الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث: في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف
"
وفيه فصول:
الفصل الأول: في سرد الأحاديث في ذلك
ففي الصحيحين عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله (1) أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أقرأني جبريل عليه السلام على حرف واحد فراجعته [28 ظ] فلم أزل استزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"(2) .
وفيهما عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير (3) أن المسور بن مخرمة (4) وعبد الرحمن بن عبد القاري (5) حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب
(1) هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من أعلام التابعين، توفي سنة 98هـ على خلاف "وفيات الأعيان 1/ 341، تذكرة الحفاظ 1/ 74، تهذيب التهذيب 7/ 23".
(2)
البخاري 6/ 100، مسلم 2/ 202.
(3)
هو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وأحد العلماء التابعين، توفي سنة 93هـ على خلاف "الطبقات الكبرى 5/ 178، وفيات الأعيان 1/ 398، تهذيب التهذيب 7/ 180".
(4)
هو المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب القرشي الزهري، أبو عبد الرحمن، صحابي من فضلائهم، توفي بإصابة حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي سنة 64هـ "الإصابة 3/ 419، تهذيب التهذيب 10/ 151".
(5)
عبد الرحمن بن عبد القاري: هو من جلة تابعي أهل المدينة وعلمائهم، كان عاملا على بيت المال في خلافة عمر بن الخطاب، توفي سنة 80هـ على خلاف "الطبقات الكبرى 5/ 57، تهذيب التهذيب 6/ 223".
يقول: سمعت هشام بن حكيم (1) يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى سلم، فلببته (2) بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ "سورة الفرقان" على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:"أرسله"، فأرسله عمر فقال لهشام:"اقرأ يا هشام"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كذلك أنزلت"، ثم قال:"اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه"(3) . واللفظ للبخاري. زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال [29 و] ولا حرام (4) . وأخرجه النسائي (5) في سننه الكبرى وقال: فقرأ فيها حروفا لم يكن نبي
(1) هو هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي، أحد فضلاء الصحابة وخيارهم "الاستيعاب 3/ 593، الإصابة 3/ 603".
(2)
لببته بردائه: أي جمعت ثيابه عند صدره ونحره ثم جررته.
(3)
البخاري 6/ 100، مسلم 2/ 202، ورواه أبو داود 2/ 101، والترمذي 11/ 61.
(4)
مسلم 2/ 202.
(5)
هو أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر، أبو عبد الرحمن الخرساني، الحافظ، القاضي، صاحب كتاب السنن من الكتب الستة المشهورة، توفي سنة 303هـ "تذكرة الحفاظ 2/ 241، تهذيب التهذيب 1/ 36".
الله أقرأنيها (1) .
وفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى فقرأ قراءة أنكرتها، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ -وفي رواية: ثم قرأ هذا- سوى قراءة صاحبه، فأقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ، فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فرقا (2) فقال:"يا أُبي إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي، فرد إلي الثانية: اقرأه على حرفين، فرددت إليه يهون على أمتي فرد إلي في الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف ولكل بكل ردة رددتكها مسألة تسألينها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم"(3) .
وأخرجه أبو جعفر الطبري (4) في أول تفسيره بسنده عن أبي قال: دخلت
(1) ورواه في سننه الصغرى 2/ 150 أيضا.
(2)
فرقا: أي خوفا.
(3)
مسلم 2/ 203، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده 5/ 127.
(4)
هو محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، أبو جعفر الطبري، كان إماما في فنون كثيرة، منها التفسير والقراءات والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، له مؤلفات، منها تفسيره "جامع البيان عن تأويل القرآن" وتاريخه "أخبار الرسل والملوك"، توفي سنة 310هـ "معجم الأدباء 6/ 424، وفيات الأعيان 1/ 577، طبقات المفسرين ص30".
المسجد فصليت فقرأت النحل، ثم جاء رجل آخر فقرأها على غير قراءتي، ثم دخل رجل آخر فقرأ بخلاف قراءتنا، فدخل في [29 ظ] نفسي من الشك والتكذيب أشد مما كان في الجاهلية، فأخذت بأيديهما فأتيت بهما النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله استقرئ هذين، فقرأ أحدهما فقال:"أصبت"، ثم استقرأ الآخر فقال:"أحسنت"، فدخل قلبي أشد مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري وقال:"أعاذك الله من الشك وخسأ عنك الشيطان" ففضت عرقا فقال: "أتاني جبريل فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك، حتى قال سبع مرات فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف"(1) .
وفي رواية: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان، حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي فضرب بيده في صدري ثم قال:"اللهم اخسأ الشيطان عنه، يا أبي، أتاني آتٍ من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك، فقلت مثله، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف "(2) .
وفي رواية: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (3) أن رجلين اختصما في آية
(1) تفسير الطبري 1/ 37.
(2)
المصدر السابق 1/ 41.
(3)
هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار "أبو داود" بن بلال الأنصاري، أبو عيسى الكوفي من أئمة التابعين وثقاتهم، توفي سنة 83هـ على خلاف "وفيات الأعيان 1/ 345، ميزان الاعتدال 2/ 115، تهذيب التهذيب 6/ 260".
من القرآن، وكل يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه، فتقارءا إلى أبي [30 و] فخالفهما أبي، فتقارؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، اختلفنا في آية من القرآن وكلنا يزعم أنك أقرأته، فقال لأحدهما:"اقرأ"، فقرأ فقال:"أصبت"، وقال الآخر:"اقرأ"، فقرأ خلاف ما قرأ صاحبه فقال:"أصبت"، وقال لأبي:"اقرأ"، فقرأ فخالفهما فقال:"أصبت"، وذكر الحديث (1) .
وفي رواية: "اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب من الجنة"(2) .
وفي أخرى: "من قرأ منها حرفا فهو كما قرأ"(3) .
وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار (4)، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك
(1) تفسير الطبري 1/ 42.
(2)
المصدر السابق 1/ 37.
(3)
المصدر السابق 1/ 39.
(4)
قال ياقوت الحموي في معجم البلدان 1/ 280: "أضاءة بني غفار: بعد الألف همزة مفتوحة، والأضاءة: الماء المستنقع من سيل أو غيره ويقال: هو غدير صغير، ويقال: هو مسيل الماء إلى الغدير، وغفار قبيلة من كنانة. وهو موضع قريب من مكة فوق سرف قرب التناضب".
أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا (1) .
وفي سنن أبي داود عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبي، إني أقرئت القرآن، فقال لي: على حرف؟ فقال الملك الذي معي: [30 ظ] قل على حرفين، قلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاث، فقلت: على ثلاث، حتى بلغت سبعة أحرف"، ثم قال:"ليس منها إلا شافٍ كافٍ، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب"(2) .
وفي سنن النسائي فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شافٍ كافٍ"(3) .
وفي جامع الترمذي عن أبي بن كعب قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: "يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط قال:
يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". قال: هذا حديث حسن صحيح.
وروي من غير وجه عن أبي بن كعب. وفي هذا الباب عن ابن عمر
(1) مسلم 2/ 203، ورواه أبو داود 2/ 102، والنسائي 2/ 152، وأحمد بن حنبل في مسنده 5/ 128، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات ص271.
(2)
أبو داود 2/ 102.
(3)
النسائي 2/ 154.
وحذيفة وأبي هريرة وابن عباس وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة (1) وسمرة (2) وأم أيوب (3) امرأة أبي أيوب الأنصاري (4) .
قلت: ورواه أبو جعفر الطبري في تفسيره: "منهم الغلام والخادم والشيخ العاسي (5) والعجوز فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف"(6) .
وفي كتاب أبي عبيد عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقيت جبريل عليه السلام عند أحجار المراء (7) فقلت: يا جبريل إني أرسلت إلي أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف".
وعن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين [31 و] اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمشيا جميعا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) أبو جهيم بن الحارث بن الصمة: هو صحبي من الأنصار، ويقال: ابن أخت أبي بن كعب "الإصابة 4/ 36؛ تهذيب التهذيب 12/ 61".
(2)
هو سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، صحابي، توفي سنة 60هـ "الإصابة 2/ 78؛ تهذيب التهذيب 4/ 236".
(3)
هي أم أيوب بنت قيس بن عمرو الخزرجية الأنصارية، وترجمتها في: الإصابة 4/ 437.
(4)
الترمذي 11/ 63.
(5)
العاسي: أي الخفيف الضعيف.
(6)
تفسير الطبري 1/ 35.
(7)
أحجار المراء: بكسر الميم وتخفيف الراء وبالمد، موضع بقبا خارج المدينة "انظر: النهاية لابن الأثير 1/ 203، 4/ 91".
قال: "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فلا تماروا (1) فيه فإن مراء فيه كفر"(2) .
وعن أبي قيس (3) مولى عمرو بن العاص أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال له عمرو بن العاص: إنما هي كذا وكذا، بغير ما قرأ الر جل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر".
وفي كتاب ابن أبي شيبة عن أم أيوب قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أصبت"(4) .
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة (5) عن أبيه أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ القرآن على حرف، فقال له ميكائيل: استزده، فقال على حرفين، ثم قال: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ كقولك: هلم وتعال، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة (6) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله [31 ظ] عليه
(1) ماراه مماراة وامترى فيه وتمارى: شك. والمرية بالكسر والضم: الشك والجدل.
(2)
رواه البيهقي في شعب الإيمان 1/ 372ظ، وأحمد بن حنبل في مسنده 4/ 169.
(3)
هو عبد الرحمن بن ثابت، أبو قيس مولى عمرو بن العاص، تابعي، أحد فقهاء الموالي، توفي سنة 54هـ "تهذيب التهذيب 2/ 207".
(4)
المصنف 2/ 161ظ.
(5)
هو عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، تابعي ثقة، توفي سنة 96هـ "الإصابة 3/ 147".
(6)
المصنف 2/ 161ظ؛ ورواه أحمد بن حنبل في مسنده 5/ 41 أيضا.
وسلم: "نزل القرآن على سبعة أحرف عليما حكيما غفورا رحيما"(1) .
وفي رواية: "عليم حكيم غفور رحيم".
وفي أول تفسير الطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف فالمراء في القرآن كفر -ثلاث مر ات- فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم فردوه إلى عالمه"(2) .
وفي رواية: "فاقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة"(3) .
وعن زيد بن أرقم (4) قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أقرأني عبد الله بن مسعود سورة أقرأنيها زيد وأقرأنيها أبي بن كعب فاختلفت قراءتهم، قراءة أيهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وعلي إلى جنبه، فقال علي: ليقرأ كل إنسان كما علم، كل حسن جميل (5) .
(1) المصنف 2/ 61هـ.
(2)
تفسير الطبري 1/ 21.
(3)
نفس المصدر 1/ 46.
(4)
هو زيد بن أرقم بن زيد بن قيس، أبو عمرو الأنصاري، صحابي، توفي سنة 66هـ على خلاف "الإصابة 1/ 560؛ تهذيب التهذيب 3/ 394".
(5)
تفسير الطبري 1/ 24، قال أحمد محمد شاكر في تعليقات تفسير الطبري:"هذا حديث لا أصل له، رواه رجل كذاب، هو عيسى بن قرطاس، قال فيه ابن معين: ليس بشيء لا يحل لأحد أن يروي عنه. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يحل الاحتجاج به. وقد اخترع هذا الكتاب شيخا له روى عنه وسماه زيد القصار، لم نجد لهذا الشيخ ترجمة ولا ذكرا في شيء من المراجع. وهذا الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 153، 154 وقال: رواه الطبراني وفيه عيسى بن قرطاس وهو متروك. ومن العجب أن يذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح 10/ 401 وينسبه للطبري والطبراني ثم يسكت عن بيان علته وضعفه، غفر الله لنا وله".
وعن علقمة (1) عن عبد الله قال: لقد رأيتنا نتنازع فيه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمرنا فنقرأ عليه، فيخبرنا أن كلنا محسن، ولقد كنت أعلم أنه يعرض عليه القرآن في كل رمضان، حتى كان عام قبض فعرض عليه مرتين، فكان إذا فرغ أقرأ عليه، فيخبرني أني محسن، فمن قرأ على قراءتي فلا يدعنها رغبة عنها، ومن قرأ على شيء من هذه الحروف فلا يدعنه رغبة عنه، فإنه من جحد بآية -وفي رواية: بحرف- منه جحد به كله (2) .
وفي [32و] كتاب "المستدرك" عن عبد الله قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم "سورة حم"(3) ورحت إلى المسجد عشية، فجلس إلي رهط، فقلت لرجل من الرهط: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ حروفا لا أقرؤها، فقلت له: من أقرأكها؟ قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا عنده رجل فقلت: اختلفنا
(1) هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعي، أبو شبل الكوفي، تابعي، فقيه، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة 62هـ "تاريخ بغداد 12/ 296؛ تذكرة الحفاظ 1/ 45؛ غاية النهاية 1/ 516؛ تهذيب التهذيب 7/ 276".
(2)
تفسير الطبري 1/ 28؛ ورواه البيهقي في شعب الإيمان 1/ 373 ظ. قال أحمد محمد شاكر في تعليقات تفسير الطبري: "إسناده ضعيف جدا غاية في الضعف لعلتين: أولاهما: الضعفاء 23: منكر الحديث لم يرضه أحد
…
وثانيهما: أن زبيد بن الحارث اليامي لم يدرك علقمة ولم يرو عنه، إنما يروي عن الطبقة الراوية عن علقمة، فروايته عنه هنا منقطعة، إن صح الإسناد فيها ولم يصح قط..".
(3)
لعله يشير إلى سورة فصلت.
في قراءتنا وإن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تغير، ووجد في نفسه حين ذكرت له الاختلاف فقال:"إنما أهلك من كان قبلكم الاختلاف" ثم أسر إلى علي، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم، قال: فانطلقنا وكل رجل منا يقرأ حروفا، لا يقرؤها صاحبه (1) . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.
وفي السنن الكبير عن سليمان بن صرد (2) عن أبي بن كعب قال: قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال: "بلى"، قال:"كلاكما محسن"، قلت: ما كلانا أحسن ولا أجمل، قال: فضرب صدري وقال: "يا أبي إني أقرئت القرآن، فقيل لي: أعلى حرف أم على حرفين؟ فقال الملك الذي معي: على حرفين، فقلت: على حرفين، فقيل لي: أعلى حرفين أم ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، [32ظ] فقلت: ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف"، قال:"ليس فيها إلا شافٍ كافٍ، قلت: غفور رحيم، عليم حكيم، سميع عليم، عزيز حكيم، نحو هذا ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب"(3) .
قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة،
(1) المستدرك 2/ 223.
(2)
هو سليمان بن صرد بن الجون الخزاعي، أبو مطرف الكوفي، صحابي، توفي سنة 65 هـ "الإصابة 2/ 75؛ تهذيب التهذيب 4/ 200".
(3)
السنن الكبرى 2/ 383.
إلا حديثا واحدا يروى عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف". قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة.
قلت: أخرج حديث الثلاثة الحاكم في مستدركه (1)، فيجوز أن يكون معناه: أن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كـ {جَذْوَةٍ} (2) و {الرَّهْبِ} (3) و {الصَّدَفَيْنِ} (4) ، يقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءات المشهورة، أو أراد: أنزل ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة، والله أعلم. ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وعلى أكثر من ذلك إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معانيها، وقد جاء عن ابن مسعود: ليس الخطأ أن يدخل بعض السورة في الأخرى ولا أن تختم الآية بحكيم عليم، أو عليم حكيم، ولكن الخطأ أن تجعل فيه ما ليس فيه، وإن تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة (5) .
(1) انظر: المستدرك 2/ 223.
(2)
القصص: 29، يعني بفتح الجيم، وهي قراءة عاصم، وضمها، وهي قراءة حمزة، وكسرها، وهي قراءة الباقين من السبعة "انظر: التيسير ص171".
(3)
القصص: 32، يعني بالأحرف الثلاثة ما يأتي: الرهب: بفتح الراء وإسكان الهاء، وهي قراءة حفص؛ والرهب: بفتح الراء والهاء، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، والرهب: بضم الراء وإسكان الهاء، وهي قراءة الباقين من السبعة "انظر: التيسير ص171".
(4)
الكهف: 96، الأحرف الثلاثة المقصودة هنا ما يأتي: الصدفين: بضمتين، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر؛ والصدفين: بضم الصاد وإسكان الدال، وهي قراءة أبي بكر راوي عاصم؛ والصدفين: بفتحتين، وهي قراءة الباقين من السبعة "انظر: التيسير ص146".
(5)
رواه البيهقي بألفاظ أخرى في شعب الإيمان 1/ 374 و؛ وانظر ص129 أيضا.
وقال الأعمش: سمعت أبا وائل (1) يحدث عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت القرأة فوجدتهم متقاربين، اقرءوا كما علمتم [33و] وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول أحدهم: هلم وتعال وأقبل (2) .
قال البيهقي: أما الأخبار التي وردت في إجازة قراءة "غفور رحيم" بدل "عليم حكيم"، فلأن جميع ذلك مما نزل به الوحي، فإذا قرأ ذلك في غير موضعه فكأنه قرأ آية من سورة، وآية من سورة أخرى، فلا يأثم بقراءتها كذلك ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، ولا آية رحمة بآية عذاب (3) .
قلت: وكان هذا سائغا قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلا على الأمة حفظه؛ لأنه نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء بلفظه، بل هم قوم عرب فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح.
ثم إن الصحابة رضي الله عنهم خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا، وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيرا فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له، وصار الأصل ما استقرت عليه القراءة في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما عارضه به جبريل عليه السلام في تلك السنة مرتين، ثم اجتمعت الصحابة على إثباته بين الدفتين، وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم، وهو ما يتعلق بتلك الألفاظ من الحركات والسكنات والتشديد والتخفيف
(1) هو شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، تابعي، عرض قراءته على ابن مسعود، توفي سنة 82هـ "تذكرة الحفاظ 1/ 56؛ غاية النهاية 1/ 328؛ تهذيب التهذيب 4/ 361".
(2)
رواه البيهقي في شعب الإيمان 1/ 373 و؛ وانظر ص91، 136 أيضا.
(3)
انظر: شعب الإيمان 1/ 374 و.
وإبدال حرف بحرف يوافقه في الرسم، ونحو ذلك؛ وما لا يحتمله [33ظ] المرسوم الواحد فرق في المصاحب فكتب بعضها على رسم قراءة، وبعضها على رسم قراءة أخرى، وأمثلة ذلك كله معروفة عند العلماء بالقراءات، وصح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه وعن غيره أنه قال: إن القراءة سنة (1) .
قال البيهقي: أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة، لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة، أو أظهر منها.
قال أبو بكر بن العربي (2) : سقط جميع اللغات والقراءات إلا ما ثبت في المصحف بإجماع من الصحابة وما أذن فيه قبل ذلك ارتفع وذهب والله أعلم (3) .
(1) قول زيد بن ثابت هذا مذكور في ص170 أيضا.
(2)
هو محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي، أبو بكر بن العربي، قاض، من حفاظ الحديث، وصنف التصانيف في التفسير والحديث والفقه والأصول والتاريخ وغيرها؛ منها "القبس" في شرح الموطأ، توفي سنة 543هـ "وفيات الأعيان 1/ 619؛ تذكرة الحفاظ 4/ 86".
(3)
القبس ص46و.