الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ النَّذْرِ
ــ
كتاب النذر
جمعه نذور، يقال: نذر ينذر بكسر الذال المعجمة في المضارع، وضمها لغتان.
وهو في اللغة: الوعد بخير أو شر، وفي الشرع: الوعد بالخير دون الشر.
وحده بعضهم بانه التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع.
وأصل الباب: قوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} ، وقوله تعالى:{والْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا} .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه .. فلا يعصه) رواه البخاري [6696] وغيره.
واختلفوا فيه على أربعة آراء:
أحدها: أنه مكروه، وإليه ذهب مالك، وهو الذي أشار إليه في (شرح المهذب)، ونقل عن النص؛ لما في (الصحيحين) [خ 6608 - م 1639/ 3] وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: (إنه لا يريد شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل).
قال ابن دقيق العيد: وفي الكراهة إشكال على القواعد؛ لأن وسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية.
والثاني: أنه خلاف الأولى، واختاره ابن أبي الدم، ورد بان هذا فيه نهي مقصود.
والثالث: أنه قربة، وبه جزم المتولي في (كتاب الوكالة) - فإنه قال: لا يجوز التوكيل فيه؛ لنه قربة - والقاضي حسين هنا، والرافعي في نذر الكافر، وفي (شرح
هُوَ ضَرْبَانِ: نَذْرُ لَجَاجٍ، كَإِنْ كَلَّمْتُهُ .. فَلِلّهِ عَلَيَّ عِتْقٌ أَوْ صَوْمٌ،
ــ
المهذب) في (باب ما يفسد الصلاة) ما يقضيه، ويدل عليه قوله تعالى:{ومَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} أي: يجاز عليه.
والرابع: التفصيل: فيحتسب نذر التبرر، وهو الذي ليس معلقًا على شيء، ولا يستحب المعلق، وقد اختاره ابن الرفعة، قال، وقال ابن سراقة في (التلقين): إنه مباح والوفاء به لازم.
ويستثني من إطلاق انه قربة: ما إذا نذر أن يطيب غير الكهبة من المساجد .. فالراجح عند الإمام من احتماليه: عدم صحة نذره، واختار في (شرح المهذب) صحته.
والشرط في الناذر: أن يكون مسلمًا مكلفًا مختارًا، فلا يصح من الكافر كإحرامه بالحج، وقيل: يصح منه النذر ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لما روى الشيخان [خ 2043 – م 1656] عن عمر: أنه نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له:(أوف بنذرك).
وحمل الأصحاب الخبر على الاستحباب؛ لأنه لا يحسن ان يترك بسبب الإسلام ما عزم عليه في الكفر من خصال الخير.
قال مجلي: ويمكن بناؤها على أن الكفار مخاطبون بالفروع أم لا، وفيه مظر؛ لأن القائل بأنهم مخاطبون بها قائل بسقوطهم بالإسلام.
ولا يصح نذر الصبي والمجنون والمكره، وفي السكران الخلاف في تصرفاته.
ويصح من المحجور عليه نذر القرب البدنية دون المالية لعجزه عن التصرف فيها كما جزم به الرافعي هنا، وفصل في (كتاب الحجر) فقال: تصح في الذمة دون العين.
قال: (هو ضربان: نذر لجاج) وهو التمادي في الخصومة، ويسمى عين الغضب وعين الغلق بفتح الغين المعجمة واللام.
قال: (كإن كلمته .. فلله علي عتق أو صوم) وكذلك غيرهما من العبادات كالصدقة، وكذا: إن لم أكلمه .. فلله علي كذا ثم كلمه في الأولى ولم يكلمه في الثانية.
وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَفِي قَوْلٍ: مَا الْتَزَمَ، وَفي قَوْلٍ: أَيُّهُمَا شَاءَ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، واللهُ أَعْلَمُ ......
ــ
وإنما مثل بالعتق والصوم ليعلم أنه لا فرق بين المال والبدن.
قال: (وفيه كفارة يمين) لما روى مسلم [1645] عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفارة النذر كفارة اليمين).
وبالاتفاق: لا يكفر نذر التبرر، فتعين أن يراد به هذا.
وروى البيهقي [10/ 33]: أن رجلًا قال لعمر: إني جعلت مالي في رتاج الكعبة إن كلمت اخي، فقال:(إن الكعبة لغنية عن مالك، كلم أخاك وكفر عن يمينك) وروي نحو ذلك عن عائشة وحفصة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر، ولا مخالف لهم.
قال: (وفي قول: ما التزم)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نذر وسمى .. فعليه ما سمى)، ولأنه التزام عبادة عند مقابلة شرط، فيلزمه عند وجوده.
قال: (وفي قول: أيهما شاء) وبه قال أحمد؛ لنه اختار الوفاء بما نذر، فهو الذي التزمه، وإن اختار كفارة اليمين .. فالذي أتى به حلف؛ لأنه يقال: حلفت بطلاق امراتي لأفعلن كذا، ولأنه يشبه النذر ويشبه اليمين، ولا سبيل إلى جمعهما ولا إلى تعطيلها، فوجب التخيير.
وروي هذا الحكم عن جماعة من الصحابة أيضًا.
قال: (قلت: الثالث أظهر، ورجحه العراقيون والله أعلم).
وعن أبي حنيفة ثلاث روايات كالأقوال، والمشهور عند أصحابه: لزوم الوفاء.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتُ فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٌ .. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِالدُّخُولِ،
ــ
فرع:
نص الشافعي على أن الحلف بالعتق من نذر اللجاج والغضب، وأنه مخير فيه بين الكفارة والعتق، أما لو قال: إن فعلت كذا فعبدي حر ففعله .. فإنه يعتق بلا خلاف، وإنما التخيير في التزام العتق.
فرع:
عدد أنواعًا من القرب فقال: إن فعلت كذا .. فعلى حج وعتق وصدقة، فإن أوجبنا الوفاء .. لزمه ما التزم، وإن أوجبنا الكفارة .. لزمه كفارة واحدة على المذهب.
وعن الشيخ أبي أحمد احتمال في تعددها.
قال: (ولو قال: إن دخلت فعلي كفارة يمين أو نذر .. لزمه كفارة يمين بالدخول) أما الأولى .. فبالاتفاق تغليبًا لحكم اليمين.
وأما الثانية .. فهو الذي نص عليه الشافعي محتجًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (كفارة النذر كفارة يمين).
وعلى القول الثاني: تلزمه قربة من القرب، والتعيين إليه، وليكن ما يعينه مما يلتزم بالنذر.
وعلى الثالث: يتخير بين ما ذكره وبين الكفارة.
فغن قال: إن فعلت كذا فعلي يمين أو فلله علي يمين .. فالصحيح: أنه لغو.
ولو قال: إن دخلت الدار فلله علي أن آكل اللحم مثلًا فدخلها .. لزمه كفارة يمين على الصحيح، وقيل: لغو.
ولو قال: ابتداء مالي صدقة أو في سبيل الله .. ففيه أوجه:
أحدها – وهو الأصح عند الغزالي وبه قطع القاضي حسين -: انه لغو؛ لأنه لم يأت بصيغة التزام.
وَنَذْرُ تَبَرُّرٍ؛ بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً إِنْ حَدَثَتْ نِعْمَةٌ أَوْ ذَهَبَتْ نِقْمَةٌ، كَإِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي .. فَلِلّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ كَذَا؛ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِنْ حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ،
ــ
والثاني: يلزمه التصدق به.
والثالث: يصير ماله بذلك صدقه كما قال: جعلت هذه الشاة أضحية.
قال: (ونذر تبرر) أي: يطلب به مطلق البر والتقرب إلى الله تعالى، وهذا هو الضرب الثاني الذي أشار إليه، وهو نوعان كما ذكره.
قال: (بأن يلتزم قربة إن حدثت نعمة أو ذهبت نقمة، كإن شفى الله مريضي .. فلله علي أو علي كذا، فيلزمه ذلك إن حصل المعلق عليه) ويجوز تقديمه إن كان ماليًا، وفي (فتاوي القفال) ما ينازع فيه، كذا في (الرافعي) هنا، وتبعه في (الروضة)، لكن فيها في (باب تعجيل الزكاة) المنع.
واستدل للوجوب إذا حصل المعلق عليه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ، {وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُّمْ} .
وفي (سنن أبي داوود)[3312]: أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها الله تعالى أن تصوم شهرًا، فنجت فلم تصمه حتى ماتت، فجاءت بنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تصوم عنها.
وأطلق المصنف (النعمة) و (النقمة)، وخصهما الشيخ أبو محمد بما يحصل على ندور، فلا يصح في النعم المعتادة كما في سجود الشكر.
قال الإمام – ووافقه طائفة من الأصحاب وطرده القاضي حسين -: في كل مباح، وهو أفقه، لكن التعبير بالحدوث يفهم امتناعه في النعم الحاصلة، وهو قياس سجود الشكر، وهو يقوي مقالة الشيخ أبي محمد.
وأفهمت عبارة المصنف: أن النذر لا يصح إلا بالقول، وهو الصحيح.
وقيل: يصح بالنية وحدها؛ لأن اعتماد القرب عليها لحديث: (الأعمال بالنيات) ويظهر أنه مخرج من القديم، وهو لزوم الأضحية بمجرد النية.
وأجيب عنه بان قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يقتضي
وَإِنْ لَمْ يُعَلَقْهُ كَلِلّهِ عَلَيَّ صّوْمٌ .. لَزِمَهُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ،
ــ
أن يكون ما نواه له لا عليه، ولو جعلناه بمجرد النية ملتزمًا .. لكان عليه، فيكون بخلاف الخبر.
فرع:
علق النذر بمشيئة زيد .. لم ينعقد وإن شاء زيد كما جزم به في (الروضة).
ولا نزاع أنه لو قال: لله علي أن أصوم إن شاء الله .. انه لا يلزم شيء.
فرع:
نذر شيئًا إن شفى الله مريضه، ثم شك هل هو صدقة أو عتق أو صلاة أو صوم؟ أفتى البغوي بانه يحتمل أن يلزمه الجميع كمن نسى صلاة من خمس، واحتمال أن يقال: يجتهد بخلاف الصلاة؛ لأنا تيقنا هناك وجوب الجميع عليه فلا يسقط إلا باليقين، وهنا تيقنا أن الجميع لم يجب عليه، إنما وجب شيء واحد واشتبه، فيجتهد كالقبلة والأواني. اهـ
وهذا نظير ما لو كانت عليه زكاة ولم يدر هل هي بقرة أو شاة او دراهم أو دنانير، فعند ابن عبد السلام: يلزمه الجميع كالصلاة المنسية، وقد تقدمت في (باب زكاة النقد).
قال: (وإن لم يعلقه بشيء كلله علي صوم .. لزمه في الأظهر)؛ لإطلاق الخبر السابق.
والثاني: لا يلزمه شيء؛ لأن أهل اللغة قالوا: النذر وعد بشرط ولا شرط هنا، ومنعه الأول ولا شرط فيه.
قال: (ولا يصح نذر معصية) كالصلاة محدثًا، وكالصلاة حائضًا والقراءة جنبًا، وشرب الخمر وقتل النفس والزنا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(لا نذر في معصية الله تعالى) رواه مسلم [1641].
ومن هذا: نذر ذبح الولد أو ذبح النفس، فلا ينعقد شيء من ذلك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو حنيفة: ينعقد نذر ذبح الولد ويلزمه ذبح شاة، وسلم أنه لو نذر ذبح والده أو أخيه لا ينعقد.
وعن أحمد رحمه الله: أنه تلزمه كفارة يمين، وأخرى: أنه يلزمه ذبح كبش.
وإذا عرف أنه لا ينعقد نذر فعل المعصية، فإذا لم يفعل ما نذره .. فقد أحسن، ولا تلزمه كفارة يمين على المشهور؛ لأنه لم توجد صيغة اليمين ولا حقيقته.
وعن الربيع رواية قول: إنه تلزمه كفارة يمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين) رواه أحمد [4/ 433] والنسائي [7/ 27] والحاكم [4/ 305] والبيهقي [10/ 56] من رواية عمران بن حصين، ورواه الأربعة عن عائشة.
وأجاب المصنف بأنه ضعيف باتفاق المحدثين، وحمله الجمهور على نذر اللجاج، وجعلوا ما رواه الربيع من كيسه، وبعضهم يحكي الخلاف في المسألة وجهين.
واستبعد الإمام وجوب الكفارة وقال: يجوز أن يجعل النذر كناية عن اليمين، فأما إلحاقه بالأيمان مطلقًا .. فلا معنى له.
تنبيهان:
أحدهما: يستثنى من إطلاقهم: ما إذا نذر عتق العبد المرهون .. فقد حكى الشيخان عن المتولي أنه ينعقد مع قولهم في (كتاب الرهن): إن الإقدام على عتق المرهون لا يجوز، وما لو نذر أن يصلي في أرض مغصوبة .. يصح النذر ويصلي في موضع آخر كما صرح به البغوي في (التهذيب)، والقفال في (الفتاوى)، والجاجرمي في (الإيضاح).
وبعدم الانعقاد جزم المحاملي في (المقنع).
وفي (فتاوى القفال): لو نذر أن يصلي في ثوب نجس .. لم ينعقد نذره على
وَلا وَاجِبٍ، وَمَنْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ،
ــ
الظاهر، وقياس ما أفتى به في الأرض المغصوبة أن يصح، ويصلي في ثوب طاهر، وقد يفرق.
الثاني: احترز بـ (المعصية) عن المكروه كصوم الدهر، فإذا نذره .. انعقد ولزمه الوفاء بلا خلاف، كذا في (شرح المهذب)، وكلام المتولي يفهم عدم الانعقاد، وأشار إليه الرافعي تفقهًا؛ لأن المكروه لا يتقرب به إلى الله تعالى.
قال: (ولا واجب) كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والحج الواجب؛ لأنه محتم بإيجاب الشرع فلا معنى لالتزامه، سواء علقه على حصول نعمة أم لا، كذا أطلقه المصنف، وهو صحيح في الواجب على الأعيان كالمكتوبات وصوم رمضان.
وأما الواجب على الكفاية .. فحاصل ما في (الروضة): أنه يصح، وقد ذكر المصنف في آخر الباب أنه يصح نذر الجماعة مع ترجيحه أنها فرض كفاية، فإن تعين فرض الكفاية .. ألحق بفرائض الأعيان، فلا يصح نذرها بلا خلاف.
وذكر الإمام أن فروض الكفايات التي يحتاج في أدائها إلى بذل مال أو معاناة مشقة تلزم بالنذر كالجهاد وتجهيز الموتى.
وقال المتولي: المذهب: عدم انعقاد نذر صلاة الجنازة، وسكتوا عن الواجب المخير إذا عين خصلة بالنذر هل يتعين؟ والقياس تعين أعلاها بناء على الصحيح أن الواجب أحدها، فكأنه تطوع بالزائد، والنذر يصح في التطوع، بخلاف ما إذا عين أدناها، لكن في (تعليق القاضي حسين) الجزم بأنه لا يتعين؛ لما فيه من تغيير إيجاب الله تعالى.
قال: (ومن نذر فعل مباح أو تركه) كالأكل والنوم ونحوهما (.. لم يلزمه)، لقوله صلى الله عليه وسلم:(لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله) رواه أحمد [2/ 185] وأبو داوود [3267].
وفي البخاري [6704]: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي وهو يخطب رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال صلى الله عليه وسلم:(مروه فليتكلم وليقعد وليستظل وليتم صومه).
وأبو إسرائيل هذا: اسمه قيصر العامري، قاله الحافظ عبد العظيم، وقال البغوي وابن بشكوال: اسمه قشير، وقيل: يسير، ووقع في (المهذب) بخط المصنف: ابن إسرائيل، وهو سبق قلم.
فإن قيل: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال:(أوف بنذرك) والضرب بالدف ليس بقربة .. فالجواب: أنه لما اتصل باتصال السرور برسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأغاظ الكفار وأرغم المنافقين .. كان من القرب.
وكذلك استحب ضربه في النكاح؛ ليخرج عن معنى السفاح.
وفسر الرافعي والمصنف المباح بما لم يرد فيه ترغيب ولا ترهيب كالأكل والنوم والقيام والقعود، أما المباح الذي يحصل به التقوى على العبادة .. فإنه يثاب على قصده دون فعله، ولذلك قال معاذ:(إني أنام وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) رواه البخاري [4342].
نعم؛ يستثنى من إطلاقه ما إذا نذر الحلق وقلنا: إنه استباحة محظور .. فالأصح في زوائد (الروضة): وجوبه، فهذا مباح وجب بالنذر.
فرع:
الأصح في زوائد (الروضة) و (شرح المهذب): أن من التزم بالنذر ألا يكلم الآدميين .. لم يلزمه ذلك؛ لما فيه من التضييق والتشديد، وليس ذلك من شرعنا، ويدل له حديث أبي إسرائيل المتقدم.
لَكِنْ إِنْ خَالَفَ .. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمُرَجَّحِ
ــ
وفي (البخاري)[3834]: أن امرأة حجت صامتة عن الكلام، فقال لها ابو بكر رضي الله عنه:(تكلمي؛ فإن هذا لا يحل).
وقال القفال: يحتمل أن يلزمه؛ لأنه مما يتقرب به إلى الله.
ويدل له ما رواه البخاري [6075] عن عائشة: أنها نذرت أن لا تكلم ابن الزبير، فلما دخل عليها بالمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وكلمته .. أعتقت أربعين نسمة، وكانت إذا ذكرت ذلك بكت إلى أن تبل خمارها وتقول:(إن النذر شديد).
قال: (لكن إن خالف .. لزمه كفارة يمين على المرجح) وهو الذي رجحه الشيخان في الكلام على نذر اللجاج والغضب؛ لأنه نذر في غير معصية الله.
والثاني – وهو المرجح في (الشرح) و (الروضة) هنا وجزما به في أول (الإيلاء): لا كفارة؛ لأنه لم توجد صيغة اليمين ولا حقيقته، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا إسرائيل بذلك.
فروع:
الأول: نقل الشيخان عن التهذيب وأقراه: أن الإمام إذا نذر الاستسقاء .. لزمه أن يخرج بالناس ويصلي بهم.
ولو نذر واحد من الناس .. لزمه أن يصلي منفردًا، وإن نذر أن يستسقي بالناس .. لم ينعقد؛ لأنهم لا يطيعونه، ولو نذر أن يخطب .. لزمه.
قال في (المهمات): والذي نقلاه من لزوم إخراج الناس خلاف مذهب الشافعي؛ فالذي نص عليه في (الأم): أن الناس لا يلزمهم الخروج مع الإمام إذا نذر؛ لأن طاعته تجب فيما يعود إلى صلاح المسلمين لا فيما يختص به.
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ .. نُدِبَ تَعْجِيلُهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيقٍ أَوْ مُوَالَاةٍ .. وَجَبَ،
ــ
الثاني: في فتاوى الغزالي: إذا قال المشتري: إن خرج المبيع مستحقًا فلله علي أن أهبك مئة دينار .. لا يلزمه شيء إذا خرج مستحقًا؛ لأنه مباح، والمباح لا يلزم بالنذر، وليس نذر لجاج، قال: ولا يؤثر قضاء القاضي في ذلك، إلا إذا نقل مذْهَب مُعتَبرٍ في لزوم ذلك بالنذر، لكن على ما قال المصنف هنا تلزمه كفارة يمين إن لم يفعله على ما فيه من الاضطراب.
الثالث: نذر السلطان صلاح الدين في بعض نصارى الساحل أنه إن ظفر بهم أن يقتلهم ولا يمن عليهم، ثم ظفر بهم أحد نوابه فأعطاهم الأمان، فاستفتى صلاح الدين في ذلك، فاختلف عليه الفقهاء، وكانت فتيا الشيخ شهاب الدين الطوسي رحمه الله: أن لا أمان لهم؛ لقبح ما تعاطوه في الإسلام، فأخذ صلاح الدين بفتياه وأحضره معه على قتلهم؛ تحريًا في التقليد وتبريًا من الاستبداد، فلما أخذتهم السيوف .. التفت صلاح الدين فإذا الشيخ شهاب الدين يبكي، فقال له: ما هذا؟ أرجوعًا عن الفتيا بعد الفوات؟ فقال: لا، ولكن رحمة جبلية لهذه الصورة الإنسانية، فكان بكاؤه كبكاء آدم رحمة جبلية على العصاة والكافرين من ذريته.
قال: (ولو نذر صوم أيام .. ندب تعجيلها) مسارعة إلى براءة الذمة، فلو مات قبله وبعد التمكن .. فُدي عنه، أو صيم على الخلاف المعروف، وما ذكره من ندب التعجيل محله عند انقضاء المانع، فلو عارضه ما هو أقوى منه كالمجاهد والمسافر تلحقه المشقة بالصوم .. فالأولى تأخيره ليزول المانع، لا سيما إن وجد ذلك قبل النذر.
قال: (فإن قيد بتفريق أو مولاة .. وجب)؛ عملًا بما التزمه، أما إذا قيد بالموالاة .. فواجب قطعًا، وإن قيد بالتفريق .. فوجهان:
أحدهما: يجب، وصححه في (شرح المهذب).
والثاني: لا، وصححه الإمام والغزالي.
ولو نذر عشرة متفرقة فصامها متوالية .. أجزأت على الثاني، وأجزأ منها خمسة على الأول.
وَإِلَاّ .. جَازَ. أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ .. صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ وَصَامَ رَمَضَانَ عَنْهُ وَلَا قَضَاء. وَإِنْ أَفْطَرَتْ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ .. وَجَبَ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ سَنَةٍ،
ــ
قال: (وإلا .. جاز) أي: وإن لم يقيد بتفريق ولا موالاة .. جاز التفريق والموالاة؛ لحصول الوفاء على التقديرين.
قال: (أو سنة معينة .. صامها وأفطر العيد والتشريق وصام رمضان عنه ولا قضاء)؛ لأن هذه الأيام لو نذر صومها .. لم ينعقد نذره، وهذا بناء على الجديد وهو عدم جوازها، فإن قلنا بالقديم: إنه يصح صومها للمتمتع – وهو المختار عند المصنف – لزمه صومها وقضاؤها إن لم يصمها، ولا خلاف أنه إذا نذر صوم الدهر .. لزمه، وكان حكمه كذلك.
قال: (وإن أفطرت لحيض أو نفاس .. وجب القضاء في الأظهر)؛ لأن الزمان قابل للصوم، وإنما أفطرت لمعنىً فيها فتقضي كصوم رمضان.
وخالف ما لو نذرت صوم أيام حيضها .. فإنه لا يصح ولا قضاء؛ لأنه معقود على معصية، وهنا دخل في العموم، وهذا الذي رجحه البغوي وصاحبا (التنبيه) و (المرشد) فتبعهم (المحرر).
قال: (قلت: الأظهر: لا يجب، وبه قطع الجمهور والله أعلم)؛ لأن زمانها يقعا مستثنىً شرعًا كالعيد، فعلى هذا: في الفطر بالمرض وجهان: قال في (الكفاية): أظهرهما: وجوب القضاء، والذي في الروضة: أن فيه هذا الخلاف، ورجح ابن كج وجوب القضاء على المذهب.
قال: (وإن أفطر يومًا بلا عذر .. وجب قضاؤه)؛ لتفويته باختياره، وهذا لا خلاف فيه، ومع ذلك يأثم.
قال: (ولا يجب استئناف سنة)؛ لأن التتابع كان للوقت، لا أنه مقصود كما في رمضان، ولا فرق في ذلك بين أن يفطر بعذر أو بغيره.
فَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ .. وَجَبَ فِي الًاصَحَّ. أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنّةٍ وَشَرَطَ التَّتَابُعَ .. وَجَبَ. وَلَا يَقْطَعُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَنْ فَرْضِهِ وَفِطْرُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ وَيَقْضِيهَا تِبَاعًا مُتَّصِلَةً بِآخِرِ السَّنَةِ، وَلَا يَقْطَعُهُ حَيْضٌ، وَفِي قَضَائِهِ الْقَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ .. لَمْ يَجِبْ،
ــ
ولو أفطر جميع السنة .. لم يلزمه التتابع في قضائها كصوم رمضان.
قال: (فإن شرط التتابع) أي: في نذره السنة المعينة (.. وجب) أي: استئناف السنة (في الأصح)؛ لأن ذكر التتابع يدل على كونه مقصودًا.
والثاني: لا يجب؛ لأن شرط التتابع مع تعيين السنة لغو.
فإن قال: لله علي صوم هذه السنة .. حمل على العربية، فإذا كان في أثنائها .. لزمه صوم ما بقي منها إلا العيدين وأيام التشريق.
فلو قال في أثناء سنة: لله علي صوم هذه السنة صام باقيها وإن كان يومًا، وكأنه قال: باقي هذه السنة.
قال: (أو غير معينة وشرط التتابع .. وجب) عملًا بما التزمه وهذا لا خلاف فيه.
قال: (ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه وفطر العيد والتشريق)؛ لاستثناء ذلك شرعًا.
واحترز بقوله: (عن فرضه) عمَّا لو صامه لا عن فرضه بل عن نذر أو غيره .. فإنه لا يصح صومه؛ لما سبق، وينقطع به التتابع قطعًا.
قال: (ويقضيها) أي: رمضان والعيدين والتشريق.
قال: (تباعًا متصلة بآخر السنة) عملًا بما شرطه، هذا هو المنصوص الذي قطع به الجمهور، وقيل: وجهان: أصحهما: هذا.
وثانيهما: لا قضاء كالسنة المعينة.
قال: (ولا يقطعه حيض)؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
قال: (وفي قضائه القولان) أي: السابقان في المعينة.
قال: (وإن لم يشرطه .. لم يجب) أي: التتابع؛ لعدم الالتزام، فيصوم ثلاث.
أوْ يَوْمَ الإثْنَيْنِ أَبَدًا .. لَمْ يَقْضِ أَثَانِيَ رَمَضَانَ، وَكَذَا العِيدُ وَالتَّشْرِيقُ فِي الأَظْهَرِ، فَلَوْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا لِكَفَّارَةٍ .. صَامَهَا، وَيَقْضِي أَثَانِيَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَقْضِي إِنْ سَبَقَتِ الْكَفَّارَةُ النَّذْرَ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
مئة وستين يومًا، أو اثني عشر شهرًا بالهلال، وإن انكسر شهر .. أتمه ثلاثين، وشوال وذو الحجة منكسران بسبب العيد والتشريق.
قال: (أو يوم الإثنين أبدًا .. لم يقض أثاني رمضان)؛ لأن وجوب صوم رمضان سابق على النذر فلا يتقدم عليها النذر.
وقوله: (أثاني) بحذف النون هو الصواب.
ووقع في (المهذب) و (المحرر) و (الشرح) و (الروضة): أثانين رمضان بالنون، وهي لغة قليلة، ويم الاثنين لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مثنى.
قال: (وكذا العيد والتشريق في الأظهر)؛ لتعينهما للإفطار.
والثاني: يقضي؛ لأنه لم يتحقق وقوعه فيه فلم يخرج عن نذره، وبخلاف ما إذا نذر صوم سنة معينة حيث قلنا: لا يقضي؛ لأن وقوعها في السنة لازم، ووقوع العيد في يوم الاثنين غير لازم.
ثم إن كلام المصنف يقتضي: أن كل إثنين وقع في رمضان لا يقضى قطعًا مع جريان خلاف في العيد والتشريق، وليس كذلك، بل خامس الأثاني فيه الخلاف كالعيد.
قال: (فلو لزمه صوم شهرين تباعًا لكفارة .. صامها ويقضي أثانيهما) وإن سبق النذر الكفارة؛ لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين بعده.
قال: (وفي قول: لا يقضي إن سبقت الكفارة النذر. قلت: ذا القول أظهر والله أعلم) كما لا يقضي الأثاني الواقعة في رمضان؛ لتقدم وجوبها على النذر.
ووجه مقابله: أن الوقت غير متعين لصوم الكفارة، ولو صام في الشهرين أثانيهما .. لوقعت عن نذره، فإذا تركه .. قضى، بخلاف أثاني رمضان، وهو أظهر عند البغوي وطائفة من العراقيين، وتبعهم في (المحرر)، قال في (المهمات): وهو الصواب المنصوص المفتى به، لكن بشكل على الرافعي ما لو نذر صوم الدهر وكان عليه كفارة حين النذر .. فإن زمانها مستثنىّ كما قاله.
وَتَقْضِي زَمَنَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فِي الأَظْهَرٍ. أَوْ يَوْمًا بِعَيْنِهِ .. لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ .. صَامَ آخِرَهُ وَهُوَ الْجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ .. وَقَعَ قَضَاءً
ــ
وقياس قوله في الأثاني: أن يفدي عن النذر كما لو لزمت الكفارة بعد أن نذر ..
وإذا نذر صوم الإثنين أبدًا ثم صامه عن نذر آخر مطلق .. لم يصح عن النذر المعين بلا خلاف، وهل يجزئ عما نوى؟ على قولين: أظهرهما: الإجزاء، بل نقل الإمام الاتفاق عليه.
قال: (وتقضي زمن حيض ونفاس في الأظهر)؛ لأن الوقت غير متعين لصوم الكفارة.
والثاني: لا تقضيها؛ لتقدم وجوبها على النذر كما لا تقضى الأثاني الواقعة في رمضان.
وموضع الخلاف إذا لم تكن لها عادة غالبة، فإن كانت .. فعدم القضاء فيما يقع في عادتها أظهر، وبه قطع بعضهم، أما لو أفطرت بعذر المرض .. فالمشهور وجوب القضاء، وقيل: على الخلاف.
ولو نذر صوم يوم الشك .. لم يصح على الأصح، فإن صححنا .. فليصم غيره، قال في (الروضة) هنا: فإن صامه .. خرج عن نذره على ما في ذلك من النظر.
قال: (أو يومًا بعينه .. لم يصم قبله) كالواجب بالشرع، فإن فعل .. لم يصح، ولا يجوز تأخيره عنه بلا عذر، فإن أخر وفعل .. صح وكان قضاء، هذا هو المذهب، وقيل: وجهان: ثانيهما: لا يتعين كالزمان، فيجوز قبله وبعده.
ويجريان أيضًا في تعيين السنة والشهر، فلو نذر صوم خميس ولم يعين .. كفاه أي خميس كان، وإذا مضى خميس .. استقر في ذمته، حتى لو مات قبل أن يصوم .. فدي عن
قال: (أو يومًا من أسبوع ثم نسيه .. صام آخره وهو الجمعة، فإن لم يكن هو .. وقع قضاء) كذا قاله الشيخان وغيرهما.
قال في (المطلب): ويجوز أن يقال: يلزمه صوم جميع الأسبوع، كما إذا عين الصلاة وقتًا له مزية كليلة القدر .. فإنه لا تجوز الصلاة في غيرها ويلزمه أن يصلي كل
وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ ثُمَّ نَذَرَ إِتْمَامَهُ .. لَزِمَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ ......
ــ
ليلة من ليالي العشر الأخير؛ ليصادفها، فإن لم يصل في ليالي العشر كلها .. لم يقضها إلا في مثله.
ويدل لأن آخر الأسبوع الجمعة ما روى مسلم [2789] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله التربة يوم السبت، والجبال يوم الأجد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة منه).
وقول الشاعر [من الطويل]:
ألم تر أن الدهر يوم وليلة
…
يكران من سبت عليك إلى سبت
فقل لجديد الثوب: لا بد من بلى
…
وقل لاجتماع الشمل: لا بد من شت
وقال ابن سيده: أوله الأحد، وقال المصنف في (التحرير) و (شرح المهذب): سمي يوم الاثنين لأنه ثاني الأسبوع، والخميس لأنه خامسه، والصواب الأول.
قال: (ومن شرع في صوم نفل ثم نذر إتمامه .. لزمه على الصحيح)؛ لأنه عبادة صحيحة يصح التزامها بالنذر.
والثاني: لا يصح؛ لأنه نذر صوم بعض اليوم.
قال: (وإن نذر بعض يوم .. لم ينعقد)؛ لأنه ليس بقربة.
قال: (وقيل: يلزمه يوم)؛ لأنه قد ورد الأمر بإمساك بعض النهار كمن أصبح مفطرًا يوم الشك ثم بان أنه من رمضان، ولكن لا سبيل إلى صيامه؛ لأن صيام بعض اليوم غير معهود شرعًا، فيلزمه يوم كامل، وكذلك لو نذر أن يصلي بعض ركعة .. لم تنعقد على الأصح، وقيل: يصح وتلزمه ركعة.
أوْ يَوْمَ قدُومِ زَيْدٍ .. فَالأَظْهَرُ: انْعِقَادُهُ، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَوْ نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا .. وَجَبَ يَوْمٌ آخَرُ، أَوْ وَهُوَ صَائِمٌ نَفْلًا .. فَكَذَلِكَ،
ــ
أما لو نذر سجدة واحدة .. فالأصح: عدم الانعقاد؛ لأنها ليست قربة، ولو نذر بعض نسك .. ينبغي أن يكون على الخلاف فيما لو أحرم به، وقد ذكره في زوائد (الروضة) هناك عن الروياني: أنه ينعقد بنسك كالطلاق، قال: وفيه نظر.
ولو نذر بعض طواف .. ينبغي أن ينبني على أنه هل يصح التطوع بشوط على حدته، والمنصوص لم الأم: أنه يثاب عليه كما لو صلى ركعة ولم يضف إليها أخرى.
قال: (أو يوم قدوم زيد .. فالأظهر: انعقاده)؛ لإمكان الوفاء به بأن يعلم قدومه غدًا.
والثاني: لا ينعقد؛ لتعذر الوفاء به، لأنه إن قدم ليلًا .. فهو إنما نذر صوم اليوم، فإن أراد باليوم الوقت .. فالليل لا يقبل الصوم، وإن قدم نهارًا .. فالنية لم توجد من الليل، ولا تجزئه نية من النهار، وإذا لم يمكن الوفاء بالملتزم .. يلغو الالتزام.
قال: (فإن قدم ليلًا أو في يوم عيد أو في رمضان .. فلا شيء عليه)؛ لأنها أوقات غير قابلة للصوم.
نعم؛ يستحب أن يصوم من الغد أو يومًا آخر شكرًا لله تعالى.
قال: (أو نهارًا وهو مفطر) إما لعدم النية من الليل، أو لتناول مفطر (أو صائم قضاء أو نذرًا .. وجب يوم آخر) كما لو نذر صوم يوم معين ففاته.
واستحب الشافعي أن يعيد الصوم الواجب الذي هو فيه أيضًا؛ لأنه بان أنه صائم يومًا مستحق الصوم لكونه يوم قدوم فلان.
ولو قدم نهارًا والناذر مفطر .. استحب له أن يمسك بقية يومه كالمسافر يقدم في رمضان مفطرًا.
قال: (أو وهو صائم نفلًا .. فكذلك)، فيلزمه يوم آخر عن نذره؛ لأنه لم يأت
وَقِيلَ: يَجِبُ تَتْمِيمُهُ وَيَكْفِيهِ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوَمِ التَّالِي لِيَوْمِ قُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَوَّلِ خَمِيسٍ بَعْدَهُ، فَقَدِمَا فِي الأَرْبِعَاءِ .. وَجَبَ صَوْمُ الْخَمِيسِ عَنْ النَّذْرَيْنِ وَيَقْضِي الآخَرَ.
فَصْلٌ:
نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إِتْيَانَهُ .. فالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ،
ــ
بالواجب عليه بالنذر، والنفل لا يقوم مقام الفرض، هذا هو المنصوص في (الأم).
قال: (وقيل: يجب تتميمه ويكفيه)، فيكون أوله تطوعًا وآخره فرضًا كمن دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه.
قال: (ولو قال: إن قدم زيد فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه، وإن قدم عمرو فلله علي صوم أول خميس بعده، فقدما في الأربعاء .. وجب صوم الخميس عن أول النذرين ويقضي الآخر)؛ لتعذر صومه، بخلاف الأول، وللبغوي احتمال في انعقاد النذر الثاني.
وقال في (شرح المهذب): لو قال: إن قدم زيد فلله علي أن أصوم أمس يوم قدومه .. صح نذره على المذهب.
تتمة:
لو تبين للناذر أن فلانًا يقدم غدًا فنوى الصوم من الليل .. فالأصح الإجزاء، وخصه المتولي بما إذا قلنا: يلزم الصوم من أول اليوم، فإن قلنا: يلزم من وقت القدوم .. لم يجزئه.
ولو نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدًا فقدم يوم الاثنين .. فهو كما لو نذر الأثاني كلها أبدًا، وقد تقدم حكمه.
قال: (فصل:
نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو إتيانه .. فالمذهب: وجوب إتيانه بحج أو عمرة)؛ لأن الله تعالى أوجب قصده بنسك فلزم بالنذر كسائر القرب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واستدل الرافعي وغيره بما روى ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمشي بحج أو عمرة.
ولأن مطلق كلام الناذر محمول على ما ثبت له أصل في الشرع، فمن نذر أن يصلي .. تلزم الصلاة المعهودة لا الدعاء؛ لأن قصد مكة في الشرع هو بالحج أو العمرة.
والمصنف تابع (المحرر) في التعبير، وسنذكر مثله في قوله:(أمشي إلى بيت الله)، والمراد فيهما: إذا قال: بيت الله الحرام أو نواه، ففي هذه الصور طريقان: المذهب الوجوب، وقيل: قولان.
وكذا الحكم لو قال: آتي مكة أو زمزم أو الصفا أو مسجد الخيف أو منى أو مزدلفة أو مقام إبراهيم أو دار أبي جهل، أو ذكر بقعة من الحرم .. لزمه القصد بالنسك.
فلو قال: بيت الله ولم يقل الحرام ولا نواه .. فهي مسألة (التنبيه) التي أقره عليها المصنف، والأظهر فيها: أنه لا ينعقد نذره؛ لأن المساجد كلها بيوت الله، وقيل: يلزمه؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه، أما إذا نواه .. فهو كالتصريح به.
ووجوب إتيانه بحج أو عمرة في مسألة الكتاب هو المنصوص بناء على الحمل على واجب الشرع، وإلا .. ففي لزوم ضم شيء آخر إليه وجهان: أصحهما: نعم.
وهل هو الصلاة أو النسك أو يتخير؟ فيه أوجه.
قال الإمام: ولو قيل يكفي الطواف لم يبعد.
ولو قال في نذره: أمشي إلى بيوت الله بلا حج ولا عمرة .. فالأصح انعقاد نذره، ولو نذر المشي إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى .. فالأصح أنه لا يلزمه شيء؛ لأنهما لا يقصدان بالنسك فأشبها سائر المساجد.
والثاني: يلزم؛ لأن الرحال تشد إليهما.
فَإِنْ نَذَرَ الإِتْيَانَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ، وَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمَشْيِ،
ــ
وعلى هذا: ففي وجوب المشي وجهان: صحح الشيخان وجوبه، والأصح في (المهمات): عدمه، وعليه أيضًا: أنه لا بد من ضم عبادة إلى الإتيان على الأصح.
واختلفوا في ذلك، فقيل: صلاة ركعتين، وقال الإمام: ركعة، وفي الاكتفاء بصلاة الفرض وجهان:
وقيل: يكفي الاعتكاف ولو ساعة؛ لأنه أخص القرب بالمسجد، وقيل: يتخير بينهما، وهو الأصح.
وأما الإتيان إلى غير المساجد الثلاثة .. فلا يلزم بالنذر، واختلف الشيخان في أعمال المطي إليها كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد: يحرم، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح: أنه لا يحرم ولا يكره.
ولو نذر المضي إلى عرفات .. فالأصح: أنه إن نوى بإتيانها التزام الحج وعبر عنه بشهود عرفة أو نوى أن يأتيها محرمًا .. انعقد نذره بالحج، وإن لم ينو ذلك .. لم ينعقد.
قال: (فإن نذر الإتيان .. لم يلزمه مشيٌ) هذا لا خلاف فيه، وله أن يركب قطعًا.
قال: (ولو نذر المشي أو أن يحج أو يعتمر ماشيًا .. فالأظهر: وجوب المشي).
وَإِنْ كَانَ قَالَ: أَحُجُّ مَاشِيًا .. فِمِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ، وَإِنْ قَالَ: أَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى .. فَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ،
ــ
هذا مفرع على أن الحج راكبًا أو ماشيًا أفضل، وفيه قولان: أصحهما – وصوبه المصنف -: الركوب؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حج راكبًا، رواه البخاري [1517] من رواية أنس، ولأن فيه زيادة مؤنة وإنفاق في سبيل الله.
والثاني – وصححه الرافعي –: المشي؛ لكثرة التعب، ولما في (الصحيح) [م 1211/ 126] عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (أجرك على قدر نصبك).
وفي قول أو وجه: أنهما سواء؛ لتعارض المعنيين.
وقال ابن سريج: هما سواء ما لم يحرم، فإذا أحرم .. كان المشي أفضل؛ لما روى الحاكم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إليها .. كتب الله بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم، وحسنات الحرم: الحسنة بمئة ألف) لكن ضعفه البيهقي [4/ 331].
وقال في (الإحياء): من سهل عليه المشي .. فهو أفضل في حقه، ومن صعب وساء خلقه لو مشى .. فالركوب أفضل.
فإن قلنا: المشي أفضل .. لزم بالنذر، وإن قلنا: الركوب أفضل أو سوينا .. لم يلزمه المشي بالنذر.
قال: (وإن كان قال: أحج ماشيًا .. فمن حيث يحرم) سواء أحرم من الميقات أو من دونه؛ لأنه التزم المشي في الحج وابتداؤه من الإحرام. وقيل: يلزمه من دويرة أهله؛ للعادة، فإن من قال: حججت ماشيًا .. فهم منه المشي في جميع الطريق، ولقول عمر: إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وقوله: أمشي حاجًا كقوله: أحج ماشيًا على الصحيح.
وقيل: أمشي حاجًا يقتضي أن يمشي من مخرجه إلى الحج.
قال: (وإن قال: أمشي إلى بيت الله تعالى .. فمن دويرة أهله في الأصح)؛ لأن ذلك مدلول لفظه.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْمَشْيَ فَرَكِبَ لِعُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الأَظْهَرِ،
ــ
والثاني: من الميقات؛ لأن المقصود من الإتيان الحج أو العمرة.
قال: (وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر .. أجزأه) هذا لا خلاف فيهز
وفي (الصحيحين)[خ 1865 – م 1642] عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يهادى بين رجلين، فسأل عنه فقالوا: نذر أن يحج ماشيًا، فقال:(إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه) وأمره أن يركب.
قال: (وعليه دم في الأظهر)؛ لما روى البيهقي [10/ 80] بإسناد ضعيف عن أبي هريرة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في جوف الليل في ركب؛ إذا أبصر بخيال قد نفرت منه إبلهم، فأنزل رجلًا فنظر فإذا هو بامرأة عريانة ناقضة شعرها، فقال: ما لك؟ قالت: نذرت أن أحج البيت ماشية عريانة ناقضة شعري، وأنا أكمن النهار وأتنكب الطريق بالليل، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:(ارجع إليها فمرها فلتلبس ثيابها ولتهرق دمًا).
وروى أبو داوود [3288] عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ أختي نذرت أن تحج ماشية، فقال صلى الله عليه وسلم:(إن الله لا يصنع بمشي أختك شيئًا، فلتحج راكبة ولتكفر عن يمينها).
وفي رواية: (ولتهد هديًا)[3290] وفي أخرى: (ولتهد بدنة)[3289] وهذا الحديث وحديث عقبة الآتي محمولان على أنهما عجزتا كما هو الغالب، ولأن ما أوجب تركه الدم مع القدرة .. أوجبه مع العجز كسائر دماء النسك.
والثاني: لا دم عليه، كما لو نذر الصلاة قائمًا .. يصلي قاعدًا للعجز.
وفرق الأول بأن الصلاة لا تجبر بالمال، بخلاف الحج.
واحترز بقوله أولًا: (إذا أوجبنا المشي) عما إذا لم نوجبه .. فإنه لا يجبر تركه بدم، والدم: شاة على الأصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولتهد هديًا) ومطلق الهدي محمول عليها، ولأنه ترفه بترك المشي فأشبه ما إذا ترفه باللبس والطيب.
وقيل: الدم بدنة؛ لرواية: (ولتهد بدنة).
أَوْ بِلَا عُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَمَنْ نَذَرَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً .. لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا .. اسْتَنَابَ
ــ
قال: (أو بلا عذر .. أجزأه على المشهور)؛ لأنه أتى بأصل الحج ولم يترك إلا هيئة، فصار كترك الإحرام من الميقات أو من المبيت بمنى، لكنه يعصي بذلك؛ لأنه ترك الواجب مع القدرة.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لم يأت بما التزم، وهو قديم.
فعلى هذا: لو مشى في البعض .. قضى ومشى حيث ركب وركب حيث مشى.
قال: (وعليه دم)؛ لترفهه، وهل الدم شاة أو بدنة؟ فيه القولان السابقان.
وفي وجه أو قول: لا دم؛ لأنه إنما يجب بترك أبعاض النسك والمشي ليس من أبعاضه، إنما هو صفة، ثم في نهاية المشي في الحج وجهان:
أصحهما – وهو المنصوص -: أنه بفراغه من التحللين؛ لأنه بذلك خرج عن الإحرام.
والثاني: بالتحلل الأول؛ لأنه فارق اسم الحج المطلق، ويباح له اللبس وغيره.
ولم لم يكن للعمرة إلا تحلل واحد – وهو فراغها – لزمه المشي إليه قولًا واحدًا، ولا خلاف في جواز ترك المشي لرمي أيام التشريق.
وما وقع في (التنبيه) من توقفه على الرمي وهم، قاله في (شرح المهذب).
ويستثنى من التوقف على التحللين ما لو فسد الحج، وظاهر كلام الرافعي: أن الأصح جواز الركوب؛ لأن الإفساد أخرجها عن وقوعها عن النذر، ويستأنف عنها حجة ويمشي فيها.
ولو نذر الحج حافيًا .. لزمه الحج ولا يلزمه الحفاء، بل له أن يلبس النعلين في الإحرام، ولا فدية عليه بلا خلاف؛ لأنه ليس بقربة.
قال في (المهمات): وينبغي أن يلزمه الحفاء في الموضع الذي يستحب فيه، وهو عند دخول مكة.
قال: (ومن نذر حجًا أو عمرة .. لزمه فعله بنفسه، فإن كان معضوبًا .. استناب)؛ حملًا له واجب الشرع.
وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ الإِمْكَانِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ .. حُجَّ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ عَامَهُ وَأَمْكَنَهُ .. لَزِمَهُ – فِإِنْ مَنَعَهُ مَرَضٌ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ،
ــ
قال في (الدقائق): قوله (استناب) يتناول الاستنابة بأجرة أو جعل أو تبرع، وهي مراد (المحرر) وإن لم يصرح بالتبرع.
قال: (ويستحب تعجيله في أول) سني (الإمكان)؛ مبادرة لبراءة الذمة، فإذا خشي العضب .. لزمته المبادرة أيضًا كما تقدم في حجة الإسلام.
ولو نذر المعضوب أن يحج بنفسه .. لم ينعقد نذره، وإن نذر أن يحج من ماله أو أطلق .. انعقد.
قال: (فإن تمكن فأخّر فمات .. حُج من ماله) كحجة الإسلام.
واحترز عما إذا مات قبل الإمكان .. فلا شيء عليه، قال في (شرح المهذب): ولا خلاف فيه.
قال: (وإن نذر الحج عامه وأمكنه .. لزمه) أي: في ذلك العام على الصحيح في تعيين الزمان في العبادات، فلا يجوز تقديمه عليه كالصوم.
وفي الحاوي وجه: أنه يجوز كما يجوز تقديم حجة الإسلام قبل وجوبها.
واحترز بقوله: (عامه) عما إذا لم يقيده بعامه .. فيلزمه لكن في أي عام شاء، وبقوله:(وأمكنه) عما إذا نذر حج السنة ولا زمان يسع الاتيان به، والأصح: لا ينعقد؛ لتعذر اللزوم.
وقيل: ينعقد، ويقضي في سنة أخرى.
هذا فيمن حج، فإن لم يكن .. فإنه يقدم حجة الإسلام، ولو قدم النذر .. وقعت عن حجة الإسلام كما تقدم في (كتاب الحج).
قال: (فإن منعه مرض .. وجب القضاء) كما لو نذر صوم سنة معينة فأفطر فيها لعذر المرض .. فإنه يقضي.
هذا إذا منعه بعد الإحرام، فإن منعه قبله .. فلا، قاله المتولي؛ لأن المنذور حج في تلك السنة ولم يقدر عليه.
أَوْ عَدُوٌّ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ – أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ عَدُوٌّ .. وَجَبَ الْقضَاءُ،
ــ
والنسيان وخطأ الطريق والضلال كالمرض.
قال: (أو عدو .. فلا في الأظهر) كما في حجة الإسلام إذا صد عنها في أول سني الإمكان .. لا يجب قضاؤها، ويفارق المرضَ لاختصاصه بجواز التحلل به من غير شرط، بخلاف المرض.
والقول الثاني: يجب، ومنهم من قطع به، ويجريان فيما لو منعه سلطان أو رب الدين وهو لا يقدر على أدائه، وفي الحصر العام والخاص اختلاف منتشر.
ومنع العدو لا فرق فيه بين أن يكون قبل الإحرام أو بعده.
فروع:
نذر القران فأفرد او تمتع .. فقد أتى بالأفضل؛ ليخرج عن نذره، كذا قاله الشيخان.
وأفاد في (المهمات): أن الدم لا يسقط عنه بعدوله إلى الإفراد.
ولو نذر أن يحرم بالحج من شوال أو من بلد كذا .. لزمه في الأصح، كذا ذكره الرافعي والمصنف هنا، وجزما في الحج بأنه لا يتعين الزمان.
ولو نذر أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم .. قال ابن كَج: عندي أنه يلزمه الوفاء به وجهًا واحدًا، قال: ولو نذر أن يزور غيره .. فوجهان.
ولو نذر ستر الكعبة أو تطييبها .. لزمه ذلك، بخلاف سائر المساجد.
قال الشيخ عز الدين: وحكم مشاهد العلماء والصلحاء كضريح الشافعي وذي النون المصري حكم البيوت لا المساجد.
قال: (أو صلاة أو صومًا في وقت فمنعه مرض أو عدو .. وجب القضاء)؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وقد تجب الصلاة والصوم مع العجز فلزما بالنذر، والحج لا يجب إلا عند الاستطاعة، والاعتكاف كالصوم والصلاة.
أَوْ هَدْيًا .. لَزِمَهُ حَمْلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ بِهَا،
ــ
وتعبيره بـ (القضاء) يقتضي تعيين المذكورات في الوقت المعين بالنذر، وهو الذي صححه في الروضة في (الصوم) وقال: الخلاف يجري في الصلاة أيضًا، لكنه في (باب الاعتكاف) جزم في الصلاة بعدم التعيين، وهو تابع للرافعي في جميع ذلك.
قال: (أو هديًا) أي: نذر أن يهدي شيئًا معينًا إلى الحرم (.. لزمه حمله إلى مكة) أي: عند الإمكان؛ لأنها محل الهدي وإن لم يسمها ولا نواها لقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ} وقيل: لا يلزمه حمله إليها إذا لم يصرح بها؛ حملًا على أقل واجب الشرع، فإن دم الإحصار يجزئ في غير الحرم.
واقتضى كلامه تعيين النعم، وهو الأظهر؛ لأن اسم الهدي عند الإطلاق ينصرف إليه، ولا بد أن يكون بصفة الأضحية؛ لأنا سلكنا به مسلك الواجب.
وقوله: (لزمه حمله) يعلم منه أن مؤنة حمله عليه، وكذلك علق الحيوان كما صرح به المارودي؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به .. فهو واجب، وهذا بخلاف ما لو قال: جعلت هذا هديًا إلى الكعبة .. لا تلزمه المؤنة، بل يباع بعضه فيها، قاله الفوراني وغيره.
قال الرافعي: وأطلق مطلقون أن المؤن في ماله، فإن لم يكن له مال .. بيع بعضه في المؤنة.
قال: (والتصدق به على من بها) غريبًا كان أو مستوطنًا، سواء في ذلك الفقير والمسكين.
ثم إذا حصل المنذور في الحرم، فإن كان حيوانًا يجزئ في الأضحية .. وجب ذبحه وتفرقته عليهم، والأصح: تعين الحرم لذبحه كما تقدم ي (محرمات الإحرام).
وإن كان من غير النعم كالظباء أو لا تجزئ في الأضحية .. لم يلزمه ذبحه في الأصح، بل يتصدق به حيًا؛ لأن الذبح ينقصه، فلو ذبحه تصدق باللحم وغرم ما نفص بالذبح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كان غير حيوان .. تصدق به، فإن عسر التصدق به كاللؤلؤ والطيب والثوب الواحد .. باعه وفرق ثمنه عليهم.
وإن نوى أن يخص به الكعبة .. اختص بها، فإن كان شمعًا .. أشعله فيها، أو دهنًا .. جعله لمصابيحها، وإن كان متاعًا لا يستعمل فيها .. باعه وصرف ثمنه في مصالحها، وإن لم يمكن نقله كالعقار .. باعه ونقل ثمنه؛ فإن ابن عمر سئل عن امرأة نذرت أن تهدي دارًا فقال:(تبيعها وتتصدق بثمنها على فقراء الحرم).
ولو تلف المنذور المعين في يده كما لو كانت بقرة فماتت .. فالأصح: لا ضمان.
فروع:
من نذر الهدي وأطلق .. لزمه الجذع من الضأن، أو الثني من المعز والإبل والبقر.
وإن نذر بدنة في الذمة .. لزمه، فإن لم يجدها .. أخرج بقرة، فإن فقدها .. فسبع من الغنم.
ويستحب لمن أهدى شيئًا من البدن أن يشعرها بحديدة في صفحة سنامها اليمين، وأن يقلدها حزب القرب ونحوها من الخيوط المفتولة والجلود، ويقلد البقر والغنم ولا يشعرها.
وصوب المصنف إشعار البقر.
فإن عطب منها شيء قبل المحل .. نحره حتمًا في المنذور وندبًا في غيره وغمس نعله في دمه وضرب به صفحة سنامه وخلى بينه وبين المساكين.
والذين يباح لهم الأكل من الواجب هم فقراء الركب والقافلة، وأما فقراء رفقته المختصين به .. فالأصح: تحريمه عليهم.
أَوِ التَّصَدُّقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ .. لَزِمَهُ، أَوْ صَوْمًا فِي بَلَدٍ .. لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَكَذَا صَلَاةٌ إِلَاّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ،
ــ
قال: (أو التصدق على أهل بلد معين .. لزمه) سواء مكة وغيرها، وهذا تفريع على منع نقل الزكاة.
ومقتضى كلامه: أنه لا فرق بين أهل الذمة والمسلمين والأغنياء والفقراء، وليس كذلك؛ فقد نص في (الأم) على تخصيصه بالمساكين، وصرح القاضي حسين والمروروذي والمارودي في (الإقناع) بأنه لا يجوز وضع المنذور في أهل الذمة.
قال: (أو صومًا في بلد .. لم يتعين) أي: ذلك البلد، بل يلزمه الصوم ويصوم حيث شاء، كما أن الصوم الذي هو بدل واجبات الإحرام لا يختص بالحرم.
وقيل: يتعين كالصلاة، ومال إليه الشيخ أبو زيد، ففي (سنن ابن ماجه) [3177]:(من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام فيه ما تيسر .. كتب له بمئة ألف شهر رمضان فيما سواه).
وألحق به ابن سراقة في (التلقين) نذر العتق.
وقال الشيخ زين الدين بن الكتناني: إن جميع القرب كذلك، فإذا نذر حسنة بالحرم .. وجب فعلها فيه؛ لأن الحسنة فيه بمئة ألف حسنة، والتضعيف قربة.
قال: (وكذا صلاة) أي: إذا نذرها في بلد .. لا يتعين؛ لأنها لا تختلف باختلاف البقاع، هذا هو المشهور.
وقيل: يتعين، وقيل: إن عين الجامع .. تعين، حكاهما في (الذخائر).
وإطلاق المصنف محمول على صلاة النفل، فلو نذر صلاة الفرض في المسجد .. ففي (الوسيط): أنه يلزمه، فإن صلى في مسجد أكثر منه جماعة .. جاز.
قال: (إلا المسجد الحرام) فيتعين بالنذر؛ لعظم فضله، وصح: أن الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، رواه أحمد [3/ 343] وغيره.
والمراد بـ (المسجد الحرام): جميع الحرم لا موضع الطواف فقط؛ فإن حرم مكة كمسجدها في المضاعفة كما جزم به الماوردي وتبعه المصنف في (مناسكه)،
وَفِي قَوْلٍ: وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تَعْيِينُهُمَا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
وجزم صاحب (الحاوي الصغير) بأن غير المسجد من الحرم كالمسجد في تعيينه للصلاة، وبه جزم الماوردي في مساجد الحرم كمسجد الخيف.
قال: (وفي قول: ومسجد المدينة والأقصى)؛ لأنهما مسجدان تشد الرحال إليهما كما تقدم فتعينا بالنذر كالمسجد الحرام، لا جرم رجحه المصنف فقال:
(قلت: الأظهر: تعيينهما كالمسجد الحرام والله أعلم) هو نصه في البويطي، وقطع به (المراوزة).
وروى ابن ماجه [1407] عن ميمونة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قلت: يا رسول الله؛ أفتنا في البيت المقدس، قال:(أرض المحشر والمنشر، ايتوه فصلوا فيه؛ فإن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره).
والقول الثاني: لا يتعين؛ لما روى أبو داوود [3298] والحاكم [4/ 304] والبيهقي [10/ 82] عن جابر: أن رجلًا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله؛ إني نذرت لله إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، فقال:(صل هاهنا) ثم أعاد فقال (صل هاهنا) ثم أعاد عليه فقال: (شأنك إذن).
وهذا مبني على أنه إذا نذر الإتيان إليهما .. لا يلزمه كما صححه العراقيون والروياني، وهل تقوم الصلاة في أحدهما مقام الصلاة في الآخر؟ فيه أوجه، والصواب في (الروضة) – ونص عليه في (البويطي) -: أنه يقوم مسجد المدينة مقام الأقصى دون العكس؛ لحديث جابر المذكور، وجميع هذا تقدم في (باب الاعتكاف).
وينبغي أن يلتحق بالمساجد الثلاثة في التعيين مسجد قباء؛ ففي (الصحيحين)[خ 1194 – م 13299/ 516]: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتيه راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين).
وروى الترمذي [324]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ركعتان فيه كعمرة).
أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا .. فَيَوْمٌ، أَوْ أَيَّامًا .. فَثَلَاثَةٌ،
ــ
وذكر الإمام أنه لو قال: أصلي في مسجد المدينة، فصلى في غيره ألف صلاة .. لم يخرج عن نذره، كما لو نذر الألف صلاة .. لا يخرج عن نذره بصلاة واحدة في مسجد المدينة، وأن شيخه كان يقول: لو نذر صلاة في الكعبة فصلى في أطراف المسجد .. خرج عن نذره.
قال: (أو صومًا مطلقًا) أي: من غير تعرض لعدد بلفظ ولا نية (
…
فيوم)؛ لأن الصوم اسم جنس يقع على القليل والكثير، والظاهر أنه لو قال: صومًا كثيرًا أو طويلًا أو عريضًا .. لا يلزمه أكثر من يوم.
قال في (الروضة): ولو قال: أصوم دهرًا أو حينًا .. كفاه يوم.
واستشكل ابن الصلاح – تبعًا للماوردي والروياني – الاكتفاء بيوم وقال: ينبغي أن لا يكتفى به إذا حملنا النذر على واجب الشرع؛ فإن أقل ما وجب بالشرع صيام ثلاثة أيام.
وحاول ابن الرفعة دفع هذا الإشكال فقال: لا نسلم أنه أقل صوم وجب بالشرع ابتداء، ولئن سلمنا أن ذلك يشمل ما وجب بإيجاب الشرع ابتداء أو بسبب من المكلف .. فصوم يوم فقط يجب بالشرع في جزاء الصيد، وعند إفاقة المجنون وبلوغ الصبي قبل طلوع الفجر آخر يوم من رمضان.
والعجب من المعترض والمجيب، فإن أقل صوم واجب بالشرع ابتداء يوم فإن رمضان ثلاثون عبادة بدليل وجوب النية كل ليلة، وأن بعضه لا يفسد بفساد بعض.
وعند مالك: جميعه عبادة واحدة فتكفي له نية واحدة، ومن يقرر هذا الأصل كيف ينكر ما تقدم.
قال: (أو أيامًا .. فثلاثة)؛ لأنها أقل الجمع، ويحتمل مجيء وجه بيومين بناء على أنهما الأقل.
ويجب التبييت في النية لصوم النذر على الأصح بناء على أنه يسلك به مسلك واجب الشرع، وصح في شرح المهذب الجزم به سواء سلكنا به مسلكًا الواجب أو الجائز.
أَوْ صَدَقَةً .. فَبِمَا [كَانَ،] أَوْ صَلَاةً .. فَرَكْعَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: رَكْعَةٌ،
ــ
فرع:
نذر صوم رمضان في السفر .. فالأصح عدم انعقاده؛ لأنه التزام يبطل رخصة الشرع.
والخلاف جار فيمن نذر إتمام الصلاة في السفر إذا قلنا: الإتمام أفضل، وفيمن نذر القيام في النوافل، أو استيعاب الرأس بالمسح، أو تثليث الطهارة، أو أن يسجد للتلاوة أو الشكر عند مقتضيها، وصحح (الحاوي الصغير) في الأولين الانعقاد.
ولو نذر اعتكافًا .. قال المتولي: كفاه أقل شيء، ويندب أن يتمه يومًا.
قال: (أو صدقة .. فبما [كان]) ينطلق عليه الاسم مما يتمول ولا يتقدر بخمسة دراهم ولا بنصف دينار وإن حملنا المطلق على الواجب من جنسه.
فإن قيل: لم يختلفوا هنا في الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسم، وإذا قال: لله علي هدى .. ففي إجزاء ما يقع عليه الاسم قولان .. فالجواب: أن الصدقة يتصور وجوب القليل فيها كالواجب في أحد الخلطاء، فلهذا اختص به، وأما أقل الهدي: فلا يتصور وجوبه.
فروع:
نذر التصدق بمال عظيم .. قال القاضي أبو الطيب في (باب الإقرار): لا يتقدر بشيء، قال: ورأيت بعضهم يوجب فيه مئتي درهم، وقد تقدم ما في ذلك في (باب الإقرار).
ولو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بشيء .. صح نذره، ويتصدق بما شاء من قليل وكثير.
ولو قال: فعلي ألف ولم يعين شيئًا باللفظ ولا بالنية .. لم يلزمه شيء.
قال: (أو صلاة .. فركعتان)؛ حملًا على أقل واجب الشرع.
قال: (وفي قول: ركعة)؛ حملًا على جائزه، فلا يكفيه سجود التلاوة والشكر؛
فَعَلَى الأَوَّلِ: يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا. أَوْ عِتْقًا .. فَعَلَى الأَوَّلِ: رَقَبَةٌ كَفَّارَهٍ، وَعَلَى الثَّانِي: رَقَبَةٌ. قُلْتُ: الثَّانِي هُنَا أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
لأن ذلك لا يسمى صلاة، والقولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي، ولم يستثنى من المرجح إلا مسالة الإعتاق، وقال المصنف (باب الرجعة): المختار: أنه لا يطلق ترجيح واحد من القولين، بل يختلف الراجح منهما بحسب المسائل؛ لظهور دليل أحد الطرفين بعض بعضها وعكسه في بعض، وكذلك الخلاف في الرجعة والإبراء.
وبين في (المهمات) أن لفظ (المختار) في (الروضة) بمعنى الأصح والراجح.
قال: (فعلى الأول: يجب القيام فيهما مع القدرة)؛ لأنا ألحقناه بواجب الشرع.
[قال]: (وعلى الثاني: لا)؛ إلحاقًا بجائزه، ولو نذر أن يصلي قاعدًا .. قال في (الروضة): جاز أن يقعد، وإن صلى قائمًا .. فقد أتى بالأفضل، وقال بعد ثلاثة أوراق: يلزمه القيام، ووقع الموضعان كذلك في (الشرح الصغير) أيضًا.
قال: (أو عتقًا .. فعلى الأول: رقبة كفارة) وهي السليمة المؤمنة؛ حملًا على الواجب.
قال: (وعلى الثاني: رقبة) ولو كافرة؛ لوقوع الاسم.
قال: (قلت: الثاني هنا أظهر والله أعلم)، وقال في (الروضة): صححه الأكثرون، وهو الراجح في الدليل. اهـ
وهو المنصوص في (الأم)، ولم يحك ابن خيران في (اللطيف) عن الشافعي غيره.
تنبيه:
قال في (التحرير): قول (التنبيه): (أو عتقًا) كلام صحيح، ولا التفات إلى
أَوْ عِتْقَ كَافِرَةٍ أَوْ مَعِيبَةٍ .. أَجْزَأَهُ كَامِلَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ ناَقِصَةُ .. تَعَيَّنَتْ، أَوْ صَلَاةً قَائِمًا .. لَمْ يَجُزْ قَاعِدًا، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، أَوْ طُولَ قِرَاءةِ الصَّلَاةِ، أَوْ سُورَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ الْجَمَاعَةَ .. لَزِمَهُ
ــ
من أنكره لجهله، ولكن لو قيل: إعتاق .. كان أحسن، والعجب أن عبارة (المحرر) إعتاقًا، فغيرها بخلاف الأحسن.
قال: (أو عتق كافرة أو معيبة .. أجزأه كاملة)؛ لإتيانه بما هو أفضل.
قال: (فإن عين ناقصة .. تعينت)؛ لتعلق النذر بعينها، ولم يجز غيرها.
فروع:
لا يصح بيع العبد المنذور إعتاقه، كما لا يصح بيع أم الولد، وقد تقدمت الإشارة إليه في (شروط المبيع).
ولو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد وكان ملك غيره فملكه يومًا .. لا يلزمه عتقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا نذر فيما لا يملك ابن آدم).
ولو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد الكافر .. لا يصح؛ لأنه جعل الكفر صفة، ولو قال: هذا العبد، وكان كافرًا .. صح كنظيره من الوقف.
وفي (فتاوى القاضي حسين): لو قالت امرأة كان يموت لها أولا: إن عاش لي ولد فلله علي عتق رقبة .. فشرط لزوم العتق أن يعيش لها ولد أكثر مما عاش أولادها الموتى وإن قلت تلك الزيادة، وقال أبو عاصم العبادي: متى ولدت حيًا لزمها العتق وإن لم يعش أكثر من ساعة، قال المصنف: والأول أصح.
قال: (أو صلاة قائمًا .. لم يجز قاعدًا)؛ لأنه دون ما التزم.
قال: (بخلاف عكسه)؛ لإتيانه بالأفضل، وفي المسألة بسط في (المهمات).
قال: (أو طول قراءة الصلاة، أو سورة معينة، أو الجماعة .. لزمه)؛ لأن ذلك طاعة، ومحل الجزم بذلك في الصلاة الملتزمة بالنذر، أما لو أفرد الصفة بالالتزام والأصل واجب كتطويل القراءة والركوع والسجود في الفرائض، وكقراءة سورة كذا في الصبح مثلًا أو أن يصليها في جماعة .. فالأصح اللزوم أيضًا.
وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُ النَّذْرَ بِكُلِّ قُرْبَةٍ لَا تَجِبُ ابْتِدَاءً كَعِيَادَةٍ، وَتَشْيِيعِ جَنَازَةٍ، وَالسَّلَامِ
ــ
وقيل: لا تتغير عن وصفها ويجريان في نذر الوتر وسائر الرواتب، فلو نذر الجماعة في الفريضة فصلاها منفردًا .. قال القاضي أبو الطيب: لا يلزمه أن يعيدها في جماعة؛ لأن الفرض سقط فسقط النذر، بخلاف ما لو نذر ركعتين جماعة فصلاهما منفردًا .. فإنه لا يجزئه.
قال صاحب (التقريب): ولو نذر أن يصلي صلاتين .. لم يخرج عن نذره بأربع ركعات بتسليمه واحدة.
قال: (والصحيح: انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداء) المراد القربات التي لم تشرع لكونها عبادة، وإنما هي: أعمال وأخلاق مستحسنة رغب الشرع فيها لعظم فائدتها، وقد يبتغى بها وجه الله تعالى فينال الثواب فيها.
قال: (كعيادة، وتشييع جنازة، والسلام)؛ لأن ذلك من حق المسلم على المسلم.
ومن ذلك زيارة القادمين بقصد القربة، وتشميت العاطس، فكلها تلزم بالنذر على الأصح.
والثاني: المنع؛ لأنها ليست على أوضاع العبادات.
وشملت عبارته فعل المكتوبة أول الوقت، وصلاة الفجر، وقيام الليل، والتراويح، وتحية المسجد وركعتي الإحرام والطواف إذا لم نوجبها.
ولو نذر تأجيل الدين بأن قال: إن شفي الله مريضي فلا أطالب فلانًا بديني سنة .. ففيه الوجهان، حكاه في (البحر) في (باب بيع اللحم بالحيوان).
وطردهما الماوردي فيما لو قال: لله علي أن أتزوج، وقصد به غض البصر وتحصين الفرج، قال: فإن قصد الاستمتاع .. لم يجب قطعًا.
واحترز بقوله: (لا تجب ابتداء) عن الصلاة والصوم والحج والعتق فيلزم بالنذر، وزاد القاضي حسين في الضابط: أن لا يكون فيه إبطال رخصة؛ ليخرج
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما إذا نذر أن لا يفطر في السفر في شهر رمضان .. فلا ينعقد نذره كما تقدم، لكن يرد على الضابط صور:
منها: إذا قال: إن شفى الله مريضي فالله علي أن أعجل زكاة مالي .. فالأصح في زوائد (الروضة) عدم الانعقاد.
ومنها: لو نذر الاعتكاف صائمًا .. فإنه يلزمه الأمران قطعًا.
ومنها لو نذر قراءة (الفاتحة) إذا عطس .. قال القاضي في (فتاويه): إن كان به علة ونوى شفاءه في العطاس .. انقعد نذره بلا خلاف، وإن لم تكن به علة .. فعندي ينعقد نذره أيضًا.
قال: ولو عطس هذا الناذر في ركوع أو سجود .. فعليه أن يقرأ الفاتحة بعد صلاته، فإن عطس في القيام .. قرأها في الحال؛ لأن تكرير الفاتحة في الصلاة لا يبطلها.
قال: ولو نذر أن يحمد الله عقب شرب الماء .. انعقد نذره.
وقول المصنف: (والسلام) أجود من قول (المحرر): السلام على الغير؛ لأنه يوهم الاحتراز عن السلام نفسه عند دخوله بيتًا خاليًا، ولا يصح الاحتراز عنه؛ فإنهما سواء، كذا قاله في (الدقائق).
تتمة:
نذر أن يتوضأ أو يغتسل لكل صلاة .. قال المتولي: ينعقد نذره، ولا يخرج عنه بالوضوء عن حدث، بل بالتجديد، والذي جزم به من الانعقاد جزم به القاضي حسين، وحكى في (التهذيب) وجهًا ضعيفًا: أنه لا يلزم، والمراد بالتجديد الذي يخرج به عنه: التجديد المشروع، وهو أن يكون صلى بالأول صلاةً ما على الأصح.
* * *
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
في (فتاوى القفال): لو قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أشتري بدرهم خبزًا وأتصدق به .. لا يلزمه الشراء إذا شفي، ويكفيه أن يتصدق بخبز قيمته درهم.
ومن نذر كسوة يتيم .. وجب ثوب واحد قميص أو إزار كما في كسوة الكفارة، وقال بعضهم: لا يخرج عن نذره باليتيم الذمي؛ لأن مطلقه في الشرع المسلم، وقال المصنف: ينبغي أن يكون فيه خلاف مبني على أنه يسلك به مسلك واجب الشرع أم جائزه كما لو نذر إعتاق رقبة.
ولو نذر زيتًا أو شمعًا ونحوه ليسرج في المسجد ونحوه، فإن كان ينتفع به – ولو على الندور – مصلٍ هناك أو من يقرأ على القبر أو غيرهما .. صح ولزمه الوفاء به، وإن كان يغلق ولا يتمكن أحد من دخوله والانتفاع به .. لم يصح، وإن وقد على القبر خاصة .. لم يصح، فإن حصل شيء منه .. رد إلى مالكه، وإلى وارثة بعده، فإن جهل .. صرف في مصالح المسلمين.
وقال الشيخ عز الدين: المهدى إلى المساجد من زيت وشمع إن صرح بأنه نذر .. وجب صرفه إلى جهة النذر ولا يجوز بيعه وإن أفرط في الكثرة، وإن صرح بأنه تبرع .. لم يجز التصرف فيه إلا على وفق إذنه، وهو باق على ملكه، فإن طالت المدة وعرفت أن باذله مات .. فقد بطل إذنه ووجب رده إلا وارثه، فإن لم يعرف له وارث صرف في مصالح المسلمين، وإن لم يعرف قصد المهدي .. أجري عليه أحكام المنذور التي تقدمت، أو يصرف في مصالح المسلمين.
* * *
كتاب القضاء