المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: آثار هذا الاسم - بحث عقدي في لفظ السيد

[يوسف بن محمد السعيد]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: التعريف اللغوي

- ‌الفصل الثاني: حكم إطلاق إسم السيد على الله ـ تعالى ـ ومعناه في حقه، وآثار هذا الاسم، وحكم الدعاء به

- ‌المبحث الأول: حكم إطلاق السيد على الله ـ تعالى

- ‌المبحث الثاني: معنى هذا الاسم الكريم

- ‌المبحث الثالث: آثار هذا الاسم

- ‌المبحث الرابع: حكم دعاء الله تعالى بسيدي

- ‌الفصل الثالث: تعلقه بالمخلوقين

- ‌المبحث الأول: حكم إطلاقه على المخلوقين

- ‌المبحث الثاني: سيادة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الأول: سيادته في الدنيا والآخرة

- ‌المطلب الثاني:في بيان أنه صلى الله عليه وسلم لم يخبر بسيادته على وجه الفخر

- ‌المطلب الثالث:في بيان شمولية سيادته لآدم صلى الله عليه وسلم وبنيه

- ‌المطلب الرابع:في بيان تحريم إطلاق لفظ (سيد ولد آدم) أو (سيد الناس)أو (سيد الكل) ونحوها على أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الثالث: إطلاق لفظ السيدة على المرأة

- ‌المبحث الرابع: إطلاقه على المنافق والكافر

- ‌المبحث الخامس: إطلاق هذا اللفظ على المبتدع

- ‌الخاتمة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌المبحث الثالث: آثار هذا الاسم

‌المبحث الثالث: آثار هذا الاسم

إن لهذا الاسم آثارا عظيمة، وذلك لعظمة هذا الاسم وكثرة معانيه، فمن هذه الآثار:

1 -

إثبات السيادة لله ـ تعالى ـ من جميع الوجوه.

2 -

وجوب إفراده ـ جل وعلا ـ بالربوبية، إذ هو رب كل شيء ومليكه، وخالقه ومدبره، وكل شيء راجع إليه، فمن اعتقد أن مع الله ـ تعالى ـ متصرفا في هذا الكون: ملكا مقربا، أو نبيا مرسلا، أو وليا صالحا.

وقد خالف في هذا الأمر كثير من الغلاة، فقد ذكر كثير من المتصوفة عن بعض من يعتقدون فيهم الولاية أن لهم تصرفا في هذا الكون، حيث ذكروا من يسمونه بالقطب، وزعموا أن له تصرفا في الوجود.

يقول محيي الدين بن عربي الصوفي الأندلسي: ((واعلم أن لكل بلد أو إقليم قطبا غير الغوث، به يحفظ الله ـ تعالى ـ تلك الجهة، سواء كان أهلها مؤمنين أو كفارا، وكذلك القول في الزهاد والعباد والمتوكلين وغيرهم، لا بد لكل صنف منهم من قطب يكون مدارهم عليه)) (1).

ويقول التجاني: ((إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا، حيثما كان الرب إلها، كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله ـ تعالى ـ فلا يصل إلى الخلق شيء كائنا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود، فترى الكون كله أشباحا لا حركة، وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلا، ثم تصرفه في مراتب الأولياء، فلا

(1) اليواقيت والجواهر في عقيدة الأكابر لابن عربي (2/ 83).

ص: 174

تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه، فهو المتصرف فيها جميعا، والممد لأربابها، به يرحم الوجود، وبه يبقى الوجود في بقاء الوجود رحمة لكل العباد وجوده في الوجود)) (1).

ومن نظر في كثير مما يزعمه المتصوفة كرامات للأولياء يجدها من هذا الجنس (2).

فاعتقاد ذلك مخالف لاعتقاد السيادة لله ـ تبارك تعالى.

3 -

وجوب إفراده ـ جل وعلا ـ بالعبادة، فإنه إذا كان سيد كل شيء وربه ومليكه وخالقه ورازقه، وكل شيء تحت تصرفه وتقديره، فإنه يمتنع حينئذ أن يعبد غيره، أو يسأل غيره، أو يرجى غيره، أو يتوكل على غيره {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض} (3).

فمن صرف شيئا من أنواع العبادة من توكل ودعاء واستغاثة واستعانة وذبح ونذر وحلف وغير ذلك، فقد خالف مقتضى هذه السيادة، وجعل السيادة لغير الله ـ تعالى ـ.

وكثير من الناس في هذا العصر قد صرفوا كثيرا من أنواع العبادة لغير الله ـ تعالى ـ وهم ـ بزعمهم ـ يعتقدون أنهم فعلوا ذلك لهذا الأمر، وحال هؤلاء حال من قال الله- تعالى- فيهم {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ

(1) جواهر المعاني (2/ 80).

(2)

انظر على سبيل المثال: طبقات الأولياء لابن الملقن (ص444، 446، 472)، سير الأولياء في القرن السابع الهجري (ص73،97)، طبقات الصوفية الكبرى للشعراني (2/ 88)

(2/ 101)(2/ 106)، جامع كرامات الأولياء للنبهاني (1/ 261)(2/ 84)(2/ 244)(2/ 254)(2/ 275)(2/ 286)(2/ 436).

(3)

الزمر، آية (63).

ص: 175

هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (1) ومن أخبر الله ـ تعالى ـ عنهم بقوله: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (2).

فالمشركون الأوائل ما عبدوا غير الله إلا لأجل أنهم يعتقدون أنهم ليسوا أهلا لعبادة الله ـ تعالى ـ من غير واسطة.

4 -

وجوب إفراده ـ جل وعلا ـ بالأسماء الحسنى والصفات العلى، كما قال ـ تعالى ـ:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} (3)، وكما قال ـ تعالىـ:{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون َ} (4)، وقال ـ تعالى ـ:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (5)(، وقال ـ تعالى ـ: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} (6)، وقال ـ تعالى ـ:{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} (7) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا الأمر.

وعليه، فالمعطلة الذين يعطلون الله ـ تعالى ـ عما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ماقالوا بسيادة الله ـ تعالى ـ لأن تعطيله عنها إثبات

(1) يونس، آية (18).

(2)

الزمر، آية (3).

(3)

الشورى، آية (11).

(4)

الأعراف، آية (180).

(5)

طه، آية (8).

(6)

النحل، آية (60).

(7)

مريم، آية (65).

ص: 176

للنقص، والنقص ينافي السيادة أو كمالها.

والممثلة الذين مثلوا الله ـ تعالى ـ بخلقه، ما أثبتوا السيادة لله ـ تعالى ـ لأن التمثيل بالخلق نقص، إذ الخلق سمته النقص.

5 -

وجوب جعل شرعه هو الحاكم والسيد على كل أمر، فالحكم لله ـ تعالى ـ وحده، فالأمر أمره، والنهي نهيه، وأما التحاكم إلى غيره، فهو قدح في هذه السيادة.

فمن جعل غير شرع الله حاكما يتحاكم إليه، فقد اتخذ سيدا غير الله، فالذين يجعلون العقول حاكمة على شرع الله ـ تعالى ـ ماقدروا هذه السيادة حق قدرها، والذين يتحاكمون إلى القوانين الوضعية الشيطانية، أعطوا هذه القوانين السيادة، والذين يقدمون آراء الرجال، ويقلدون الآباء والشيوخ والأحبار والرهبان، ما جعلوا الله ـ تعالى ـ سيدا، وإنما جعلوا السيادة للمتبوعين.

قال ـ تعالى ـ مخبرا عن أهل النار: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} ((1)

قال ـ تعالى ـ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} .

وقال ـ تعالى ـ: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله} (2).

وقال ـ تعالى ـ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

إلى غير ذلك من الآثار الجليلة التي دل عليها هذا الاسم.

(1) الأحزاب، آية (67).

(2)

الشورى، آية (21).

ص: 177