المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المقطع الأول [الآيات: 1 - 15]: - المقاصد القرآنية في سورة «ق» - جـ ٨

[حماد بن محمد يوسف]

فهرس الكتاب

- ‌مستخلص البحث

- ‌المقدمة

- ‌أهميَّة البحث:

- ‌ المَقاصِد القرآنيَّة

- ‌أهداف البحث:

- ‌الدِّراسات السابقة:

- ‌ سُورة (ق)

- ‌منهج البحث:

- ‌خُطَّة البحث:

- ‌المبحث الأول: عِلم المَقاصِد القُرآنيَّة

- ‌المطلب الأول: تعريف المَقاصِد القُرآنيَّة

- ‌ أولًا: تعريفه باعتِبارها مركبًا وصفيًّا:

- ‌1 - المَقاصِد لغةً:

- ‌2 - والقرآن لغةً:

- ‌ ثانيًا: تعريفه باعتبارها عَلَمًا على فنٍّ معين:

- ‌المطلب الثاني: أهميَّة المَقاصِد القُرآنيَّة

- ‌المَبْحث الثاني: التعريف بسورة «ق»

- ‌المطلب الأول: اسم السُّورة وعدد آياتها ومرحلة نزولها

- ‌ المسألة الأولى: اسم السُّورة

- ‌ المسألة الثانية: عدد آياتها وكلماتها وحروفها

- ‌ المسألة الثالثة: مرحلة نزول السُّورة (مكيتها ومدنيتها):

- ‌المطلب الثاني: فضل سُورة «ق»

- ‌المطلب الثالث: ترتيب المصحف وترتيب النزول

- ‌المطلب الرابع: المُناسَبات في سُورة «ق»

- ‌ المسألة الأولى: مُناسَبة أول السُّورة بآخرها

- ‌ المسألة الثانية: مُناسَبة السُّورة لِما قبلها (سُورة الحجرات):

- ‌ المسألة الثالثة: مُناسَبة السُّورة لِما بعدها (سُورة الذاريات):

- ‌ المسألة الرابعة: المُناسَبة بين سُورة (ق) وما قبلها من حيث النزول (سُورة المرسلات):

- ‌ المسألة الخامسة: المُناسَبة بين سُورة «ق» وما بعدها من حيث النزول (سُورة البلد):

- ‌المَبْحث الثالث: التدبُّر المَقاصِدي لسورة (ق)

- ‌المطلب الأول: مقصد السُّورة

- ‌المطلب الثاني: موضوعات السُّورة

- ‌المطلب الثالث: مَقاطِع السُّورة

- ‌المطلب الرابع: التدبُّر المَقاصِدي للآيات

- ‌ المقطع الأول [الآيات: 1 - 15]:

- ‌ المقطع الثاني [الآيات: 16 - 35]:

- ‌ المقطع الثالث [الآيات: 36 - 45]:

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌ المقطع الأول [الآيات: 1 - 15]:

‌المطلب الثالث: مَقاطِع السُّورة

.

يمكن تقسيم سُورة (ق) وَفْق مقصدها إلى ثلاثة مَقاطِع رئيسة:

• المقطع الأول: من أول السُّورة إلى قوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} : وفيها عرضُ شُبهة المشركين، والرد عليها بتقرير شمول علمه وكمال قدرته، وعَرْض بعض مظاهر قدرته من آيات الله في الكون، وفي إهلاك الأمم السابقة.

• المقطع الثاني: من قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} إلى قوله 5: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [الآيات: 16 - 35]: وفيها "بيان رقابة الله تعالى وهيمنته على الإنسان التي تبدأ من ولادته، وتمر بالموت، ثم تنتهي بالبَعْث والحساب، ثم المصير إلى الجنة أو النار".

• المقطع الثالث: من قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ} إلى آخر السُّورة [الآيات: 36 - 45]، وفيه تَسْلية الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وبيان حقيقة رسالته، وتهديد المشركين، وتقرير البَعْث. ويمكن القول أن أغلبه تأكيدٌ لِما ورد في أوائل السُّورة تصريحًا أو تلميحًا في ترتيب معكوسٍ.

‌المطلب الرابع: التدبُّر المَقاصِدي للآيات

.

*‌

‌ المقطع الأول [الآيات: 1 - 15]:

{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}

(1)

:

هذه الآية واردةٌ في التنويه بشأن القرآن الكريم، وبيان إعجازه، وأنه المصدر الأصيل لتلقي براهين البَعْث ودلائل النُّبوة؛ فقد أقسم الله عز وجل بالقرآن، الدَّال على شرفه وعظيم منزلته ورفعته وعلوه على كل

(1)

. انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 276)، ومعارج التفكر، للميداني (3/ 16 - 19).

ص: 48

سائر الكلام؛ لأن التحدي بإعجاز القرآن الكريم، وعجز الكفار بل البشر جميعًا عن معارضته بمثله- أقطعُ برهانٍ على كونه من عند الله، وأسطعُ حجةِ على صدق محمد صلى الله عليه وسلم في ادِّعاء الرِّسالة، وعلى صدق ما جاء به من نبأ البَعْث بعد الموت والجزاء والحساب. وفي هذا تشنيعٌ للكفار وبيانٌ لقبح موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم، ومما جاء به من أمر البَعْث والحساب، وتأكيدٌ على أن القوة الحقيقيَّة هي قوة الحجة والبرهان التي بها أتى القرآن، وعلى أن القرآن هو محور الدعوة، ولهذا افتُتحت هذه السُّورة به، كما خُتمت به:{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} .

{بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} : هذه الآية واردةٌ في عَرْض مقالة المشركين في إنكار الرِّسالة والتكذيب بالبَعْث، ففيها ذِكر تعجُّبهم الإنكاري من إرسال رسول من جنسهم البشري، متعلِّلين أن كون الرَّسول بشرًا ينافي الحكمة الربانيَّة، وكذلك تعجُّبهم من إنذاره صلى الله عليه وسلم إياهم عذاب الله يوم القيامة، ودعوته إياهم للإيمان بعد البَعْث بعد الموت.

وفي الآية ما يؤكِّد على "تقبيح المماراة في الحق والتعمد في المعارضة اتباعًا للهوى وتقبيح التمسك بالتقاليد الموروثة غير الصائبة"

(1)

،

فقد "أنكروا رسالته وفَضْل كتابه بألسنتهم نفاسة وحسدًا، وفي هذا دليلٌ على أن الكبر والحسد من موانع قبول الحق، وأنه يفضي إلى السفه

؛ لأنهم عجبوا أنْ كان الرَّسول بشرًا واستعظموا ذلك، وأوجبوا أن يكون الإله حجرًا، وعجبوا من أن يُعادوا من تراب، وتثبت لهم الحياة، ولم يعجبوا أن يُبتدؤوا من تراب ولم يكن له أصل في الحياة"

(2)

، وذلك لأن كفرهم "يقوم على ستر الأدلة التي

(1)

. انظر: التفسير الحديث، لمحمد دروزة عزت (2/ 301).

(2)

. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (18/ 404).

ص: 49

تثبت الحق ببراهينه، بطرح الشبهات، وإلقاء عبارات التعجب، وادِّعاء أن الأمر غير مقبول عقلًا"

(1)

.

{أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} : هذه الآية واردةٌ في بيان شُبهة المشركين الساذجة في إنكار البَعْث واستبعاد الحياة بعد الموت، وهي أن بِلى الأجساد وصيرورتها رفاتًا، واختلاطها بالتراب، وتفرُّق أجزائها في مناحي الأرض ومهابِّ الرياح لا تُبقي أملًا في إمكان جمعها، لعدم العلم بمواقع تلك الأجزاء وذرَّاتها، ولو علمت مواقعها فكيف تُعاد إليها أرواحها، ذلك رجوعٌ يستبعد العقل وقوعَه، وتُحيله العادة

(2)

. ففيها ذِكر إنكار المشركين لعلم الله تعالى بالأشياء وقدرته على خَلْق ما يريد، المتضمِّن ذلك إنكار حكمة الله في خلق الإنسان

(3)

.

{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} : هذه الآية ردٌّ موجزٌ على شُبهة المشركين في إنكار البَعْث واستبعاده، ففيها "تقرير كمال علم الله سبحانه"

(4)

وتقرير قدرته ضمنًا، وبيان أنه سبحانه "قد علم ما تنقصه الأرض من لحومهم وعظامهم وأشعارهم، وأنه كما هو عالمٌ بتلك الأجزاء، فهو قادرٌ على تحصيلها وجمعها بعد تفرُّقها وتأليفها خلقًا جديدًا"

(5)

.

وفي الآية "تقريرٌ لعقيدة القضاء والقدر بتقرير كتاب المقادير"

(6)

.

وفي التعبير بالنقص دون الإعدام والإفناء في قوله: {مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ

(1)

. معارج التفكر ودقائق التدبُّر، لعبد الرحمن الميداني (3/ 21، 24).

(2)

. انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 280).

(3)

. معارج التفكر، لعبد الرحمن الميداني (3/ 28). وانظر: الفوائد، لابن القيم (ص 7 - 8).

(4)

. الفوائد، لابن القيم (ص 8).

(5)

. الفوائد، لابن القيم (ص 7).

(6)

. انظر: أيسر التفاسير، للجزائري (5/ 138).

ص: 50

مِنْهُمْ}، دلالةٌ على ما ورد في حديث:«لَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا يَبْلَى، إِلَّا عَظْمًا وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ»

(1)

.

{بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} : هذه الآية واردةٌ في تقرير المعاد ببيان بطلان موقف المشركين من التكذيب بالحق بذِكر دليل البطلان -وهو الاضطراب-، وبيان سببه -وهو الاستعجال-. لأن "الاضطراب موجبٌ للاختلاف، وذلك أدلُّ دليلٍ على الإبطال، كما أن الثبات والخلوص مُوجِب للاتفاق، وذلك أدلُّ دليلٍ على الحقيقة"

(2)

؛ فـ"الجزم الصحيح لا يتغير ولا يتبدل

[أمَّا المشركون] فكان أمرهم مضطربًا"

(3)

، (وذلك في وصفهم القرآن بأنه: سِحر، وتارة كهانة، وتارة شِعر، وتارة كذب، وتارة ينفون الرِّسالة عن البشر، وأخرى يزعمون أنها لا تليق إلا بأهل الجاه والرئاسة

(4)

.

وسبب هذا الاختلاف: إنما هو ناشئٌ عن استعجالهم في التكذيب بالقرآن، وعدم النظر والتأمل في أدلته. وفي هذا دعوةٌ للمشركين وغيرهم إلى التأمل في القرآن وبراهينه، وتأكيدٌ على أن "عدم التأني والتفكر مانع من موانع الاهتداء للحق"، فينبغي للإنسان أن يقابل "كل فكرة أو دعوة جديدة بالتدبُّر والتروي"

(5)

؛ لأنه يُعِين على معرفة جوانب الحق فيها ومواطن الخلل، ويعصم -بإذن الله- من الزَّلل.

(1)

. رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} ، (ح 4935)، (6/ 165). وانظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 283).

(2)

. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (18/ 407).

(3)

. مفاتيح الغيب، للفخر الرازي (28/ 154).

(4)

. انظر: نظم الدرر، للبقاعي (18/ 407)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 285)، وتفسير المراغي (26/ 152 - 153).

(5)

. التفسير الحديث، لمحمد دروزة عزت (2/ 301).

ص: 51

{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} : هاتان الآيتان واردتان في تقرير عقيدة البَعْث بمظاهر القدرة الإلهيَّة في الكون، وهي التي أنكرها المشركون في سياق إنكارهم للبَعْث، فكما أن الآية السابقة فيها دعوة إلى التفكُّر في القرآن وبراهين صِدقه، فكذلك هذه الآية فيها دعوة الكافرين وسائر الناس إلى التأمل في "العالم العلوي وبنائه وارتفاعه واستوائه وحسنه والتئامه، ثم إلى العالم السفلي وهو الأرض، وكيف بسطها [الله 5] وهيأها بالبسط لما يُراد منها، وثبَّتها بالجبال، وأنبت فيها من كل صنفٍ حسن من أصناف النبات على اختلاف أشكاله وألوانه ومقاديره ومنافعه وصفاته"

(1)

.

فكل ذلك دالٌّ على كمال قدرته سبحانه، وعلمه المحيط بكل شيء، وعلى عظيم حكمته، وبالِغ إتقانه لكل ما خَلَق، ودقيق صنعه، وغير ذلك من صفات الكمال. وفي هذا دلالة على مشروعيَّة النظر والاعتبار فيما يحيط بالإنسان من آيات الله في الكون وما فيها من منافع، ليزداد إيمانه ويصل إلى رتبة اليقين، وليشكرَ نعمة ربه بعبادته، ولا يكفروها بعبادة غيره

(2)

.

{تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} : هذه الآية "تذكيرٌ لمُنكِري البَعْث، وإيقاظ لهم عن سِنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك، وعدم امتناعه"

(3)

، ففيها بيان أن "التَّبصرة والذكرى من جملة الحكم التي أوجد الله تلك المخلوقات لأجلها"

(4)

. لأن الله قد جعل في آياته الكونيَّة وظيفتين: دنيويَّة للانتفاع بها

(1)

. الفوائد، لابن القيم (ص 9).

(2)

. انظر: معارج التفكر، لعبد الرحمن الميداني (3/ 37، 56)، وأيسر التفاسير، للجزائري (5/ 139 - 140)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 288، 289، 292).

(3)

. فتح القدير، للشوكاني (5/ 96).

(4)

. التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 290).

ص: 52

للمصالح الدنيا، وأخرى أخرويَّة، من الدلالة على الله عز وجل وصفاته التي ينتفع بها العبد المنيب

(1)

.

"وفيه إشارةٌ إلى أن الوصول إلى مقام التَّبصرة إنما هو بالعُبوديَّة، والإنابة"

(2)

، ففي الآية "تشريفٌ لجميع المؤمنين وبيانٌ لفضلهم إذ لا يخلون من تبصُّر وتذكُّر بتلك الأفعال على تفاوُتٍ بينهم في ذلك

، وتعريضٌ بإهمال الكافرين التبصُّرَ والتذكر"

(3)

.

وفي هذا دلالة على "اعتبار من لا ينتفع بالشيء، عادمًا له"

(4)

،

وفي هذا ما يؤكد على أنه ينبغي للمؤمن أن يتفكر في مخلوقات الله ويتأمل دقيق صنعه؛ لأنَّه "كُلَّما كَرَّر شَهِد المتفكِّرُ المتأمِّلُ آياتِ الله في الكون، تعلَّم منها أشياء جديدة، وزادته معرفة بحقائق عن خالقها ومبدعها"

(5)

، وعلم يقينًا أنه ما خُلق عبثًا، بل لأجل حكمة جليلة وغاية سامية، وعلم أنه محاسب على أعماله، وأنه لا بد من جزاء وحساب.

{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}

(6)

: هذه الآيات واردةٌ في دفع استحالة البَعْث وإظهار تقريبه

(7)

، بذِكر "أبهر الآيات وأدلها عليه، والتي

(1)

. انظر: معارج التفكر، للميداني (3/ 63).

(2)

. روح البيان، للخلوتي (9/ 107).

(3)

. التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 291).

(4)

. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (18/ 411).

(5)

. معارج التفكر، للميداني (3/ 41).

(6)

. انظر: الفوائد، لابن القيم (ص 9 - 10)، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور (18/ 414)، والتحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 292)، ومعارج التفكر، للميداني (3/ 42).

(7)

. انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 295).

ص: 53

تتجدَّد على مرور الدهر"، وهي تكميلٌ لِما سبق من تقرير كمال قدرة الله وشمول علمه وجليل حكمته، ففيها قياس بعث الناس للحياة الأخرى، بعد موتهم وفناء أجسادهم على إعادة حياة النباتات من بذورها، والامتنانُ بمظاهر الجمال في خلق الله، وبنعمة المطر وما يكون بإنزاله من الإنبات وحصول الثمار والأقوات للآدميين والبهائم، وإحياء الأرض بعد موتها. و"الإشارة إلى اختلاف أحوال استِحصال ما ينفع الناس من أنواع النبات؛ فإن الجنات تستثمر وأصولها باقية، والحبوب تستثمر بعد حصد أصولها"

(1)

.

وفيه "تنبيهٌ على أن اللائق بالعبد أن يكون انتفاعه بذلك من حيث التذكُّر والاستِبصار أقدم وأهم من تمتعه به من حيث الرزق"

(2)

. لأن "الرزق حاصل لكل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكرًا شاكرًا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام! "

(3)

.

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} : انتقل الكلام بعد ذِكر آيات الله في الأكوان والآفاق إلى ذِكر آياته في الأنفُس من المكذِّبين للرسل من قبل، فهذه الآيات واردةٌ في "تقرير النُّبوة بأحسن تقرير، وأوجز لفظ، وأبعده عن كل شُبهة وشك؛ فأخبر سبحانه أنه أرسل إلى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون رسلًا فكذَّبوهم، فأهلكهم بأنواع الهلاك، وصدقَ فيهم وعيده الذي أوعدتهم به رسله إن لم يؤمنوا، وهذا تقرير لنبوتهم ولنبوة من أخبر بذلك عنهم من غير أن يتعلم ذلك من معلِّم ولا قرأه في كتاب، بل أخبر به إخبارًا مفصلًا مطابقًا

(1)

. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (18/ 412).

(2)

. روح المعاني، للألوسي (25/ 423).

(3)

. مفاتيح الغيب، للرازي (28/ 158).

ص: 54

لِما عند أهل الكتاب"

(1)

. و"في ذلك تشريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وللرسل السابقين"

(2)

، وتقرير لوَحْدة العقيدة والرِّسالة.

وفيه التعريضُ بالتهديد للمشركين المكذِّبين بالرِّسالة والبَعْث، وتسليةٌ للرَّسول صلى الله عليه وسلم، وتثبيتٌ لقلبه، بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، بل هو رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسل

(3)

، لأن "المصيبة إذا عمَّت هانت"

(4)

.

وفي الآية دلالةٌ على "أن الاشتراك في العمل يوجب الاشتراك في الجزاء"

(5)

، وفي هذا دعوةٌ إلى الاعتبار والاتعاظ ممن قصَّ الله علينا نبأهم بالحق؛ فنعلم سنةَ الله الأزليَّة الكونيَّة في نصره رسلَه، وتعذيبه المكذِّبين، وأن العاقبة للمتقين، والبوار والخزي على الظالمين.

{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} : هذه الآية واردةٌ في "تقرير المعاد"، والرد على شُبهة المشركين في إحالة البَعْث، ففيها "الاستدلال بقدرة الله سبحانه على الخَلْق الأول، على قدرته على إعادة الخَلْق وإحياء الموتى والبَعْث في القيامة الكبرى"

(6)

. "لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البَدء"

(7)

.

وفي هذا إنكار على مُنكِري البَعْث، واتِّهام لمداركهم بالضَّحالة والسطحيَّة، و"تَوَرُّكٌ عليهم وتحميقٌ لهم وتوبيخٌ لهم" من إحالتهم البَعْث

(8)

.

(1)

. الفوائد، لابن القيم (ص 10).

(2)

. التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 297).

(3)

. معارج التفكر، للميداني (3/ 74).

(4)

. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (18/ 414).

(5)

. تفسير حدائق الروح والريحان، لمحمد الأمين الهرري (27/ 436).

(6)

. انظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 89)، والنبوات، لابن تيمية (2/ 678).

(7)

. أضواء البيان، للشنقيطي (7/ 686).

(8)

. التحرير والتنوير، لابن عاشور (26/ 298).

ص: 55