الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
شَرْطُ الشَّاهِدِ: مَسْلِمٌ،
ــ
كتاب الشهادات
هي جمع شهادة، وهي: الإخبار بما شوهد وعلم بلفظ خاص مأخوذ من الشهود وهو الحضور.
قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والشاهد: حامل الشهادة ومؤديها؛ لأنه مشاهد لما غاب عن غيره.
وقيل: مأخوذة من الإعلام، قال الله تعالى:{شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} أي: أعلم وبين.
والأصل فيها: قوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} ، وقوله تعالى:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ} ، {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} وهذا أمر إرشاد.
وروى ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشهادة فقال: (هل ترى الشمس؟) قال: نعم، قال:(على مثلها فاشهد أو دع) صححه الحاكم [4/ 98]، وضعفه البيهقي [10/ 156].
وافتتح الباب في (المحرر) بحديث: (أكرموا الشود؛ فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم) رواه العقيلي [1/ 64] عن ابن عباس وضعفه، ورواه الخطيب البغدادي [5/ 94] وابن النجار، والبانياسي في (جزئه) المشهور، والنقاش في كتاب (القضاة والشهود)، وابو منصور الديلمي في (مسند الفردوس) بإسناد غريب.
وقال الذهبي في (الميزان)[4/ 355]: إنه حديث منكر.
ولأن الحاجة داعية إليها، ولا خلاف بين المسلمين فيها.
قال: (شرط الشاهد: مسلم) قلا تقبل شهادة الكافر على مسلم ولا كافر؛ لقوله تعالى: {شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} ، والكافر ليس من رجالنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي عبارة المصنف تجوز، والذي في (المحرر) و (الروضة) وغيرهما الإسلام والحرية والتكليف، وهو الصواب.
وقبل أبو حنيفة شهادة بعض الكفار على بعض، وأحمد في الوصية عند فقد المسلم؛ لقوله تعالى {أَوْءِاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} عملاً بتفسير ابن عباس وأبي موسى الأشعري.
وعورضا بقول الحسن والزهري وغيرهما: من غير عشيرتكم، وأيده الشافعي بقوله تعال:{تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} ، والصلاة للمسلمين.
وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ} ، وأنكر ابن حزم دعوى النسخ فيها؛ لأن المائدة من آخر ما نزل لم ينسخ منها شيء، ولا خلاف أنها نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء.
روى البخاري [2780] والدارقطني [4/ 168] وغيرهما عن ابن عباس قال: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتى من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب، فاستحلفهما النبي صلى الله عليه وسلم:(ما كتمتما ولا اطلعتما؟) ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشترينا من عدي وتميم، فجاء الرجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال:(فأخذوا الجام) وفيه نزلت هذه الآية، لفظ الدارقطني.
وروى الترمذي [3059] عن تميم الداري في هذه الآية: أن تميمًا وعدي بن بداء كانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولىَ لبني سهم يقال له: بديل ابن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله.
قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناها أنا وعدي بن بداء، فلما قمنا إلى أهله .. دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره.
حُرٌّ، مُكَلَّفٌ،
ــ
قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمس مشة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستخلفوا بما يعظم على أهله دينه فحلف فأنزل الله تعالى الآية قم قال: حديث غريب ليس إسناده بصحيح.
وقال أبو عمر وغيره: ولا يعرف لعدي إسلام وهو الصواب، خلافًا لابن منده وأبي نعيم.
واحتج الأصحاب بأن المعروف بالكذب ومرتكب الكبيرة من المسلمين لا تقبل شهادته، والكافر يكذب على الله، وشهد الله بكذبه وفسقه، وهو متلبس بأكبر الكبائر فأولى أن لا تقبل شهادته.
وفي (سنن البيهقي)[10/ 163]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلا المسلمون؛ فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم).
قال: (حر) فلا تقبل شهادة الرقيق قنًا كان أو مكاتبًا أو مدبرًا أو مبعضًا أو أم ولد؛ لأنه ناقص الحال قليل المبالاة، فلا يصلح لهذه الأمانة، ووافقنا أبو حنيفة على عدم قبول شهادته، وقبلها أحمد وإسحاق وابن المنذر، وقال الطبري: إنه القياس؛ إذ ليس للحرية أثر في التصديق والتكذيب، وحكى الشيخ تاج الدين الفزاري في (فتاويه) عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال: أنا أعتقده، وقبل الشعبي والنخعي شهادته في الشيء التافه.
قال: (مكلف) فلا تقبل شهادة الصبي؛ لأنه لا حكم لقوله ولو كان مراهقًا.
وقبل مالك شهادة الصبيان في الجراحة الحاصلة بينهم في اللعب ما لم يتفرقوا، وجعله الهروي قولاً للشافعي، وعن أحمد قولان كمذهبنا ومذهب مالك.
عَدْلٌ، ذُو مُرُوءَةٍ،
ــ
لنا: ما روى الحاكم [2/ 286] عن ابن عباس: أنه سئل عن شهادة الصبيان فقال: قال الله تعالى: {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، وليسوا ممن نرضى.
ولا تقبل شهادة المجنون؛ لأنه إذا لم تقبل شهادته على نفسه .. فعلى غيره أولى.
قال: (عدل) وهو الذي اعتدلت أحواله دينًا ومروءة، فلا تقبل شهادة الفاسق؛ لقوله تعالى:{إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} .
وروى أبو داوود [3596] عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية).
وقبله أبو حنيفة إذا غلب على الظن احترازه عن الكذب، لكن يستثنى منه إذا كان فسقه من جهة الدين كأهل الأهواء .. فإنهم فساق وتقبل شهادتهم وروايتهم على الصحيح الذي استمر عليه عمل السلف والخلف.
وقال الروياني: إذا جلس الشهود عند عقد النكاح على الحرير .. لا ينعقد؛ لأن التحمل للشهادة كالأداء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ينعقد، ولا نحكم بفسقهم بهذا القدر إذا لم يواظبوا عليه ولم يتكرر، قال: وهذا أصح عندي؛ لأن الصحيح: أن ذلك معدود من الصغائر كما سيأتي.
وروى البيهقي في (الشعب)[4885] عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مدح الفاسق في الأرض .. غضب الرب، واهتز له عرش الرحمن).
قال: (ذو مروءة)؛ لأن من لا مروءة له .. لا يستحي، ومن لا يستحي .. يصنع ما يشاء.
و (المروءة) بالهمز، ويجوز تركه مع تشديد الواو، وقيل: الرجولية، وقيل: الإنسانية، وقيل: أن لا يعمل عملاً في السر يستحي منه في العلانية، وحفظها من الحياء ووفور العقل، وطرحها إما لخبل أو قلة حياء وعدم مبالاة بنفسه.
و (ذو المروءة): من يصون نفسه من الأدناس، ولا يشينها عند الناس، وقيل: من يسير بسيرة أمثاله في زمانه ومكانه.
غَيْرُ مُتَّهَمٍ، وَشَرْطُ الْعَدَالَةِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالإِصْرَارِ عَلَى صَغِيرَةٍ،
ــ
ولا يشترط أن يكون الشاهد معصومًا عن المعاصي كلها؛ فإنه لا معصوم إلا من عصم الله.
قال: (غير متهم)؛ لقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَاّ تَرْتَابُوا} ، والريبة حاصلة بالمتهم.
وروى الحاكم [4/ 99] على شرط مسلم عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة ذي الظنة ولا ذي الحنة) فـ (الظنة): التهمة، و (الحنة): العداوة.
وأهمل المصنف شرطًا سابعًا وهو: النطق، فشهادة الأخرس لا اعتبار بها، وثامنًا وهو: أن لا يكون محجوزًا عليه، ونقله في (الروضة) عن الصيمري، وجزم به الرافعي في (كتاب الوصية) ثم قال: فإن كان كما قال .. فهو شرط آخر غير ما تقدم.
واعترضه ابن الرفعة بأن السفه في المال مؤذن بخبل في العقل، فهو داخل فيما تقدم.
وجزم في (الجواهر) بقبول شهادة السفيه إذا كان سفهه بالتبذير وهو متصف بصفات العدالة، ولعل هذا في غير المحجور عليه وذاك في المحجور عليه.
قال: (وشرط العدالة: اجتناب الكبائر) أي: جميعها، فيفسق بواحدة منها؛ لأن الله تعالى حكم في قذف المحصنات برد الشهادة، وفيه تنبيه على ردها بجميع الكبائر.
قال: (والإصرار على صغيرة) فلا يشترط أن لا يقع منه، بل المضر الإصرار عليها؛ لأن الصغائر قل من يسلم منها إلا من عصم الله، قال تعالى:{الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَاّ اللَّمَمَ} وهي الصغائر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واعتبر الشافعي الأغلب، فإن كان الغالب الطاعة وندرت المعصية في بعض الأوقات .. فهو عدل، وإن كان الغالب الصغائر .. فهو فاسق وترد شهادته؛ لقوله تعالى:{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم} ، فاعتبر الكثرة والغلبة؛ لأن في النفس دواعي الطاعات ودواعي المعاصي فاعتبر الأغلب كما قيل [من الرجز]:
من لك بالمحض وليس محض .... يخبث بعض ويطيب بعض
وهو كما يعتبر في الماء إذا اختلط بمائع.
وفسر الرافعي الإصرار بالمداومة على الفعل، لكنه قال: هل هو المداومة على نوع من الصغائر أو الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان، كلام الشافعي والجمهور يوافق الثاني.
فعلى هذا: لا تضر المداومة على نوع من الصغائر غذا غلبت الطاعات، وعلى الأول تضر.
وقال ابن عبد السلام: الإصرار: أن تتكرر منه الصغيرة تكرارًا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به الإصرار على أصغر الصغائر.
وعطف المصنف (الإصرار) على (الكبائر) من عطف الخاص على العام؛ لأن الإصرار كبيرة.
وحكى الزبيلي في (أدب القضاء) وجهًا: أنها لا تصير بالإصرار كبيرة، كما أن الكبيرة لا تصير بالمواظبة كفرًا.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: ليس في الذنوب صغيرة، ولم ينفرد بذلك؛ فقد قال به ابن عباس وطوائف من المتكلمين، ونسبه القاضي عياض إلى المحققين، وهو مشهور عند الأشعرية وإن كان غريبًا عند الفقهاء.
وقال في (البسيط): إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من مدارك الشرع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال الشيخ عز الدين: المعاصي والطاعات إنما تكون كذلك بحسب ظن فاعلها، فمن أتى مصلحة يظنها أو يعتقدها مفسدة ثم ظهر كذب ظنه كما لو قتل من يظنه معصومًا فبان مستحق القتل ونحو ذلك .. فإنه يعصي ويفسق، وينعزل عن ولايته، وترد شهادته وروايته، لكن لا يحد؛ لعدم تحقق المفسدة.
ومن أتى مفسدة يظنها مصلحة واجبة أو مندوبة أو مباحة كما لو وطىء امرأة يظنها زوجته فبانت أجنبية .. لم يعص، ولم يقدح في شهادته.
قال: وقد يكون الشيء في الظاهر معصية، لكن تقترن به نية صالحة تخرجه عن ذلك كالشهادة على المكوس، وأخذ الظلمة الأموال إذا قصد بها الشاهد حفظها على أربابها، والشهادة لهم ليرجعوا به في وقت آخر عند إمكانه برجوع السلطان إلى العدل أو تولية عدل، فإن ذلك يجوز، وإن قصدوا إعانة الظلمة .. لم يجز، ويجوز أن يأخذوا الأجرة بنية ردها إلى أربابها، إلا أن يكونوا من العلماء الذين يقلدهم الناس .. فلا يجوز؛ لأنهم لا يطلعون على نياتهم.
وللأصحاب في حد الصغيرة والكبيرة وجوه:
أحدها: الكبيرة الموجبة للحد.
الثاني: ما يلحق صاحبه الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذان الوجهان أكثر ما يوجد لهم، وهم إلى ترجيح الأول أميل، ولكن الثاني أمثل؛ فإن أكل الربا ومال اليتيم وقطع الرحم والعقوق والسحر والنميمة وشهادة الزور وغيرها من الكبائر، ولا حد فيها.
الثالث: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة.
الرابع: كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب حدًا.
الخامس: في (روضة الحكام) ما يوجب الحد أو القتل عمدًا بغير حق أو شبه عمد.
السادس: ما أوجب الحد أو الوعيد، ذكره في (الحاوي).
السابع: عن الحليمي: كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتحقيق: أنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك.
وقد أعرض جماعة عن حدها واقتصروا على عدها، فقال الروياني: هي سبع، وقال ابن عباس هي إلى السبع مئة أقرب.
منها: السبع الموبقات، وشهادة الزور، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عنه بلا عذر، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والديانة والقيادة، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا عذر، ونسيان القرآن بعد تعلمه؛ لما روى أبو داوود [462] والترمذي [2916]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها) لكن في إسناده رجل ضعيف.
ومن الكبائر إحراق الحيوان بالنار، والنشوز، والظهار، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكره، وأكل لحم الخنزير والميتة بلا ضرورة، والوطء في الحيض، والشرب من آنية الذهب والفضة، والتختم بالذهب للرجال، ولبس الحرير بلا ضرورة، وأخذ المال غصبًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي (صحيح البخاري)[216]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل النميمة كبيرة).
وفي (الأذكار)[1/ 431]: أن رجلاً أتى إلى عمر بن عبد العزيز فذكر له عن رجل شيئًا فقال: إن شئت .. نظرنا في أمرك، فإن كنت صادقًا .. فانت من أهل هذه الآية:{إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} ، وإن كنت كاذبًا .. فأنت من أهل هذه الآية:{هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} ، وإن شئت .. عفونا عنك، قال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إلى ذلك أبدًا.
قال: ورفع رجل رقعة إلى الصاحب ابن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالاً كثيرًا، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت يرحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمَّره الله، والساعي لعنه الله.
وقال أبو طالب المكي: الكبائر سبع عشرة:
أربع في القلب: الإشراك بالله، والإصرار على معصية الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكره.
وأربع في اللسان: قذف المحصنات، وشهادة الزور، والسحر، واليمين الغموس.
وثلاث في البطن: أكل أموال اليتامى ظلمًا، وأكل الربا وهو يعلم، وشرب كل مسكر.
واثنان في الفرج: الزنا واللواط.
واثنان في اليد: القتل والسرقة.
وواحدة في الرجل: الفرار من الزحف.
وواحدة في جميع الجسد: عقوق الوالدين.
ومن الصغائر: النظر إلى ما لا يجوز، والضحك من غير عجب، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والاطلاع في بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والنياحة والصياح وشق الجيب في المصائب، والجلوس مع الفساق إيناسًا لهم،
وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ عَلَى الصَّحِيحِ،
ــ
والصلاة المكروهة في الأوقات المنهي عنها، والبيع والشراء في المسجد، وإمامة القوم وهم له كارهون، والكلام والإمام يخطب، والوصال في الصوم على الأصح، والاستمناء، وكثرة الخصومات وإن كان محقًا؛ لأن الخصومة لجاج في الكلام يوغر الصدر، ويهيج الغضب، ويورث الحقد، ويطلق اللسان في العرض، فمن خاصم .. تعرض لهذه الآفات، والخصومة مبدأ الشر.
روى الترمذي [1994] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا).
ومنها: الغيبة، وفي إطلاق القول بأنها من الصغائر نظر؛ فقد نقل القرطبي وغيره الإجماع على أنها من الكبائر، وقد غلظ أمرها في الكتاب والسنة، ولم يصرح من الأصحاب بكونها صغيرة إلا الغزالي وصاحب (العدة).
وقال في (البحر): لو نوى العدلُ فعل كبيرة غدًا كالزنا أو القتل .. لم يصر به فاسقًا، بخلاف نية الكفر؛ لأن نية الاستدامة شرط في الإيمان، بخلاف هذا. اهـ
وهذا ينبني على أن أفعال القلوب يؤاخذ بها، وورد في ذلك وعكسه أخبار، وحرره الغزالي فقال: الذي يرد على القلب أربعة أشياء: الخاطر وهو: حديث النفس، ثم بعده الميل، ثم بعدهما الاعتقاد، ثم العزم بعدها.
فالخاطر والميل لا يؤاخذ بهما، والعزم يؤاخذ به قطعًا، وأما الاعتقاد .. فقد يكون اختياريًا فيؤاخذ به، وقد يكون اضطراريًا فلا يؤاخذ به.
قال: (ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من لعب بالنرد .. فقد عصى الله ورسوله) رواه مالك [2/ 958] وأحمد [4/ 394] وأبو داوود [4899] وابن ماجه [3762] وابن حبان [5872] والحاكم [1/ 50] من حديث أبي موسى الأشعري.
وفي (صحيح مسلم)[2260] من رواية بريدة: (من لعب بالنردشير .. فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه).
والفرق بينه وبين الشطرنج: أن الشطرنج وضعت لصحة الفكر والتدبير، فهي
وَيُكْرَهُ شِطْرَنْجٌ،
ــ
تعين على الحروب، والنرد مصادفة كالأزلام، كذا قال ابن الرفعة وغيره، ومن هنا يؤخذ تحريم الطاب كما سيأتي.
والثاني: أن الترد مكروه كالشطرنج، لكن كراهته شديدة، ونقل الشيخ موفق الدين الحنبلي في (المغني) الإجماع على تحريم اللعب به، ولعله محمول على ما إذا قامر به كما هو الغالب، ثم على القول بتحريمه: الصحيح: أنه من الصغائر، وصحح الإمام أنه من الكبائر.
وقال الماوردي: النرد موضوع على البروج الاثني عشر والكواكب السبعة؛ لأن بيوته اثنا عشر، ونقطه من جانبي الفص سبعة، وهو فارسي معرب، ومعنى شير: حلو، وأول من وضعه أزدشير بن بابك.
قال: (ويكره شطرنج) وهو بفتح الشين وكسرها والفتح أشهر.
روى البيهقي [10/ 212] عن علي: أنه مر بقوم يلعبون به فقال: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) وفي رواية [10/ 212]: (صاحبه أكذب الناس، يقول: قتلت، وما قتل).
وعن وائلة بن الأسقع أنه قال: إن الله لينظر إلى الخلق كل يوم مئة وستين نظرة، ليس لصاحب الشطرنج منها نصيب.
وسئل الأستاذ الإسفراييني عنه فقال: إذا سلمت اليدان من الخسران والصلاة من النقصان واللسان عن البهتان .. أرى ذلك أنسًا بين الخلان.
وأما تسمية الفرس والفيل .. فقال الروياني: لا يضر؛ لأنها مجازات.
والوجه الثاني: أنه حرام كالنرد، واختاره الروياني، وبه جزم الحليمي والأئمة الثلاثة، وإليه ذهب جمهور العلماء.
وسئل مالك عنه فقال: أحق هو؟ قالوا: لا، قال: فماذا بعد الحق إلا الضلال.
فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَالٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ .. فَقِمَارٌ،
ــ
وانفرد الغزالي بأنه مباح يصير بالمواظبة عليه مكروهًا، قال الرافعي: لأن اللعب به روي عن عبد الله بن الزبير وأبي هريرة وابن عباس وابن سيرين وأبي عمرو بن العلاء، وأقر لاعبه عمر والحسن بن علي، وكان يلعب به استدبارًا سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وهشام بن عروة والشعبي والشافعي، كذا حكاه عنهم ابن شاكر في (مناقب الشافعي).
وظاهر كلام الرافعي: أن المراد بابن الزبير: الصحابي، ولهذا قدمه على أبي هريرة، وليس كذلك، بل المراد هشام بن عروة بن الزبير، كذا رواه البيهقي في (المعرفة) عن الشافعي.
وعلى الصحيح: قال الزبيلي: هو من الصغائر، فلو لعبه مستحله مع من يعتقد تحريمه .. فالأرجح عند الشيخ: التحريم؛ لما فيه من مساعدة الآخر على المعصية، وهو كالبيع وقت النداء مع من لا تلزمه الجمعة.
وقد تقدم في (السير) حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالأزلام والشطرنج والنرد .. فلا تسلموا عليهم).
وروى البيهقي [10/ 216] عن الشافعي أنه قال: اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة.
قال: (فإن شرط فيه مال من الجانبين .. فقمار)، فيحرم حينئذ، واشار في (الأم) إلى نقل الإجماع فيه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا أخرج أحدهما المال ليبذله إذا غُلب ويمسكه إذا غَلب .. فليس بقمار، ولا ترد به الشهادة، ولكنه عقد مسابقة على ما ليس من آلات القتال فلا يصح.
ويشترط أن لا يقترن به فحش، ولا إخراج صلاة عن وقتها عمدًا، فإن وجد ذلك .. ردت به الشاهادة إن تكرر، واستشكله الشيخان؛ لما فيه من معصية الغافل الساهي.
والجواب: أنه لما عاد إليه وهو يعلم أنه يورث النسيان .. كان مستخفًا متهاونًا.
فرع:
أفتى الشيخ رحمه الله بتحريم اللعب بالطاب؛ لأن المعتمد فيه على ما تخرجه الجرائد الأربع، وسئل عنه شيخنا فأجاب بالكراهة كالشطرنج، والتحريم فيه أظهر؛ لما تقدم عن ابن الرفعة في النرد، وهو مأخوذ من قول الرافعي: ما يعتمد فيه على إخراج اللاعبين الكعبين؛ أي: الحصى ونحوه كالنرد، وما يعتمد فيه على الفكر كالشطرنج.
وكره في (الأم) اللعب بالمنقلة وشطرنج المغاربة، كما هو مبين في (المطلب) و (الجواهر) و (المهمات).
وأما الكنجفة، فإن كان فيها عوض .. فحرام بلا شك؛ لأنه قمار.
واللعب بالخاتم مقتضى كلام الرافعي في (باب المسابقة) تجويزه، وبه صرح الصيمري هنا.
وأما اللعب بالحمام .. فأطلق الشافعي كراهته كالشطرنج، وقال القاضي حسين: هذا إذا لم يسرق فيه طيور الناس، فإن فعل .. فهو حرام ترد به الشهادة، واتخاذها للفراخ أو حمل البطائق يجوز.
قال الحليمي: ويحرم التحريش بين الديوك والكباش؛ لما فيه من إيلام الحيوان بلا فائدة، ويحرم التفرج على هذه الأشياء المحرمة؛ لأن فيه إعانة لهم على ذلك وحثًا عليها.
وَيُبَاحُ الْحُدَاءُ وَسَمَاعُهُ،
ــ
ويكره اللعب بالمراجيح.
قال: (ويباح الحداء وسماعه)؛ لما روى النسائي في (عمل اليوم والليلة)[532]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن رواحة: (حرك بالقوم) فاندفع يرتجز، وكان يحدو بالرحال.
وروى البيهقي [10/ 227]: أن البراء بن مالك كان يحدو بهم أيضًا.
وروى الشيخان [خ6149 - م2323/ 70] عن أنجشة العبد الأسود: أنه حدا بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(يا أنجشة؛ رفقًا بالقوارير) أراد النساء، وشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر، وغذا كسرت لا تنجبر، وذلك أن الإبل إذا سمعت الحداء .. أسرعت في المشي، واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.
وواحد القوارير: قارورة، سميت بذلك لاستقرار المائع فيها.
و (الحداء) بضم الحاء وبالمد كما ضبطه المصنف بخطه، وهو كذلك في (المحكم) و (الصحاح) وغيرهما، ويقال له: الحدو أيضًا، وهو تحسين الصوت الشجي بالرجز المباح وغيره؛ ليخفف الكلال، ويحدث نشاط النفس، فلم يكن له من الكراهة وجه سواء فيه الحادي والمستمع.
وفي (الإحياء) و (رسالة القشيري) عن أبي بكر الدينوري: أنه كان بالبادية،
وَيُكْرَهُ الْغِنَاءُ بِلَا آلَةٍ وَسَمَاعُهُ،
ــ
فأضافه رجل، فرأى عنده عبدًا أسود مقيدًا، فسأله عنه فقال مولاه: إنه ذو صوت طيب، وكانت لي عيس حملتها أحمالاً ثقيلة، وإنه حداها فقطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حطت أحمالها .. ماتت كلها، قال: فشفعت فيه فشفعني، ثم سألته أن يحدو لي: فرفع صوته، فسقطت لوجهي من طيب صوته، حتى أشار عليه مولاه بالسكوت.
قال: (ويكره الغناء بلا آلة وسماعه)؛ لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} ؛ قال ابن مسعود: هو والله الغناء رواه الحاكم [2/ 411] وقال: صحيح الإسناد، وروى البيهقي [10/ 221] بإسناد حسن: أنه الملاهي.
وقال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ} وهو الغناء والمزامير والملاهي؛ لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي مضافة إلى الشيطان.
وفي (سنن البيهقي)[10/ 223] عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل) والأصح: وقفه عليه.
وقال الغزالي: لا دلالة فيه؛ لأن كثيرًا من المباحات كلبس الثياب الجميلة ونحوها تنبت النفاق في القلب، وليس بمكروه.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي وابن حزم: لم يرد نص كتاب بتحريمه، ولا صحت به سنة، فهو مباح، لا سيما وقد ورد إباحته عن جماعة من الصحابة والتابعين.
وفي وجه حكاه أبو الفرج الزاز: يحرم سماع كثيره دون قليله.
وفي وجه: يحرم مطلقًا، وبه جزم الرافعي في (البيع) و (الغضب) فقال: إنه معصية، وتابعه المصنف في الموضع الثاني وحذف الأول.
والغناء من الصوت ممدود، ومن المال مقصور.
وكان الأحسن أن يعبر بـ (الاستماع) لا بالسماع، وحيث قلنا: يكره الإنشاد والاستماع .. فذلك إذا كان من زوجته أو أمته، فإن كان من امرأة أجنبية .. فهو أشد كراهة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكى القاضي أبو الطيب تحريمه، وهذا هو الخلاف في أن صوتها عورة.
وإن كان في السماع منها خوف فتنة .. فحرام بلا خلاف، وكذا السماع من صبي تخاف منه الفتنة.
قال الشافعي: إذا صار الإنسان منسوبًا إلى الغناء وسمي به فيقال: فلان مغنٍ، يأخذ على غنائه أجرًا، ويدعوه الناس إلى دورهم أو يغشونه لذلك في داره .. فهو سفيه مردود الشهادة؛ لأنه تعرض لأخبث الأكساب، ونسب إلى أقبح الأنساب.
وأما تحسين الصوت بقراءة القرآن .. فمسنون، والقراءة بالألحان الموضوعة للأغاني إذا أفرط فيه في المد والإشباع والحركات .. فالصحيح: أنه حرام، وقال الماوردي: يفسق به القارىء، ويأثم به المستمع؛ لأنه عدل به عن نهجه القويم.
ويسن ترتيل القراءة وتدبرها، والبكاء عندها، وطلب القراءة من حسن الصوت، ولا بأس بترديد الآية للتدبر.
فائدة:
سئل القاضي حسين عن السماع فقال: من تعوده من الفقهاء أو غيرهم في كل أسبوع مرة أو في كل شهر مرارًا .. فسق وردت شهادته؛ إذ ليس كل فسق ترد به الشهادة.
وقسمه الغزالي إلى مندوب ومباح ومحرم، فمن غلب عليه حب الله وحب لقائه .. كان السماع له محبوبًا، ومن غلب عليه عشق مباح في زوجته أو أمته .. كان له مباحًا، ومن غلب عليه الهوى المحرم كان في حقه حرامًا.
وقال الشيخ عز الدين: الرقص لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء، قال: وأما الإنشاد المحرك للأحوال السنية المذكرة لأمور الآخرة .. فلا بأس به، قال: والسماع يختلف باختلاف السامعين والمسموعين، ثم ذكر له سبع مراتب، وحكى في فتواه التي سأله عنها الشيخ أبو عبد الله بن النعمان خلافًا للعلماء في السماع بالملاهي وبالدف والشبابة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكى الخلاف في اجتماعهما ابن المنير المالكي في فتواه أيضًا.
وأفتى ابن الصلاح بالتحريم إذا اجتمعا كما سيأتي.
وقال الشيخ: السماع على الصورة المعهودة منكر وضلالة لم يرد به نبي من الأنبياء، ولا أتى في كتاب منزل من سماء، بل هو من أفعال الجهال والشياطين.
واجتماع الدف والشبابة قال جماعة من العلماء بتحريمه، ولم يقل الشافعي بإباحته، ومن زعم أن ذلك قربة .. فقد كذب وافترى على الله، ومن قال: إنه يزيد في الذوق .. فهو جاهل أو شيطان.
قال: وقولهم: إن من أنكر ذلك من القشور، إن أرادوا به الفقهاء .. فقائل ذلك يستحق الأدب، وإن أرادوا أنهم وصلوا إلى ما لم يصل إليه الفقهاء .. فالواصل لا يقول ذلك.
وكل يدعون وصال ليلى .... وليلى لا تقر لهم بذاكا
قال: ومن نسب السماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يؤدب أدبًا شديدًا، ويعزر تعزيرًا بليغًا، ويدخل في زمرة الكاذبين عليه صلى الله عليه وسلم، فليتبوأ مقعده من النار.
وليس هذا طريقة أولياء الله وحزبه وأتباع رسوله، بل طريقة أهل اللهو واللعب والباطل، ويسوغ الإنكار على هذا باللسان والقلب واليد، ومن قال من العلماء بإباحة السماع .. فذلك حيث لا يجتمع فيه دف ولا شبابة، ولا رجال ونساء، ولا من يحرم النظر إليه، ولا كلام فاحش.
والصغيرة إذا أصر عليها فاعلها .. صارت كبيرة، والاحتجاج بالذين لعبوا في المسجد بالحراب وبحديث بني النجار صحيح في النوع المباح من السماع،
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرَبَةِ، كَطُنْبُورٍ وَعُودٍ وَصَنْجٍ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ، وَاسْتِمَاعُهَا،
ــ
لا في النوع المنهي عنه.
ووافق الشيخ رحمه الله على ذلك علماء عصره من المذاهب الأربعة.
والتصفيق باليد حكمه حكم اليراع من الغناء، قاله الشاشي وابن درباس.
وقال الحليمي: يكره للرجال، ويباح للنساء.
قال: (ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة)؛ لأنها آلة الشرب، وتدعو إليه، وفيه تشبه بأهله وهو حرام.
وكذلك لو رتب جماعة مجلسًا وأحضروا آلة الشرب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين، ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم، ويجيب بعضهم بعضًا بكلامهم المعتاد بينهم.
قال: (كطنبور وعود وصنج ومزمار عراقي، واستماعها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَّ والحرير والمعازف) رواه البخاري عن شيخه هشام بن عمار بإسناده، إلا أنه قال: قال هشام، ولم يقل: حدثنا، فزعم ابن حزم أنه منقطع لم يسمعه منه، ووهم في ذلك؛ فإنه سمعه منه، إلا أنه أخذه عنه حال المذاكرة لا حال التحديث، وهذه عادة البخاري مبالغة في الاحتياط، وقد وصله الإسماعيلي في (صحيحه) وأبو نعيم في (المستخرج) وأبو داوود في (سننه)[4036] بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها.
قال الجوهري وغيره: المعازف: آلات اللهو، والمعنى فيه – كما قاله في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الإحياء) -: أنها تدعو إلي شرب الخمر، والتشبه بأهل المعاصي حرام.
ومن المعازف الرباب والجنك والكمنجة، فيحرم الضرب بها، وهو الاستعمال الذي عناه المصنف.
وقال الغزالي: القياس تحليل العود وسائر الملاهي، ولكن ورد ما يقتضي التحريم.
أما العود
…
ففي إباحته وجه في (الحاوي) و (البحر)، وعلل بأنه يخفف الأحزان وينعش روحانية الإنسان، ومال إليه أبو منصور البغدادي، ونقل عن صاحب (المهذب)، لكن لم يذكره في كتبه الفقهية، وعزاه إليه أبوطاهر المقدسي، وهذة النسبة باطلة قطعا؛ فقد صرح هو في (المهذب) هنا وفي (الوصايا) هنا وفي (الوصايا) بتحريمه، وهو قضية ما في (التنبيه)، ومن عرف حال الشيخ وشدة ورعه ومتين تقواه .... جزم ببراءة ساحته عن ذلك، وكيف ذو لب في هذا العبد القانت أنه يقول في دين الله ما لم يكن، وكل من ترجمه لم يذكر في ترجمته شيئًا من ذلك.
وأول من ضرب بالعود لامك بن المتوشلح.
قالوا: وهو مركب من حركات نفسانية يذهب الهم ويقوي الهمة ويزيد في النشاط، وهذا لا وجه له؛ لأنه أكثر الملاهي طربًا وأشتغلتها عن ذكر الله وعن الصلاة، وأشرت إلي ذلك في (المنظومة) بقولي (من الزجر):
ونغمات العود للمحزان .... قالوا تزيل أثر الأحزان
فأجزم علي التحريم أي جزم .... والجزمأن لا تتبع ابن حزم
فقد أبيحت عنده الأوتار .... والعود والطنبور والمزمار
ونبه المصنف بقوله: (استعمالها) علي أن المحرم الإصغاء إليها، لا السماع من غير قصد؛ فإنه لا يحرم، فإن استمع وأصغي .... أثم.
وقوله: (الشربة) هو بتاء في آخره، جمع شارب كظالم وظلمة، والأولي حذفها
لَا يَرَاعِ فِي الأَصَحِّ، قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
كما عبر عنه في (الوجيز)، وهم الذين يجتمعون علي الشراب الحرام.
و (الطنبور) معروف، و (الصنج) قال الجوهري: يتخذ من صفر، يضرب أحدهما بالآخر، مختص بالعرب، وأما الصنج ذو الأوتار
…
فيختص به العجم.
وقال الشيخ شرف الدين البازي: مراد الرافعي به ذو الأوتار، وهذا عجيب منه؛ فقد قال الرافعي بعد ذلك: إن الضرب بالصفاقتين حرام، ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وتوقف الإمام فيه، وهذا هو الصنج العربي.
وعبر عن الصنج في (المهذب) بالصليل، وهو بكسر الصاد وتشديد اللام المكسورة.
و (المزمار العراقي): هو الذي يضرب به مع الأوتار، وهو بكسر الميم واحد المزامير، وأول من أتخذها بنو إسرائيل.
قال: (لا يراع في الأصح)؛ لأنه ينشط علي السير في الأسفار فأشبه الحداء.
وفي (سنن أبي داوود)(4889) و (ابن حبان)(693) عن نافع عن ابن عمر: أنه سمع زمارة راع فجعل إصبعيه في أذنيه وعدل عن الطريق وجعل يقول: (يا نافع أتسمع؟) فأقول: نعم فلما قلت: لا
…
راجع الطريق ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يفعل).
قال ابن حزم: فلما لم يأمر نافعًا بسد أذنيه، ولم ينبه الراعي .... دل علي جوازه، وسد الأذن تورعًا، أو كان في حالة ذكر ليجتمع فكره.
قال الرافعي: ويروى: أن داوود عليه السلام كان يضرب بها في غنمه.
وعن الصحابه الترخص فيه، وهذا صححه الغزالي، وهو الأقرب في (الشرح الكبير)، والأظهر في (الصغير)، واختاره أبو الطيب المقدسي وتاج الدين الفزازي وابن عبد السلام وابن دقيق العبد والجاجرمي في (الإيضاح) والخطابي والماوردي والروياني.
قال: (قلت: الأصح: تحريمة والله أعلم) قياسًا علي المزمار، وهو الذي صححه البغوي وابن أبي عصرون، وقال في (الروضة): إنه الأصح، وهو هذه
وَيَجُوزُ دُفٌّ لِعُرْسٍ
ــ
الزمارة التي يقال لها: الشبابة، وقد صنف الإمام أبو القاسم الولعي خطيب الشام في تحريمها كتابًا مشتملًا علي نفائس، وأطنب في دلائل تحريمه.
وقال الماوردي: تكره في الأمصار وتباح في الأسفار والمرعي، وتبعه الروياني.
وقال ابن الصلاح: الخلاف في الدف الذي بالجلاجل وفي الشبابة محله إذا انفرد كل منهما، فأما إذا اجتمعا فيحرمان بإجماع من يعتد به، قال في (الجواهر): وكلام أصحابنا يأباه.
و (اليراع): الشبابة، سميت بذلك لخلو جوفها، ومنه: رجل يراع؛ أي: لا قلب له.
قال: (ويجوز دف) وهو الدائر المفتوح، وفي داله الفتح وهي لغة أهل الحجاز، والضم وهي لغة غيرهم.
قال: (لعرس)؛ لما روى البخاري (514) عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها: قالت جاء النبي صلي الله عليه وسلم فدخل حين بني علي، فجلس علي فراشي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر؛ إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد فقال صلي الله عليه وسلم: (دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين) وترجم عليه: (باب الضرب بالدف في النكاح والوليمة).
وفي (الترمذي)(1089) و (سنن ابن ماجه)(1895) عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، وأضربوه عليه بالدف)، وصحح ابن حبان وجماعة حديث:(فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف) وحسنه الترمذي (1088).
وقال البغوي في (شرح السنة): يستحب في العرس والوليمة، ووقت العقد والزفاف، وقريبا منه من قبل ومن بعد.
وَخِتَانِ- وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ- وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ. وَيَحْرُمُ ضَرْبُ الكٌوبَةِ- وِهُوَ: طَبْلٌ طَوِيلٌ ضَيقُ الوَسَطِ-
ــ
وقال الحليمي: إذا قلنا بإباحته .. فإنما يجوز تعاطيه للنساء دون الرجال، والجمهور لم يفرقوا بينهما.
قال: (وختان)؛ لما روى ابن أبي شبية (3/ 321) عن عمر: أنه كان إذا سمع صوت الدف
…
بعث، فإن كان في النكاح أو الختان
…
سكت، وإن كان في غيرهما
…
عمل بالدرة.
قال: (وكذا غيرهما في الأصح) كالعيد وقدوم الغائب إظهارًا للسرور؛ فقد روي الترمذي (3690) وابن حبان (4386): أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع إلى المدينة من بعض مغازيه
…
جاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله؛ إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها:(إن كنت نذرت .... فأوف بنذرك).
فمن الأصحاب من أطلق حله لذلك، وعليه جرى الإمام والغزالي.
وأطلق صاحب (المهذب) والبغوي تحريمه؛ لأر عمر السابق.
والثالث: يكره، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب.
قال: (وإن كان فيه جلاجل)؛ لإطلاق ما ورد من الأخبار، وقيل: يحرم في هذه الحالة.
ولم يبين المصنف المراد بالجلاجل، وقال ابن أبي الدم: المراد به: الصنوج، وبه صرح في (الحاوي الصغير) حيث قال: ويدف بصنج، وقد يراد بها الحلق وغيرها مما يعمل في المزاهر التي جرت العادة بالضرب بها.
قال: (ويحرم ضرب الكوبة، وهو طبل طويل ضيق الوسط)؛ لما روى أبو داوود (3678) وصححه ابن حبان (5365) عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة).
قال الرافعي والمصنف تبعًا للغزالي: ولا يحرم من الطبول غيرها، والموجود لأئمة المذهب التحريم فيما عدا الدف.
لَا الرَّقْصُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْلِ المُخَنَّثِ،
ــ
و (الكوبة) بضم الكاف وسكون الواو، قال في (المهمات): وتفسيرها بالطبل خلاف المشهور في كتب اللغة، قال الخطابي: غلط من قال: إنها الطبل، بل هي النرد، وذكر مئله ابن العرابي والزمخشري وابن الثير. 1هـ
وفيما قاله شيخنا نظر؛ فإن الجواليقي والجوهري قالا: إنها الطبل الصغير.
وقال في (المحكم): الكوبة: الطبل والنرد، فجعلها مشتركة بينهما فلا يحسن الاعتراض علي الرافعي رحمه الله.
قال: (لا الرقص) فإنه مجرد حركات علي استقامة أو اعوجاج، وفي (الصحيحين) (خ 455 - م 892/ 20) عن عائشة قالت:(جاء حبش يزفنون- أي: يرقصون- في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعت رأسي على منكبه وجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عنهم) وكانت عائشة إذ ذاك صغيرة أو قبل أن تنزل آية الحجاب؛ حتي لا يعارض ما رواه أبو داوود عن أم سلمة في قوله: (أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!).
وقال القفال: يكره مطلقًا، وقال الأستاذ أبو منوصر البغدادي: تكلفه علي الإيقاع مكروه، وجزم الغزالي بإباحته.
وفرق الجاجرمي بين المداومة وغيرها، فحرمه عندها وأباحه عند غيرها.
وفرق القاضي حسين والغزالي في (الإحياء) بين أرباب الأحوال الذين يقومون بوجد وغيرهم، فأولئك جائز لهم وغيرهم يكره لهم.
قال: (إلا أن يكون فيه تكسر كفعل المخنث) فذلك حرام علي الرجال والنساء، قال الحليمي، ونقل في (المهمات) عنه الكراهة، ونقل ابن أبي الدم عن الشيخ أبي علي كراهته.
قال البيهيقي في (الشعب)(5123): إذا لم يكن في الرقص تكسر وتخنث
…
فلا بأس به؛ فإنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزيد: (أنت مولانا) فحجل. وهو أن يرفع رجلًا ويقفز علي الأخرى من الفرح.
وَيُبَاحُ قَوْلُ شِعْرٍ وَإِنْشَادُهُ،
ــ
وقال لجعفر: (أشبهت خلفي وخلقي) فحجل، وقال لعلي:(أنت مني وأنا منك) فحجل.
و (المخنث) بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح والفتح أشهر، وهو الذي خلقته النساء في الحركات والهيئات.
فإن كان ذلك خلقة
…
فلا إثم فيه ولا عيب، وإن تكلفه .. فهو حرام مذموم شرعًا، وعليه حملت أحاديث لعنه.
قال: (ويباح قول شعر وإنشاده) وكذا نظمه، وكذا يباح استماعه في الجملة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له شعراء يصغي إليهم، منهم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة.
وروى مسلم (2255): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشريد الثقفي: (أمعك شئ من شعر أميه بن أبي الصلت؟) قال: نعم، قال:(هيه فأنشده) فقال: هيه، فلم يزل كذلك إلى أن أنشده مئة بيت فقال:(كاد أن يسلم) يعني أمية، وإنما استحسن شعره؛ لأن أكثره عبر وأمثال وإذكار بالبعث والنشور، ووعد ووعيد بالجنة والنار.
وأنشد النابغة الجعدي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم (من الطيل):
ولا خير في حلم إذا لم يكن له .... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
إلَّا أَنْ يَهْجُوَ،
ــ
ولم ينكره عليه صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم أهدر دم كعب بن زهير، فورد إلي المدينة مستخفيًا، وقام إليه بعد صلاة الصبح ممتدحًا فقال:
بانت سعاد .... إلى آخرها.
فرضي عليه وأعطاه بردة ابتاعها منه معاوية بشعرة الآف درف، وهي التي مع الخلفاء إلي اليوم.
وقال الأصمعي: سمعت شعر الهذليين علي محمد بن إدريس الشافعي.
وروي الشافعي (1/ 366) وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشعر كلام حسنه كحسنه وقيبحه كقبيحه) والرافي جعله من كلام الشافعي نفسه، والصحيح: أنه مرسل.
قال: (إلا أن يهجو) ولو كان صادقًا في هجوه، وعليه حمل الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام:(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا) رواه مسلم (2258)، فحمله علي الهجو والفحش.
وقال أبو عبيدة: معناه: أن يغلب عليه فيشتغل عن القرآن والفقه، ولهذا ذم الامتلاء، والهجو والفحش قليله وكثيره مذموم، قال في (المطلب): وهو حسن، وليس إثم حاكيه كإثم منشئه.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون التعريض هجوًا كالتصريح، وبه جزم في (الشرح الصغير)، وقال ابن كج: ليس التعريض هجوًا.
ويستثني من ذلك هجو المشركين، فإنه يجوز؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أمر به حسان، والقياس في الفاسق المتظاهر كذلك.
أَوْ يُفْحِشَ، أَوْ يُعَرِّضَ بِأمْرَأَةٍ مَعَيَّنَةٍ، وَالْمُرُوءَةُ: تَخَلُّقٌ بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ،
ــ
قال: (أو يفحش)؛ لما فيه من الأذي.
و (يفحش) بضم الياء وكسر مضارع أفحش، أي: تجاوز الحد.
روي الترمذي (1974) وابن ماجه (4185) عن أنس: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (أو يعرض بأمرأة معينه) فترد شهادته بذلك؛ لما في من الأذي والغيبة، وكذا ترد شهادته إذا كان يصف الأعضاء الباطنه؛ لما فيه من هتك الستر.
فإن قيل: كعب بن زهير شبب بأمرأة بحضرة النبي صلي الله عليه وسلم ولم ينكر عليه
…
فالجواب: أنها كانت امرأته أو أبنة عمه، وطال عهده بها وغيبته عنها، وكان في هدنة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأورد على الأطلاق المصنف إذا شبب بزوجته أو أمته
…
فإنه يجوز علي وجه، والأصح المنصوص: أن شهادته ترد بذلك إذا ذكرها بما حقه الإحقاء؛ لسقوط مروءته.
وإذا شبب بغلام وذكر أنه يعشقه .... قال الروياني: يفسق وإن لم يعينه؛ لأن نظره بالشهوة حرام، واعتبر في (التهذيب) وغيره فيه التعيين كالمرأة.
فرع:
المادح إذا أطرى، فإن أمكن حمله على نوع مبالغة
…
جاز، وإلا .... فهو كذب محض، والصحيح رد الشهادة به إن كثر.
وخالف الصيدلاني والقفال؛ لأن الكاذب يوهم الكذب صدقًا، بخلاف الشاعر.
فعلى هذا: لا فرق بين قليله وكثيره، قال الرافعي: وهو حسن بالغ؛ لأن غرض الشاعر إظهار الصنعه لا التحقيق.
قال: (والمرءة: تخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه) وقد تقدم بيانها، فلا تقبل شهادة من لا مروءة له، واختلفوا في تعاطي ما يخل بها، فعن الشيخ تقي
فَالأَكْلُ فِي سُوقٍ، وَالمَشْيُ مَكْشُوفَ الرَّاسِ، وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ،
ــ
الدين بين رزين ثلاثة أوجه: الحظر، والإباحة، والثالث: إن تعلقت به شهادة .... حرم تعاطي ذلك، وإلا
…
فلا.
قال: (فالأكل في سوق)؛ لما في (معجم الطبراني)(طب 8/ 249) عن أبي أمامة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأكل في السوق دناءة) لكن إسناده لين.
والمراد ب (الأكل): أن ينصب مائدة ويأكل، وعادة مثله خلاف ذلك، فلو كان ممن عادته ذلك كالصنائعيين والسماسرة، أو كان ذلك في الليل
فلا، وكالأكل في السوق، والشرب من سقايات الأسواق، إلا أن يكون سوقيًا أو غلبه العطش.
قال: (والمشي مكشوف الرأس) كذلك البدن إذا لم يكن ممن يليق به ذلك، أو كان محرمًا بحج أو عمره.
قال: (وقبلة زوجة وأمة بحضرة الناس؛ إذ لا يصدر ذلك إلا عن ذي همة دننيئة، وكان الأحسن أن يقول: وقبلة زوجة أو أمه أو كذا أو كذا.
وعد في (الروضة) من هذا حكاية ما يتفق له مع زوجته في الخلوة، وجزم في (كتاب النكاح) بأن ذكر ذلك مكروه، وجزم في (شرح مسلم) بتحريمه، ومن هذا: أن يخرج عن حسن المعاشرة مع الأهلين والمعاملين وتضايق في اليسير.
قال: (وإكثار حكايات مضحكة)؛ لما في (الترمذي)(2315): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للذي يحدث فيضحك به قومه فيكذب، ويل له ويل له) وقيل: إن هذا هو الهمزة اللمزة.
في الصحيح: (من تكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه
…
يهوي بها في النار سبعين خريفًا).
وَلَبْسُ فَقِيهٍ قَبَاءً وَقَلَنْسُوَةً حَيْثُ لَا يُعْتَادُ، وَإِكْبَابٌ عَلَي لَعِبِ الشَّطَرَنْجِ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ، وَإِدَامَةُ رَقْصٍ يُسْقِطُهَا،
ــ
والمراد ب (الإكثار): أن يصير ذلك عادة له.
وتقييده ب (الإكثار) يخرج ما إذا لم يكثر، أو كان ذلك طبعًا لا تطبعًا كما اتفق لنعيمان بن عمرو، وكان رجلا صالحًا من قدماء الصحابه، ومع ذلك كان فيه دعابة زائدة وممازحة شاهدة، وله في ذلك أخبار ظريفه، منها: قصته مع سويبط التي ضحك منها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولًا فأكثر، وقال فيه النبي صلي الله عليه وسلم:(إنه يحب الله ورسوله).
قال: ولبس فقيه وقلنسوة حيث لا يعتاد)، وكذلك عكسه؛ لأن الإقدام علي ذلك لا يكون إلا من منحل عن ربقة المروءة، فتسقط الثقة بقوله.
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء شعبة من الإيمان).
واحترز المصنف عما يعتاد كالمسافر وفي بعض الأمكنة، فلا يؤثر ذلك في قبول الشهادة؛ إذ لا يخل بالمروءة حينئذ.
و (القلنسوة): ما يلبس علي الرأس، وجمعها قلانس.
قال: (وإكباب على لعب الشطرنج) وذلك بحيث يغلب عليه ويشغله عن مهماته، وإن لم يقترن به ما يحرمه؛ لإخلال ذلك بالمروءة، ويرجع في قدر الكثرة إلي العادة، هذا في اللعب به في الخلوة، أما علي الطريق
…
فخارم للمروءة وإن قل.
قال: (أو غناء أو سماعه، وإدامة رقص بسقطها)؛ لأن ذلك لا يدصر إلا من الأراذل الذين لا مروءة لهم.
وَالأَمْرُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِالأَشْخَاِص وِالأَحْوَالِ وَالأَمَاكِنِ، وَحِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ وَدَبْغٍ مِمَّنْ لَا تَلِيقُ بِهِ تُسْقِطُهَا، فَإنِ اعْتَادَهَا وَكَانَت حِرْفَةَ أَبِيهِ
…
فَلَا فِي الأَصَحِّ
…
ــ
قال: (والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن) ر فقد يستقيح من شخص دون شخص، وفي قطر دون قطر.
ونبه ب (السماع) علي أن الاستماع لذلك من باب أولي بالحكم، وألحق بذلك الاكتساب بالشعر والغناء.
قال: (حرفة دنيئة كحجامة وكنس) أي: للأخلية (ودبغ ممن لا تليق به تسقطها)؛ لإيذان ذلك بقلة المروءة، وكذلك ما أشبة ذلك كالزبال والحارس ونخال التراب- كما قاله الجرجاني في (التحرير) - والإسكاف، وقال القاضي: إن كان يخرز بشعر الخنزير
…
لم تقبل شهادته، وإلا
…
قبلت في الأصح، وكذلك الحكم في القصاب وقيم الحمام؛ لما روي ابن النجار في ترجمتة عبد الله بن خالد عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله عبدًا
…
جعله قيم مسجد، وإذا أبغض عبدًا
…
جعله قيم حمام).
وقوله: (دنيئة) هو بالهمز من الدناءى، وهي السقاطة، وأما غير المهموز
…
فهو القريب.
قال: (فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه
…
فلا في الأصح)؛ لأنه لا يتغير بذبك، وهي حرفة مباحة، بل من فروض الكفايات؛ لاحتياج الناس إليها، ولو ردت بها الشهادة
…
لربما تركت فتعطل الناس.
وقال صلى اله عليه وسلم: (اختلاف أمتي رحمة) وقد تقدم في شرح خطبة الكتاب بيان معناه.
الوجه الثاني: يسقطها؛ لأن رضاهم بهذة الحرف يشعر بالخسة وقلة المروءة.
قال في (الروضة): ولم يتعرض الجمهور لهذا القيد، وينبغي أن لا يقيد بصنعة آبائه، بل ينظر هل يليق به أم لا؟
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويستثنى المحترف بالغناء؛ فترد شهادته مطلقًا كما نص عليه الشافعي وصرح به الجمهور، وحكى شريح فيه وجهين.
والمراد: حرفة مباحة، بخلاف المنجم والعراف والكاهن والمصور والمستعبد، فلا تقبل شهادتهم؛ لأن شعارهم التلبيس علي العامة.
ومما عمت به البلوي: التكسب بالشهادة مع أن شركة لأبدان حرام، وذلك قادح في العدالة، لاسيما إذا منعنا أخذ الأجرة علي التحمل، أو كان يأخذ ولا يكتب.
فروع:
في الحاتك طريقان: أصحهما: طرد الوجهين، وقيل: يقبل قطعًا، واستحسنه الإمام؛ لأنه ينسج غزلًا كما أن الخياط غزلًا منسوجًا، وألحق الماوردي السماك بالحائك.
وفي الصباغ والصواغ أيضًا طريقان: المذهب: القطع بالقبول، وقيل بالوجهين؛ لما روي أبو داوود الطيالسي (2574) وغيره: أن النبي صلي الله عليه سلم قال: (أكذب الناس الصباغون والصواغون) قيل: المراد: الذين يصبغون الكلام ويصوغونه؛ أي يغيرونه، والمشهور: أنهم صباغوا الثياب وصاغة الحلي؛ لكثرة مواعيدهم الكاذبة.
قيل: رأي أبو هريرة قومًا يتعادون فقال: ما شأنهم؟ قالوا خرج الدجال، فقال: كذبة كذبها الصباغون.
وحكى شريح في قبول شهادة الأقلف وجهين، والصحيح: أنا إن أوجبنا الختان .... فتركه بلا عذر فسق.
ونص الشافعي علي أنه لا تقبل شهادة المتعصب المشهور بذلك؛ لأنه غير بعيد من تهمة الكذب.
وتقبل شهادة الطواف علي الأبواب وسائر السؤال، إلا أن يكثروا الكذب في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دعوى الحاجة وهو غير محتاج، أو يأخذ مالًا لا يحل له أخذه فيفسق بذلك.
وكلام الرافعي هنا يشعر بجواز السؤال للقادر علي الكسب.
وقد صرح المصنف في (صدقة التطوع) بتصحيح التحريم.
ومما يخرم المروءة: مد الرجل بين الناس بلا مرض، وحمل الأطعمة والماء إلي المنزل ممن لا يليق به ذلك، فإن فعله اقتداء بالسلف الصالحيين .. لم يقدح فيه.
وكذلك لبس الخشن والمرقع من الثياب، واعتياد البول قائمًا والبول في الماء حيث لا عذر، والبول في السوق والطرق ممن لا يليق به ذلك، والتحدث بمساوئ الناس؛ لقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (19)
وفي (روضة الحكام) وجهان في قبول شهادة ذي الصدغين، وفي معناه الدبوقه.
وفي ثالث: إن كان قوم يعتادون ذلك
…
قبل، وإلا
…
فلا، وهو الأقرب.
واضطرب كلام الروياني في نتف اللحية، فقال في موضع: لا ترد به الشهادة، وقال في آخر: ترد به، وهو الصواب المنصوص.
وألحق القاضي والزبيلي به نتف الأنف والإبط بحضرة الناس، وكذلك خضاب الشعر بالأسود؛ لأن الصواب تحريمه.
وحاضر الدعوة بغير طلب إذا لم تكن دعوة سلطان، هذا في الأكل فقط، أما الانتهاب .. فحرام ترد به الشهادة.
ومن ترك تسبيحات الركوع والسجود والسنن الراتبة أحيانًا
…
لا ترد شهادته، فإن اعتاد تركها وترك غسل الجمعة
…
ردت شهادته؛ لتهاونه بالدين.
وحكي أبو الفرج في ركعتي الفجر والوتر وجين.
وَالتُّهَمَةُ: أَنْ يَجُرَّ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَغَرِيمٍ لَهُ مَيْتٍ أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ، أَوْ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ،
ــ
قال: (والتهمة: أن يجر إليه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، فترد شهادته لعبده) أي: المأذون له؛ لما في ذلك من التهمة.
قال: (ومكاتبه)؛ لأن له في ماله علقة، وفي (طبقات العبادي): أن أبا علي ابن خيران أجاز شهادته له.
نعم؛ يستثني منه ما يوجد تبعًا، كما إذا شهد بشقص فيه شفعة لمكاتبه .. قال الرافعي هناك: قال الشيخ أبو علي: تقبل، قال الإمام: وكأنه أراد أنه يشهد للمشتري إذا ادعي الشراء ثم ثبتت الشفعة تبعًا، فأما شهادته للمكاتب
…
فلا تقبل بحال.
قال: (وغريم له ميت أو عليه حجر فلس)؛ لأنه إذا أثبت للغريم شيئًا .. أثبت لنفسه المطالبة، أما شهادة الغريم لغريمه الموسر
…
فتقبل، وكذا المعسر قبل الحجر عليه علي الأصح؛ لتعلق الحق بذمته.
قال: (أو بما هو وكيل فيه)؛ لأنه يثبت بشهادته ولاية علي المشهود به، وكذا الوصي والقيم في محل تصرفها، وكذلك الشريك في المشترك بأن يقول: هذا بيننا، ويجوز أن يشهد له بالنصف.
فلو عزل الوكيل نفسه ثم شهد
…
قبلت، إلا أن يكون قد خاصم .. فلا تقبل أبدًا، ذكره الهروي وابن القاص والعبادي.
وأشعر كلام المصنف وغيره بالقطع بقبول شهادة الوكيل بما ليس وكيلًا فيه، وقال الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لعدم تصرفه فيه.
والثاني: لا؛ لأنه صار بالنيابة عن ذي الحق منهما وذكر في نظيرها من الموصي له أنه يقبل وجهًا واحدا، وفرق بأن الوكيل يجوز أن يتقرب بشهادته إلي موكله، بخلاف الموصى له، فصار الوكيل متهمًا، والموصي له غير متهم؛ لأنه لا يتقرب بها إلي الموصي بعد الموت. 1هـ
وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ، وَبِجِرَاحَةِ مُوَرِّثِهِ. وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الاِنْدِمَالِ .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ،
ــ
وقد يقال: إنه يتقرب بها إلي الوارث؛ ليجعل له الموصى به، أو لا ينازعه فيه.
قال: (وببراءة من ضمنه)؛ لأنه يسقط به المطالبة عن نفسه.
قال: (وبجراحة مورثه)؛ للتهمة.
قال: (ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال .... قبل في الأصح)؛ لأن شهادته لا تجر لنفسه نفعًا ولا تدفع عنه ضررًا.
والثاني- وبه قال أب إسحاق-: لا تقبل كما لو شهد أن مورثه جرح، أما بعد الاندمال فتقبل قطعًا، وقد تقدم في (باب دعوى الدم والقسامة) مسألة المريض أبسط من هذا.
فلو شهد الوارث لمورثه بالجراحة قبل الاندمال فردت- كما قاله المصنف- ثم أعادها بعد الاندمال
…
لم تقبل في الأصح كالفاسق بعد التوبة.
فروع:
قال القاضي أبو سعيد الهروي: لا تقبل شهادة المودع في الورديعة للمودع إذا نازعه في الوديعة أجنبي؛ لأنه يستديم اليد لنفسه.
وكذا شهادة المرتهن للراهن لا تقبل وتقبل الأجنبي.
وأن الشهادة الغاصب علي المغصوب بالعين لأجنبي لا تقبل لغسقه، ولتهمته بدفع الضمان ومؤنة الرد، فإن شهد بعد الرد .. قبلت شهادته، وإن شهد بعد التلف .. لم تقبل؛ لأنه يدفع الضمان.
وأن شهادة المشتري شراء فاسدًا بعد القبض لا تقبل للأجنبي، وأن شهادة المشتري شراء صحيحًا بعد الإقالة والرد بالعيب لا تقبل للبائع؛ لأنه يستبقي لنفسه الغلات والفوائد.
وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ، وَغُرَمَاءِ مُفْلِسٍ بِفِسْق شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ. وَلَوْ شَهِدَا لِاثَنْيِن بِوَصِيَّةٍ فَشَهِدَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ .. قُبِلَتِ الشَّهَادَتَانِ فِي الأَصَحِّ
ــ
ولو شهد لأخيه بمال ثم مات المشهود له قبل استيفائه والأخ ورائه، فإن كان بعد حكم الحاكم .. لا ينقض، وإن كان قبله .. لا يحكم، قاله البغوي في (الفتاوي).
قال: (وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل) أي: تحمله؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم ضرر التحمل، وهذة تكررت أيضًا في الباب المذكور.
أما لو شهد أن فلانًا تقبل لانتفاء التهمة، قاله ابن أبي عصرون.
قال: (وغرماء مفلس بفسق شهود دين آخر)؛ لدفع ضرر المزاحمة، وكان ينبغي أن يقول: مفلس حجر عليه؛ فإن شهادتهم قبل الحجر مقبولة علي الأصح كما سبق، فإن أجيب عنه بأن المفلس في الاصطلاح: من حجر عليه .. فيقال: فلم قيد به في صورة التهمة السابقة.
قال: (ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة .. قبلت الشهادتان في الأصح)؛ لانفال كل شهادة عن الأخرى، لأنها شهادة لا تجر نفعًا ولا تدفع ضررًا، وكذلك نقول في رفقاء القافلة: يجوز أن يشهد بعضهم لبعض في قطع الطريق إذا قال كل واحد منهم: أخذ مال فلان ولم يقل: أخذ مالنا، على ما هو مذكور في (باب قاطع الطريق).
والوجه الثاني- وبه قال أبو حنيفة-: المنع؛ لاحتمال الموطأة، وعبر في (الروضة) بالصحيح لا بالأصح.
فرع:
شهد فقيران أن هذا المال لزيد من أول الحول إلى آخره، قال الروياني: إن كانا من جيران المال
…
لم تقبل؛ للتهمة، وإن كانا بعيدين .... فالأصح: القبول.
وَلَا تُقْبَلُ لِأصْلٍ وَلَا فَرْعٍ، .....
ــ
وفي (التهذيب): لو شهد عدلان من الفقراء أن فلانا أوصى بثلث ماله للفقراء .. قبلت شهادتهما، ويشترط لصحة الدعوى بالوية علي الورثة أن يقول: وأنا قبلت ذلك، قاله القفال في (الفتاوي).
قال: (ولا تقبل لأصل ولا فرع) وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن المشهود له بعضه، قاله القفال في (الفتاوي).
قال: (ولا تقبل لأصل ولا فرع) وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن المشهود له بعضة، فشهادته له كشهادته لنفسه.
وعن ابن القاص رواية قول القديم: أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة، وبه قال المزني، واختاره ابن المنذر.
والمذهب: الأول، واستدل له الرافعي وغيره بحديث:(لا تجوز شهاة الوالد للولد، ولا الولد للوالد) وهو موضوع لكن يدل له حديث مسلم (2449/ 95) عن المسور بن مخرمة أنه قال: سمعت النبي صلي الله عليه سلم يخطب الناس على هذا المنبر- يعني منبر المدينة- وأنا حينئذ محتلم فقال: (إن فاطمة بضعة مني) كذا في (حيح مسلم) ولهله وهم، فإن المسور ولد في السنة الثانية من الهجرة بعد مولد ابن الزبير بأربعة أشهر فلم يدرك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو ثمان سنين، ومن سنه كذلك .. لا يكون محتلمًا، وقد رواه الإسماعيلي في (صحيحه) بلفظ:(وأنا حيئنذ كالمحتلم)، يعني: في فهمة وحفظه، فبينت هذة الراواية الصواب.
ولا عبرة بأبوة الرضاع وبنوته بالاتفاق، ولا تقبل أيضًا لمكاتب أصله وفرعه ومأذونهما.
ويؤخذ من إطلاق المصنف أنه لا تقبل تزكية الوالد لولده، وهو الأصح، وكذلك لا تقبل شهادته له بالرشد.
ولا فرق في المنع بين أن يكون المشهود له أجنبيًا أو أصلًا أو فرعًا، فلو شهد لأحد ابنيه علي الاخر .. لم تقبل، قاله الغزالي، وأفتي بهاء الدين بن الجميزي بجوازه، وبه صرح الشيخ عز الدين في (القواعد)؛ لأن الوازع الطبعي قد يعارض بظهور الصدق لضعف التهمة العارضة الفتاوي، وتقدم في انعقاد النكاح بابني الزوجين خلاف، والظاهر مجيئه هنا.
وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا عَلَى أَبِيهِمَا بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا أَوْ قَذْفِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِذَا شَهِدَ لِفَزْعٍ وَأَجْنَبِيِّ .. قُبِلَتْ لِلأَجْنَبِيِّ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: وَتُقْبَلُ لِكُلِّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ.
ــ
فائدة:
شهد الوالد لولده أو العدو علي عدوه أو الفاسق بما يعلمونه من الحق والحاكم لا يشعر بالولادة ولا بالعداوة ولا بالفسق، فهل يأثم الشهود بذلك؟ قال ابن عبد السلام: المختار جوازه؛ لأنهم لم يحملوا الحاكم علي باطل، إنما حملوه على إيصال حق إلي المستحق، ولا إثم علي الحاكم؛ لتوفر ظنه، ولا علي الخصم؛ لأخذ حقه، ولا علي الشاهد؛ لمعونته.
قال: وتقبل عليهما؛ لانتفاء التهمة، سواء شهد بمال أو عقوبة، وقيل: لا تقبل علي الأصل بقصاص أو حد قذف.
قال: (وكذا علي أبيها بطلاق ضرة أمهما أو قذفها في الظهر)؛ إذ لا تهمة في ذلك.
والثاني: لا تقبل؛ لأن أمهما تنتفع بذلك.
وموضع القولين إذا شهد بطلاقها ثلاثًا، فلو شهد بطلاق رجعي
…
قبلا قطعًا.
ومحل الخلاف في الصورتين إذا كانت أمهما حيةر فإن كانت ميتة .. قبلا قطعًا، فلو شهدا بطلاق أمهما، فإن كانت شهادة حسبة .. سمعت، أو بعد دعواها .. فلا.
قال: (وإذا شهد لفرع وأجنبي
…
قبلت للأجنبي في الأظهر)؛ لاختصاص المانع بالفرع.
والثاني: لا تقبل؛ لأن الصيغة واحدة وقد ردت في البعض، فكذا في البعض الآخر.
قال: (قلت: وتقبل لكل من الزوجين)؛ لأن الحاصل بينهما عقد يطرأ ويزول، فلا يمنع قبول الشهادة كعقد الإجازة.
واحتج له ابن المنذر بما تقدم من حكم النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة علي الذين
وَلِأَخٍ وَصَدِيقٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
رموها بالقذف، وأقام عليهم الحد، وإذا جاز الحكم .. فالشهادة الأولي.
والثاني: تقبل شهادته لها دون عكسه؛ لأن لها النفقة عليه، فهي متهمة.
والثالث: لا تقبل من الجانبيين؛ لتهمة الإرث، وبه قال الأئمة الثلاثة، هذا ما حكاه الشيخان.
وفي رابع: إن كان موسرًا .. قبلت، وإلا .. فوجهان.
وفي خامس: إن شهدت له بمال هو قدر قوتها في ذلك اليوم ولا مال للزوج غيره
…
ردت؛ لعود النفع إليها، وتقبل في غير هذة الحالة، حكاهما شريح في (روضته).
واحترز المصنف عن شهادة أحدهما علي الآخر، فإنها مقبولة؛ إذ لا تهمة إلا شهادته بزناها فلا تقبل لأمرين:
أحدهما: أنه شهد بجناية على محل حقه فأشبه الشهادة بالجناية على عباده.
والثاني: أن شهادته بزناها دالة على عداوتها، فإنها لطخت فراشة وأدخلت العار عليه، فهو أبلغ في العدواة من الضرب والسب.
قال: (ولأخ وصديق والله أعلم)؛ لأن الأخوة والصداقة لا يبعثان على شهادة الزور، فإنه يحب لأخيه وصديقه ما يحب لنفسه، ولا يحب لنفسه المال الحرام.
ومنع مالك من قبول شهادة الصديق الملاطف لصديقة بالهدية وغيرها، ومن قبول شهادة الخ لأخيه إذ كان منقطعًا إليه يصله ويبره.
ونبه ب (الأخ) على جميع الحواشي، وهم من عدا الأصول والفروع، ولا خلاف عندنا في ذلك.
وأما المولى من أعلي ومن أسفل .. فقبل شهادته جمهور الأئمة، ومنعها شريح.
قال الزمخشري عند قوله تعالي: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)} جمع الشافع لكثرة الشافعين، ووحد الديق لقتله، ألا تري أن ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم .. مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له وإن يسبق له بأكثرهم معرفة، وأما الصديق ..... فهو الادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك، فأعز من بيض الأنوق.
وَلَا تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ
ــ
قيل لبعضهم: أيما أحب إليك أخوك أم ديقك؟ قال: لا أحب أخي إلا إذا كان صديقي.
وقال ابن عباس: الصديق آكد من القرابة؛ لأن الجهنميين لم يستغيثوا بالآباء والأمهات.
فرع:
قال: القاضي حسين والروياني: لا تقبل شهادة القانع لأهل البيت، وهو: الذي ينقطع عن مكاسبه ويلتجئ إلي أهل بيت يؤاكلهم، ويرمي عن قوسهم.
وقال القاضي شربيح: تقبل شهادته لهم كالصديق لصديقه.
ويدل لعدم القبول ما وراء أبو داوود (3595): (أن النبي صلي الله عليه وسلم رد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم).
وعلل الخطابي ذلك بالتهمة، وإلي هذا ذهب أبو حنيفة.
ومسألة القانع ليست في كلام الرافعي ولا المصنف ولا ابن الرفعة، والحق فيها أن الحديث إن صح .. كان حجة لمن منع قبول شهادته، لكن في إسناده محمد بن راشد، وهو متكلم فيه.
والذي أفتي به الشيخ: أن شهادته مقبوله كالصديق والزوج والوكيل في غير ما وكل فيه.
وشهادة المحدود في القذف وغيره مقبوله بعد التوبة، ورد مالك شهادة ولد الزنا.
قال: (ولا تقبل من عدو)؛ لأن العداوة من أقوي الريب، وتقدم في أول الباب: أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (لا تجوز شهادة ذي ظنه ولا ذي حنة).
و (الظنة): التهمة و (الحتة): العداوة، والمراد: العداوة الدنيوية الظاهرة؛ لأن الباطنة لا يطلع عليها إلا مقلب القلوب، ففي (معجم الطبراني) (طس 437): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتي قوم في آخر الزمان إخوان العلانية أعداء السريرة) نسأل الله العافية.
وَهُوَ: مَنْ يُبْغِضُةُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْزَنُ بِسُرُورِهِ، وَيَفْرَحُ بِمُيِبَتِهِ-
ــ
والمعني في منع شهادة العدو: أن العداوة تقتضي إلي الشهادة بالباطل؛ لأنها عظيمة الموقع في النفوس، تسفك بسببها الدماء وتقتحم العظائم.
و (العدو): ضد الولي، وجمعه أعداء وعدي.
وقيل لأيوب عليه اليلام لما شفي: أي شئ كان أشد عليك من جملة ما مر بك؟
قال: شماتة العداء، وكان نبينا لى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منها.
قال: (وهو: من يبغضه بحيث يتمني زوال نعمته، ويحزن بسروره، ويفرح بمصيبته) هذا التفسير لخصه الرافعي من كلام الغزالي وإمامه، والذي ذكره الرافعي والجمهور إنما هو مجرد البغض، ولا ينشأ تمني زوال النعمة إلا من الحسد، وهو من الكبائر.
والأشبه: الرجوع في ذلك إلي العرف؛ إذ لا ضابط له في الشرع ولا في اللغه، وسواء كانت العداوة مكتسبة أو موروثة.
فروع:
ولد العدو تقبل شهادته عندنا؛ إذ لا مانع بينه وبين المشهود عليه، ولمالك فيه ثلاثة أقوال:
تقبل مطلقًا، إن كان الأب المعادي حيًا
…
لم تقبل، وإلا .. قبلت.
روي الحافظ أبو عمر النمري وابن النجار والعسكري في (الأمثال) عن محمد بن طلحة عن أبيه عن أبي بكر الديق: أن النبي صلى اله عليه وسلم قال: (الود والعداوة يورثان، والمودة في الآباء لة في الأبناء).
ولو عادى من يريد أن يشهد عليه وبالغ في خصومته فلم يجبه، ثم شهد عليه .. قبلت شهادته عليه دون عكسه؛ لئلا يتخذ خصومه الشهود وسيلة إلي ذلك.
وَتُقبَلُ لَهُ، وَكَذَا عَلَيهِ فِي عَدَاوَةِ دِينٍ كَكَافِرٍ وَمُبتَدَعٍ. وَتُقبَلُ شَهَادَةُ مُبتَدِعٍ لَا نُكَفِّرُهُ،
ــ
ولو زالت العداوة بعد الشهادة ثم أعادها .. لم تقبل في الأصح؛ للتهمة.
ولو شهد كافر أو صبي أو عبد فردت شهادته فزال المانع ثم أعادها .. قبلت شهادته.
ولو شهد لمكاتبه بمال أو لعبده بنكاح فردت فأعادها بعد عتقهما .. فبالقول أجاب في (الشامل (، وصححه الفارقي وابن عصرون.
قال: (وتقبل له)؛ إذ لا تهمة، والفضل ما شهدت به الأعداء.
قال: (وكذا عليه في عداوة دين ككافر ومبتدع) فتقبل شهادة المسلم على الكافر، والدين على الفاسق، لأن العداوة الدينية لا توجب رد الشهادة، وكذلك تقبل شهادة الجلاد على المحدود، وكذا لو قال العالم: لا تسمعوا الحديث من فلان؛ فإنه يخلط، أو لا تستفتوه؛ فإنه لا يحسن الفتوى .. لم يقدح ذلك في قبول شهادته؛ لأن هذا نصح للناس.
قال: (وتقبل شهادة مبتدع لا نكفره).
المبتدع: من أحدث في الشريعة ما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كمذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة والرافضة، فهؤلاء قبول شهادتهم مبني على تكفيرهم، فمن كفرهم .. لم يقبل شهادتهم، ومن لم يكفرهم –وهم الأكثرون- اختلفوا فيهم:
قال زاهر السرخسي: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري .. دعاني وقال: اشهد علي أني لا أكفر أحدًا من أهل القبلة؛ لأن الجميع يشيرون إلى معبود واحد.
والذي نص عليه الشافعي والجمهور: أن شهادة جميعهم مقبولة إلا الخطابية، وهم أصحاب أبي الخطاب الأسدي الكوفي، كان يقول بإلهية جعفر الصادق، ثم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ادعى الإلهية لنفسه، وهؤلاء يعتقدون أن الكذب كفر، وأن من كان على مذهبهم لا يكذب فيصدقونه على ما يقول ويشهدون له بمجرد إخباره، ومنهم من يستظهر عليه بتحليفه، وهذه شهادة زور.
ومحل رد شهادتهم إذا شهدوا على مخالفيهم ولم يبينوا سبب الشغل، فإن شهدوا على موافقيهم أو على مخالفيهم وصرحوا بمعاينة الفعل .. قبلت شهادتهم، صرح به القاضي وغيره.
وجمهور أصحابنا وغيرهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة، لكن اشتهر عن الشافعي تكفير الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدوم، ولا شك في ذلك.
وأما النافين للرؤسة والقائلين بخلق القرآن .. فنقل العراقيون عن الشافعي تكفيرهم، وكان يقول لحفص الفرد: نصفك مؤمن ونصفك كافر، تقول بخلق القرآن فتكفر، وتقول بالرؤية فتؤمن.
قال المصنف: والصواب أنهم لا يكفرون، وتأول النص على أن المراد كفران النعم، لا الخروج عن الملة.
ونقل الربيع عن الشافعي أنه قال: لا تقبل شهادة القدرية؛ لأنهم كفار، وقال القفال: لا يكفرون، واختاره الإمام والغزالي والمصنف، وهو ظاهر النص.
أما من نفى إمامة أبي بكر أو قذف عائشة .. فقد كفر، وقال الشافعي: ما أحد أشهد بالزور من أهل الأهواء من الرافضة.
فائدة:
قال الشيخ عز الدين في (القواعد (: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة، قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب .. فهي واجبة أو في قواعد التحريم .. فمحرمة، أو المندوب .. فمندوبة، أو المكروه .. فمكروهة، أو المباح .. فمباحة.
فمن أمثلة الواجبة الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله، وذلك
لَا مُغَفَّلٍ لَا يَضبُطُ وَلَا مُبَادِرٍ
ــ
واجب؛ حفظًا للشريعة، وكذلك تدوين أصول الفقه وحفظ الغريب.
وللبدع المحرمة أمثلة منها: مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة.
ومن أمثلة المندوبة: إحداث الربط والمدارس وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول كصلاة التراويح.
ومن المكروهة: زخرفة المساجد وتزويق المصاحف.
ومن المباحة: المصافحة عقب الصبح والعصر، والتويع في المآكل والملابس.
وروى البيهقي بإسناده في (مناقب الشافعي ((1/ 469) أنه قال: المحدثات ضربان:
أحدهما: ما خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا .. فهو بدعة ضلالة.
والثاني: ما أحدث من الخير .. فهو غير مذموم، وقد قال عمر في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه، يعني: أنها محدثة لم تكن.
قال: (.. لا مغفل لا يضبط)؛ لعدم الوثوق بقوله، والغلظ اليسير لا يقدح في الشهادة؛ لأن أحدًا من الناس لا يسلم، فمن غلب عليه الغلظ والنسيان .. فالأكثرون على عدم قبول شهادته، ومن تعادل غلظه وضبطه .. فالظاهر: أنه كمن غلب عليه الغلظ.
قال: (ولا مبادر) أي بالشهادة قبل الاستشهاد؛ للتهمة.
ففي (الصحيحين ([خ 6428_ م 2535] عن عمران بن حصين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في معرض الذم: (يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون (.
وفي (صحيح مسلم ([1719] من حديث زيد بن خالد الجهني: (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها (فجمع بينهما بحمل الثاني على ما تجوز المبادرة إليه وهو شهادة الحسبة، وحمل الأول على ما لا تجوز.
و (المبادر): من يشهد من غير تقدم دعوى.
فإن شهد بعد الدعوى قبل أن يستشهد .. ردت شهادته أيضًا على الأصح؛ للتهمة.
وَتُقبَلُ شَهَادَةُ الحِسبَةِ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌ مُؤَكَدٌ كَعِتقٍ ....
ــ
وإذا رددناها .. ففي صيرورته مجروحًا وجهان: الأصح: لا، وبناهما الهروي على أن المبادرة من الصغائر أم من الكبائر.
ولا فرق في رد شهادة المبادرين بين أن يكون صاحب الحق عالمًا بشهادته أم لا.
نعم؛ إن لم يكن عالمًا يندب له إعلامه حتى يستدعيه فيشهد، وقيل: إن لم يعلم .. فله المبادرة.
فرع:
تقبل شهادة من اختبأ وجلي في زاوية محتبيًا لتحمل الشهادة، ولا يحمل على الحرص؛ لأن الحاجة قد تدعوا إليه.
وحكى الفوراني قولًا قديمًا: إنها لا تقبل، وهو شاذ، وفي كراهة ذلك وجهان في (أدب القضاء (لشريح الروياني.
وقال مالك: إن كان المشهود عليه جلدًا لا ينخدع .. قبلت الشهادة عليه، وإلا .. فلا، وعلى المشهور يستحب أن يخبر الخصم أني شهدت عليك؛ لئلا يبادر إلى تكذيبه فيعزره القاضي.
فلو قال رجلان لثالث: توسط بيننا لنتحاسب ونتصادق، ولا تشهد علينا بما جرى .. فهذا باطل، وعليه أن يشهد، قال ابن القاص: وترك الدخول في ذلك أحب إلي.
قال: (وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى، وفيما له فيه حق مؤكد) وهو ما لا يتأثر برضا الآدميين.
و (الحسبة): اسم من الاحتساب، وهو طلب الأجر.
قال: (كعتق) سواء كان عبدًا أو أمة، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: تقبل في عتق الأمة دون العبد، وتقبل في الاستيلاد دون التدبير، وتقبل في العتق بالتدبير ولا تقبل في الكتابة، فإن أدى النجم الأخير .. شهد بالعتق.
وفي شراء القريب قولان: أصحهما: لا تقبل فيه شهادة الحسبة؛ لأنهم يشهدون
وَطَلَاقٍ وَعَفوٍ عَن قِصَاصٍ، وَبَقَاُء العِدَّةِ وَانقِضَاؤُهَا، وَحَدٌ للهِ، وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ،
ــ
بالملك، والعتق يترتب عليه، فيحمل إطلاق على إرادة العتق غير الضمني.
قال: (وطلاق) أي: بلا عوض، سواء الرجعي والبائن؛ لأن المغلب فيه حق الله تعالى بدليل أن الواقع لا يرتفع بتراضي الزوجين، وأما الخلع .. فأطلق البغوي المنع فيه؛ لأنه لا ينفك عن المال، وهي لا تقبل فيه.
وقال الإمام: تسمع للفراق دون المال، وهو الذي ذهب إلييه القاضي والغزالي وصاحب (الحاوي الصغير (، ولم يصحح الشيخان فيه شيئَا.
قال: (وعفو عن قصاص)؛ لأنها شهادة على إحياء نفس وهو حق الله تعالى.
وقيل: لا، لأن ترك القاتل الدعوى مع الحرص على الحياة يورث تهمة في شهادتهم، ومن ذلك تحريم الرضاع والمصاهرة والبلوغ والإسلام والاستلام والزكوات والكفارات والوقوف والوصايا العامة.
فإن كانت لجهة خاصة .. فالأصح: المنع.
(و) منه: (بقاء العدة وانقضاؤها) وتحريم المصاهرة.
قال: (وحد الله) أي: كالزنا والشرب وقطع الطريق، وكذلك السرقة على الصحيح، لكن الأفضل في الحدود الستر.
واحترز المصنف عن حق الآدمي، فلا تقبل فيه كالقصاص وحد القذف والبيع والإقرار.
وقيل: تقبل الحسبة في الدماء فقط، وقبل: والأموال أيضًا، وقيل: تقبل إن لم يعلم المستحق به، والأصح: المنع مطلقًا.
قال: (وكذا النسب على الصحيح)؛ لأنه متعلق حقوق الله تعالى كالطلاق والعتاق.
والثاني: لا تقبل، وصححه الغزالي وفاقًا للقاضي حسين.
وَمَتَى حَكَمَ بِشَاهِديَنِ فَبَانَا كَافِرَينِ أَو عَبدَينِ أَو صَبِيَّينِ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيُرهُ،
ــ
وكيفية شهادة الحسبة: أن الشهود يجيئون إلى القاضي ويقولون: نحن نشهد على فلان بكذا، فأحضره لنشهد عليه، فإن جاؤوا وقالوا: فلان زنى .. فهم قذفة.
فروع:
تقبل الشهادة بالرضاع المحرم، قال الرافعي: وفي (فتاوى القفال (: أنهما لو شهدا أن فلانًا أخو فلانة من الرضاع .. لم يكف حتى يقولا: وهو يريد أن ينكحها، وأنه لو شهد اثنان بطلاق وقضى القاضي بشهادتهما ثم شهد آخران أن بينهما رضاعًا محرمًا .. لم تقبل؛ إذ لا فائدة لها في الحال، وهو كما مر أن الشهادة بالعتق لا تقبل حتى يكون المشهود عليه يسترقه، وهذا يقتضي أن شهادة الحسبة إنما تسمع عند الحاجة. اهـ
قال في (المهمات (: ظاهر كلام الغزالي وآخرين –كما قاله في (المطلب (- يشعر بخلاف ما في الفتوى المذكورة، ولو جاء عبدًا إنسان وقالا: إن سيدنا أعتق أحدنا، وقامت على ما يقولان بينة .. سمعت وإن كانت الدعوى فاسدة؛ لأن البينة على العتق مستغنية عن تقدم الدعوى.
قال: (ومتى حكم بشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين .. نقضه هو وغيره)؛ لأن الحق أحق أن يتبع.
وقوله: (فبانا) ليس بقيد، فلو بان أحدهما .. كان كذلك.
والمراد: ظهور ذلك يوم الحكم، فلو شهد عدلان على فسقهما مطلقًا ولم يسندا ذلك إلى حالة الحكم .. لم ينقض؛ لاحتمال حدوثه بعد الحكم، والمعنى بالنقض أنا نتبين أن القضاء لم ينفذ، فإن القضاء عندنا لا يغير الحكم، خلافًا لأبي حنيفة.
وتظهر ثمرة هذا في الفوائد الحادثة من العين المحكوم بها من وقت الحكم إلى أن ينقض فيكون لرب العين، قال الماوردي: وليس تمزيق السجل نقضًا للحكم حتى ينقضه بالقول ويجب عليه أن يسجل بالنقض، فإن لم يسجله في الحكم .. لم يلزمه في النقض.
وكَذَا فَاسِقَانِ فِي الأَظهَرِ. وَلَو شَهِدَ كَافِرٌ أَو عَبدٌ أَو صَبِيٌ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعدَ كَمَالِهِ .. قُبِلَت، أَو فَاسِقٌ تَابَ .. فَلَا،
ــ
قال: (وكذا فاسقان في الأظهر)؛ لأن النص والإجماع دلا على اعتبار العدالة.
والثاني –وبه قال أبو حنيفة- لا ينقض؛ لأن فسقهم إنما يعرف ببينة تقم=وم عليه، وعدالة تلك البينة لا تدرك إلا بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقص بالاجتهاد.
وقيل: ينقص قولًا واحدًا.
وأطلق المصنف وغيره إذا بان فسقهما عند الحاكم .. نقضه، وقيده القاضي بما إذا كان الفسق ظاهرًا غير مجتهد فيه، وترك ابن الرفعة إظلاق البينة عليه.
قال القاضي: فإن كان الفسق مجتهدًا فيه .. فلا خلاف أنه لا ينقض.
وهذه المسألة مكررة في الكتاب في قوله في (النكاح): (ولو بان فسق الشاهد عند العقد .. فباطل على المذهب).
قال: (ولو شهد كافر أو عبد أو صبي ثم أعادها بعد كماله .. قبلت)؛ لأنه لا عار عليهم فيما لأجله ردت شهادتهم، فإن الكافر يفتخر بدينه، والصبي والعبد ليس زوال مانعهما إليهما فلا تهمة في الإعادة.
وأطلق المصنف الكافر تبعًا ل (المحرر) ، ومرادهما إذا كان يظهر كفره، فإن كان يستره وأعادها .. فالأصح في (الروضة) –وهو القياس في (الرافعي) -: عدم القبول، وقد سوى المصنف بينهما في (باب صلاة الجماعة) فصحح أن مخفي الكفر كمعلنه، فيحتاج إلى الفرق، وكذا ينبغي أن يكون حكم كل من يكفر ببدعة إذا رجع عنها وتاب.
ولو ردت شهادته لعداوة فزالت وأعادها .. لم تقبل في الأصح، ويجريان فيما لو شهد لمكاتبه بمال أو لعبده بنكاح فردت فأعادها بعد عتقها.
قال: (أو فاسق تاب .. فلا)؛ لأنه قد يخفى فسقه والرد يظهره، فيسعى في دفع عار الرد السابق، ويواء في هذا المعلن بفسقه وغيره، وقال المزني في (المنثور (وأبو ثور: تقبل كما لو أعادها الثلاثة قبله.
وَتُقبَلُ شَهَادَتُهُ بِغَيرِهَا بِشَرطِ اختِبَارِهِ بَعدَ التَّوبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِها صِدقُ تَوبَتِهِ،
ــ
وصورة المسألة: أن يخفى على القاضي حكمهم. وجوزنا سماع الشهادة عند الجهل بالحرية والإسلام، وإلا .. فلو علم القاضي بالصبا والرق .. لا يصغي لسماع شهادتهم، وأما الفاسق، فإن احتاج إلى نظر فيه .. أصغى إليه ولم يمنعه إقامتها، وإن كان معلنًا به .. لم يصغ إليه، ويمنعه من إقامتها على الأصح.
ثم إن أراد لا يختص بالفسق، بل من لا مرؤة له إذا خفيت حاله كذلك، نص عليه الشافعس، ولهذا جمع في (التنبيه (بينهما.
فرع
قال القاضي: بعد الحكم بشهادة شاهدين بان لي أنهما كانا فاسقين ولم تظهر بينة .. أفتى الغزالي بأنه إذا لم يتهم في قضائه بعلمه .. مكن من نقضه.
قال: ولو قال: أكرهني السلطان على الحكم بقولهما وكنت أعرف فسقهما .. قبل قوله من غير بينة الإكراه.
ولو بان بالبينة أن الشاهدين كانا والدي المشهود له أو لديه أو عدوي المشهود عليه .. نقض الحكم.
قال: (وتقبل شهادته بغيرها) أي: غير تلك الشهادة التي يشهد بها حال فسقه بالاتفاق؛ إذ لا تهمة فيها.
فرع:
التائب من الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال ابن الصلاح: لا تقبل روايته، ونقله الصيمري في (شرح الإيضاح (كذلك، وقال: إنه مما تخالف فيه الرواية الشهادة.
وخالفهما المصنف فقال في (شرح مسلم (: المختار القبول، ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة.
قال: (بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن بها صدق توبته)؛ لأن التوبة من أعمال القلوب، وهو متهم بترويج شهادته، فاعتبر الشرع ذلك؛ ليقوى ما ادعاه.
وَقَدَّرَهَا الأَكثَرُونَ بِسَنَةٍ
ــ
والكلام مسوق لبيان التوبة من المعصية الفعلية كالزنا والسرقة والشرب والغصب وغيرها من الكبائر إذا ظهرت على مرتكبيها، فمجرد إظهار التوبة عنها لا يكفي في قبول الشهادة، بل لا بد من اختباره.
قال: (وقدرها الأكثرون بسنة)؛ لأن لمضي فصولها الأربعة أثرًا بينًا في تهييج النفوس وانبعاثها لشهواتها، فإذا مضت على السلامة .. أشعر ذلك بحسن السريرة، وقد اعتبر الشرع السنة في العنة والزكاة والجزية والتغريب.
ثم هل المدة تقريب أو تحديد؟ وجهان في (الحاوي) ، أظهرهما الأول.
وقيل: تكفي ستة أشهر، ونسب إلى النص، قال القاضي أبو الطيب: ولا معنى له؛ لأنه لم يرد في الشرع التقدير بهذه المدة إلا في أقل الحمل.
وقيل: شهران، وقيل: شهر واحد، نقله إبراهيم المروروذي والبغوي في (التعليقة).
وعن البخاري: خمسين يومًا بدليل المخلفين في غزوة تبوك.
وقيل: لا يتقدر شيء من ذلك،، وإنما المعلر حصول غلبة الظن بصدقه، ويخلف الحال فيه بالأشخاص وأمارات الصدق، فرب شخص كوم يعسر الوقوف على سرائره يطول استبراؤه، ورب معلن لا يتماسك في الإخفاء فيقرب، وصحح هذا القاضي حسين والعبادي والبغوي في (التعليقة) ، والإمام والغزالي والشاشي وصاحب (الترغيب) ، والشيخ عز الدين وغيرهم.
تنبيهات:
أحدها: احراز المصنف عمن ردت شهادته لغلطة في الشهادة .. فإنه لا يستبرأ، أو لحرصه على أدائها قبل الاستشهاد .. فإنه لا يستبرأ كما قاله البغوي.
وقال الإمام: يستبرأ دون استبراء الفاسق.
وَيُشتَرَطُ فِي تَوبَةِ مَعصِيَةٍ قَولِيَّةٍ القَولُ، فَيَقولُ القَاذِفُ: قَذفِي بَاطِلٌ، وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيهِ وَلَا أَعُودُ إِلَيهِ،
ــ
ومن ردت شهادته في القذف لنقصان العدد، إذا أوجبنا عليه الحد .. لا يجب استبراؤه عند الجمهور، فإن قذف سبًا .. اشترط استبراؤه بالمدة المذكورة.
الثاني: يستثنى من إطلاقه ما إذا عصى الولي بالعضل والممتنع من القضاء إذا تعين عليه، فيزوج وتقبل في الحال كما تقدم، وكذلك ناظر الوقف بشرط الواقف بشرط الواقف إذا فسق ثم عاد عادت ولايته.
وكذلك من كان يخفي الفسق إذا أقر به ليقام عليه الحد .. تقيل شهادته بعد توبته من غير استبراء، قاله الماوردي والروياني؛ لأنه لم يظهر التوبة عما كان مستورًا عليه إلا من صلاح.
الثالث: ظاهر عبارته تخصيص الاستبراء بالفسق، فلو زال غيره من الموانع كالصبا والجنون والكفر والرق .. لا يشترط فيها مدة؛ لأنها لا يطول النظر في زوالها.
قال: (ويشترط في توبة معصية قولية القول) أي: مع ما تقدم في التوبة الباطنة والظاهرة.
وقال الشافعي: توبته إكذابه نفسه؛ لأنه أذنب حيث نطق بالقذف، كما أن التوبة من الردة بكلمة الشهادة.
قال: (فيقول القاذف: قذفي باطل، وأنا نادم عليه ولا أعود إليه)، ولا يكلف أن يقول: كذبت، فربما كان صادقًا فكيف نأمره بالكذب؟!
وقال الإصطخري: يشترط أن يقول: كذبت فيما قدمت ولا أعود إلى مثله؛ لما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توبة القاذف إكذابه نفسه (كذا استدل به الرافعي، وهو غريب.
ولا فرق بين أن يكون موجبًا للحد أو التعزير بأن قذف غير محصن، ولا بين أن يكون على صورة السب أو الشهادة كما تقدم.
وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ. قُلتُ: وَغَيرُ القَولِيَّةِ يُشتَرَطُ إِقلَاعٌ، وَنَدَمٌ، وَعَزمٌ أَن لَا يَعوُد، َ وَرَدٌّ ظُلَامَةِ آدَمِيِّ إِن تَعَلَقَت بِهِ، واللهُ أَعلَمُ
ــ
قال: (وكذا شهادة الزور) فيقول في التوبة منها: كذبت فيما قلت ولا أعود إلى مثله.
قال: (قلت: وغير القولية بشرط إقلاع، وندم، وعزم أن لا يعود، ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به والله أعلم) فلا تكمل التوبة إلا بذلك؛ لقوله تعالى: {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} وهو الندم ، {ولَمْ يُصِرُّوا} وهو العزم.
وروي عن عمر أنه قال: (بقية عمر المرء لا قيمة لها، يدرك بها مما فات، ويحيي بها ما مات، ويبدل سيئاته حسنات).
ولأن الإقلاع يتعلق بالحال، والندم بالماضي، والعزم بالمستقبل.
والمراد ب (الإقلاع): تركه في الحال إذا كان ملتبسًا به أو مصرًا على معاودته.
وشرط القاضي حسين في التوبة أن يستغفر الله بلسانه.
هذا في حقوق الله الخالية عن الحد، فإن تعلق بآدمي .. وجب رابع وهو خروجه عنه إلى مستحقه إن أمكنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال .. فليستحله قبل أن لا يكون دينار ولا دررهم، فإن كان له عمل .. يؤخذ منه بقدر مظلمته، وإلا .. أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (رواه مسلم.
قال المصنف: حتى لو تلفت عنده وكان مفلسًا .. وجب عليه التكسب والأداء لتصح التوبة.
وعلى هذا: لا تصح التوبة المكاس حتى يرد أموال الناس، وكذلك سائر الظلمة، ولا السارق حتى يرد ما سرق، فإن تعذر عليه المستحق أو وارثه .. سلمه للإمام أو قاض عادل، فإن تعذر .. تصدق به عنه عند انقطاع خبره بنية الغرامة؛ فإن لم يفعل .. لم تصح توبته، كذا في (الإحياء) و (الرقم) للعبادي.
وفي (سنن أبي داوود)[2930] عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل صاحب مكس الجنة) قال البيهقي [7/ 16]: (المكس): هو النقصان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإذا كان العامل في الصدقات ينقص من حقوق المساكين ولا يعطيهم إياها بالتمام .. فهو حينئذ صاحب مكس يخاف عليه الإثم والعقوبة.
وقال في (الكفاية (: شرط الأصحاب الندم والعزم خاصة، والإقلاع زاده الرافعي وغيره من المتأخرين، وكأن الجمهور إنما لم يتعرضوا له؛ لأنه من ثمرات التوبة، وكذلك اقتصر في (الإرشاد (على حدها بالندم.
وقال في (الأحياء (: كثيرًا ما يطلق اسم التوبة على الندم، وجعل الترك كالثمرة والتابع، وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة (رواه ابن ماجه [4252] ، وصححه الحاكم [4/ 243] وابن حبان [612].
واعتبر الأستاذ أبو إسحاق وغيره من الأصوليين شرطًا رابعًا وهو: الإخلاص لله تعالى، وحتى لو عوقب على جريمة فندم وعزم على عدم العودة لأجل ما حل به خوفًا من وقوع مثله .. لم يكف، وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنه شرط في كل عبادة، والكلام في خصوص التوبة.
وزاد غيره خامسًا وهو: أن لا يغرغر؛ لقوله تعالى: {ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ} ، وسادسًا وهو: أن لا تطلع الشمس من مغربها.
وقد تكون التوبة بالندم خاصة في حق من ليس متلبسًا بها في الحال ولا في المستقبل كتوبة المجبوب من الزنا؛ فإنها مقبولة خلافًا لبعض المعتزلة.
والتوبة من أعظم العبادات فلا بد فيها من النية.
ولا يشترط في التوبة عن ذنب التوبة عن غيره، فقد يتوب عن ذنب دون ذنب.
ولا يبطل التوبة عن ذنب العود إليه، خلافًا للمعتزلة.
وعبارة المصنف تشمل المال والقصاص وحد القذف، وكان الأحسن أن يقول:
والخروج منها إن أمكنه؛ ليشمل الرد والإبراء من المال والعرض، ولئلا يوهم أنه إذا تعذر الرد .. لا تصح التوبة، وليس كذلك؛ فقد ذكر الأصحاب أن المغتاب يستحل ممن اغتابه، فإن تعذر بموته أو غيبته الشاسعة .. استغفر الله، ولا اعتبار بتحليل الورثة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال العبادي: والحسد كالغيبة في ذلك، وهو أن يهوى زوال نعمة المحسود، فيخبر المحسود بما أضمره ويستحله، ويسأل الله أن يزيل عنه هذه الخلة.
قال في (الروضة): المختار بل الصواب: أنه لا يجب إخبار المحسود، بل لا يستحب، ولو قيل: يكره .. لم يبعد، ثم قال:: وهل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة، أو تشترط معرفتها للعافي؟ وجهان سبقا في (كتاب الصلح) ، وهما إنما سبقا في (الضمان) بلا ترجيح، ورجح في الأذكار الاشتراط؛ لأن الإنسان قد يسمح بالعفو من غير بيان غيبة دون ما إذا كانت معينة، وكلام الحليمي يقتضي الجزم بالأول.
تنبيه:
مقتضى كلامهم أن ما توقف من المعاصي على حد واستوفى لا يكفي، بل لا بد معه من التوبة، وبه صرح البيهقي في (شعب الإيمان ([4062] فقال: وقد جاءت أحاديث في أن الحدود كفارة، وكأن هذا إذا تاب، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق حين قطعه: (تب إلى الله (، فقال أتوب إلى الله، ولكن صرح المصنف في (شرح مسلم (و (الفتاوى (: أن الاستيفاء مسقط للإثم وللطلب في الآخرة، وقضيته عدم الاحتياج للتوبة، والأشبه: التفصيل بين من سلم نفسه امتثالًا لأمر الله .. فيكون ذلك توبة، أو قهرًا .. فلا يبعد تنزيل الأحاديث على ذلك.
فروع:
الأول: لو قصر الشخص فيما عليه من الدين أو المظلمة ومات المستحق واستحقه وارث بعد وارث .. فمن المستحق له في الآخرة؟ إن كان صاحبه ادعاه فجحده وحلف .. فهو المستحق له بلا خلاف، وإلا .. ففيه أوجه.
أصحها: أنه للأول.
والثاني: لآخر من مات من ورثته أو ورثة ورثته.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: -ذكره العبادي في (الرقم) -: أنه يكتب الأجر لكل وارث مدة حياته، ثم بعده لمن بعده.
ولا خلاف أنه لو دفع الحق إلى بعض الوارثين عند انتهاء الاستحقاق إليه أو أبرأه .. أنه يسقط ويتوب عن معصية المماطلة، فإن كان من عليه الحق معسرًا ونوى الغرامة إذا قدر .. قال القاضي حسين: يستغفر الله له أيضًا، فإن مات قبل أن يقدر .. قالالرافعي: فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة.
قال المصنف: وظواهر السنة الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة إذا كان معسرًا عاجزًا إن كان عاصيًا بالتزامه، فأما إذا استدان حيث تباح له الاستدانة كما لو استدان في غير معصية ولا سرف وهو يرجو الوفاء من سبب ظاهر فاستمر العجز إلى الموت، أو أتلف شيئًا خطأ وعجز عن غرامته حتى مات .. فالظاهر: أن هذا لا يطالب في الآخرة، والمرجو من فضل الله تعالى أن يعوض صاحب الحق.
الثاني: من تاب عن معصية ثم ذكرها .. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: يجب عليه تجديد التوبة منها كلما ذكرها.
وقال إمام الحرمين: لا يجب، بل يسنحب، وعلى الأول: لو لم يجددها .. كان ذلك معصية جديدة تجب التوبة منها، والتوبة الأولى صحيحة.
الثالث: قال ابن عبد السلام: إذا مات شخص وعليه دين تعدى بسببه أو بمظلمة .. أخذ من حسناته بمقدار ما ظلم به، فإن فنيت حسناته .. طرح عليه من عقاب سيئات المظلومين ثم ألقي في النار، وإن لم يتعد بسببه ولا بمظلمة .. أخذ من حسناته في الآخرة كما تؤخذ في الدنيا حتى لا يبقى له شيء، ولا يؤخذ ثواب إيمانه كما لا تؤخض في الدنيا ثياب بدنه، فإن فنيت حسناته لم يطرح عليه شيء من سيئات خصمه.
تتمة:
المرتد يعود إلى الإسلام، هل تقبل توبته بمجرد العود أو لا بد من الاستبراء كالفاسق يتوب؟ يصعب القول بعدم استبرائه مع أن معصيته أغلظ المعاصي، ويصعب
فَصلٌ:
لَا يٌحكَمٌ بِشَاهِدٍ إِلَاّ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الأَظهَرِ،
ــ
استبراؤه والإسلام يجب ما قبله، والذي اقتضاه كلام الأصحاب: أن توبته تقبل بمجرد الإسلام، وبه صرح الإمام، قال: وليس إسلامه توبة من كفره، وإنما توبته ندمه على كفره، ولا يتصور أن يؤمن ولا يندم على كفره، بل تجب مقارنة الندم على الكفر، ولذلك انعقد الإجماع الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره .. صحت توبته وإن استدام معاصي أخر؛ لأنه لما أسلم أتى بضد الكفر، فلم يبق بعده احتمال، وليس كذلك إذا تاب بعد الزنا والشرب.
وقلب الماوردي: إذا أسلم عاد إلى حاله قبل الردة، فإن كان مقبول الشهادة .. قبل، وإلا .. فلا.
قال: (فصل):
لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر)؛ لما تقدم في (كتاب الصيام) ، وليست مكررة في الكتاب؛ لأنها ذكرت هنا لقصد الحصر وهو زائد على ذلك.
ولا يرد على حصره القضاء بشاهد ويمين وإن قلنا: إن القضاء فيه شاهد على وجه؛ فإنا لم نكتف فيه به، بل اشترطنا معه اليمين.
وإذا حكم حاكم في هلال رمضان بشهادة واحد .. لم ينقض بلإجماع، ووجب صومه بالاتفاق.
وقال أبو حنيفة: يثبت رمضان في الغيم بواحد، وفي الصحو تعتبر الاستفاضة والاشتهار، ويختلف ذلك بصغر البلد وكبره، وقد تقدم في (الصيام) أن ثبوته بواحد بالنسبة إلى الصوم فقط.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومما يقبل فيه الشاهد الواحد: إذا مات ذمي فشهد عدل أنه أسلم .. لم يكف في إرثه وحرمانه، وفي الاكتفاء به في الصلاة عليه وجهان بناء على القولين في هلال رمضان.
ومنها: الشهادة بالبلوغ، نقل ابن الفركاح عن الماوردي أنه يكتفى فيها بشاهد ، وتكون شهادة لا خبرًا، والماوردي إنما قال: شاهدًا عدل بالبينة.
ومنها: المسمع للقاضي كلام الخصوم، ولخصوم كلام القاضي، يقبل فيه كلام الواحد وهو من باب الشهادة كما ذكره الرافعي قبيل (القضاء على الغائب).
ومنها: حكى الرافعي عن (التهذيب (أنه لا شهادة، وهو خلاف ما فهمه الرافعي عنه هنا.
ومنها: سبق عن الغزالي في (اللقطة) الميل إلى الاكتفاء بواحد في الشهادة لمدعي ملكها.
ومنها: سبق في (الأقضية): أن للقاضي أن يكتفي بخبر العون الواحد العدل في امتناع الخصم المتعزز.
وذكر المصنف في 0القسامة) أن شهادة الواحد لوث، وفي (القسمة) الاكتفاء بقاسم واحد، وفي (زكاة النبات) الاكتفاء بخارص، وبقيت مسائل فيها خلاف:
منها: لو نذر صوم شعبان فشهد واحد برؤيته .. قيه وجهان تقدما في أول (كتاب الصيام).
ومنها: ثبوت هلال الحجة بواحد .. فيه وجهان حكاهما الدارمي والقاضي حسين.
وَيُشتَرَطُ لِلِزِنَا أَربَعَةُ رِجَالٍ، وَلِلإقرَارِ بِهِ اثنَانِ – وَفِي قَولٍ: أَربَعَةٌ -
ــ
ومنها: هلال شوال .. قال أبو ثور: يثبت بواحد، قال الإمام: وهو متجه.
وحكى الرافعي في (الباب الثالث) عن أبي الفرج السرخسي وجهًا: أنه يجوز اعتماد خبر الشخص الواحد إذا سكن القلب إليه.
قال: (ويشترط لللزنا أربعة رجال)؛ لقوله تعالى: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، وقوله تعالى:(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ).
وفي (صحيح مسلم ([1498/ 15] عن سعد بن عبادة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: (نعم (ولأنه من أغلظ الفواحش، فغلظت فيه الشهادة ليكون أستر.
وإنما تقبل إذا قالوا: حانت منا التفاتة فرأينا، وهذا لا خلاف فيه، وكذا لو قالوا: تعمدنا النظر لإقامة الشهادة على الصحيح، فإن قالوا: تعمدنا لغير الشهادة .. فسقوا بتعمده وردوا جزمًا.
قال: (وللإقرار به اثنان) كغيره من الأقارير.
قال: (وفي قول: أربعة)؛ لأنه تتعلق به إقامة الحد فأشبه نفس الزنا، وهذا الخلاف لا يختص بالإقرار بالزنا، بل يجري في الأقارير بالقذف فيقبل فيه اثنان على الصحيح.
وإذا شهد بالإقرار على الزنا اثنان وقلنا: لا يثبت بذلك .. فلا حد عليهما جزمًا؛ لأنهما لم ينسباه إلى الزنا، وكذلك الحكم في اللواط وإتيان البهيمة لا يثبت إلا بأربعة على المذهب.
ومقدمات الزنا كالقبلة والمفاخذة صرح الماوردي بأن فيها الخلاف في اللواط، وكلام القاضي حسين يقتضي أنه لا خلاف في ثبوتها بشاهدين.
ويشترط في شهود الزنا أن يذكروه مفسرًا فيقولون: رأيناه أدخل فرجه في فرجها، وهل يشترط التشبيه بالمرود في المكحلة أو كالإصبع في الخاتم؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
والمراد بالذكر هنا: الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الأصح، وأن يعينوا المزني
وَلِمَالٍ وَعقدٍ مَالِيٍّ كَبَيعٍ وَإقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ وَحَقِّ مَالِيِّ كَخِيَارٍ وَأجَلٍ .. رَجُلانِ أَو رَجُلٌ وَامرَأَتَانِ،
ــ
بها، وأن يذكروا مكان الزنا، وفي ذكر زمانه وجهان.
واعتبر الروياني شرطًا رابعًا وهو تقدم لفظ الشهادة على لفظ الزنا، فإن العكس .. لم تسمع؛ لأنه صار متهمًا في دفع حد القذف عنه.
ويستحب للشاهد أن يتوقف عن الشهادة فيه وفي الشرب ونحوهما.
قال: (ولمال وعقد مالي كبيع وإقالة وحوالة وضمان وحق مالي كخيار وأجل .. رجلان أو رجل وامرأتان)؛ لعموم قوله تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ) ، فكان على عمومه إلا ما خص بدليل، قال أبو الطيب: وهو إجماع، والمعنى في تسهيل ذلك: كثرة جهات المداينات وعموم البلوى بها.
ودخل في (الخيار) خيار المجلس والشرط، ولا الفرق في الرجل والمرأتين بين أن تتقدم شهادته عليهما أو تتأخر عنهما، وسواء قدر على رجلين أو لم يقدر إلا على رجل وامرأتين، والخنثى كالمرأة.
ومما يثبت بذلك الوقف وإن قلنا بانتقاله لله تعالى كما تقدم.
وأما الشركة والقراض .. فلا يثبتان إلا برجلين على الراجح في (الشرح (و (الروضة (.
قال في (المطلب (: ينبغي أن يقال: إن كان المدعي فيهما يروم إثبات التصرف .. فهو كالوكيل لا بد فيه من شاهدين، وإن كان يروم إثبات حصته من الربح .. ثبت برجل وامرأتين؛ إذ المقصود المال كما سيأتي في مسألة الصداق.
تنبيهان:
أحدهما: جعله الإقالة من أمثلة العقد إنما يأتي على الوجه الضعيف لا على الصحيح القائل: إنها فسخ، فلو قال: وعقد مالي وفسخه .. لاستقام، وكذا عطفه الحوالة على البيع، وهي بيع دين بدين.
وَلِغَيرِ ذَلِكَ مِن عُقُوَبةٍ للهِ تَعالَى أو لِآدمِيِّ وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجعَةٍ وَإسلَام وَرَدَّةٍ وَجَرحٍ وَتَعدِيلٍ وَمَوتٍ وَإعسَارٍ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايةٍ وَشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ .. رَجُلَانِ،
ــ
الثاني: مما يثبت برجل وامرأتين: الشفعة والمسابقة وحصول السبق، وقد تصحفت اللفظة على المصنف فقال: وخيول السبق بالخاء المعجمة والياء آخر الحروف.
ومما يثبت بذلك: الصلح والمساقاة والمزارعة والرهن على الصحيح، والعارية والهبة والوصية بالمال أو بما ينتفع به، والصداق والجناية التي لا تقتضي إلا المال كقتل الخطأ، وقتل الصبي والمجنون، وقتل الحر العبد والمسلم الكافر، والأصل فرعه، والجائفة والخاشمة والمنقلة إذا لم يتقدمها إيضاح. إنما هو الأداء والعتق يترتب عليه.
ومن هذا النوع: اللشهادة بطاعة المرأة؛ لاستحقاقها مؤن النكاح ، واستحقاق الصيد بأزمانه ، والسلب بقتل الكافر ، والإقرار بكل ما ثبت برجل وامرأتين.
قال (ولغير ذلك) أي: ما ليس بمال ولا يقصد به المال (من عقوبة الله تعالى أو لأدمى وما يطلع عليه رجل غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة .. رجلان) أما العقوبات .. فلما رواه مالك عن الزهري أنه قال: (مضت السنة أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا فى النكاح والطلاق) وهذا وإن كان مرسلا .. فهو حجة على أبى حنيفة؛ لأنه يقول بحجيته ، وقد رواه ابن حزم [المحلى 9/ 397] بلفظ: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده
…
) وألحق به التقارير؛ لأنها في معناه ،
ومقتضى هذا أنه لا يثبت بعلم القاضى كما صرح به في (الأقضية).
وأما مايطلع عليه الرجال غالبا .. فلأن الله تعالى قضى في الشهادة فيما سوى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع: الطلاق والرجعة والوصية ، ونص عليه الصلاة والسلام عليها فى النكاح ، وفى حديث الزهري النص على أنه لا تقبل شهادة النساء فى النكاح ولا في الطلاق.
وأما الوكالة فى الأموال .. فلا تثبت إلا برجلين؛ لعموم الآية ، وقيل: تثبت بما يثبت به المال ، وأختاره ابن سريج والقاضي حسين.
تنبيه:
يستثنى من مسألة النكاح ما إذا ادعت أنه ادعت أنه نكحها وطلقها وطلبت شطر الصداق ، أو أنها زوجه فلان وطلبت الإرث ، فيثبت نكاحها برجل وامرأتين ، وبشاهد ويمين؛ لأن مقصودها المال ، قال الرافعي في أخر (الدعاوى) ، وبه أفتى الغزالي.
ويستثنى من الجرح: ما لو ادعى تكذيب المدعي لشهوده بالمال .. فأنه يحكم فيه بشاهد ويمين كما نقله ابن الرفعة عن (البحر (، وعلله بأن تكذيبه لبينته يوجب سقوط حقه لا جرح الشهود.
ويستثنى من الإسلام ما لو ادعاه واحد من الكفار قبل أسره وأقام شاهدا وامرأتين .. فإنه يكفيه؛ لأن المقصود نفي الاسترقاق، والمفادة دون نفي القتل، نقله الماوردي قبيل مسألة العلج.
فروع:
إذا كان المدعى به على إنسان مالًا وشهد به اثنان، فإن كان عينًا وطلب المدعي الحيلولة بينها وبين المدعى عليه إلى أن يزكى الشاهدان .. أجيب إليه على الأصح، وإن كان دينًا .. لم يستوف قبل التزكية على الصحيح.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلو سأل المدعي الحاكم أن يحجو على المدعى عليه في المال خشية أن يضيع ماله أو يحتال فيقر به لإنسان .. حكى الإمام عن الأكثرين أنه لا يجاب، ورجحه.
وقال القاضي حسين: إن توهم القاضي ذلك فيه بأن عرفه محتالًا .. أجابه، وإلا .. فلا.
وإن سأل المدعي أن يحبس المدعى عليه حتى تثبت عدالته .. حبس على الأصح إلى أن يزكي شاهديه؛ لأن الظاهر العدالة، ولأن المدعي فعل ما عليه من إحضار البينة، وبقي ما على الحاكم من التعديل والمرجع في مدة حبسه إلى القاضي.
وفي وجه: لا يحبس، وصححه جماعة؛ لأنه عقوبة والأصل برتءة الذمة.
والحق أنه لم يثبت بعد، ولا خلاف أنه لا يحبس؛ لاستزكاء البينة في حدود الله تعالى.
ولو كان المدعى به نكاح امرأة .. فتجعل المرأة عند ثقة وتمنع من الخروج على الصحيح، فإن كانت المرأة مزوجة .. قال القاضي أبو سعد: لم يمنع منها زوجها قبل التعديل، وأقره الشخان عليه، واستشكله في (المهمات (بأنهما قالا في الأمة بتحتم الحيلولة احتياطًا للبضع.
وكذا لو ادعت المرأة الطلاق وأقامت شاهدين .. يفرق الحاكم بينهما قبل التزكية، ومراعة الاحتياط في الحرة معتبرة أكثر.
ولو أقام شاهدًا واحدًا وسأله أن يحبسه حتى يأتي بالثاني من مكان قريب .. ففي إجابته قولان:
أظهرهما عند الجمهور: لا يحبس؛ لأن الحق لم يثبت بعد.
والثاني: يحبس؛ لأنه لما حبس لكمال العدد ونقص العدالة .. فليحبس لكمال العدالة ونقص العدد، فلو كان الشاهد الثاني بعيدًا يتعذر حضوره في ثلاثة أيام .. لم يحبس قطعًا.
فإن كان المدعى قصاصًا أو حد قذف .. حبس المشهود عليه؛ لأن الحق يتعلق ببدنه فيحتاط له، قال البغوي: سواء قذف زوجته أو أجنبية.
وَمَا تَختَصٌّ بِمَعرِفَتِهِ النِّسَاءٌ أَو لَا يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَاَرةٍ وَوِلَادَةٍ وَحَيضٍ وَرَضَاعٍ وَعُيُوبٍ تَحتَ الثِّيابِ يَثبُتُ بِمَا سَبَقَ وَبِأرَبعِ نِسوَةٍ
ــ
والثمرة والغلة الحادثتان بعد شهادة الشاهدين وقبل التعديل للمدعي، وبين شهادة الشاهد الأول والثاني لا تكون له، إلا إذا أرخ الثاني ما شهد به بيوم شهادة الأول، أو بما قبله، حكاه القاضي عن النص.
قال: (وما تختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالببًا كبكارة وولادة وحيض ورضاع وعيوب تحت الثياب يثبت بما سبق وبأربع نسوة) أما النسوة المنفردات .. فلما تقدم عن الزهري، والمعنى فيه: الحاجة؛ لتعذر إثباتها بالرجال غالبًا.
وحكى الشافعي في (أحكام القرآن) الإجماع في الولادة وعيوب النساء.
وأما اعتبار الأربع .. فلأن ما ليس بمال لا يثبت إلا برجلين، والله قد أقام الرجل مقام امرأتين، وفي (صحيح مسلم) [80]:(شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل).
وعن الاصطخري: أن الرضاع وعيوب النساء الباطنة لا تثبت إلا بالنساء المتحضات، حكاه الإمام في (كتاب الرضاع).
قال الماوردي في (كتاب اللعان): ويشترط في شهادة الرجال بالولادة أن يذكروا مشاهدة ذلك من غير تعمد نظر.
ونبه ب (البكارة) على مقابلها وهي الثيوبة كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} .
تنبيهات:
أحدها: كلامه صحيح في أن الحيض مما تمكن الشهادة عليه، وهو الصحيح كما صرح به في (الروضة) ههنا، بخلاف ما ذكره فيها وفي (أصلها) في (كتاب الطلاق)؛ لأن الدم وإن شوهد لا يعلم أنه حيض لاحتمال أنه استحاضة، وصرح بمثله في (الديات) عند الكلام على دية الشم، ويمكن حمل كلامه على عسر البينة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا على تعذرها بالكلية، لكن مسألة الرضاع مكررة؛ فإنها تقدمت في بابها، ثم إن الرافعي قيده هناك عن المتولي بما إذا كان من الثدي، فإن كان من إناء حلب فيه .. لم تقبل الشهادتين، لكن تقبل على أن هذا اللبن من هذه المرأة، وهذا قد يخرج من قول المصنف:(أو لا يراه رجال).
واحترز ب (العيوب تح الثياب) عن العيوب الظاهرة في الوجه والكفين، فلا تقبل شهادتين بها؛ لأن العلة في قبولها مفقودة في ذلك، وقد صرح به الماوردي فقال: إنه لا تقبل في ذلك إلا شهادة الرجال إجماعًا، ولم يفصل بين الحرة والأمة.
وعبارة المصنف أشمل من قول (المحرر (و (الروضة (: تحت الأزرار، فبين العبارتين كثير تفاوت.
والجراحة على فرج المرأة لا تلحق بالعيب؛ لأن جنس الجراحة مما يطلع عليه الرجال غالبًا، قاله البغوي، وصوب المصنف أنها ملحقة بالعيوب تحت الثياب.
والذي قاله البغوي نقله ابن الرفعة عن القاضي حسين والبندنيجي، قال: وقد أشار إليه الأصحاب، بل ادعى القاضي أبو الطيب الإجماع عليه.
الثاني: ما قبل فيه شهادة النسوة على فعله لا يقبل على الإقرار به، وهو مفهوم من عبارة المصنف هنا؛ فإنه مما يسمعه الرجال غالبًا كسائر الأقارير.
الثالث: قوله: (بما سبق وبأربع نسوة) يقتضي أنه لا يثبت بشاهد ويمين، وبه صرح الماوردي في (الرضاع)، قال الرافعي: وهو المرفق لإطلاق عامة الأصحاب.
ولو اقتصر على قوله: (وبأربع) .. لعلم اختصاصه بالنسوة؛ لأن التاء لا تحذف إلا من المؤنث.
الرابع: حبث قبلنا الشهادة بالعيوب يشترط في الشهادتين العلم بالطب كما حكاه الرافعي في (الوصية) عن (التهذيب (.
وَمَا لَا يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَامَرأتَينِ لَا يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمينٍ، وَمَا يَثبُتُ بِهِم يَثبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمينٍ
ــ
قال: (وما لا يثبت برجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين) لأن الرجل والمرأتين أقوى وما لا يثبت بالأقوى لا يثبت بما دونه.
قال: (وما بثبت بهم) أي: برجل وامرأتين (يثبت برجل ويمين)؛ لما روى مسلم [1712] وغيره عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين) قال عمرو بن دينار الراوي عن ابن عباس: وذلك في الأموال، رواه الشافعي [1/ 149] عقب روايته الحديث، ورواه أحمد [3/ 305] وأبو داوود [3605] والترمذي [1343] وابن ماجه [2368] والحاكم [3/ 517] عن جابر وأبي هريرة، ورواه البيهقي في (الخلافيات (مرفوعًا عن نيف وعشرين صحابيًا منهم: علي وابن عباس وأبو هريرة وجابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وسعد بن عبادة، وبهذا يندفع قول بعض الحنفية: إنه خبر واحد لا ينسخ القرآن.
وقال ابن الصلاح: الذي عليه جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: أن حديث الشاهد واليمين لا يضره أننه من رواية ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي الصالح عن أبيه عن أبي هريرة.
قال عبد العزيز الدراوري: ولقيت سهلًا فسألته عنه فلم يعرفه، ولهذ كان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة ويسوق الحديث، فقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعدما حدثوا بها عمن سمعها منهم، وكان أحدهم يقول: حجثني فلان عني بكذا وكذا، ولأجل أن الإنسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء الرواية عن الأحياء، منهم الشافعي، وقال لابن عبد الحطم: إياك والرواية عن الأحياء.
وروى الدارقطني عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استشرت جبريل عليه السلام في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار بذلك في الموال (وبه قال جمهور العلماء، منهم الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم، زإليه ذهب مالك وأحمد، وخالف أبو حنيفة.
ولا فرق في ذلك بين أن يتمكن من البينة الكاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان أو لا.
إلَّا عُيُوبَ النِسَاءِ وَنَحوَهَا، وَلَا يَثبُتُ شَيءٌ بِامرَأَتَينِ وَيَمِين. وَإِنَّمَا يَحلِفُ المُدَّعِي بَعدَ شَهَادَةِ شَاهِدِةِ وَتَعدِيلِهِ، وَيَذكُرُ فِي حِلفِهِ صِدقَ الشَّاهِدِ،
ــ
وفي وجه: إن تمكن من البينة .. امتنع الحكم بالشاهد واليمين.
وظاهر عبارة المصنف: أن القضاء بالشاهد واليمين معًا، وهو الصحيح.
وقيل: باليمين فقط والشاهد يعضد جانب الحالف، وقيل: بالشاهد.
وأثر الخلاف يظهر في الغرم عند الرجوع، فعلى الأصح: عليه نصف الغرم، وعلى الثالث: جميعه، وعلى الثاني: لا شيء.
فرع:
ادعى ملكًا تضمن وقفية بأن قال: هذه الدار كانت لأبي وقفها علي وأنت غاصب، وأقام شاهدًا وحلف معه .. حكم له الملك، ثم يصير وقفًا بإقرقره وإن قلنا في دعوى الوقف: لا يقبل شاهد ويمين، قاله في (البحر (.
قال: (إلا عيوب النساء ونحوها) من الرضاع وغيره، فإنها لا تثبت بشاهد ويمين؛ لأنها أمور خطرة، بخلاف الأموال.
وينبغي تقييد إطلاق المصنف وغيره بالحرة، أما الأمة .. فتثبت بذلك قطعًا؛ لأنه مال، وبذلك جزم الماوردي في الرهن المشروط في البيع.
قال: (ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين) ، هذا في الأموال قطعًا، وكذا فيما تقبل فيه النسوة المنفردات في الأصح.
قال: (وإنما يحلف المدعي بعد شهادة شاهدة وتعديله)؛ لأن جانبه إنما يتقوى حينئذ، وإنما يحلف من يقوى جانبه.
وجوز ابن أبي هريرة تقديم اليمين على شهادة شاهدة، كما يجوز تقديم شهادة المرأتين على الرجل.
قال: (ويذكر) أي: وجوبًا (في حلفه صدق الشاهد) فيقول: والله إن شاهدي لصادق؛ لأن اليمين والشهادة حجتان مختلفتا الجنس، فاعتبر ارتباط إحداهما بالأخرى؛ لتصيرا كالنوع الواحد.
فَإِن تَرَكَ الحَلِفَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصمِهِ .. فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِن نَكَلَ .. فَلَهُ أَن يَحلِفَ يَميِنَ الرَّدِّ في الأَظهَرِ
…
ــ
والأحسن أن يقول: إن شاهدي لصادق فيما يشهد به.
وفي وجه: لا يجب أن يذكر صدق الشاهد؛ لأن اليمين بمنزلة شاهد آخر، ولا يلزم الشاهد أن يشهد بصدق الآخر.
وأفاد تعبير المصنف ب (الواو) دون 0ثم9 أنه لا ترتيب بين الحلف على إثبات الحق وصدق الشاهد، وحكى الإمام فيه الاتفاق.
قال: (فإن ترك الحلف) أي: مع الشاهد (وطلب يمين خصمه .. فله ذلك)؛ لأنه قد يكون له غرض في التورع عن اليمين، فإن حلف .. سقطت الدعوى.
قال ابن الصباغ: وليس له أن يحلف بعد ذلك مع شاهده؛ لأن اليمين قد انتقلت من جانبه إلى جانب خصمه، إلا أن يعود في مجلس آخر فيستأنف الدعوى ويقيم الشاهد .. فحينئذ يحلف معه، كذا قاله الرافعي في آخر الباب، والظاهر أن هذه طريقة العراقيين.
وكلام الرافعي أن الدعوى لا تسمع منه في مجلس آخر.
قال: (وإن نكل) أي: المدعى عليه (.. فله) أي: فللمدعي (أن يحلف يمين الرد في الأظهر) كما أن له ذلك في الأصل؛ لأنها غير التي امتنع عنها، لأن تلك لقوة جهته بالشاهد، وهذه لقوة جهته بنكول المدعى عليه، ولأن تلك لا يقضى بها إلا في المال، وهذه يقضى بها في جميع الحقوق.
والثاني: لا؛ لأنه يمكنه الحلف مع الشاهد.
ويجري القولان فيما لو ادعى مالًا ونكل المدعى عليه ولم يحلف المدعي يمين الرد .. فالمنقول: أنه يحبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر؛ لأن يمينه حق للمدعي فلا يتمكن من إسقاطه.
فرع:
ادعى عليه أنه غصب مالًا فقال: إن كنت غصبته منه فامرأتي طالق، فأقام المدعي على الغصب شاهدًا وحلف معه أو رجلًا وامرأتين .. ثبت الغصب، وترتب عليه
وَلَو كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا فَقَالَ رَجُلٌ: هَذِهِ مُستَولَدَتِي عَلِقَت بِهَذَا ِفي مِلكِي وَحَلَف مَعَ شَاهِدٍ .. ثَبَتَ الٍاسِتيلَادُ، لَا نَسَبُ الوَلَدِ وَحُرِّيَتَهُ فِي الأَظهَرِ. وَلَو كَانَ بِيَدِهِ غُلَام ٌفَقَالَ رَجُلٌ: كَاَن لِي وَأعتَقُتُهُ وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ .. فَالمَذهَبُ: انتِزَاعَهُ وَمَصِيُرهُ حُرًا
ــ
الضمان، ولا يقع الطلاق كما لو قال: إن ولدت فأنت طالق، فأقامت أربع نسوة على الولادة .. ثبتت الولادة والنسب ولا تطلق.
فإن كان الغصب قد قضى فيه القاضي برجل وامرأتين، فقال المدعى عليه: إن كنت غصبته فزوجتي طالق .. فقال ابن سريج -ووافقه الأصحاب-: يقع الطلاق؛ صومًا للحكم عن النقض، وقال الجويني: لا يقع.
قال: (ولو كان بيده أمة وولدها فقال رجل: هذه مستولدتي علقت بهذا في ملكي وحلف مع شاهد .. ثبت الاستيلاد)؛ لأن المستولدة ومنافعها ملك السيد، فهي كسائر الأموال الثابتة بالحجة الناقصة، فتسلم إليه وتعتق بإقراره لا بالشاهد واليمين، وفيه وجه: أنه بهما.
قال: (لا نسب الولد وحريته في الأظهر)؛ لأنهما لا يثبتان بهذه الحجة فيبقى الولد في يد صاحب اليد.
والثاني: يثبتان تبعًا لها، فينزع الولد ويكون حرًا نسبيًا بإقرار المدعي.
ولم يصرح في (المحور (بالنسب وإنما قال: وهل يحكم له بالولد وينزع من يد المدعى عليه؟ قولان: أشبههما: المنع.
قال: (ولو كان بيده غلام فقال رجل: كان لي وأعتقته وحلف مع شاهد .. فالمذهب: انتزاعه ومصيره حرًا) أي: بإقراره، وأن يضمن استحقاق الولاء؛ لأنه تابع، وهذا ما نص عليه، واحتج به المزني لمقابل الأظهر فيما سبق، ومن الأصحاب من خرج هنا قولًا من المسألة قبلها؛ لأنها شهادة تملك فتقدم.
ومنهم من قطع بالنص، وفرق بأن المدعي ها يدعي ملكًا، وحجته تصلح لإثباته، والعتق يترتب عليه بإقراره، وفي صورة الاستيلاد إنما قدمت الحجة على ملك الأم، لا جرم أثبتناه ورتبنا عليه العتق إذا جاء وقته بإقراره، وأما الولد .. فقضية
وِلِوِ ادَّعَت وَرَثَةٌ مَالًا لِمُورِّوثِهِم وَأَقامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ بَعضُهُم .. أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلا يُشَارِكَهُ فِيهِ. وَيبَطُلُ حَقُ مَن لَم يَحلِف بِنُكُولِهِ إِن حَضَرَ وَهُوَ كَامِلٌ، فَإِن كانَ غَائِبًا أَو صَبِيًا أو مَجنُونًا .. فاَلمَذهَبُ: أنَّهُ لَا يَقبِضُ نَصِيبَهُ، فَإِذَا زَالَ عُذرُهُ .. حَلَفَ وَأَخَذَ بِغَيرِ إِعَادَةِ شَهَادَةٍ
ــ
الدعوى في الحجة كونه حر الأصل نسبيًا، والحرية لا يثبتان بهذه الحجة فافترقا.
قال: (ولو ادعت ورثة مالا لموروثهم وأقاموا شاهدًا) أي: بالمال (وحلف معه بعضهم .. أخذ نصيبه ولا يشاركه فيه) أي: من لم يحلف، كذا نص عليه.
ونص في (كتاب الصلح) أنهما لو ادعيا دارًا إرثًا وصدق المدعى عليه أحدهما في نصيب .. يشاركه المكذب، فخرج بعضهم من الصلح هنا قولًا: إن ما أخذه الحالف يشاركه فيه من لم يحلف؛ لأن الإرث ثبت على الشيوع.
وقطع الجماهير بأنه لا شركة هنا كما نص عليه، وفرقوا بأن الثبوت هنا بشاهد ويمين، فلو أثبتنا الشركة .. لملكنا الناكل بيمين غيره، وهناك ثبت بإقرار المدعي، ثم رتب عليه إقرار المصدق بأنه إرث، وعلى المنصوص: تقضى من نصيب الحالف حصته من الدين لا جميعه.
قال: (ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل) ، حتى لو مات .. لم يكن لوارثه أن يحلف، كذا ذكره الإمام والغزالي، وبه جزم القاضيان الحسين والماوردي.
قال: (فإن كان غائبًا أو صبيًا أو مجنونًا .. فالمذهب: أنه لا يقبض نصيبه) ، نص الشافعي في المجنون أنه يوقف نصيبه، قال الجمهور: مراده أنا نمتنع من الحكم في نصيبه، ونتوقف حتى يفيق فيحلف أو ينكل، ولا يؤخذ نصيبه.
وقيل: مراده أنه يؤخذ نصيبه ويوقف، والصبي والغائب كالمجنون.
وتعبيره ب (المذهب) مخالف لتعبيره في (الروضة (ب (الصحيح (.
قال: (فإذا زال عذره) بأن حضر الغائب وبلغ الصبي وأفاق المجنون (.. حلف وأخذ بغير إعادة شهادة)؛ لأن الشهادة تثبت في حق البعض، فتثبت في حق الجميع وإن لم تصدر الدعوى منهم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا بخلاف ما إذا أوصى لشخصين فحلف أحدهما مع شاهد والثاني غائب، فإذا عاد .. فلا بد من إعادة الشهادة؛ لأن ملكه منفصل، بخلاف حقوق الورثة؛ فإنها إنما تثبت أولا لحق شخص واحد وهو الميت.
وما جزم به من عدم الإعادة محله إذا لم يتغير حال الشاهد بما يقتضي رد شهادته، فإن تغير .. فوجهان في (الشرح (و (الروضة (من غير ترجيح.
والأقوى: منع الحلف؛ لاتصال الحكم في حق الحالف فقط، ولهذا لو رجع الشاهد .. لم يكن له أن يحلف.
وينبغي أن يكون هذا فيما إذا ادعى الأول بجميع الحق، فإن ادعى بقدر حصته .. فلا بد من الإعادة جزمًا.
فرعان:
أحدهما: أقام بعضهم شاهدين، فثبت المدعى كله، فإذا حضر الغائب زكمل غير المكلف .. أخذ نصيبه بلا دعوى ولا بينة.
ويقبض القاضي نصيب الصبي والمجنون عينًا كان أو دينًا.
وأما نصيب الغائب، فإن كان عينًا .. قبضها حتمًا، وإن كان دينًا .. ففي وجوب قبضه وجهان جاريان فيمن أقر لغيره بدين وحمله إلى القاضي، والأصح فيهما: عدم الوجوب.
الثاني: قال السرخسي: من حلف على دين أو عين للميت .. يحلف على الجميع لا على حصته فقط، سواء حلف كلهم أو بعضهم، وكذا الغريم والموصى له إذا قلنا: يحلفان، قال الرافعي: وفي كلام غيره ما يشعر بخلافه.
والمراد: إذا امتنع جميع الورثو عن الحلف وعلى الميت دين .. فهل للغريم أن يحلف؟ فيه قولان: الجديد: المنع، وأجريا فيما لو كان قد أوصى لإنسان بشيء ولم يحلف الورثة هل يحلف الموصى له؟
فإن كانت الوصية بعين وادعاها في يد أجنبي .. فلا ينبغي أن يكون موضع خلاف، ويقطع بالجواز.
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعلٍ كَزِنًا وَغَصْبٍ وَإتْلَافٍ وَوِلَادَةٍ إِلا بِالإبْصَارِ، وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَم، وَالأَقْوَالُ كَعَقْدٍ يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا،
ــ
قال: (ولا تجوز شهادة على فعل كزنًا وغصب وإتلاف وولادة إلا بالإبصار) أي:
لها ولفاعلها، لأنه يصل به إلى العلم من أقصى جهاته، ولا يكفي السماع، لأن الأصل فى الشهادة البناء على العلم واليقين، قال الله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، وقال: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
وتقدم في أول الباب حديث: (على مثل هذا فاشهد أو دع (إلا أن فى الحقوق ما اكتفى فيه بالظن المؤكد، لتعذر اليقين فيه وتدعو الحاجة إلى إثباته كالملك، فإنه لا سبيل إلى معرفته يقينًا، وكذلك العدالة والإعمار.
وقسم الشافعى والأصحاب المشهود به ثلاثة أقسام: ما يتوقف على البصر خاصة، وما يتوقف على السمع دون البصر، وما يتوقف عليهما معًا، وهو لا ينحصر فى ذلك، فإن الشهادة تجوز بما علم بباقى الحواس الخمس.
فأما الذي يكفي فيه البصر دون السمع .. فالأفعال كالزنا والشرب والقتل والغصب والإتلاف والولادة والرضاع والاصطياد، فتشترط فيه الرؤية لها ولفاعلها، لأنها مشتقة من المشاهدة التى هى أقوى الحواس إدراكًا، فلم يجز أن يشهد إلا بأقوى أسباب العلم إدراكًا، ويجوز تعمد النظر إلى ما تحت الثياب للتحمل على ظاهر النص، لأن الزانيين هتكا حرمة أنفسهما.
وقيل: عكسه: لأن الزنا مندوب إلى ستره، وحقوق الله تعالى مبنية على المساهلة.
ولو وقعت فى يد امرأة أكلة .. جاز للرجل أن يراها ويداويها.
ولا خلاف أنه يتعمد النظر إلى الوجه عند تحمل الشهادة لها وعليها، وكذا عند الأداء إن كان لا يعرفها، ليضبط حلاها، إلا أن يخاف الفتنة فلا ينظر، ويكف نفسه عن الشهادة إلا أن تكون متعينة فينظر ويضبط نفسه.
قال: (وتقبل من أصم) لحصول العلم له بالمشاهدة.
قال: (والأقوال كعقد يشترط سمعها وإبصار قائلها) فلابد من مشاهدة المقر أو
وَلَا يُقْبَلُ أَعْمَىَ إِلا أَنْ يُقِر فِى أُذُنِهِ فَيَتَعَلقَ بِهِ حَتى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضِ بِهِ عَلَى الصحِيحِ، وَلَوْ حَمَلَهَا بَصِير ثُم عَمِىَ .. شَهِدَ إِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُفَىِ الإِسْمِ وَالنسَبِ ......
ــ
العاقد حال تلفظه ببصره أو سماعه ما يتلفظ به، حتى لو نطق به من وراء حجاب وهو يتحققه .. لم يكف، لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس لا يجوز أن يعمل فيه بالظن، لجواز إشتباه الاصوات، وقد يحاكى الانسان صوت غيره فيتشبه به.
قال الماوردي: ولو حال بينهما ثوب خفيف يشف .. ففي جواز الشهادة وجهان، ومقتضى ما صححه الرافعى في نقاب المرأة الجواز.
ويوجد فى بعض النسخ ههنا: (كعقد وإقرار وطلاق) ، وليس ذلك فى أصل المصنف، لكن فيه كشط، وفى (المحرر (: كالنكاح والبيع وسائر العقود.
قال: (ولا يقبل أعمى) ، لإنسداد طريق المعرفة عليه مع إشتباه الاصوات.
وقال مالك وأحمد: إذا عرف صوت شخص وتحققه .. جاز له الشهادة عليه، كما يجوز له أن يطأ زوجته إعتمادًا على حسها.
والجواب: أن وطء الزوجة أخف، فإنه أبيح إعتمادًا على اللمس، أو بقول إمرأة واحدة إذا زفتها إليه، ولا تجوز الشهادة بمثل ذلك، لأنها فى حكم الولاية.
والوجه المتقدم فى قضاء الاعمى جاز هنا.
قال: (إلا أن يقر فى أذنه فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح) ، لحصول العلم بأنه المشهود عليه، فإن كان بمال .. فلابد أن يكون المشهود له معروف الاسم والنسب.
والثاني – وبه قال أبو حنيفة:- لا يقبل، لجواز أن يكون المقر غيره، وحسمًا للباب.
وقوله: (على الصحيح) يصح عودة إلى المستثنى على حدته، وإلى المستثنى منه على حدته، ففي كل وجهان، ويصح عوده إليهما جميعًا، وهو الاولى.
قال: (ولو حملها بصير ثم عمى .. شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب) ، لحصول العلم.
وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ: فَإِنْ عَرَفَ عِينَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ .. شَهِدَ عَلَيْهِ فِى حُضُورِهِ إِشَارَةٌ، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ باسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَإِنْ جَهِلَهُمَا .. لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَته
ــ
وكذا لو عمى ويد المقر فى يده فشهد عليه ..
وتقبل شهادته فيما شهد فيه بالإستفاضة كالموت والنسب والملك على الأصح، بشرط أن لا يحتاج إلى تعيين وإشارة بأن يكون الرجل مشهورًا بأسمه وصفته.
والثاني: لا تقبل، وقال الروياني: فإنه يصح عند عامة الاصحاب، وعليه يدل النص، وقال القاضى أبو الطيب: مراد الأصحاب بقبولها إذا سمع ذلك مرارًا وتكرارًا من قوم مختلفين من أزمان مختلفة، حتى صار بحيث لا شك فيه كالتواتر عنده.
ولا تجوز له الشهادة إلا على هذا الوجه، وهو إشارة إلى أن الأستفاضة فى حق الأعمى لا تحصل إلا بذلك وإن كانت تحصل فى حق البصير بعدلين، والأصح: أنه تقبل أيضًا فى الترجمة كما تقدم فى (كتاب القاضي).
وأما رواية ما تحمله قبل العمى .. فتصح قطعًا، وفى الذى سمعه فى زمن عماه وجهان:
أصحهما عند الإمام والغزالى فى كتبه الفقهية: لا تقبل.
وأصحهما عند الجمهور: القبول.
قال: (ومن سمع قول شخص أو رأى فعله: فإن عرف عينه واسمه ونسبه .. شهد عليه فى حضوره إشارة، وعند غيبته وموته بإسمه ونسبه) ، لحصول التمييز بذلك.
قال: (فإن جهلهما) أي: اسمه ونسبه (.. لم يشهد عند موته وغيبته) ، لعدم العلم، بخلاف ما إذا كان حاضرًا .. فإنه يشهد على عينه بالإشارة.
فإن مات .. أحضر ليشهد على عينه، فإن دفن .. فقد تعذرت الشهادة عليه.
وعبارته تفهم أن لو جهل أحدهما وعرف الاخر .. شهد، والمعروف أن ذلك لا يجوز، وكما لا يؤدى لا يتحمل.
قال إبن أبى الدم: وأما شهادة الشاهد على من لا يعرفه اعتمادا على حليته وصفته
وَلَا يَصِحُ تَحَمُلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقبَةٍ إعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا، فِإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ .. جَازَ، ......
ــ
كما يفعله كثير من جهلة الشهود، حتى إنهم يؤدونها على المشهود عليه فى غيبته أو موته .. فهذا لا يجوز قولًا واحدًا، ولا أعرف فيه خلافًا.
نعم، يستثنى من إطلاقه ما إذا جهلها ثم سمع الناس من بعد يقولون: إنه فلان ابن فلان، واستفاض عنده ذلك .. فله أن يشهد في غيبته على اسمه ونسبه كما لو عرفها عند التحمل، حكاه الرافعي عن الأصحاب.
وقد يدخل هذا في قوله أولًا: (عرفهما) وتعتمد في النسب معرفته أو الاستفاضة.
وليس له اعتماد قول المشهود عليه: إنه فلان بن فلان كما يفعله شهود الزمان، بل يكتب حذر من ذكر أن اسمه فلان واسم ابيه فلان.
وقد سئل القفال: هل يجوز أن يكتب فلان بن فلان وإن حلاه؟ فقال: لا يجوز، لأنه كذب، بل يكتب: جاءني رجل حليته كذا، وذكر أنه فلان بن فلان.
قال: ولو أخبره ألف رجل أنه فلان بن فلان .. لا يجوز أن يشهد بذلك إلا أن يسمعه من الناس بحيث يستفيض عنده.
قال: (ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة إعتمادًا على صوتها) ، كما لا يتحمل الأعمى والبصير فى الظلمة إعتمادًا عليه، لأن الاصوات تتشابه.
وعلم منه الامتناع فيما إذا لم يسمع صوتها ولم يرها من باب أولى، لكن تستثنى من إطلاقه مسألتان:
إحداهما: إذا كان النقاب رقيقًا فيجوز التحمل على الأصح كما تقدم، لأنه لا يمنع المشاهدة.
والثانية: إذا تحقق صوتها من وراء النقاب الكثيف ولازمها حتى أدعى على عينها،، فإنه يصح التحمل كنظيره من الاعمى.
وقد أشار إليه الرافعي بحثًا، قال في (المطلب (: ولا إشكال فيه.
قال: (فإن عرفها بعينها أو بإسم أو نسب .. جاز) أي: التحمل، ولا يضر النقاب، بل لا يجوز كشف الوجه حينئذ كما قال صاحب (الحاوى (و (العدة (وغيرهما.
وَيَشْهَدُ عِنْدَ الأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ التَحَملُ عَليْهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَالعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ. وَلَوْ قَامَتْ بَيْنَهٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَق فَطَلَبَ المُدعِىِ التَسْجِيل .. سَجلَ القَاضِىِ بِالحِليَة لَا بِالإِسْمِ وَالنَسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا
ــ
(قال): (ويشهد عند الأداء بما يعلم) فإذا لم يعرف شيئًا منها .. فلتكشف وجهها ليراها ويظبط حليتها، وتكشفه أيضًا عند الأداء.
ويجوز إستيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور.
وقال الماوردى: الصحيح: أنه ينظر إلى ما يعرفها به، فإن عرفها بالنظر إلى بعضه .. لم يتجاوزه، ولا يزيد على مرة إلا أن يحتاج إلى التكرار.
قال: (ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين على الاشهر) وهو الذى أورده الأكثرون بناء على المذهب في أن التسامع لابد فيه من جماعة يؤمن تواطؤهم على الكذب.
قال: (والعمل على خلافه) فيجوز التحمل عليها بذلك سلوكًا به مسلك الأخبار.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا سمع من عدلين أنها فلانة بنت فلان. جاز التحمل، ويشهد على إسمها ونسبها عند الغيبة.
وقال الشيخ عز الدين في (الفتاوى الموصلية (: إنه المختار، لمسيس الحاجة.
وتوسع الإصطخرى فقال: له إعتماد ولدها الصغير إذا قال له وهى فى نسوة: من أمك؟ فأشار إليها، وأدعي ابن كج أنه أشد وقعًا فى القلب وأثبت، فلو أقرت متنقبة فأمسكها الشاهد وأتى بها إلى الحاكم فقال: هذه أقرت بكذا .. ففيه ما تقدم فى شهادة الأعمى على مثل ذلك.
قال: (ولو قامت ببنة على عينه بحق فطلب المدعى التسجيل .. سجل القاضى بالحلية لا بالإسم والنسب ما لم يثبتا) ، لتعذر التسجيل على العين، فيكتب: حضر رجل ذكر أنه فلان، بن فلان ومن حليته كيت وكيت.
ولا يكفى فى الاسم والنسب قول المدعى، ولا إقرار المدعى عليه، فإن نسبه لا يثبت بإقراره، فلو قامت بينة بنسبه على وجه الحسبة .. أثبته على الأصح.
وَلَهُ الشَهَادَةُ بِالتَسَامُعِ عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، وَكَذَا أُم فِىِ الأَصَحُ
ــ
ولم يتعرض المصنف لكيفية التحلية، وهي ذكر ما دل على المحلى من أوصافه الظاهرة كالطول والقصر ، والبياض والسواد والسمرة والهزال، والكلام كاللثغة والفأفأة والتمتمة والسرعة، وعجلة اللسان وثقله.
وما في العين من الكحل والشهلة.
وما في الشعر من جعوده وسبوطه وبياض وسواد.
وبما فى الفم من الأسنان دون الأضراس.
ويجوز بالجراح والشجاج والآثار اللازمة ولا يجوز باللباس ونحوه.
قال: (وله الشهادة بالتسامع على نسب) بالإجماع، لأن نسبه لا يدرك بالبصر، وغاية الممكن رؤية الولادة على الفراش، فأكتفي فيه بالاستفاضة للحاجة، ويجوز ذلك وإن لم يعرف عين المنسوب إليه، حكاه في (الكفاية) عن (الإشراف).
كل هذا إن لم تكن ريبة، فإن كانت بأن كان المنسوب إليه حيًا فأنكر .. لم تجز الشهادة، فإن كان مجنونًا .. جازت على الصحيح، فإن طعن بعض الناس فى ذلك النسب .. امتنعت الشهادة على الأصح.
والفرق بين الخبر المستفيض والمتواتر قد يلتبس، وبسببه أعترض على ابن الرفعة هنا.
فالمتواتر: الخبر الذي بلغت رواته مبلغًا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، والمستفيض: الذي لا ينتهي إلى ذلك، بل أفاد الأمن من التواطؤ على الكذب، والأمن معناه: الوثوق، وذلك بالظن المؤكد.
قال: (من أب أو قبيلة) هذا من تفصيل (المنهاج) وهو حسن، والذي في (المحرر) إطلاق النسب.
قال: (وكذا أم في الأصح) كالأب.
والثاني: لا، لإمكان رؤية الولادة.
وأطلق الأكثرون الوجهين بلا ترجيح حتى في (الشرحين) و (الروضة) وقضية
وَمَوْتٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا عِتْقٌ وَوَلَاءُ وَوَقْفٌ وَنِكَاحٌ وَمِلْكٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالأَكْثَرِينَ فِي الْجَمِيعِ: الْجِوِازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
كلام القفال وغيره أن يكون الأصح هنا عدم الجواز، وشذ في (الوسيط) فنقل طريقة قاطعة بالجواز.
قال: (وموت على المذهب) كالنسب، ولأن أسبابه منها ما يخفى ومنها ما يظهر، والاطلاع عليها قد يعسر، فجاز أن يعتمد فيها على الاستفاضة.
والطريق الثاني: أنه على الخلاف في الولاء وما في معناه؛ لأنه تمكن فيه المعاينة.
قال: (لا عتق وولاء ووقف ونكاح وملك في الأصح)؛ لأن مشاهدته أسبابها متيسرة.
وقال في (المهمات): إن هذا هو الصواب المنصوص.
قال: (قلت الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع: الجواز والله أعلم)؛ لأن هذه الأمور إذا طالت مدتها .. عسر إقامة البينة عليها، والحاجة ماسة إلى إثباتها بالتسامع، فلا يشك أحد أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فاطمة زوجة علي رضي الله عنهما، والمستند الاستفاضة.
وفي الحديث: (الولاء لحمة كلحمة النسب).
وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، ومن أصحابنا ابن القاص وابن أبي هريرة والطبري، ورجحه ابن الصباغ، وقال في (العدة): إن الفتوى عليه للحاجة.
وقول المصنف: (إن الأكثرين عليه) صحيح في الملك ممنوع في الباقي.
وقد نص الشافعي والأصحاب في أن الحاكم يستحب له أن يجدد كتب الأوقاف مهما خاف انقراض الأصل.
وأفهم إطلاقه أنه لا فرق في الوقف بين ما على الجهة العامة وعلى معين.
وخص أبو محمد الخلاف بالعامية، وقطع في المعين بالمنع، قال الإمام: وهذا لا أعتد به.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال في (البسيط): إن المحققين على عدم الفرق، ومال ابن الرفعة إلى قول أبي محمد.
وصورة الاستفاضة بالملك: أن يشتهر أنه ملكه من غير إضافة إلى سبب، فإن كان المستفيض سبب الملك كبيع ونحوه .. لم يتحمل عنه؛ لإمكان مشاهدته، اللهم إلا أن يكون ميراثًا .. فيجوز؛ لأن الميراث يستحق بالنسب والموت، وكل منهما يثبت بالاستضافة، قاله الماوردي والروياني وابن الصباغ.
وموضع الخلاف في الملك بمجرد الاستضافة، فإن انضم إليها اليد والتصرف .. جازت قطعًا.
والذي صححه المصنف في الملك مخالف لما رجحه في (الروضة)؛ فإنه قال: فيه وجهان: أقربهما لإطلاق الأكثرين: الجواز، والظاهر: أنه لا يجوز، وهو محكي عن نص حرملة وجماعة.
تنبيهات:
أحدهما: الذي صححوه من ثبوت الوقف بالاستفاضة هو في أصله، أما شروطه وتفاصيله .. فأفتى المصنف بأنها لا تثبت بالاستفاضة، بل إن كان وقفًا على جماعة معينين أو جهات متعددة .. قسمت الغلة بينهم بالسوية.
وإن كان على مدرسة مثلًا وتعذرت معرفة الشروط .. صرف الناظر الغلة فيما يرى من مصالحها.
وهذا مخالف لفتوى شيخه ابن الصلاح؛ فإنه قال: الشروط إذا شهد بها مفردة .. لا تثبت بالاستفاضة، وإن ذكرها في شهادته في أصل الوقف .. سمعت؛ لأن حاصلها يرجع إلى كيفية الوقف وذلك مسموع، ووافقه الشيخ برهان الدين بن الفركاح.
والذي أفتى به المصنف هو المنقول كما قاله ابن سراقة في كتاب (أدب الشاهد).
وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن الشهادة بالاستفاضة لا تثبت بها حدود
وَشَرْطُ التَّسَامُعِ: سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ،
ــ
الوقف، ذكر ذلك في إسجاله على تركة الجيش وفيه: ولم تثبت حدودها؛ لأن الحدود لا تثبت بالاستفاضة، وهو كلام صحيح، وإذا ثبت النكاح بالاستفاضة .. لا يثبت الصداق، بل يرجع إلى مهر المثل. الثاني: شهد جماعة أن النظر في الوقف الفلاني لزيد، لم يزيدوا على ذلك، ولم يكونوا شهدوا على الواقف، ولا قالوا: إن مستندنا الاستفاضة، وسئلوا عن مستندهم فلم يبدوه، بل صمموا على الشهادة؟ أجاب ابن الصلاح بأن هذا محمول على استنادهم إلى الاستفاضة، والشروط لا تثبت بذلك كما تقدم.
الثالث: مما يثبت بالاستفاضة ولا ية القضاء والجرح والتعديل، وذكرهما المصنف في موضعها، والشهادة بالإعسار عن الإمام، وكذا بالرشد كما أفتى به ابن الصلاح، وعلى أن فلانًا وارث فلان أو لا وارث له غيره، نص عليه في (البويطي)، وعلى الغضب، قاله الماوردي في (الأحكام).
قال: (وشرط التسامع: سماعه من جميع يؤمن تواطؤهم على الكذب)؛ لأن ذلك يغلب على الظن الصدق، وعبارة (الشرح) و (الروضة): جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم، ويؤمن تواطؤهم، قال: وينبغي أن لا تشترط فيهم العدالة ولا الحرية والذكورة.
وفي وجه: يكفي عدل واحد إذا سكن القلب إليه، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا.
قال: (وقيل: يكفي من عدلين)؛ لأن الحاكم يعتمد قولهما.
وحكى شريح وجهًا: أن الشهادة بالملك أقل ما يكتفي فيها بأربعة، ووجهًا آخر: أنه لابد من الزيادة على أربعة.
وَلَا تَجُوزُ الشَّهّادّةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ، وَلَا بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَتَجُوزُ فِي طَوِيلَةٍ فِي الأَصَحِّ،
ــ
وحكى الرافعي في (قسم الصدقات) وجهًا: أن أقل درجات الاستفاضة ثلاثة؛ للخبر: (حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجى من قومه).
ونقل ابن كج وجهين في أنه هل يشترط أن يقع في قلب السامع صدق المخبرين؟
تنبيه:
لا يشترط عند الأداء التصريح بالاستضافة، بل لو صرح بها .. قال ابن أبي الدم: الصح: لا تقبل.
لكن ذكر الرافعي في الجرح إذا جازت الشهادة فيه بالاستضافة .. أن الشاهد يبين ذلك فيقول: سمعت الناس يقولون فيه كذا.
وذكر في الشهادات بالملك أنه لا يجوز الشهادة فيه بالاستصحاب، فلو بين ذلك فقال: أشهد له بالملك استصحابًا .. قطع القاضي بالقبول، والغزالي بالمنع، وهذا شاهد للخلاف الذي ذكره ابن أبي الدم، وصحح الشاشي وابن الصلاح جواز الشهادة بالعدالة بالاستفاضة.
قال: (ولا تجوز الشهادة على ملك بمجرد يد)؛ لأن اليد لا تستلزم الملك، فقد يكون مستأجرًا أو مستعيرًا.
وفي قول بعيد: يشهد بمجرد ذلك؛ لأن الظاهر من اليد الملك.
قال: (ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة) كاليد المجردة، ويجوز أن يشهد له باليد.
قال: (وتجوز في طويلة في الأصح)؛ لأن امتداد المدة والتصرف من غير منازع يغلب على الظن الملك.
وَشَرْطُهُ: تَصَرُّفُ مُلَاّكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمِ وّبِنَاءٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ، وَتُبْنى شَهَادَةُ الإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنِ وَمَخَائِلِ الْضُّرِّ وَالإِضًاقَةِ
ــ
والثاني: المنع؛ لأن الغاصب والوكيل أصحاب يد وتصرف، لكن يشترط في هذا أن لا يعرف له منازع.
وقيل: لا يمنع بمنازعة من لا حجة له.
وضابط طولها: العرف، وقيل: أقلها سنة، وقيل: شهران، وقيل: فوقهما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عشرة أيام، وقيل: ما زاد على ثلاثة أيام، حكاها في (الكفاية).
فإذا رأى صغيرًا في يد إنسان يستخدمه وهو يقول: هذا مولاي، وهو يدعوه كالأرقاء .. فالأصح في (الروضة) في (باب اللقيط): أنه يشهد أنه عبده.
وهذا بخلاف ما لو رأى صغيرة في يد إنسان يدعي نكاحها فبلغت وأنكرت .. فإنها تصدق، والأصح: أنه لا يحكم عليا بالنكاح في صغرها.
والفرق أن اليد في الجملة دالة على الملك، ويجوز أن يولد وهو مملوك ولا يجوز أن تولد وهي منكوحة، فلما كان النكاح طارئًا .. افتقر إلى بينة.
واستثنى ابن سراقة في (التلقين) الدراهم والدنانير والثياب والحبوب ونحوها مما يتماثل، قال: فلا تجوز الشهادة فيها بالملك ولا باليد، إلا أن يكون ثوبًا منقطع النظير، أو عليه علامة يتميز بها، وموضع الخلاف إذا لم ينضم إليها تسامع، فإن انضم إليها .. أفاد الملك قطعًا.
قال: (وشرطه: تصرف ملاك من سكنى وهدم وبناء وبيع ورهن)؛ لأن هذه الأمور ظاهرة في إثبات الملك.
ووجه المنع: أنها قد تصدر ممن استأجر مدة طويلة ومن الموصى له بالمنفعة.
قال الرافعي: وليجر هذا في الرهن؛ لأنه قد يصدر من المستعير.
ودخل في إطلاقه (البيع) الإجازة؛ فإنها بيع منفعة.
قال: (وتبنى شهادة الإعسار على قرائن ومخائل الضر وافضافة) وذلك بأن يرى
فَصْلٌ:
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَا إِقْرَارٌ وَتَصَرُّفٌ مَالِيٌ وَكِتَابَةُ صَكِّ فِي الأَصَحِّ
ــ
فى خلوته؛ لأنه مما يعسر الاطلاع عليه، وقد تقدم في (باب الإعسار) أن شرط شاهده: خبرة باطنة، بخلاف الشهادة بالملك؛ فإنه يكتفى فيها بأسباب ظاهرة.
و (الإضاقة) مصدر أضاق؛ أي: ذهب ماله، قاله الجوهري.
ولو كان المراد هنا الفقر وسوء الحال .. لأتى بالضيق؛ فإنه مصدر لذلك.
تتمة:
لا يثبت الدين بالاستفاضة على الأصح، وما جازت الشهادة فيه اعتمادًا على الاستفاضة .. جاز الحلف عليه اعتمادًا عليها، بل أولى؛ لأنه يجوز الحلف على خط الأب دون الشهادة.
قال: (فصل: تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح)؛ لقوله تعالى:
{وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُو} ، ولأن النكاح مهم ديني يتوقف انعقاده عليه، فلو امتنع الجميع .. أثموا، وإذا طلب من اثنين وهناك غيرهما .. لم يعينا، بخلاف ما إذا تحمل جماعة وطلب من اثنين منهما الداء.
وأشار بـ (النكاح) إلى كل ما يجب فيه الإشهاد كالرجعة إن أوجبناه فيها، والتوكيل في البيع المشروط فيه الإشهاد ونحوه.
قال: (وكذا إقرار وتصرف مالي وكتابة صك في الأصح)؛ للحاجة إلى جميع ذلك، ولأن لكتابة الصكوك أثرًا في التذكر.
ويقابل الأصح في الجميع الاستحباب؛ لأن استيفاء المقاصد لا يتوقف على ذلك، ثم إذا قلنا بالافتراض فيهما .. فذلك إذا حضره المتحمل له، أما إذا دعي للتحمل .. فلا تجب الإجابة في الأصح، إلا أن يكون المحتمل له معذورًا بمرض أو حبس، أو كانت مخدرة إذا أثبتنا للتخدر أثرًا.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إِلَاّ اثْنَانِ .. لَزِمَهُمَا الأَدَاءُ،
ــ
وكذا لو دعاه القاضي ليشهد على أمر يثبت عنده .. لزمه الإجابة.
واستثني الماوردي من وجوب التحمل الحدودَ؛ فإنها تدرأ بالشبهات، وأداؤها واجب إن ترتب على تركها حد على غير الشاهد، مثل أن لا يكمل النصاب إلا به، فإن كمل وقد ندم الفاعل .. لم يجب.
ثم الذي أطلقه من كتابه الصك المراد به في الجملة، وإلا .. فقد تقدم أن الخصم إذ طلب من القاضي كتابًا بما ثبت عنده أو حكم به .. أنه لا يجب على الصحيح، على أن الشاهد لا تلزمه كتابة الصك ورسم الشهادة إلا بأجرة، وأجرة رسم الشهادة ليست داخلة في أجرة التحمل، وللشاهد إذا كتب الصك أن يجبسه عنده للأجرة كقصارة الثواب، وهذه المسألة سبقت في (السير) فهي مكررة.
و (الصك) فارسي معرب، والجمع: أصك وصكاك وصكوك، قاله الجوهري وغيره.
فرعان:
أحدهما: الأصح: جواز أخذ الأجرة على التحمل دون الداء، سواء تعينا أم لا.
ولأخذ الأجرة شرط ذكره الشيخ عز الدين فقال: لا يجوز أخذها على شهادة يبعد تذكرها ومعرفة الخصمين فيها؛ لأن معطي الأجرة إنما يبذلها على تقدير الانتفاع بها عند الحاجة إليها، وله أخذ أجرة الركوب وإن لم يركب كما جزم به في (الحاوي الصغير (تبعًا لإطلاق (الوجيز).
الثاني: للسلف خلاف في جواز أخذ الأجرة على رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع من ذلك جماعة منهم: الإمام أحمد وإسحاق، وأجازها آخرون، وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بالجواز لمن امتنع عليه الكسب لعياله بالتحديث دون غيره.
قال: (وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان .. لزمهما الداء) كما لو لم يتحملها إلا هما، أو مات غيرهما أو قام به مانع؛ لقوله تعالي:{وَلَا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}
فَلَوْ أَدَّى وَاحِدٌ وَامْتَنَعَ الآخَرُ وَقَالَ: احْلِفْ مَعَهُ .. عَصَى. وَإِنْ كَانَ شُهُودٌ .. فَالأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ طَلَبَ مِنَ اثْنَيْنِ .. لَزِمَهُمَا فِي الأَصَحِّ، فّإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَاّ وَاحِدٌ .. لَزِمَهُ إِنْ كَانَ فِيمَا يثبتُ بَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِلَاّ .. فَلَا،
ــ
أي: للتحمل والأداء، قاله الحسن البصري، أو للأداء كما قاله مجاهد، أو للتحمل كما قاله ابن عباس.
والأصل في وجوب الأداء: قوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} .
قال الماوردي: والاختيار أن يكون عدد الشهود ثمانية: اثنان يموتان، واثنان يمرضان، واثنان يغيبان، واثنان يحضران للأداء.
قال: (فلو أدى واحد وامتنع الآخر وقال: احلف معه .. عصى)؛ لأن من مقاصد الشهادة التورع عن اليمين، وكذا الشاهدان على رد الوديعة إذا امتنعا وقالا للمودع: احلف على ردها.
قال: (وإن كان) أي: في الواقعة (شهود .. فالأداء فرض كفاية)؛ لأن الغرض يحصل بالبعض، فأشبه رد السلام وغيره من فروض الكفايات، فإن قام به اثنان منهم .. سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنعوا كلهم .. أثموا، سواء طلبهم مجتمعين أو متفرقين، والمدعو أولًا أعظمهم إثمًا؛ لأنه متبوع في الامتناع، كما لو أجاب أولًا .. فإنه يكون أكثرهم أجرًا.
قال: (فلو طلب) أي: المدعي الأداء (من اثنين .. لومهما في الأصح)؛ لأن ترك ذلك يؤدي إلى التواكل، بخلاف التحمل.
والثاني: لا يلزمهما كالتحمل.
والأول فُرِّق بأنه هنا يطلب لأداء أمانة تحملها، وهناك يطلب منه تحمل أمانة.
قال الإمام: وموضع الوجهين إذا لم يعلما إباء الباقين، فإن علماه .. وجب قطعًا، والخلاف جار فيما إذا طلب من واحد أيضًا كما نقله في (المطلب).
قال: (فإن لم يكن إلا واحد .. لزمه إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين، وإلا فلا)؛ لأن المقصود لا يحصل إلا به، فإن كان الحاكم يرى ذلك .. وجب عليه الأداء
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الأّدّاءُ إِلَاّ مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا. وَلِوُجُوبِ الأَدَاءِ شُرُوطٌ: أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، وَقِيلَ: دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ
ــ
على الأصح، وإن كان لا يراه .. لم يجب على الأصح، وإن كان الحق لا يثبت به .. لم يلزمه؛ لأنه لا يحصل به غرض.
وقيل: يلزمه؛ ليندفع عن المدعي بعض تهمة الكذب.
قال: (وقيل: لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدًا لا اتفاقًا)؛ لأنه لم يوجد منه التوأم، وإذا تحمل قصدًا .. كان ملتزمًا كضمان الأموال.
والأصح: أنه لا فرق؛ لأنها أمانة حصلت عنده فعليه الخروج عنها.
ويشبه أن يكون محل الخلاف في المال وحقوقه، فلو سمع إنسانًا طلق امرأته أو أعتق عبده ثم جحد ورام استفراشها أو بيعه .. فالوجه اللزوم، وكذا لو سمعه قد عفا عن قود استحقه ثم رام القصاص وجحد العفو.
قال: (ولوجوب الأداء شروط: أن يدعى من مسافة العدوى) وهي التي يتمكن المبكر إليها من الرجوع إلى موضعه في يومه، وهذا تفريغ على الصحيح في أن الشاهد يلزمه الحضور إلى القاضي للأداء منها.
وقيل: ليس عليه الأداء إلا إذا اتفق اجتماعه معه.
وقال الماوردي والروياني: لا يجب إلا إذا كان القاضي خارج البلد بعدت المسافة أو قرب، سواء كان ذا مركوب أم لا.
وإن كان في البدل؛ فإن كان صغيرًا .. لزمه الإجابة، وإن كان كبيرًا، فإن جرت عادته بالمشي في جميع أقطاره .. لزمته، وإلا .. فلا، إلا أن يكون ذا مركوب فيلزمه، فإن لم يكن له مركوب وأحضر إليه ما يركبه، فإن لم ينكر الناس ركوب مثله .. لزمته، وإن أنكروه .. لم يلزمه.
وظاهر قوله: (يدعى) أنه لا يجب ما لم يطلب، وهو كذلك في غير شهادة الحسبة، أما في الحسبة .. فالظاهر الوجوب مسارعة لإزالة المنكر، لا سيما إذا تعلق به عقد أو إثبات نسب وغير ذلك مما فيه خطر.
قال: (وقيل: دون مسافة القصر)؛ لأنه في حكم الحاضر، والخلاف يبني
وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنْ دُعِيَ ذُو فَسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، قِيلَ: أَوْ مخْتَلَفٍ فِيهِ .. لَمْ يَجِبْ. وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ .. أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُهَا
ــ
على أن الشهادة على الشهادة في مثلها هلى تقبل؟ والأصح: نعم.
وأفهم أنه لو دعى من مسافة القصر فأزيد .. لم يجب قطعًا للمشقة، وهو ظاهر إذا دعاه المستحق، فإن دعاه الحاكم وهو في عمله أو الإمام الأعظم .. تعين حضوره؛ فقد استحضر عمر الشهود من الكوفة إلى المدينة.
قال: (وأن يكون عدلًا، فإن دعي ذو فسق مجمع عليه، أو مختلف فيه .. لم يجب) أما في المجمع عليه .. فلأنه لا فائدة له، سواء كان ظاهرًا أو خفيًا، بل يحرم عليه أن يشهد، وأما المختلف فيه كشرب النبيذ .. فعليه أن يشهد وإن عهد من القاضي التفسيق به ورد الشهادة به؛ لأنه قد يتغير اجتهاده.
فلو كان أحد الشاهدين عدلًا والآخر فاسقًا فسقًا مجمعًا عليه .. فالصحيح: لا يلزم العدل الأداء إن كان الحق لا يثبت بشاهد ويمين.
قال: (وأن لا يكون معذورًا بمرض ونحوه) أي: مما ترك الجمعة به كمن خاف على ماله ولو ضمن له الداعي حفظه، وكذا إذادعاه في وقت يتعطل فيه عن كسبه، ولو بذل له قدر كسبه .. لم يلزمه قبوله.
قال: (فإن كان .. أشهد على شهادته، أو بعث القاضي من يسمعها) دفعًا للمشقة عنه، وكذا إذا كان يخاف من ظالم، ولو دعي في حر أو برد شديدين أو مطر .. لم يلزمه، ولا يرهق الشاهد الحضور، بل إن كان الصلاة أو أكل أو قضاء حاجة .. أمهل إلى أن يفرغ، ولا يمهل ثلاثة أيام على المشهور.
تتمة:
حيث لزم المرأة الإجابة .. لم يكن لزوجها منعها.
ولو دعي للأداء عند من يعلم هل يقبل أو لا .. لزمه الإجابة، ولو كان القاضي متعينً في قبول الشهادة .. فالأصح وجوب الإجابة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولو دعي للأداء عند أمير أو وزير .. فقال ابن القطان: لا تلزمه الإجابة، وقال ابن كج والماوردي والروياني: تلزمه إذا علم وصول الحق إلى ذي الحق بذلك.
قال المصنف: قول ابن كج أصح، وينبغي أن يحمل قول ابن كج على ما إذا لم يخلص إلا عند الأمير أو الوزير، وإليه يرشد قولهم: إذا علم أنه يصل به إلى الحق، فلو علم أن القاضي يقدر على تخليصه .. فلا وجه لإقامة الشهادة عند من ليس أهلًا لسماعها.
وقد جزم المصنف في (باب القضاء على الغائب) بأن سماع البينة يختص بالقضاة، والرافعي نقله عن (الوسيط) فقط، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا قبل (كتاب الردة) بورقة.
وإذا قال ذو الحق للشاهد: عفوت عن هذه الشهادة، ثم طلبها منه، لزمه أداؤها؛ لأنه حق الله تعالى لا يسقط بالإسقاط.
وإذا دعي الشاهد في وقت واحد إلى شهادتين بحقين متساويين .. تخير في إجابة من شاء منهما، فإن اختلف الحقان .. بدأ بأخوفهما فوتًا، فإن لم يخف .. تخير، ويحتمل الاقراع، قاله الشيخ عز الدين.
وإذا امتنع الشاهد من أداء الشهادة حياء من المشهود عليه .. عصى، ولا يجوز للقاضي قبول شهادته في شيء أصلًا حتى يتوب، قاله القاضي حسين.
ولو قال شخص للقاضي: لي عند فلان شهادة وهو ممتنع من أدائها بغير عذر فأحضره ليشهد .. لم يجبه القاضي؛ لأنه فاسق بزعمه.
وفي (الحاوي): لو امتنع من الأداء وقال: ليس الحاكم عندي مستحقًا للحكم لفسق أو جهل .. لزمه الأداء، وليس للشاهد اجتهاد في صحة التقليد وفساده.
وقال أحمد: لا يلزمه، وإنما يلزمه عند من يرضى من الحكام.
وحكي أن الإمام أحمد لزمته شهادة، فدعي للأداء عند حاكم فامتنع وقال: إن القاضي ليس يرضى، فقال الداعي: تتلف علي مالي، فقال أحمد: الذي ولاه أتلف عليك مالك لا أنا.
فَصْلُ:
تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ، وَفي عُقُوبَةٍ لآِدَمِيٍّ عَلَ الْمَذْهَبَ،
ــ
وشرط الشهادة: أن يأتي بلفظ (أشهد) عند الأداء، فلو قال: أعلم أو أتحقق أو نحو ذلك .. لم يكف ذلك على الصحيح.
فلو شهد واحد شهادة صحيحة، فقال الآخر: أشهد بما شهد به .. قال الماوردي: لا يكفي؛ لأنه موضوع آداء وليس موضع حكاية.
قال ابن الرفعة: وبذلك يظهر أنه لا فرق بين أن يقول: بذلك أشهد أو: أشهد بذلك وإن كان العمل في وقتنا على خلافه.
والصح: أنه لا تسمع الشهادة بالمجهول، وقيل: تسمع ويطالب بالبيان كالإقرار، والوجهان كالوجهين في الشهادة على الإقرار بالمجهول، والأصح أيضًا:
عدم القبول، وهما في (الروضة) في (كتاب الدعاوي).
ويستحب للشاهد استئذان الحاكم قبل الأداء؛ ليصغي إليه، فلو شهد قبل أن يستأذنه .. صحت شهادته في الأصح، لكن لو قال القاضي: كنت ذاهلًا أو لم أسمع .. لم يعتد بها.
قال: (فصل: تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة) كالأموال وحقوقها، والأنكحة والبيع وسائر العقود والفسوخ، والطلاق والرضاع والولادة وعيوب النساء؛ للحاجة إلى ذلك، فإن شهود الواقعة قد يموتون أو يغيبون، وأيضًا الشهادة حق آدمي لازم، فيثبت بالشهادة كما يثبت بالإقرار.
ولا فرق بين حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى، كالزكوات والكفارات ووقف المساجد والجهات العامة.
قال: (وفي عقوبة لآدمي على المذهب) كالقصاص وحد القذف؛ لأن حق الآدمي مبني على الشح، وحق الله تعالى على المسامحة، ولأن حدود الله تعالى مندوب إلى سترها وتسقط بالشبهة فلم يحتج إلى التأكيد في إثباتها.
وَتَحَمُّلُهَا بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ فَيَقُولَ: أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا وَأُشْهِدُكَ، أَوِ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ،
ــ
وقيل: تجوز الشهادة على الشهادة فيها أيضًا؛ لأنها من الحقوق التي تثبت بالشهادة، ويجب استيفاؤها إذ ذاك فكانت كحق الآدمي.
ومرادهم بـ (عقوبة الآدمي): إثباتها، أما ردها .. فلا خلاف فيه، فلو شهدا على شهادة اثنين أن الحاكم حد فلانًا .. قبل بلا خلاف؛ فإنه حق آدمي، لأنه يسقط الحد عن نفسه.
ويستثنى مع عقوبات الله تعالى الإحصان؛ فإنه لا تقبل فيه الشهادة على الشهادة في الأظهر كالزنا، كذا حكاه الرافعي عن ابن القاص، ووهم في (الكفاية) فنسبهما إلى ابن الصباغ.
قال: (وتحملها بأن يسترعيه) أي: الأصل؛ لأنها نيابة فاعتبر فيها الإذن.
و (الاسترعاء): التحفيظ، تقول: استرعيته الشيء فرعاه؛ أي: حفظه، وهو استفعال من الرعاية.
وأشار المصنف بهذا إلى أن شرط التحمل: أن يعرف عند الأصل شهادة جازمة بحق ثابت، ولمعرفته أسباب: أحدهما: أن يسترعيه الأصل.
قال: (فيقول: أنا شاهد بكذا وأشهدك، أو اشهد على شهادتي) أو أذنت لك أن تشهد على شهادتي، ويشترط تعرض الأصل للفظ الشهادة، فلو قال: اعلم أو استيفن .. لم يكف.
قال: (أو يسمعه يشهد عند قاض) بأن لفلان على فلان كذا .. فيجوز له وإن لم يسترعه؛ إذا لا يقيمها عند القاضي إلا بعد تحققها، وحكي الإمام فيه اتفاق الأصحاب.
وحكي أبو حاتم القزويني وجهًا: أنه لا يجوز حتى يسترعيه، وهذا هو السبب الثاني.
أَوْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي هَذَا وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلًانٍ كَذَا، أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا. وَلْيُبَيِّنِ الْفرْعُ عِنْدَ الأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ،
ــ
قال: (أو يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألفًا من ثمن مبيع أو غيره) هذا هو السبب الثالث، وهو أن يتبين للشاهد سبب الوجوب، فله أن يشهد على الأصح وإن لم يسترعه ولم يكن عند حاكم؛ لأن لاستناد إلى السبب يقطع احتمال الوعد والتساهل.
قال: (وفي هذا وجه) أي: أن الاستناد إلى السبب لا يكفي للتحمل؛ لأنه إن زال احتمال الوفاء بالعدة .. بقي إمكان التجوز والتوسع، وهذا الوجه عزاه الإمام للأكثرين، وكأنه أراد أكثر المراوزة، وكلام الرافعي يوهم تفرد الإمام بترجيحه، وليس كذلك، وقد تقدمت حكايته فيه.
ويرد على حصره السباب فيما ذكره صور.
منها: إذا سمعته يستدعي شاهدًا للتحمل .. فإن له أن يشهد وإن لم يسترعه كما قاله القاضي وابن الصباغ والشاشي وصاحب (البحر)، واستدركه الفارقي على (المهذب)، وحكي شريح فيه وجهين.
ومنها: إذا سمعه يؤدي عند المحكم كما قاله القاضي والإمام، ولم يفصلا بين أن يقول: بجواز التحكيم أو لا، وبه صرح الفوراني والبغوي؛ لأنه لا يشهد عنده إلا وهو جازم بما شهد به.
ومنها: لو كان حاكمًا أو محكمًا فشهدا عنده ولم يحكم به .. جاز له أن يشهد على شهادتهما؛ لأنه إذا جاز لغيره أن يشهد عليهما بذلك .. فهو أولى.
قال: (ولا يكفي سماع قوله: لفلان على فلان كذا، أو أشهد بكذا، أو عندي شهادة بكذا)؛ لأن الناس قد يتساهلون في إطلاق ذلك على العدة ونحوها.
قال: (وليتبين الفرع عند الأداء جهة التحمل) فإن استرعاه الأصل .. قال: أشهد أن فلانًا شهد أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته بكذا، وإن لم يسترعه .. بين أنه رآه يشهد عند القاضي، أو أنه أسند المشهود إلى سببه، قال الإمام: وذلك
فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ .. فَلَا بَاسَ، وَلَا يَصِحُ التَّحَمُّلُ على شَهَادَةِ مَرْودِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَحْمِلُ النِّسْوَةُ، فَلَوْ مَاتَ الأَصْلُ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ .. لَمْ يَمْنَعْ شَهَادَةَ الْفَزْعِ،
ــ
لأن الغالب على الناس الجهل بطريق التحمل.
قال: (فإن لم يبين) أي جهة التحمل (ووثق القاضي بعلمه .. فلا بأس)؛ لانتفاء المحذور، لكن يستحب للقاضي أن يسأله بأي سبب ثبت هذا المال؟ وهل أخبرك به الأصل أو لا؟
وقد تقدم في (باب الردة) عد المواضع التي لا تسمع فيها البينة إلا مفصلة.
قال: (ولا يصح التحمل على شهادة مردود الشهادة)؛ لأنه بناء على شفا جرف هار، وكشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ وذلك كالكافر والعبد والصبي والفاسق والعدو.
قال: (ولا تحمل النسوة) لم يصرح بها في (المحرر)، والمراد: أنه لا تقبل شهادة النساء على شهادة غيرهن ولو كانت الأصول نسوة فيما يشهدون فيه كالولادة والرضاع ونحوهما؛ لأن شهادة الفرع تثبت شهادة الأصل لا ما شهد به الأصل، ونفس الشهادة ليست بمال، ولأنه يطلع عليها الرجال.
وفي وجه شاذ: أنها تقبل، حكاه ابن كج.
فرع:
تحمل فرع واحد عن أصل فيما يثبت بشاهد ويمين، فأراد ذو الحق أن يحلف مع هذا الفرع .. لم يجز؛ لأن شهادة الأصل لا تثبت بشاهد ويمين، ولو شهد على أصل واحد فرعان .. فله الحلف معهما، قاله الماوردي.
قال: (فلو مات الأصل أو غاب أو مرض .. لم يمنع شهادة الفرع)؛ لأن ذلك ليس بنقص فلا يؤثر، أما عند الموت .. فهو الغاية، بل قال الشعبي: لا تسمع إلا في
وَإِنْ حَدَثَتْ رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةُ .. مَنَعَتْ، وَجُنُونُهُ كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ .. قُبِلَتُ،
ــ
هذه الحالة فقط، وحكاه ابن يونس عن المسعودي من أصحابنا، وهو تحريف.
وأما عند المرض .. فدفعًا للمشفة، والمراد به: ما يجوِّز ترك الجمعة، لا ما يمنع الحضور كما قاله الإمام.
قال: (وإن حدثت ردة أو فسق أو عداوة .. منعت) أي: شهادة الفرع ما دامت هذه الموانع بالأصل؛ لأن هذه الأحوال لا تهجم دفعة واحدة، بل الفسق يورث التهمة فيما تقدم، والردة تشعر بخبث سابق في العقيدة، والعداوة تنشأ من ضغائن كانت مستكنة.
فإذا زالت هذه الوصاف .. فهل يشهد الفرع بالتحمل الأول أو يشترط تحمل جديد؟ وجهان: أصحهما: الثاني، قاله ابن سريج، وصححه الإمام.
فإن حدثت هذه الأمور بعد الشهادة وقبل القضاء .. امتنع الحكم، ويلغز بصورة الفسق فيقال: عدل أدى وقبلت شهادته، ثم امتنع الحكم لأجل فسق شخص آخر.
قال: (وجنونه كموته على الصحيح)؛ لأنه لا توقع ريبة في الماضي.
والثاني: يمنع كالفسق، ويجريان في العمى، وأولى بأن لا يؤثر.
ومأخذ الخلاف: أن الحكم عند شهادة الفرع هل يقع بشهادته أو بشهادة الأصل؟ فإن قلنا بالأول .. سمعت، وإلا .. لم تسمع.
والمراد: الجنون المطبق لا المنقطع، ويخرج به الإغماء، وهو مع الغيبة لا يؤثر، فإن كان حاضرًا .. قال الإمام: ينتظر زواله لقربه، وجزم به في (الشرح الصغير)، والخرس كالجنون، قاله الهروي.
ولو شهد الفرع في غيبة الأصل ثم حضر بعد القضاء .. لم يؤثر، وإن حضر قبله .. امتنع، لحصول القدرة على الأصل، وكذا لو أكذب الأصل الفرع قبل القضاء .. فإنه يمنع الحكم، وبعده لا يؤثر.
قال: (ولو تحمل فرع فاسق أو عبد فأدى وهو كامل .. قلبت) كما في الأصل إذا تحمل وهو ناقص ثم أدى بعد كماله.
وَتَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ اثْنَانِ، وَشَرْطُ قَبُولِهَا: تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمىّ، أَوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ،
ــ
وحكى الشيخ أبو علي وجهًا: أنه تعتبر العدالة عند التحمل؛ لأنها ولاية، وهو احتمال للقاضي حسين، يشبه ما لو وكل الحلال محرمًا في التزويج ثم تحلل الوكيل .. لا يصح النكاح.
قال: (وتكفي شهادة اثنين على الشاهدين)؛ لأنها شهادة على شخصين، فجاز أن يجمعها عليهما في حقين كما لو شهدا على مقرين، وبهذا قال الأئمة الثلاثة.
قال: (وفي قول: يشترك لكل رجل أو امرأة اثنان)؛ لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين .. كانا كشاهد واحد، وهذا صححه المزني والقاضي حسين والسرخسي، ووهم ابن الرفعة في (الكفاية) فنسب تصحيحه إلى المصنف وإنما صحح الأول، فعلى هذا: يجب في رجل وامرأتين ستة، وفي أربع نسوة ثمانية.
قال: (وشرط قبولها: تعذر أو تعسر الأصل بموت أو عمى، أو مريض يشق حضوره)؛ لأن الأقوى في باب الشهادة لا يترك مع إمكانه، وشهادة الأصل أقوى من شهادة الفرع؛ لأنها تثبت نفس الحق، وشهادة الفرع إنما تثبت شهادة الأصل، وخالف الوكالة حيث جاز تصرف الوكيل مع حضور الموكل؛ لأن بابها أوسع.
وأما التعذر بالموت .. فظاهر، فالموت والعمى مئالان للتعذر، والمرض والغيبة الآتية مثالان التعسر، وقيل: يقبل في الحضور كالراوية.
وقيد المرض بما يشق معه الحضور، أي: مشقة ظاهرة، ولا يشترط أن لا يمكنه الحضور، وضبطه الإمام بما يجوز ترك الجمعة كما تقدم.
واعتبر أبو علي أن يكون ملازمًا للفراش.
فإن قيل: هذا يغني عن قوله فيما قبل: (فإن مات الأصل أو غاب أو فسق أو مرض .. لم تمنع شهادة الفرع) .. فالجواب: أن ذلك في بيان طرآن العذر، وهذا في المسوغ للشهادة.
ولو قال: المصنف: كموت بالكاف .. كان أولى؛ فإن الجنون المطبق في حكم
أَوْ غَيْبَةٍ لِمَسَافَةِ عَدْوَى، وَقِيلَ: قَصْرٍ، وَأَنْ يُسَمِّيَ الأُصُولَ، وَلَا يَشْتَرَطُ أَنْ يُزَكِّيَهُمُ الْفُرُوعُ، فَإِنْ زَكَّوْهُمْ .. قُبِلَ،
ــ
الموت، وكذا الخرس الذي لا إفهام معه، والمحبوس كالمريض، وكذا من لا يمكنه الخروج خوفًا من ظالم كما أفتى به البغوي، وكذلك التخدر بالنسبة إلى المرأة.
ويستثنى من شرط الغيبة شهود التزكية؛ فإن أصحاب المسائل تقبل شهادتهم عند القاضي على شهادة المزكي مع حضور المزكيين في البلد كما ذكره الشيخان في (فصل التزكية)، ولا يخفى أن ما أطلقه من العمى محله فيما لا تقبل فيه شهادة الأعمى، فإن كان حيث تقبل .. فليس بعذر إذا وجد قائدًا.
قال: (أو غيبة لمسافة عدوى، وقيل: قصر) كذا بخط المصنف، والصواب: فوق مسافة العدوى كما هو في (المحرر) و (الروضة) وغيرهما؛ فإن المسوغ لشهادة الفرع غيبة الأصل فوق العدوى، وقد تقدم في الفصل قبله أن من شرط وجوب الأداء: أن يدعى من مسافة العدوى، فكيف تقبل فيها شهادة الفرع مع وجوب الأداء على الأصل.
وفي (الروضة): منهم من أطلق في دون مسافة القصر وجهين، والأصح: لا تسمع في مسافة العدوى، والوجهان فيما فوقها أصحهما: تسمع.
قال: (ولا يشترط أن يزكيهم الفروع) أي: على الصح، بل لهم إطلاق الشهادة، والقاضي يبحث على عدالتهم.
وحكي وجه باشتراطها؛ لأن تركه يورث ريبة.
ووجه ثالث: يشترط أن يقول الفرع: أشهدني على شهادته ولم يزل عدلًا إلى الآن، أو إلى أن مات.
قال: (فإن زكوهم .. قبل) أي: على المشهور، وهذا بخلاف ما لو شهد اثنان في واقعة وزكى أحدهما الآخر .. فإنه لا تثبت عدالة الثاني على الأصح.
والفرق: أن تزكية الفرع للأصول من تتمة شهادتهم، ولذلك شرط بعضهم
وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ .. لَمْ يَجُزْ.
فَصْلٌ:
رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ .. امْتَنَعَ،
ــ
التعرض لها، وهنا قام الشاهد المزكي بأحد شطري الشهادة فلا يصح قيامه بالثاني، وفي مسألة الكتاب وجه مخرج من مسألة تزكية أحد الشاهدين الآخر.
قال: (ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم .. لم يجز)؛ لأن القاضي قد يعرفهم بالجرح لو سموا.
وفي (الكفاية) عن محمد بن جرير الطبري القبول، ولا يعد خلافه وجهًا في المذهب، بل إنه مذهب مستقل.
تتمة:
اجتمع شاهدا فرع وشاهد أصل .. تقدم شهادة الأصل، ثم يشهد شاهدًا الفرع كما إذا كان معه بعض ماء يكفيه يستعمله ثم يتيمم، قاله في (الإستقصاء).
قال: (فصل: رجعوا عن الشهادة قبل الحكم .. امتنع) أي: الحكم بشهادتهم؛ لأن احتمال كذبهم في الرجوع مساو لاحتمال صدقهم في الشهادة، ولا يجوز الحكم مع الشك في صدق الشاهد فيما شهد به كما لو جهلت عدالتهم، وسواء كان في عقوبة أو بضع أو مال، ونقل الشيخ أبو حامد فيه الإجماع، خلافًا لأبي ثور، ونقله ابن القاص عن مالك أيضًا.
وسواء اعترفوا بالتعمد أو الغلط، وهو في الأول فسقة، فإن كان في زنًا .. فقذفة، وكذا إن ادعوا الغلط في الأصح؛ إذ كان من حقهم التثبت والاحتياط، وعلى هذا: ترد شهادتهم.
والمراد بـ (الرجوع): التصريح به، فلو قالوا بعد الداء: توقف في القضاء، ثم قالوا بعده: اقض فنحن على شهادتنا .. جاز في الصح.
أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَالٍ .. اسْتُوفِيَ، أَوْ عُقُوبَةٍ .. فَلَا، أَوْ بَعْدَهُ .. لَمْ يُنْقَضْ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا أَوْ قَتْلَ رِدَّةٍ أَوْ رَجْمَ زِنًا أَوْ جَلْدَهُ وَمَاتَ وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا .. فَعَلَيْهِمْ قَصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ،
ــ
قال: (أو بعده وقبل استيفاء مال .. استُوفي)؛ لأن القضاء قد نفذ به، وليس هو مما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع، قال الشيخ أبو علي: وهكذا لو حكم حاكم باجتهاده ثم تغير اجتهاده .. لم يجز له نقض الحكم المبرم به.
وقيل: لا يستوفي؛ لأن الظن قد اختل بالرجوع.
قال: (أو عقوبة .. فلا)؛ لأنها تسقط بالشبهة.
وفهم من إطلاقه: أنه لا فرق بين عقوبة لله وللآدمي، وفيه وجه بعيد، وهو في حدود الله أبعد.
قال: (أو بعده) أي: بعد استيفاء الحكم به (.. لم ينقص)؛ لتأكد الأمر.
قال في (البيان): وهو قول كافة العلماء إلا ابن المسيب والأوزاعي، لجواز كذبهم في الشهادة وصدقهم في الرجوع وعكسه، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا ينقض الحكم بأمر محتمل.
وكان الشيخ زين الدين الكتناني بستشكله بأن بقاء الحكم بغير سبب خلاف الإجماع.
قال: (فإن كان المستوفى قصاصًا) أي: في نفس أو طرف (أو قتل ردة أو رجم زنًا أو جلده ومات) أي: من الجلد ثم رجعوا (وقالوا: تعمدنا .. فعليهم قصاص أو دية مغلظة) أي على عدد رؤوسهم؛ لتسببهم في إهلاكه، وإنما وجبت الدية عليهم لا على عاقلتهم لاعترافهم.
واحترز بقوله: (تعمدنا) عما لو قالوا: أخطأنا .. فلا قصاص، والدية مخففة على الصحيح، لكنها في مالهم؛ لأن إقرارهم منع تحمل العاقلة.
وَعَلَى الْقَاضِي قِصَاَصٌ إِنْ قَالَ: تَعَمَّدْتُ،
ــ
قال الإمام: وللقاضي تعزيرهم؛ لتركهم التحفظ.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي: لا يعزرهم؛ لأن الخطأ جائز عليهم، وهذه المسألة سبقت في أول (الجراح).
واستثنى المصنف منها ما إذا اعترف الولي بعلمه بكذبهم .. فإنه لا يجب عليهم القصاص، لكن لا يكفي لحد القصاص قولهم: تعمدنا، بل لابد أن يقولوا: وعلمنا أنه يقبل قولنا، ونص عليه في (الأم).
فإن قالوا: تعمدنا ولم نعلم ذلك، وأمكن صدقهم .. فشبه عمد.
وظاهر عبارتهم أن شهود الزنا حدهم القصاص فقط، وليس كذلك، بل يحدون أولًا للقذف، ثم يرجمون، ولا يجب عليهم عند استيفاء القصاص تعزيز بسبب شهادة الزور.
نعم؛ لو آل الأمر إلى الدية .. ففي وجوب التعزيز وجهان في (الحاوي) وغيره، والتعبير بـ (القصاص) يقتضى رعاية المماثلة.
وفي (الرافعي): هل يرجمون أو يقتلون بالسيف؟ فيه احتمالان لعبادي: أصحهما: الأول، واستشكله في (المهمات) بأن شرط الاقتصاص بالحجر معرفة موضوع الجناية وقدر الحجر وعدده، والمرجوم في الزنا لا تنضبط هذه الأمور في حقه، قال: والصواب: الانتقال إلى السيف.
والضمير في قوله: (جلده) يعود إلى الزنا، ولو حذفه .. كان أحسن، ليشمل حد القذف والشرب.
قال: (وعلى القاضي قصاص إن قال: تعمدت) مؤاخذة بإقراره؛ فإنه اعترف بالعمدية.
وصورة المسألة: إذا رجع القاضي دون الشهود.
وسكت هنا عن الدية، لإشكال الأمر فيها، فإن الرافعي نقل وجوبها بكمالها عن البغوي ثم قال: وقياس مشاورة الشهود له في الصورة الثانية أَلَاّ يجب عليهم هنا إلا نصفها كما لو رجع بعض الشهود، وليس كما قال.
وَإِنْ رَجَعَ هُوَ وَهُمْ .. فَعَلَى الْجَمِيعِ قِصَاصٌ إِنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا، وَإِنْ قَالُوا: أَخْطَانَا .. فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَعَلَيْهِمْ نِصْفٌ، وَلَوْ رَجَعَ مُزَكٍّ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَضْمَنُ، أَوِ الْوَلِيُّ وَحْدَهُ .. فَعَلَيْهِ قِصَاصُ أَوْ دِيَةُ، أَوْ مَعَ الشُّهُودِ .. فَكَذَلِكَ،
…
ــ
والفرق: أن القاضي قد يستقل بالمباشرة فيما إذا قضى بعلمه، بخلاف الشهود، ونازعه ابن الرفعة في ذلك.
قال: (وإن رجع هو وهم .. فعلى الجميع قصاص إن قالوا: تعمدنا)؛ لاعترافهم بالسبب في قتله عمدًا عدوانًا، وهذا لا خلاف فيه.
قال: (وإن قالوا) أي: القاضي والشهود (أخطأنا .. فعليه نصف دية وعليهم نصف) وكذا لو عفا عن العمد على مال، وتكون الدية مخففة، ولا يلزم العاقلة إلا أن تصدقهم، كذا قاله الأصحاب.
قال الرافعي: وقياسه أن لا يلزمه كمالها لو رجع كما لو رجع بعض الشهود.
قال: (ولو رجع مزك .. فالأصح: أنه يضمن)؛ لأنه ألجأ القاضي إلى الحكم المؤدي إلى القتل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، وإنما أثنى على الشاهد، والحكم يقع بشهادة الشاهد، فكان كالممسك مع القاتل، وهذا أصح عند صاحب (التهذيب).
والثالث: يضمن بالدية دون القصاص.
قال القفال: محل الخلاف إذا قال: علمت كذبهما، فإن قال: علمت فسقهما .. فلا شيء عليه؛ لأنه قد يصدق مع فسقه، وطرده الإمام في الحالين.
قال: (أو الولي وحده .. فعليه قصاص أو دية)؛ لأنه القاتل.
قال: (أو مع الشهود .. فكذلك)؛ لأنه المباشر، وهم معه كالممسك مع القاتل.
وَقِيلَ: هُوَ وَهُمْ شُرَكَاءُ. وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي فَرَجَعَا .. دَامَ الْفِرَاقُ
ــ
قال: (وقيل: هو وهم شركاؤ)؛ لتعاونهم على القتل، و (المحرر) لم يرجح في هذه شيئًا، بل قال: رجح كلًا مرجحون، والرافعي في (شرحيه) نقل تصحيح الأول عن الإمام فقط، وتصحيح مقابله عن البغوي، ثم صحح المصنف في زوائده ما صححه الإمام.
ولو رجع القاضي معهم .. فالدية مثلثة: ثلثها على القاضي، وثلثها على الوالي، وثلثها على الشهود، وحكم الرجوع تقدم في أول (النكاح).
قال: (ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع أو لعان وفرق القاضي فرجعا .. دام الفراق)؛ لأن قولهما في الرجوع محتمل، فلا يرد القضاء بقول محتمل، لكن يجب الغرم على الشاهدين، سواء كان قبل الدخول أم بعده؛ لأنهما فوتا عليه ما يتقوم فيغرمان كما لو شهدا بعتق عبد ثم رجعا.
وقال الأئمة الثلاثة: لا غرم عليهما بعد الدخول.
لنا: القياس على ما وافقوا عليه، وهو الغرم قبل الدخول.
ودخل في قوله: (طلاق بائن) ما إذا طلقها الحر طلقتين فشهدا بالثالثة.
وفي قدر ما يغرمون في هذه الصور وجهان:
أحدهما: ما يغرمونه لو كانت الشهادة بالثلاث؛ لأنهم منعوه بها جميع البضع فكانت كالثلاث.
والثاني: ثلاثة؛ لأنه ممنوع من بعضها بثلاث طلقات، اختص الشهود بواحدة منها فكانت ثلث المنع منهم، فلزمهم ثلث الغرم.
وعلى هذا: لو كان طلقها طلقة واحدة .. لزمهم ثلثان، حكاه الماوردي.
وهذا ينبني على خلاف تقدم أن الطلقات الثلاث إذا وقعت متفرقة هل تترتب الحرمة الكبرى عليها أو على الأخيرة؟
وَعَلَيْهِمْ مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءٍ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهِمُ الْمُسَمَّى، وَفي قوْلٍ: نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ وَطَءٍ
ــ
وإن كان الطلاق بعوض .. قال ابن الرفعة: ينظر، إن كانت شهادتهم على الزوجة لإنكارها عقد الخلع .. فلها الرجوع بما غرموها، وإن كانت على الزوج لإنكاره الطلاق .. فهم قد ألزموه الطلاق في مقابلة بدل، إن لم يستحقه بالخلع .. استحقه بالحيلولة، فينظر، إن كان العوض قدر ما يغرمه الشهود في غير الخلع .. لم يرجع على الشهود بشيء، وإن كان أقل .. رجع عليهم بالفاضل.
قال: (وعليهم) أي: على الشهود للزوج، وكان الصواب أن يقول: وعليهما؛ لأن المحدث عنه شاهدان.
قال: (مهر مثل)؛ لأنه بدل ما فوتا، وهذا إذا كان بعد الدخول، فإن كان قبله .. فكذلك على الأصح.
قال: (وفي قول: نصفه إن كان قبل وطء)؛ لأنه الذي فات على الزوج.
قال: (وفي قول: عليهم المسمى)؛ لأنه الذي فات على الزوج، ويشهد له ما حكي عن التقديم: أن مفوضة البضع لو شهدوا بطلاقها قبل الفرض والمسيس ثم رجعوا .. أن المغروم المتعة، واختاره ابن الحداد، وغلطه الصحاب.
قال: (وفي قول: نصفه إن كان قبل وطء) كذا نقله الربيع عن نصه، وهو مخرج من نصه فيما إذا أفسدت المرأة نكاحها برضاع، وقد تقدم ذلك في بابه.
وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ وَفَرقَ فَرَجَعَا فَقَامَتْ بَينَةٌ أَنَهُ كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ .. فَلَا غُرْمَ، وَلَوْ رَجَعَ شُهِودُ مَالٍ .. غَرِمُوا فِيِ الأَظْهَرِ،
ــ
تنبيه:
لم يذكر المصنف تبعًا لـ (المحرر) حكم ما إذا شهدا بطلاق رجعى، وملخص ما فيها أربعة أوجه:
أحدها: لا يغرمان شيئًا، سواء رجعا أم لا، وجزم به الماوردى.
والثانى: أنهما يغرمان كما في البائن، وهو الأظهر عند القاضى، وجزم به البغوي.
والثالث: إن راجعها .. لم يغرما له شيئًا ، فإن كانا غرمًا له .. استرداه، وإن لم يراجعها .. غرما له.
قال: (ولو شهدا بطلاق وفرق) أي: قضى القاضي بالفرقة بينهما (فرجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع) وكذا إذا شهدا أنها بانت من قبل (.. فلا غرم) ، لأنهما لم يفوتا شيئًا، ولو غرما قبل قيام البينة .. استردا المغروم.
واحتزر بقوله: (فرق) عما إذا اتفق ذلك قبل قضاء القاضى .. فلا غرم من باب أولى.
وأفهم قوله: (فلا غرم) أن الزوج لو غرم لها المهر .. استرده كما صرح به القاضى أبو الطيب في (شرح الفروع).
قال: (ولو رجع شهود مال) سواء كان عينًا أو دينًا (.. غرموا في الأظهر) ، لأنهم حالوا بينه وبين ماله بغير حق فأشبه من غصب عبدًا فأبق منه، وبهذا قال الائمة الثلاثة.
وَمَتَى رَجَعُوا كُلُّهُمْ .. وُزَّعَ عَلَيْهِمُ اَلْغُرْمُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَبَقِيِّ نِصَابٌ .. فَلَا غُرْمَ، وَقِيلَ: يَغْرَمُ قِسْطَهُ
ــ
والثاني: لا يلزمهم الغرم، لآن العين إنما تضمن باليد أو الإتلاف، وهما معدومان هنا.
وادعى الإمام والفوراني أن هذا هو الجديد، ووهم في (الكفاية) و (المطلب) في نسبة هذا إلى المصنف، فإنه صحح في كتبه كلها الأول كما صححه صاحب (التنبيه)، وعلى الأظهر: في أى وقت تعتبر القيمة؟ فيه في (البحر) و (الحاوي) وجهان:
أحدهما: وقت الحكم.
والثاني: أكثر ما كانت من وقت الحكم إلى وقت الرجوع.
هذا في المتقوم، أما المثلى .. فالظاهر: أنه لا يضمن بمثله.
وأفهم إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يقولوا: تعمدنا أو أخطأنا، وهو كذلك، لأن ضمان المال لا يختلف بذلك.
ولو لم يقولوا: رجعنا ولكن قامت البينة برجوعهم .. لم يغرموا، لأن الحق باق على المشهود عليه.
ولو رجع شهود العتق .. لزمهم الضمان بالقيمة لا الثمن، لأنهم أتلفوا رقبة على مالكها، فأشبه ما لو قتلوها، وسواء كان قنًا أو مدبرًا أو أم ولد، وقال أبو حنيفة: لا غرم فى أم الولد.
قال: (ومتى رجعوا كلهم .. وزع عليهم الغرم) أي: بالسوية عند إتحاد نوعهم، سواء رجعوا معًا أو مرتبًا.
قال: (أو بعضهم وبقي نصاب .. فلا غرم) ، لأنه بقي ما تقوم به الحجة، فكأن الراجع لم يشهد.
ووقع في (الرافعى): أن إبن الحداد قال بهذا، والذي في (فروعه): الجزم بوجوب الغرم.
قال: (وقيل: يغرم قسطه) ، لأن الحكم وقع بشهادة الجميع، وكل منهم قد فوت قسطًا فيغرم ما فوت.
وَإِنْ نَقَصَ النَّصَابُ وَلَمْ يَزِدِ الشَّهُودُ عَلَيْهِ .. فَقِسْطٌ، وَإِنْ زَادَ .. فَقِسْطٌ مِنَ النَّصَابِ، وَقِيلَ: مِنَ العَدَدِ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. فَعَلَيْهِ نِصْفٌ وَهُمَا نِصْفٌ، أَوْ وَأَرْبَعٌ فِيِ رَضَاعٍ .. فَعَلَيْهِ ثُلُثٌ وَهُنَّ ثُلُثَانِ، فَإِنْ رَجَعَ هُوَ أَوْ ثِنتانِ .. فَلَا غُرْمَ فِيِ الأَصَحَّ
ــ
قال: (وإن نقص النصاب ولم يزد الشهود عليه .. فقسط) بأن حكم بعتق أو قتل أو مال بشاهدين ثم رجع احدهما .. فعليه نصف الغرم.
ولو رجم بشهادة أربعة ثم رجع بعضهم .. فعليه قسط من الدية.
قال: (وإن زاد) أي: عدد الشهود عن النصاب ولم يثبت من العدد المعتبر إلا بعضهم كما إذا رجع من الثلاثة أو الخمسة اثنان.
قال: (.. فقسط من النصاب، وقيل: من العدد) وهما مبنيان على الوجهين فيما إذا رجع بعضهم وبقي نصاب، إن قلنا: لا غرم هناك .. وزع الغرم هنا على العدد المعتبر وهو النصاب، وحصة من نقص من العدد المعتبر توزع على من رجع بالسوية، وهو المراد بقوله:(قسط من النصاب).
وإن قلنا بالغرم هناك .. وزع هنا على جميع الشهود، وهو المراد بقوله:(وقيل: من العدد) فعلى الاثنين الراجعين من الثلاثة نصف الغرم على الأول وثلثاه على الثاني.
قال: (وإن شهد رجل وامرأتان .. فعليه نصف وهما نصف) ، لأن شهادتهما كشهادته.
وفرع الشيخ شرف الدين البارزي على ذلك ما إذا شهد رجل وامرأتان على شىء وأخذوا أجره .. أنه يكون للمرأتين نصفها وللرجل النصف الأخر كالغرم، وهو ظاهر، والخنثى فى جميع ذلك كالمرأة.
قال: (أو وأربع فى رضاع .. فعليه ثلث وهن ثلثان) ، لما قلناه، (فإن رجع هو أو ثنتان، فلا غرم فى الأصح) ، لبقاء النصاب، ومقابله: عليه أو عليهما ثلث الغرم.
وَإِنْ شَهِدَ هُوَ وَأَرْبَعُ بِمَالٍ .. فَقِيلَ: كَرَضَاعٍ، وَالأَصَحُّ: هُوَ نِصْفٌ وَهُنَّ نِصْفٌ، سَوَاءٌ رَجَعْنَ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُنَّ، وَإِنْ رَجَعَ ثِنْتَانِ .. فَالأَصَحَّ: لَا غُرْمَ، وَأَنَّ شُهُودَ إِحْصَانٍ أَوْ صِفَةٍ مَعَ شُهُودِ تعْلِيقِ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا يَغْرَمُونَ
ــ
قال: (وإن شهد هو وأربع بمال .. فقيل: كرضاع) فيكون عليه ثلث الغرم وعليهن ثلثاه.
قال: (والأصح: هو نصف وهن نصف) ، لأنه نصف البينة، وهن وإن كثرن مع الرجل بمنزلة رجل واحد، (سواء رجعن معه أو وحدهن) ، لأن المال لا يثبت بشهادة النساء، وإن كثرن .. فنصف.
قال: (وإن رجع ثنتان .. فالأصح: لا غرم) ، لبقاء الحجة.
والثانى: عليهما ربع الغرم.
وإذا شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا .. قال القاضى حسين في (كتاب الحدود):
لا شىء على المرأة، وعلى الرجلين الغرم، وقال ههنا: يجب عليها الخمس.
قال: (وأن شهود إحصان أو صفة مع شهود تعليق طلاق وعتق لا يغرمون).
صورة المسألة: أن يشهد أربعة بزنا زيد واثنان بإحصانه، فيرجمه الحاكم، وأن يشهد اثنان بأن فلانًا علق طلاق زوجته أو عتق عبده بصفة وشهد أخران على وجود الصفة ثم رجعوا بعد نفوذ العتق والطلاق.
وفي كل من المسألتين وجهان-وقيل: قولان-: أصحهما: اختصاصه بشهود الزنا، لأن الشاهد بالإحصان لم يشهد بموجب عقوبة، وإنما وصفوه بصفة كمال، ألا ترى أنه لو شهد اثنان على شخص بقذف، فادعى أنه عبد، فشهد اخران أنه حر، فجلد ثمانين ثم رجع الجميع .. فلا شىء على شاهدى الحرية.
وأما شهود الصفة مع شهود تعليق الطلاق والعتق .. فلأنهم لم يشهدوا على فعله وهو الموجب للطلاق والعتق، وإنما أثبتوا صفة.
والثاني: يغرمون، لأن الرجم يتوقف على ثبوت الزنا والإحصان جميعًا، فالقتل لم يستوف إلا بهم، وكذلك الطلاق والعتق وقع بقولهم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال فى (المهمات) وهذا هو المعروف، وقد صححه الماوردي والجرجاني، والبندنيجي في (المعتمد).
وقيل: إن شهدوا بالإحصان بعد شهود الزنا .. غرموا، أو قبلهم .. فلا، لأنهم لم يثبتوا إلا صفة كمال.
فإن غرمنا شهود الإحصان .. فباعتبار النصابين في الأصح، فعليهم الثلث وعلى شهود الزنا ثلثان، وقيل: باعتبار الجنسين، فعليهم النصف.
وإن غرمنا شهود الصفة .. فقال الرافعى والمصنف: لا يأتى فى ذلك إلا التصنيف، وليس كذلك، فقد تكون الصفة لا تثبت إلا بأربعة كالزنا فينعكس الحكم، فيكون الثلثان على شهود الصفة والثلث على شهود التعليق.
وإذا قال شهود الإحصان: تعمدنا .. لزمهم القصاص كشهود الزنا.
ولو رجع شهود الزنا فقط .. ضمنوا قطعًا، والأصح: أنهم يغرمون جميع الدية.
تتمة:
شهد ثمانية بالزنا والإحصان، ثم رجع أحدهم .. فلا غرم على الأصح، لبقاء الحجتين، وكذا لو رجع ثان وثالث ورابع، فإن رجع خامس .. فقط بطلت حجة الزنا، ولم تبطل حجة الإحصان.
فإن لم يغرم شهود الإحصان .. فعلى الخمسة ربع الغرم، لبطلان ربع الحجة، وإن غرمناهم .. فلا غرم هنا لشهادة الإحصان على الأصح، لبقاء حجته، ويغرم الراجعون ربع غرم الزنا، وهو السدس إن ثلثنا والثمن إن نصفنا.
وإن رجع ستة .. لزمهم نصف غرم الزنا، وهو الثلث إن ثلثنا والربع إن نصفنا، وإن رجع سبعة .. بطلت الحجتان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خاتمة
شهد أربعة على رجل بأربع مئة، ثم رجع أحدهم عن مئة، وأخر عن مئتين، وثالث عن ثلاث مئة، والرابع عن الجميع .. فالبينة باقية بتمامها فى مئتين.
والأصح: أنه لا يجب غرمها، ويجب على الأربعة غرم المئة بالرجوع عنها بإتفاقهم، وعلى الثاني والثالث والرابع ثلاثة أرباع المئة التى أختصوا بالرجوع عنها.
والوجه الثانى: على كل راجع حصة ما رجع عنه، فعلى الأول ربع المئة، وعلى الثاني خمسون، وعلى الثالث خمسة وسبعون، وعلى الرابع مئة والله أعلم.
كتاب الدعوى والبينات