الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول: في البيان عن كيفية نزول القرآن وتلاوته وذكر حفاظه في ذلك الأوان
قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (1) وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (2)، وقال جلت قدرته:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (3) ، فليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في شهر رمضان جمعا بين هؤلاء الآيات؛ إذ لا منافاة بينها، فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ليلة القدر في شهر رمضان، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتماسها في العشر الأخير منه (4) ، ولا ليلة أبرك من ليلة، هي خير من ألف شهر. فتعين حمل قوله سبحانه:{فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} على ليلة القدر. كيف، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (5) ، فهو موافق لمعنى تسميتها بليلة القدر؛ لأن معناه التقدير، فإذا ثبت هذا، علمت أنه قد أبعد من قال: الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، وأن قوله تعالى:{أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} (6) معناه:
(1) البقرة: 185.
(2)
الدخان: 3.
(3)
القدر: 1
(4)
انظر: صحيح البخاري 2/ 254، وسنن أبي داود 2/ 70-72.
(5)
الدخان: 4.
(6)
البقرة: 185.
أنزل في شأنه وفضل صيامه وبيان أحكامه، وأن ليلة القدر توجد في جميع السنة لا تختص بشهر رمضان، بل هي منتقلة في الشهور على مر السنين، واتفق أن وافقت زمن أنزال القرآن ليلة النصف من شعبان:
وإبطال هذا القول متحقق بالأحاديث الصحيحة الواردة في بيان ليلة القدر وصفاتها وأحكامها على ما سنقرره إن شاء الله تعالى في المسائل الفقهية بين كتابي الصيام والاعتكاف.
وبما اخترناه من القول في الجمع بين الآيات الثلاث، ورد الخبر عن ابن عباس (1) رضي الله عنهما، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهود له بأنه حبر الأمة وترجمان القرآن.
أخرج الحافظ أبو بكر البيهقي (2) في "كتاب الأسماء والصفات"، من حديث السري (3) عن محمد بن أبي المجالد (4) عن مقسم (5) عن ابن عباس
(1) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو العباس القرشي الهاشمي، الصحابي الجليل، توفي سنة 68هـ "تذكرة الحفاظ 1/ 37، الإصابة 2/ 330، تهذيب التهذيب 5/ 276".
(2)
هو أحمد بن الحسين بن علي، أبو بكر البيهقي الشافعي، من أئمة الحديث، صنف التصانيف الكثيرة، منها "السنن الكبرى" و"شعب الإيمان" وكتابه "الأسماء والصفات"، توفي سنة 458هـ "طبقات السبكي 3/3، تذكرة الحفاظ 3/ 309، وفيات الأعيان 1/ 24، شذرات الذهب 3/ 1/ 313".
(3)
هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي، أبو محمد القرشي بالولاء، الكوفي تابعي، توفى سنة 127 هـ (تهذيب التهذيب 1 / 313)
(4)
هو محمد "ويقال عبد الله" بن أبي المجالد الكوفي، مولى عبد الله بن أبي أوفى "تهذيب التهذيب 5/ 388".
(5)
هو مقسم بن بجرة "ويقال ابن نجدة"، أبو القاسم، تابعي ثقة، من رجال الحديث، توفي سنة 101هـ "ميزان الاعتدال 3/ 198، تهذيب التهذيب 10/ 288".
رضي الله عنهما قال: سأله عطية بن الأسود (1) فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك في قول الله عز وجل: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (2)، وقوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (3)، وقوله سبحانه:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (4) ، [3 ظ] وقد أنزل في شوال وذي القعدة وذي الحجة
…
يعني وغير ذلك من الأشهر.
فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه أنزل في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام (5) .
قلت: رسلا أي رفقا، وقوله على مواقع النجوم، أي على مثل مواقع النجوم، ومواقعها مساقطها، يريد أنزل مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق، فقوله على مواقع النجوم في موضع نصب على الحال، ورسلا أي ذا رسل يريد مفرقا رافقا.
ودل أيضا على أن إنزال القرآن كان في شهر رمضان، رواية قتادة (6) عن
(1) هو عطية بن الأسود اليمامي من بني حنيفة، من علماء الخوارج وأمرائهم، وتوفي سنة نحو 75هـ "الملل والنحل 1/ 155-169، وانظر: الأعلام 5/ 23".
(2)
البقرة: 185.
(3)
القدر: 1.
(4)
الدخان: 3.
(5)
كتاب الأسماء والصفات236.
(6)
هو قتادة بن دعامة بن عزيز السدوسي، أبو الخطاب البصري، الضرير الأكمه حافظ، مفسر، عالم بالعربية، توفي سنة 118هـ "صفة الصفوة 3/ 182، معجم الأدباء 6/ 202، تذكرة الحفاظ 1/ 115، غاية النهاية 2/ 25، تهذيب التهذيب 8/ 351".
أبي المليح (1) عن واثلة بن الأسقع (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من شهر رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من شهر رمضان"(3) . هكذا أخرجه البيهقي في "كتاب الأسماء والصفات"(4) و"شعب الإيمان"(5) له، وذكره أيضا الثعلبي (6) في تفسيره (7) وغيره.
ووقع في "تفسير الماوردي" وغيره: "وأنزل الزبور لثنتي عشرة (8) والإنجيل لثماني عشرة"(9) . وكذلك هو في كتاب أبي عبيد (10) .
(1) هو أبو المليح بن أسامة الهذلي، مجهول الحال، قيل: اسمه عامر وقيل زيد وقيل غيرهما، توفي سنة 98هـ على خلاف "ميزان الاعتدال 3/ 382، تهذيب التهذيب 12/ 246.
(2)
هو واثلة بن الأسقع بن كعب بن عامر، أبو الأسقع الليثي، صحابي من أهل الصفة، فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الشام فمات بها، وهو آخر الصحابة موتا بالشام سنة 83هـ "الاستيعاب 3/ 643، صفة الصفوة 1/ 279، غاية النهاية 2/ 358، تهذيب التهذيب 11/ 101، الإصابة 3/ 626".
(3)
مستند أحمد بن حنبل 4/ 107. ولم يذكر وقت إنزال الزبور.
(4)
كتاب الأسماء والصفات ص234.
(5)
شعب الإيمان 1/ 370،.
(6)
هو أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري، المفسر المعروف، العالم بالقراءات، له تصانيف جليلة، منها تفسيره المسمى "الكشف والبيان في تفسير القرآن"، توفي سنة 427هـ "وفيات الأعيان 1/ 26، إنباه الرواة 1/ 119، غاية النهاية 1/ 100، بغية الوعاة ص154.
(7)
انظر: تفسير الثعلبي 1/ 112و.
(8)
تفسير الماوردي 1/ 58.
(9)
الذي في تفسير الماوردي 1/ 62، هو "وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة"، والله أعلم.
(10)
هو القاسم بن سلام أبو عبيد الهروي البغدادي، من كبار العلماء بالقراءات والحديث والفقه والعربية والأخبار، له تصانيف في كل فن منها، توفي سنة 224هـ "مراتب النحويين: 93، تذكرة الحفاظ 2/ 5، غاية النهاية 2/ 71، تهذيب التهذيب 8/ 315، شذرات الذهب 2/ 147".
وفي بعض التفاسير عكس هذا: الإنجيل لثنتي عشرة والزبور لثماني عشرة، واتفقوا على أن صحف إبراهيم عليه السلام لأول ليلة [4 و] والتوراة لست مضين والقرآن لأربع وعشرين خلت.
قال أبو عبد الله الحليمي: يريد ليلة خمس وعشرين (1) .
وذكر أبو بكر ابن أبي شيبة (2) -وهو أحد شيوخ مسلم- (3) في "كتاب ثواب القرآن"(4) عن أبي قلابة (5) قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان. وعنه: أنزلت التوراة والزبور لثنتي عشرة، وفي رواية أخرى: الزبور في ست، يعني في رمضان (6) .
(1) في كتابه المنهاج 2/ 103 ظ، والحليمي هو الحسين بن الحسن بن محمد، أبو عبد الله الحليمي الجرجاني، أحد أئمة الشافعية بما وراء النهر، توفي سنة 403هـ "وفيات الأعيان 1/ 183، طبقات السبكي 3/ 147".
(2)
هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، أبو بكر العبسي بالولاء، المعروف بابن أبي شيبة، من أهل الكوفة، حافظ للحديث، وصنف المسند والأحكام والتفسير، توفي سنة 235هـ "الفهرست، 334، تاريخ بغداد 10/ 66، تذكرة الحفاظ 2/ 81، تهذيب التهذيب 6/ 2".
(3)
هو مسلم بن الحجاج القشيري، أبو الحسن النيسابوري، الحافظ، صاحب الصحيح والتصانيف، أحد الأعلام المحدثين والأئمة، توفي سنة 261هـ "الفهرست، 336، تاريخ بغداد 13/ 100، وفيات الأعيان 2/ 119، تذكرة الحفاظ 2/ 150، تهذيب التهذيب 10/ 126".
(4)
ثواب القرآن هو باب من أبواب مصنف ابن أبي شيبة ولي كتابا مستقلا كما يفهم من المتن.
(5)
هو عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي، أبو قلابة البصري، تابعي ثقة، كثير الحديث، توفي سنة 104هـ على خلاف "صفة الصفوة 3/ 160، تهذيب التهذيب 5/ 224".
(6)
المصنف 2/ 162ظ.
قال البيهقي في معنى قوله: "أُنزل القرآن لأربع وعشرين": إنما أراد -والله أعلم- نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا (1) .
وقال في معنى قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (2) : يريد -والله أعلم: إنا أسمعناه الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع، فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل (3) .
قلت: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه: يحتاج إلى نحو هذا التأويل أهل السنة المعتقدون قدم القرآن، وأنه صفة قائمة بذات الله تعالى.
وفي المقصود بالإنزال الخاص المضاف إلى ليلة القدر أقوال:
أحدها: أنه ابتدئ إنزاله فيها.
والثاني: أنه أنزل في عشرين ليلة من عشرين سنة.
فنذكر ما حضرنا من الآثار في ذلك ومن أقوال المفسرين.
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام [4 ظ] في "كتاب فضائل القرآن": حدثنا يزيد (4) -يعني ابن هارون- عن داود بن أبي
(1) كتاب الأسماء والصفات ص234.
(2)
القدر: 1.
(3)
كتاب الأسماء والصفات ص229.
(4)
هو يزيد بن هارون بن داود "ويقال زاذان" بن ثابت السلمي بالولاء، أبو خالد الواسطي، الحافظ، الثقة، توفي سنة 206هـ "تاريخ بغداد 14/ 337، تذكرة الحفاظ 1/ 291، تهذيب التهذيب 11/ 366".
هند (1) عن عكرمة (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، وقرأ:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} (3) .
أخرجه الحاكم أبو عبد الله (4) في "كتاب المستدرك على الصحيحين" وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (5) .
ورواه عبد الأعلى (6) عن داود وقال: فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، أو يحدث في الأرض منه شيئا أحدثه (7) .
(1) هو داود بن أبي هند، أبو بكر البصري، وينتسب إلى بني قشير بالولاء، تابعي، كان يفتي في زمان الحسن بن علي بن أبي طالب، توفي سنة 140هـ على خلاف "تهذيب التهذيب 3/ 204".
(2)
هو عكرمة مولى ابن عباس البربري، أبو عبد الله المدني، كان من أعلم التابعين بتفسير القرآن، توفي سنة 105هـ على خلاف "الطبقات الكبرى 5/ 287، ميزان الاعتدال 2082، غاية النهاية1/ 515، تهذيب التهذيب 7/ 263".
(3)
الإسراء: 106.
(4)
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الضبي، الطهماني، أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بالحاكم، من أكابر حفاظ الحديث، له تصانيف كثيرة، منها "المستدرك على الصحيحين" توفي سنة 405هـ "تاريخ بغداد 5/ 473، تذكرة الحفاظ 3/ 227، ميزان الاعتدال 3/ 85، طبقات السبكي 3/ 64، غاية النهاية 2/ 184".
(5)
المستدرك 2/ 222، ورواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات، 235، وفي شعب الإيمان 1/ 370 ظ.
(6)
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد، أبو محمد القرشي البصري السامي، أحد علماء الحديث، قال ابن سعد: لم يكن بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، توفي سنة 189هـ "تهذيب التهذيب 6/ 96، شذرات الذهب 1/ 324".
(7)
انظر: كتاب الأسماء والصفات ص235.
قال أبو عبيد: لا أدري كيف قرأه يزيد في حديثه، إلا أنه لا ينبغي أن يكون على هذا التفسير إلا "فرقناه" بالتشديد.
قال أبو نصر ابن القشيري (1) في تفسيره: فرقناه أي فصلناه (2) .
قال ابن جبير (3) : نزل القرآن كله من السماء العليا إلى السماء السفلى ثم فصل في السماء السفلى في السنين التي نزل فيها.
قال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، ولهذا قال:{لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} (4) .
وقيل: فرقناه أي جعلناه آية آية وسورة سورة، وقيل: فصلناه أحكاما، كقوله تعالى:{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم} (5) ، أي يفصل، وقيل:"فرقناه" بالتشديد أي أنزلناه مفرقا، على مكث على تؤدة وترسل ونزلناه تنزيلا: أي نجما بعد نجم، وقيلك جعلناه منازل ومراتب ينزل شيئا بعد [5 و] شيء ولو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.
وأسند الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك" من حديث ابن أبي
(1) هو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن، أبو نصر بن أبي القاسم القشيري، الواعظ من علماء نيسابور، توفي سنة 514هـ "طبقات السبكي 4/ 249".
(2)
تفسير القشيري ص340و.
(3)
هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي بالولاء، أبو عبد الله الكوفي، تابعي مشهور، قتله الحجاج بواسط شهيدًا سنة 95هـ "الطبقات الكبرى 6/ 256، وفيات الأعيان 1/ 256، غاية النهاية 1/ 305، تهذيب التهذيب 4/ 11".
(4)
الإسراء: 106.
(5)
الدخان: 4.
شيبة، حدثنا جرير (1) عن منصور (2) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (3)، قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله عز وجل ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض، قال الله تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (4) ، صحيح على شرطهما (5) .
وأسنده البيهقي في دلائله (6) والواحدي (7) في تفسيره (8) .
وأسند البيهقي في "كتاب الشعب" عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء
(1) هو جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله الرازي، كان محدث الري في عصره، توفي سنة 188هـ "تاريخ بغداد 7/ 253، تذكر الحفاظ 1/ 250، تهذيب التهذيب 2/ 75".
(2)
هو منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة السلمي، أبو عتاب الكوفي، أحد أعلام رجال الحديث، توفي سنة 132هـ "تهذيب التهذيب 10/ 312".
(3)
القدر: 1.
(4)
الفرقان: 32.
(5)
المستدرك 2/ 222.
(6)
يعني دلائل النبوة 4/ 172ظ، وذكره أيضا في كتاب الأسماء والصفات ص234.
(7)
هو علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن الواحدي النيسابوري، المفسر، النحوي، وصنف الكتب في هذين وغيرهما، منها تفاسيره "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز"، توفي سنة 468هـ "وفيات الأعيان 1/ 419، غاية النهاية 1/ 523، طبقات المفسرين 23، بغية الوعاة 327".
(8)
انظر: الوسيط 2/ 953ظ.
الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين، قال: وتلا الآية {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} (1)، قال: نزل متفرقا (2) .
قلت: هو من قولهم: نجم عليه الدية أي قطعها، ومنه نجوم الكتابة، فلما قطع الله سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم، ومواقعها: مساقطها، وهي أوقات نزولها، وقد قيل: إن المراد {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} مغارب نجوم السماء، والله أعلم.
وقوله في الرواية الأولى: وكان بموقع النجوم: أي بمنزلة ذلك في تفرقه وعدم تتابعه على وجه الاتصال، وإنما هو على حسب الوقائع والنوازل، وكذا مواقع النجوم بحساب [5 ظ] أزمنة معلومة تمضي. وقرئ {بِمَوَاقِعِ} بالجمع و"بموقع" بالإفراد (3) .
وقال أبو الحسن الواحدي المفسر: وقال مقاتل (4) : أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة، وهم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا، فكان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة كلها إلى مثلها من العام القابل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ونزل به جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام في عشرين سنة (5) .
(1) الواقعة: 75.
(2)
شعب الإيمان 1/ 370، وانظر: البسيط 5/ 493 و.
(3)
قرأ حمزة والكسائي "بموقع" بإسكان الواو من غير ألف، والباقون بفتح الواو وألف بعدها "التيسير، ص207".
(4)
هو مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بالولاء، أبو الحسن الخرساني، المفسر المشهور، كان من العلماء الأجلاء، اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية ومنهم من نسبه إلى الكذب، توفي سنة 150هـ "تاريخ بغداد 13/ 160، وفيات الأعيان 2/ 147، ميزان الاعتدال 3/ 196، تهذيب التهذيب 10/ 279".
(5)
الوسيط 2/ 953ظ، البسيط 5/ 493و.
وفي "كتاب المنهاج" لأبي عبد الله الحليمي: كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في كل ليلة، قدر ما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم إلى الليلة التي تليها (1) ، فينزل جبريل عليه السلام ذلك نجوما بأمر الله تعالى فيما بين الليلتين من السنة إلى أن ينزل القرآن كله من اللوح المحفوظ في عشرين ليلة من عشرين سنة (2) .
قلت: فهذان قولان في كيفية إنزاله في ليلة القدر: أحدهما أنه نزل جملة واحدة، والثاني أنه نزل في عشرين ليلة من عشرين سنة.
وذكر أبو الحسن الماوردي (3) في تفسيره قال: نزل القرآن في رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من عند الله تعالى من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عليه السلام عشرين عليه، ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عشرين [6 و] سنة، فكان ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام (4) .
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (5) قال: فيه قولان: أحدهما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما (6) ، فذكر ذلك، وكأنه قول ثالث غير القولين المقدمين، أو أراد الجمع بينهما،
(1) أي ليلة القدر التي تليها.
(2)
المنهاج 2/ 103ظ.
(3)
هو علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي، كان من كبار الفقهاء الشافعية، له تصانيف كثيرة، منها تفسيره "العيون والنكت" المعروف بـ"تفسير الماوردي"، توفي سنة 450هـ "وفيات الأعيان 1/ 410، طبقات السبكي 3/ 303".
(4)
تفسير الماوردي 3/ 270و.
(5)
القدر: 1.
(6)
تفسير الماوردي 3/ 370و.
فإن قوله: نزل جملة واحدة، هو القول الأول، وقوله: فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، هو القول الثاني، كأنه فسر قول من قال: نزل في عشرين ليلة بأن المراد بهذا الإنزال تنجيم السفرة ذلك على جبريل، قال: والقول الثاني أن الله عز وجل ابتدأ بإنزاله في ليلة القدر، قال: وهذا قول الشعبي (1) .
قلت: هو إشارة إلى ابتداء إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان، وقد بينت ذلك في "شرح حديث المبعث"(2) ، وغيره، وهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى سماء الدنيا، على ما تقدم.
وفي الكتاب "المستدرك" أيضا عن الأعمش (3) عن حسان بن حريث (4) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل عليه السلام ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم ويرتله ترتيلا. قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (5) .
(1) انظر: المصدر السابق والصفحة المذكورة، والشعبي هو عامر بن شراحبيل بن عبد الله "وقيل عامر بن عبد الله بن شراحيل" الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، تابعي، من رجال الحديث، وكان فقيها شاعرًا، توفي سنة 103هـ على خلاف "تاريخ بغداد 12/ 227، وفيات الأعيان 1/ 306، تهذيب التهذيب 5/ 65".
(2)
سماه المؤلف في كتابه "الذيل على الروضتين" ص39: "شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى".
(3)
هو سليمان بن مهران الأسدي بالولاء، أبو محمد، الملقب بالأعمش، تابعي، كان عالما بالقرآن والحديث والفرائض، توفي سنة 147هـ على خلاف "تاريخ بغداد 3/ 9، وفيات الأعيان 1/ 267، غاية النهاية 1/ 315، تهذيب التهذيب 4/ 222".
(4)
هو حسان بن حريث العدوي، أبو السوار البصري "تهذيب التهذيب 12/ 123".
(5)
المستدرك 2/ 223، وانظر: كتاب الأسماء والصفات ص234.
وخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "كتاب ثواب القرآن" عن ابن عباس [6 ظ] رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1) قال: رفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة فرفع في بيت العزة ثم جعل ينزل تنزيلا (2) .
وفي "تفسير الثعلبي" عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم نجوما عشرين سنة، فذلك قوله عز وجل:{فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} (3) .
وقال أبو عبيد: حدثنا ابن أبي عدي (4) عن داود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (5)، أما نزل عليه القرآن في سائر السنة إلا في شهر رمضان؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمدًا عليهما السلام بما ينزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان.
زاد الثعلبي في تفسيره: فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء وينسيه ما يشاء (6) .
زاد غير الثعلبي: فلما كان في العام الذي قبض فيه عرضه عرضتين،
(1) القدر: 1.
(2)
المصنف 2/ 162ظ.
(3)
الواقعة: 75، انظر: تفسير الثعلبي 1/ 111ظ.
(4)
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي بالولاء، أبو عمرو البصري، توفي سنة 194هـ على خلاف "تذكرة الحفاظ 1/ 297، تهذيب التهذيب 9/ 12".
(5)
البقرة: 185.
(6)
تفسير الثعلبي 1/ 112و.
فاستقر ما نسخ منه وبدل (1) .
وقال أبو القاسم البغوي (2) : حدثنا الحسن بن سفيان (3) ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن الشعبي: أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بما أنزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان.
وعن أبي عبيد، عن إسماعيل بن إبراهيم (4) ، عن أيوب السختياني (5) ، عن محمد بن سيرين (6)[7 و] نبئت أن القرآن كان يعارض على النبي صلى الله عليه وسلم كل عام مرة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه مرتين، قال ابن سيرين: فيرون أو يرجون أن تكون قراءتنا هذه أحدث القراءات عهدًا بالعرضة الأخيرة.
(1) حديث عرض جبريل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين في العام الذي قبض فيه سيأتي تخريجه "انظر ص35-36".
(2)
وهو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز: أبو القاسم البغوي، الحافظ، له مؤلفات في الحديث والرجال والسنن على مذاهب الفقهاء، توفي سنة 317هـ "الفهرست ص339، تاريخ بغداد 10/ 111، تذكرة الحفاظ 2/ 273، لسان الميزان 3/ 338".
(3)
هو الحسن بن سفيان بن عامر الشيباني، أبو العباس النسوي، مصنف المسند، كان إمام عصره في الحديث، توفي سنة 303هـ "معجم البلدان 2/ 48، طبقات السبكي 2/ 212، تذكرة الحفاظ 2/ 245".
(4)
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف بابن علية، توفي سنة 193هـ على خلاف "تهذيب التهذيب 1/ 275".
(5)
هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني، أبو بكر البصري، من صغار التابعين، توفي سنة 131هت "تهذيب التهذيب 1/ 397، شذرات الذهب 1/ 181".
(6)
هو محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر البصري، تابعي، أحد الفقهاء من أهل البصرة، توفي سنة 110هـ "تاريخ بغداد 5/ 331، وفيات الأعيان 1/ 573، تهذيب التهذيب 9/ 214".
قال ابن أبي شيبة: حدثنا الحسين بن علي (1) ، عن أبيه، عن ابن جدعان (2) ، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني (3) قال: القراءة التي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم (4) .
ورأيت في بعض التفاسير، قال: وقال جماعة من العلماء: نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت، يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل عليه السلام، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله، فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا:{مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ} (5) ، يعني القرآن، وهو معنى قوله:{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} (6) ، فأتى به جبريل إلى بيت العزة، فأملاه جبريل على السفرة الكتبة، يعني الملائكة، وهو قوله تعالى:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ} (7) .
نقتله من "كتاب شفاء القلوب"، وهو تفسير علي بن سهل النيسابوري (8) .
(1) هو الحسين بن علي بن الوليد الجعفي بالولاء، أبو عبد الله الكوفي، مقرئ، من رواة الحديث، توفي سنة 203هـ "غاية النهاية 1/ 247، تهذيب التهذيب 2/ 257".
(2)
هو علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي، أبو الحسن البصري، كان فقهيا ضريرا، وليس بالثقة القوي، توفي سنة 129هـ "تهذيب التهذيب 7/ 322".
(3)
هو عبيدة بن عمرو "ويقال ابن قيس بن عمرو" السلماني المرادي، أبو عمرو الكوفي، تابعي، أسلم باليمن زمن فتح مكة، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة 72هـ على خلاف "تذكرة الحفاظ 1/ 47، الإصابة 3/ 102، تهذيب التهذيب 7/ 84".
(4)
المصنف 2/ 164 و.
(5)
و (6) سبأ: 23.
(7)
عبس: 15، 16.
(8)
هو علي بن سهل بن العباس بن سهل، أبو الحسن النيسابوري، عالم زاهد، مقرئ، جمع كتبا في التفسير وغيره، توفي سنة 491هـ "طبقات السبكي 3/ 299، بغية الوعاة ص338".
وما رواه داود عن الشعبي، يعد قولا رابعا في معنى قوله تعالى:{أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} (1) ، وكأنه نزل عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه، مع أنه قد لا ينفك من إحداث إنزال ما لم ينزل أو تغيير بعض ما نزل بنسخ أو إباحة [7 ظ] تغيير بعض ألفاظه على ما سيأتي، وإن ضم إلى ذلك كونه ابتدأ نزوله في شهر رمضان ظهرت قوته.
وقد أوضحنا في "كتاب شرح حديث المبعث"(2) : أن أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (3) ، وذلك بحراء عند ابتداء نبوته، ويجوز أن يكون قوله:{أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا وأول نزوله إلى الأرض وعرضه وإحكامه في شهر رمضان، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن، إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما، فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان، فلمجموع هذه المعاني قيل:{أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} .
فإن قلت: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا؟
قلت: فيه تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب، المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لم نهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى باين بينه فجمع له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا.
(1) البقرة: 185.
(2)
انظر: الحاشية رقم 2 ص20.
(3)
العلق: 1.
وهذا من جملة ما شرف به نبينا صلى الله عليه وسلم، كما شرف بحيازة درجتي الغني الشاكر والفقير الصابر، فأوتي مفاتيح خزائن الأرض، فردها واختار [8 و] الفقر والإيثار بما فتح الله عليه من البلاد، فكان غنيا شاكرًا وفقيرًا صابرًا صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: في أي زمان نزل جملة إلى السماء الدنيا، أبعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أم قبلها؟
قلت: الظاهر أنه قبلها، وكلاهما محتمل، فإن كان بعدها، فالأمر على ما ذكرناه من التفخيم له ولمن أنزل عليه، وإن كان قبلها، ففائدته أظهر وأكثر؛ لأن فيه إعلام الملائكة بقرب ظهور أمة أحمد المرحومة الموصوفة في الكتب السالفة، وإرسال نبيهم خاتم الأنبياء كما أعلم الله سبحانه وتعالى الملائكة قبل خلق آدم بأنه جاعل في الأرض خليفة (1) ، وكما أعلمهم أيضا قبل إكمال خلق آدم عليه السلام بأنه يخرج من ذريته محمد وهو سيد ولده، وعلى ذلك حملنا قوله صلى الله عليه وسلم:"كنت نبيا وآدم بين الماء والطين"(2) ، على ما أوضحناه في "كتاب شرح المدائح النبوية"(3) ، وكان العلم بذلك حاصلا عند الملائكة، ألا ترى أن في حديث الإسرى (4)، لما كان جبريل يستفتح له السماوات سماء سماء؟ كان يقال له: من هذا؟ فيقول: جبريل، يقال: من معك؟ فيقول: محمد، فيقال: وقد بعث إليه؟ فيقول: نعم. فهذا كلام من كان عنده علم بذلك قبل ذلك
(1) الإشارة إلى الآية رقم30 من سورة البقرة.
(2)
انظر: شرح المواهب 1/ 55.
(3)
هو شرح لأبي شامة على "القصائد النبوية" لعلم الدين السخاوي المتوفى سنة 643هـ/ 1245م، وهذا الشرح أول مؤلفاته "انظر: الذيل ص39، بروكلمان Gl317".
(4)
انظر حديث الإسراء في: البخاري 4/ 247؛ مسلم 1/ 99.
وقد تكلم على فائدة إنزال القرآن جملة، شيخنا أبو الحسن (1) رحمه الله ببعض ما ذكرناه (2) .
ووقفت على كلام حسن للحكيم الترمذي [8 ظ] أبي عبد الله محمد بن علي (3) في تفسيره فقال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت رحمة، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حد الدنيا، ووضعت النبوة في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء جبريل عليه السلام بالرسالة ثم الوحي، كأنه أراد تبارك وتعالى أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله تعالى إلى الأمة، ثم أجرى من السماء الدنيا الآية بعد الآية عند نزول النوائب، قال الله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين} (4)، وقال عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (5) .
(1) هو علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري السخاوي الشافعي، أبو الحسن، عالم بالقراءات واللغة والتفسير والفقه، له مؤلفات، توفي سنة 643هـ "إنباه الرواة 2/ 311، طبقات السبكي 5/ 126، غاية النهاية 1/ 568، بغية الوعاة ص349".
(2)
انظر: جمال القراء ص5ظ.
(3)
هو محمد بن علي بن الحسن بن بشير، أبو عبد الله الحكيم الترمذي، صوفي، إمام من أئمة المسلمين وعالم بأصول الدين، له مصنفات، وفي وفاته اختلاف، قال ابن حجر في "لسان الميزان": عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة وعاش نحوًا من تسعين سنة
…
"طبقات السبكي 2/ 20، لسان الميزان 5/ 308، كشف الظنون 1/ 838، الأعلام 7/ 156".
(4)
الأنبياء: 107.
(5)
يونس: 57.
وقال الشيخ أبو الحسن في كتابه "جمال القراء
…
": في ذلك تكريم بني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله عز وجل بهم ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل عليه السلام بإملائه على السفرة الكرام البررة عليهم السلام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له
…
ثم ساق الكلام إلى آخره (1) .
فإن قلت: فقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (2) من جملة القرآن الذي نزل جملة، أم لا؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة، وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة؟
قلت: له وجهان:
[9 و] أحدهما أن يكون معنى الكلام: إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر، وقضينا به، وقدرناه في الأزل، وأردناه، وشئناه، وما أشبه ذلك.
والثاني أن لفظه لفظ الماضي، ومعناه الاستقبال، وله نظائر في القرآن وغيره، أي ننزله جملة في ليلة مباركة، هي ليلة القدر، واختير لفظ الماضي لأمرين: أحدهما تحققه وكونه أمرًا لا بد منه، والثاني أنه حال اتصاله بالمنزل عليه، يكون الماضي في معناه محققا؛ لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة واحدة، وكل ذلك حسن واضح، والله أعلم.
فإن قلت: ما السر في نزوله إلى الأرض منجما، وهلا أنزل جملة كسائر الكتب؟
(1) جمال القراء ص5ظ.
(2)
القدر: 1.
قلت: هذا سؤال قد تولى الله سبحانه الجواب عنه فقال في كتابه العزيز: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} (1) ، يعنون كما أنزل على من كان قبله من الرسل، فأجابهم الله تعالى بقوله {كَذَلِك} أي أنزلناه كذلك مفرقا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك} أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك عليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول [9 ظ] جبريل عليه السلام عليه فيه على ما سنذكره.
وقيل: معنى {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك} (2) ، أي لتحفظه فيكون فؤادك ثابتا به غير مضطرب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أميًّا لا يكتب ولا يقرأ، ففرق عليه القرآن ليتيسر عليه حفظه، ولو نزل جملة لتعذر عليه حفظه في وقت واحد على ما أجرى الله تعالى به عوائد خلقه، والتوراة نزلت على موسى عليه السلام مكتوبة وكان كاتبا قارئا، وكذا كان غيره، والله أعلم.
فإن قلت: كان في القدرة إذا أنزله جملة أن يسهل عليه حفظه دفعة واحدة.
قلت: ما كل ممكن في القدرة بلازم وقوعه، فقد كان في قدرته تعالى أن يعلمه الكتابة والقراءة في لحظة واحدة، وأن يلهمهم الإيمان به، ولكنه لم يفعل، ولا معترض عليه في حكم. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ
(1) الفرقان: 32.
(2)
الفرقان: 32.
عَلَى الْهُدَى} (1) ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (2) .
وأيضا في القرآن ما هو جواب عن أمور سألوه عنها، فهو سبب من أسباب تفريق النزول، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا.
فهذه جوه ومعان حسنة في حكمة نزوله منجما، وكان بين نزول أول القرآن وآخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة، وهو مبني على الخلاف في مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة، فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، [10 و] وقيل: خمس عشرة، ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر، والله أعلم.
وكان الله تعالى قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن وبيانه، وضمن له عدم نسيانه بقوله تعالى:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (3) ، أي علينا أن نجمعه في صدرك فتقرؤه فلا ينفلت عنك منه شيء، وقال تعالى:{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} (4) ، أي غير ناسٍ له.
وفي الصحيحين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، فكان ذلك يعرف منه، فأنزل الله تعالى:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه} أخذه {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
(1) الأنعام: 35.
(2)
البقرة: 253.
(3)
القيامة: 16، 17.
(4)
الأعلى: 6.
وَقُرْآنَهُ} ، إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه فتقرؤه، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (1)، قال: أنزلناه فاستمع له {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (2) أن نبينه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله تعالى (3) .
وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، كان يحرك شفتيه، فأنزل الله عز وجل:{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} ، قال: جمعه في صدرك ثم تقرؤه {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ، قال: فاستمع وأنصت، ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله صلى الله [10 ظ] عليه وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه (4) .
وعن ابن شهاب (5) قال: أخبرني أنس بن مالك (6) أن الله تعالى تابع الوحي على رسوله قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول
(1) القيامة: 18.
(2)
القيامة: 19.
(3)
البخاري 6/ 76، 6/ 112، مسلم 2/ 35.
(4)
البخاري 1/ 4، مسلم 2/ 35.
(5)
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، أبو بكر الزهري، أول من دون الحديث، وأحد الفقهاء والأعلام التابعين بالمدينة، توفي سنة 124هـ "وفيات الأعيان 1/ 571، تذكرة الحفاظ 1/ 102، غاية النهاية 2/ 262، تهذيب التهذيب 9/ 445".
(6)
هو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد المكثرين، توفي سنة 93هـ على خلاف "الإصابة 1/ 71".