم شرفٌ وعزٌّ تالدٌ
…
يفنى الزمانُ وعزهم لم ينفدِ
الله خصَّ قديمهمْ وحديثهم
…
دون البريةِ بالعلى والسؤددِ
أضحى يقرهمُ بكلِّ فضيلةٍ
…
منْ كان يجحدهمْ، ومن لم يجحدِ
وتمامُ فخرهمُ إذا ما فاخروا
…
يومَ التناصلِ بالنجيبِ السيدِ
وأما مخنثة: فكانت جارية لزهير. وقال ابن أبي خلصة: بعث يوماً زهير إلى أبي نواس فأحضره، وعرض عليه مخنثة، وكانت من أطرف الناس. فلما رآها قال:
للحسنِ فيهِ صنيعُ
…
له القلوبُ تريعُ
فما إليهِ سبيلٌ
…
ولا إليهِ شفيعُ
فقالت في وقتها:
أبو نواسٍ خليعٌ
…
له الكلامُ البديعُ
وواحدُ الناسِ طراً
…
له أقرَّ الجميعُ
وقالت ترثي ابن مولاها، وقتل ببغداد مع الأمين:
أسألُ ناعيهِ، والذي شهدَ ال
…
ليثَ عليهِ الكلابُ تقتتلُ
تنهشُ شلواً، أعززْ عليَّ بهِ
…
يسحبُ طوراً والمتنُ منخذلُ
أأنتَ أبصرتهُ يلابُ بهِ
…
في أرضِ بغدادَ أيها الرجلُ
إنْ كنتَ أبصرتهُ كذاكَ فما
…
ينجو شديدُ القوى، ولا فشلُ
فلو تراهُ عليهِ شكتهُ
…
والموتُ دانٍ، والحربُ تشتعلُ
لخلتَ أنَّ القضاءَ في يدهِ
…
أو المنايا في كفهِ رسلُ
كأنهُ آمنٌ منيتهُ
…
في الروعِ لما تشاجرَ الأسلُ
فانظر، بالله، أيها المتصفح هذا الكتاب ما أحسن هذه المعاني العجيبة، والألفاظ المرققة العذاب! فما الذي أبقت هذه المرأة العبدة للرجال الأحرار؟.
وأما سكن: فكانت جارية لمحمود بن الحسن الوراق الشاعر. وكانت شاعرة مجيدة، حسنة النظر في العلوم. وهي القائلة تمدح أبا عدنان دلف بن أبي دلف:
أهدتْ لقلبكَ غصةَ التلفِ
…
ودعتْ إليكَ دواعي الأسفِ
عاداتُ مقلتها إذا نظرت
…
رشقُ القلوبِ بأسهمِ الشغفِ
كم من أسيرِ هوىً لمقلتها
…
بادي الصبابةِ، ظاهر الكلفِ
وقفٌ على الأسقامِ مهجتهُ
…
سمحُ المقادةِ، غيرُ منتصفِ
إنَّ المكارمَ بعدَ قاسمها
…
ألقتْ أعنتها إلى دلفِ