المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌سندات المقارضة وسندات الإستثمار - بحوث في قضايا فقهية معاصرة

[محمد تقي العثماني]

الفصل: ‌سندات المقارضة وسندات الإستثمار

(7)

‌سندات المقارضة وسندات الإستثمار

بحث عرض في ندوة فقهية اقتصادية أقيمت من قبل معهد البحوث

والتدريب للبنك الإسلامي للتنمية بجدة من:18 إلى 23 جمادى الأخرى

1408هـ الموافق من 6 إلى 11 فبراير

ص: 224

..

ص: 225

سندات المقارضة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، فإن الموضوع المفوض إلي في هذه الندوة، وإن كان يختص بإطفاء سندات المقارضة فحسب، ولكنه يجب للدخول في هذا الموضوع أن نعرف حقيقة سندات المقارضة، وضرورتها، وتكييفها الفقهي، حتى يتضح لنا معنى إطفاء هذه السندات، وما يجب له من طريق مشروع وفق الشريعة الإسلامية.

وإن فكرة سندات المقارضة إنما ظهرت لإيجاد بديل شرعي لسندات القرض الربوية التي تصدرها البنوك أو الشركات التجارية في الاقتصاد المعاصر اليوم، فلنبدأ بمعرفة حقيقتها:

سندات القروض:

إن سندات القروض صكوك تمثل قروضا تحصل عليها الشركة من عامة الناس على أساس الفائدة الربوية المحددة، وتكون هذه الصكوك في التعامل المعاصر قابلة للتداول، وغير قابلة للتجزئة.

وإنما تضطر الشركات في بعض الأحيان إلى إصدار هذه السندات لأنها قد تحتاج في أثناء مزاولة أعمالها إلى مبالغ أكثر مما حصلت عليه

ص: 226

من طريق إصدار الأسهم، لتزيد من قدراتها على إنجاز مشاريعها، والتوسع فيها، أو لتواجه أزمة مالية طرأت عليها. ولا ترغب الشركة في عرض اكتتاب بأسهم جديدة على الجمهور، لئلا تتضاءل أنصبة الشركاء، فتضطر إلى أن تقترض هذه المبالغ ممن يمكن الاقتراض منه.

وفي جانب آخر، تكون عند كثير من الناس مبالغ أفرزوها من حاجاتهم اليومية، ورصدوها لحاجاتهم المتوقعة في المستقبل. وأن هذه المبالغ تكون مودعة في بيوت أصحابها، أو في حسابهم الجاري في البنوك، فلا يمكن أن تستغل هذه المبالغ لصالح الإنتاج الوطني، إلا بأن تدفع إلى المنتجين أو التجار قرضا، فيستعملونها في أعمالهم الإنتاجية أو التجارية. ولكن أصحاب الأموال ينفرون من إقراضها خشية أن لا يجدوها عندما تعرض لهم الحاجات التي رصدوا هذه المبالغ من أجلها.

فجاءت فكرة إصدار سندات القروض تشجيعا لأصحاب الأموال في القرض، وإزالة لمخاوفهم، وذلك بطريقين:

الأول: بإطماع أصحاب الأموال بتحديد فائدة ربوية على هذه القروض.

والثاني: يجعل هذه السندات محلا للتداول، بأن حاملها كلما أراد أن يحصل على سيولة، جاز له أن يبيعها في السوق المفتوحة بقيمتها السوقية التي تزيد في الغالب عن قيمتها الاسمية.

وبهذا استطاع النظام الاقتصادي المعاصر أن يستخدم أموال الناس المودعة في بيوتهم لعملية الإنتاج والاستثمار.

ولكن هذا الطريق مبني على أساس القرض الربوي الذي لا تبيحه الشريعة الإسلامية في حال من الأحوال، وفيه من المفاسد الشرعية والاقتصادية ما ليس هذا محل بسطها.

ومن هنا أراد بعض المسلمين في البلاد الإسلامية أن يأتوا

ص: 227

ببديل لهذه السندات في شكل (سندات المقارضة) والمقارضة أو القراض عقد معروف في الفقه الإسلامي يسلم فيه رب المال أمواله إلى عامل يستثمرها بطريق التجارة، ويكون الربح الناتج من هذه التجارة بينهما بالنسبة المتفق عليها. وإن هذا العقد يسمى (مضاربة) أيضا.

فالفكرة الأساسية وراء سندات المقارضة أن يحدث عقد المضاربة بين حامل هذه السندات ومصدرها، فلا يستحق صاحب السند فائدة محددة، وإنما يستحق نسبة معينة من الربح إن أثمرت التجارة ربحا.

وقد أصدرت عدة بلاد إسلامية قوانين خاصة بالنسبة لهذه السندات، فنريد في هذا البحث أن ندرس هذه القوانين، وما شرعت لها من خطة عملية، ليمكن لنا البت في حكمها الشرعي. ثم نأتي باقتراح خطة عملية في ضوء الشريعة الإسلامية.

وبين يدينا في هذا الوقت مشروع للقانون - وهو قانون سندات المقارضة رقم 10 لسنة 1981م الذي أصدرته المملكة الأردنية الهاشمية.

القانون الأردني:

القانون الأردني، فعلى ما شرحه الدكتور عبد السلام العبادي في دراسته المعروضة على مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثالثة المنعقدة بعمان، يتلخص في نقاط تالية:

1-

إن (سندات المقارضة) هي الوثائق المحدودة القيمة التي تصدر

ص: 228

بأسماء مالكيها مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه، بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.

2-

يحصل مالكو السندات على نسبة محدودة من أرباح المشروع، وتحدد هذه النسبة في نشرة إصدار السندات، ولا تنتج سندات المقارضة أي فوائد، كما لا تعطي مالكها الحق في المطالبة بفائدة سنوية محددة.

3-

المعهود في المضاربة المعهودة في الفقه الإسلامي، أن المضاربة إذا أردت أرباحا فإنها توزع عند نهاية كل فترة على كل من رب المال والعامل حسب النسبة المتفق عليها في العقد، ولكن القانون الأردني لسندات المقارضة يصرح بأن عند كل فترة لا توزع إلا النسبة المختصة بصاحب السند، فيجوز له ترك حصته من الربح محفوظة في المشروع، ليمكن لها الإطفاء التدريجي للسندات.

4-

يجب على كل صاحب سند أن يتقدم في المواعيد المحدودة في العقد، فيطالب الجهة المصدرة بإطفائه على أساس قيمته الاسمية، ويسترد ما دفعه من المال مقابل السند الذي تقدم به. وإن الجهة المصدرة ترد عليه قيمة السند من حصتها المحفوظة من الربح، كما مر في النقطة الثالثة.

5-

وهكذا يسترد أصحاب السندات مقدار ما دفعوه أولا بأول، عن طريق الإطفاء التدريجي، إلى أن يتم الإطفاء لجميع السندات. وحينئذ تمتلك الجهة المصدرة المشروع كله بما فيه من أبنية، وآلات، وعروض وما إليها. فيصير المشروع كله ربح الجهة المصدرة الناتج من هذه المقارضة.

6-

أما إذا أصيب المشروع بخسارة، فالأصل أن يتحملها أصحاب السندات لأنهم أرباب الأموال، ولكن صرح القانون الأردني بأن الحكومة

ص: 229

كطرف ثالث تضمن لأصحاب السندات مبلغ قيمتها الاسمية، فإن أصيب المشروع بخسارة استغرقت الأموال كلها، فإن الحكومة تتدارك لأصحاب الأموال هذه الخسارة.

7-

ما تدفعه الحكومة لأصحاب السندات من المال جبرا لخسائرهم، يعتبر قرضا في ذمة الجهة المصدرة، يجب عليها أداؤه إلى الحكومة عندما يتم الإطفاء الكامل لهذه السندات.

هذه خلاصة الصيغة التي طرحها القانون الأردني لسندات المقارضة. ولو نظرنا فيها بإمعان. وجدنا أن فيها مؤاخذات من الناحية الشرعية.

1-

إن طبيعة المضاربة أو المقارضة تقتضي أن لا يضمن لأحد من الفريقين برأس المال ولا بالربح، فإن ما يحصل لهما ليس فائدة ربوية، وإنما هو ربح تجاري، والربح التجاري إنما يستحق من جهة تحمل الأخطار، فإذا كان رأس المال مضمونا لرب المال، خرج العقد عن طبيعة المضاربة. وبما أن القيمة الاسمية للسندات في الصيغة الأردنية مضمونة لحامليها، فإن هذا الشرط لا يوافق المضاربة المعهودة في الشريعة الإسلامية.

وربما يقال: إن الذي ضمن هذه القيمة ليس مصدر السندات أو العامل، وإنما ضمنته الحكومة كطرف ثالث، والممنوع في الشريعة أن يضمن أحد طرفي العقد بالمال للطرف الآخر. فأما إذا جاء شخص ثالث، وضمن لأحدهما ما يخسره في العقد فلا مانع منه شرعا.

ولكن هذا العذر غير وارد في الصيغة الأردنية. لأن الحكومة لا تضمن ههنا بالقيمة الاسمية لحامل السند نيابة عن الجهة المصدرة، ولذلك يعتبر المال المدفوع قرضا للحكومة في ذمتها ويجب عليها أداؤه عندما

ص: 230

يتم الإطفاء الكامل للسندات. وما دامت الجهة المصدرة تلتزم بأداء هذا المبلغ إلى الحكومة، أن الضامنة في الحقيقة هي الجهة المصدرة للسند، لا الحكومة.

2-

ولئن تصورنا تعديل القانون بأن تكون الحكومة متبرعة محضة، ولا يعتبر المال المدفوع من قبلها قرضا في ذمة الجهة المصدرة، فحينئذ تدخل هذه الصيغة المعدلة في حكم (ضمان الطرف الثالث) وإن الضابط المعروف في الفقه الإسلامي أن الكفيل إنما تصح كفالته لما هو مضمون على الأصيل، كالقرض، وثمن البيع، وسائر الديون. أما ما لم يكن مضمونا على الأصيل، فلا تصح كفالته، مثل الوديعة ورأس مال الشركة والمضاربة، وما إلى ذلك، وهذا الضابط معروف في كتب الفقه ليس فيه خلاف لأحد من العلماء.

وإليكم بعض النصوص الفقهية في هذا المجال، يقول المرغيناني الحنفي رحمه الله تعالى:

(والكفالة بالأعيان المضمونة وإن كانت تصح عندنا، خلافا للشافعي، لكن بالأعيان المضمونة بنفسها، كالبيع بيعا فاسدا، والمقبوض على سوم الشراء، والمغصوب، لا بما كان مضمونا بغيره، كالمبيع، والمرهون، ولا بما كان أمانة، كالوديعة والمستعار والمستأجر، ومال المضاربة، والشركة)(1) . ويقول الشربيني الخطيب الشافعي رحمه الله تعالى: يصح ضمان رد كل عين ممن هي في يده مضمونة عليه، كمغصوبة، ومستعارة، ومستامة، ومبيع لم يقبض (إلى قوله) وأما إذا لم تكن العين

(1) الهداية 3: 120

ص: 231

مضمونة على من هي بيده، كالوديعة، والمال في يد الشريك، والوكيل، والوصي، فلا يصح ضمانها، لأن الواجب فيها التخلية دون الرد. (1) . ويقول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى: ويصح ضمان الأعيان المضمونة كالمغصوب، والعارية، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد القولين (إلى قوله) فأما الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط، فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها لم يصح ضمانها، لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنها؛ وإن ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى يدل على صحة الضمان) (2) . وجاء في كشاف القناع عن متن الإقناع في فقه الحنبلي وتصح الكفالة بالأعيان المضمونة، كالمغصوب، والعواري، لأنه يصح ضمانها، ولا تصح الكفالة بالأمانات، كالوديعة والشركة والمضاربة، إلا إن كفله بشرط التعدي (3) . ويقول ابن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى:(وضمان الخسران باطل لأن الضمان لا يكون إلا بمضمون، والخسران غير مضمون على أحد، حتى لو قال بائع في السوق على أن كل خسران يلحقك فعلي، أو قال لمشتري العبد إن أبق العبد هذا فعلي لا يصح (4)) .

(1) . مغني المحتاج 2: 202.

(2)

. .المغني لابن قدامة 4: 595.

(3)

. كشاف القناع عن متن الإقناع 3: 364

(4)

. فتح القدير 6: 323.

ص: 232

ولكن عند صحة الكفالة في هذه الأمور إنما يعني أن المبلغ المكفول به لا يلزم الكفيل قضاء، فلا يجوز للمكفول له أن يطالب به الكفيل في محكمة. ولكن التزام الطرف الثالث بأداء هذا المبلغ يمكن أن يعتبر كوعد محض يلزمه الوفاء به ديانة، لا قضاء. فلو وفى الطرف الثالث بوعده، وتبرع بالمبلغ، جاز لحامل السند أن يأخذه، ولكن لا ينفذ القاضي التزامه ككفالة. وهل نستطيع أن نجعله وعدا ملزما في القضاء أخذا بقول المالكية رحمهم الله تعالى؟ لي فيه تردد. فإننا لو جعلناه وعدا ملزما ضمانا لازما، فلا يبقى هناك معنى عدم صحة الكفالة برأس مال الشركة والمضاربة.

3-

مسألة إطفاء السندات:

والملاحظة الثالثة في الصيغة الأردنية: هي في إطفاء السندات بقيمتها الاسمية فإن إطفاءها بالقيمة الاسمية أخرجها عن طبيعة القراض، وجعلها قرضا. ويجب لإيضاح هذه النقطة أن نعرف التكييف الفقهي لهذا الإطفاء. فالواقع أن إطفاء هذه السندات استرداد لمال المضاربة من قبل رب المال. وإن هذا الاسترداد بسيط إذا كان مال المضاربة ناضا. أما إذا تحول مال المضاربة إلى عروض. فإن هذا الاسترداد عبارة عن بيع تلك العروض من المضارب. فالبضائع كلها مملوكة لأصحاب الأموال، ولا يستحق المضارب من عينها شيئا، وإنما يستحق نسبة من الربح إن أدرت ربحا. فمن يتقدم بالسند إلى الجهة المصدرة لإطفائها في حين أن جميع مال المضاربة أو أكثره تحول إلى مشروع صناعي أو تجاري فإنه إنما يريد أن يبيع من الجهة المصدرة حصته الشائعة في المشروع. فهذه الإطفاءات يجري عليها أحكام البيع بأجمعها.

ص: 233

فها هنا مسائل:

الأولى: هل يجوز لرب المال أن يسترد مال المضاربة في حين أنه غير ناض؟

والثانية: هل يجوز اشتراط هذا الاسترداد في عقد المضاربة؟

والثالثة: إذا كان الاسترداد جائزا، فهل يكون ذلك بقيمتها الاسمية أو بقيمتها السوقية؟

أما المسألة الأولى:

وهي استرداد مال المضاربة في حين أنه غير ناض، فهو بالتعبير الفقهي الدقيق فسخ للمضاربة، أو عزل للمضارب عنها (في حق ذلك السند بعينه) وقد ذكر الفقهاء أن المضارب في هذه الصورة يلزمه بيع العرض. جاء في الدر المختار: وينعزل (أي المضارب) بعزله (أي رب المال)

فإن علم بالعزل، والمال عروض باعها (1) . وجاء في المغني لابن قدامة: (والمضاربة من العقود الجائزة، تنفسخ بفسخ أحدهما

وإن انفسخت والمال عرض فاتفقا على بيعه أو قسمه جاز، لأن الحق لهما لا يعدوهما.. وإن طلب رب المال البيع وأبى العامل، ففيه وجهان: أحدهما: يجبر العامل على البيع وهو قول الشافعي لأن عليه رد المال ناضا كما

(1) رد المحتار: 5: 655، كتاب المضاربة، قبيل المتفرقات.

ص: 234

أخذه، والثاني: إذا لم يكن في المال ربح أو أسقط حقه من الربح) . (1)

فتبين بهذا أنه لا مانع شرعا من استرداد مال المضاربة. ويتحتم حينئذ بيع ما كان منه في شكل العروض. ومن الواضح جدا أن هذا البيع كما يمكن أن يعقد مع طرف ثالث، يجوز أن يعقد بين رب المال والمضارب، فيستطيع المضارب أن يشتري العروض لنفسه، ويؤدي قيمته المطلوبة إلى مال المضاربة، فيقبض منها رب المال رأس ماله مع حصته من الربح، والمضارب حصته من الربح فقط.

وأما المسألة الثانية:

وهي اشتراط هذا الاسترداد بطريق البيع في عقد المضاربة، فلا مانع منه أيضا، لكونه شرطا لا يخالف مقتضى عقد المضاربة، لأن رب المال يملك فسخ المضاربة متى شاء، وحينئذ يجب على المضارب أن يبيع العروض لينض لرب المال ماله، فشرط البيع في المضاربة شرط ملحوظ في طبيعة العقد، غير أن العروض لا تباع في المسألة المبحوث عنها إلا من المضارب، وهذا لا مانع منه شرعا، لأن رب المال والمضارب يجوز أن يجري بينهما البيع والشراء في مال المضاربة عند كثير من الفقهاء. يقول الكاساني رحمه الله تعالى: ويجوز شراء رب المال من المضارب وشراء المضارب من رب المال وإن لم يكن في المضاربة ربح في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر رحمه الله تعالى: لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة. وجه قول زفر رحمه الله تعالى: لا يجوز الشراء بينهما في مال المضاربة. وجه قول زفر أن هذا بيع ماله بماله، وشراء ماله بماله، إذ المالان جميعا لرب المال، وهذا لا يجوز،

(1) المغني لابن قدامة 5: 180 فروع في أحكام فسخ المضاربة، طبع بيروت.

ص: 235

كالوكيل مع الموكل ولنا أن لرب المال في مال المضاربة رقبة، لا ملك تصرف، وملكه في حق التصرف كملك الأجنبي، وللمضارب فيه ملك التصرف لا الرقبة، فكان في حق ملك الرقبة كملك أجنبي، حتى لا يملك رب المال منعه من التصرف، فكان مال المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي، لذلك جاز الشراء بينهما) (1) .

فاشتراط البيع من المضارب شرط لا ينافي مقتضى العقد، فلا بأس بذلك شرعا.

المسألة الثالثة:

وهي: هل يقع إطفاء السندات على قيمتها الاسمية، أو على قيمتها السوقية؟ والجواب عندي أنه يجب أن يقع على قيمتها السوقية، ثم إن كانت قيمتها السوقية أكثر من قيمتها الاسمية، فإن الفرق بين القيمتين يعتبر ربحا لمال المضاربة، فيوزع هذا الربح بين رب المال والمضارب بقدر النسبة المتفق عليها في العقد. ومثاله: لو فرضنا أن القيمة الاسمية للسند هي مائة ربية، صارت قيمته السوقية عند الإطفاء مائة وعشرين، فالواجب على المضارب إن أراد شراءه أن يدفع إلى مال المضاربة مائة وعشرين، ثم إن هذا العشرين زيادة ربحتها المضاربة، فإن كانت المضاربة على النصف مثلا، صارت العشرة منها حصة لرب المال، والعشرة الأخرى حصة للمضارب من الربح، فتوزع عليهما بهذا الطريق، وبهذا يقوم على المضارب ما اشتراه من الجزء المقابل لهذا السند من المشروع بمائة وعشرة. والدليل على أن الإطفاء يجب أن يكون على القيمة السوقية: أن مال

(1) بدائع الصنائع 6: 101.

ص: 236

المضاربة كله مملوك لرب المال شرعا، وليس للمضارب منه إلا حصته من الربح، فلو ارتفعت قيمة السند في السوق، فليس ذلك إلا لأجل الزيادة في مال المضاربة. وإن مال المضاربة كله مملوك لرب المال بما فيه من الزيادة على رأس المال، سوى حصة المضارب من الربح، فلو شرطنا على رب المال أنه يجب عليه الإطفاء على قيمته الاسمية، فإن هذا الشرط لا يجوز شرعا، لكونه منافيا لمقتضى المضاربة. وقد صرح الفقهاء بهذا، فيقول الكاساني رحمه الله تعالى:(وإذا اشترى المضارب بمال المضاربة متاعا، وفيه فضل، أو لا فضل فيه فأراد رب المال بيع ذلك، فأبى المضارب وأراد إمساكه حتى يجد ربحا، فإن المضارب يجبر على بيعه، إلا أن يشاء أن يدفعه إلى رب المال، لأن منع المالك عن تنفيذ إرادته في ملكه لحق يحتمل الثبوت والعدم، وهو ربح لا سبيل إليه، ولكن يقال له: إن أردت الإمساك فرد عليه ماله، وإن كان فيه ربح، يقال له: ادفع إليه رأس المال وحصته من الربح، ويسلم المتاع إليك)(1) .

فتبين بهذا أن صاحب السند لا يستحق القيمة الاسمية (وهي رأس المال) فحسب، وإنما يستحق معها حصته من الربح، فلا سبيل إلى إطفاء السند بقيمته الاسمية. وإنما يجب أن يقع البيع بقيمته السوقية، ثم يوزع الربح بين الفريقين بحسب النسبة المتفق عليها.

وفي ضوء ما ذكرنا وفي ضوء ما ذكرنا يتحصل أن هناك أحوالا ثلاثة عند الإطفاء بالنظر إلى نسبة القيمة السوقية من القيمة الإسمية:

(1)

إذا كانت القيمة السوقية مساوية للقيمة الإسمية انتهى الأمر ويقع الإطفاء عليهما.

(1) بدائع الصنائع للكاساني/ 6: 100.

ص: 237

(2)

إذا كانت القيمة السوقية أقل من القيمة الإسمية يقع الإطفاء على القيمة للسوقية وإن النقصان يعتبر خسارة لصاحب السند.

(3)

إذا كانت القيمة السوقية أكثر من القيمة الإسمية فإنه يجب أن يكون إطفاء السند على قيمة تنقص من قيمته السوقية بقدر النسبة المتفق عليها من ربح الجهة المصدرة للسند. فإن اتفقت الجهة المصدرة مع حاصل السند أن الربح يوزع بينهما أنصافا، وكان السند قيمته الاسمية مائة، فصارت قيمته السوقية عند الإطفاء يساوي مائة وعشرين، فإن الإطفاء يقع على مائة وعشرة، لأن العشرة ربح للجهة المصدرة.

السؤال الأخير:

والسؤال الأخير في هذه الندوة في هذا الصدد هو: (هل يتم إطفاء السندات باستبعاد عدد معين من الأسهم الكاملة، أم يكون ذلك باستبعاد جزء من كل سهم؟) . وعلى الوجه الأخير هل يعتبر ربح كل سهم متناقصا مع تناقص القيمة؟ أم يظل ربحه كاملا حتى نهاية الإطفاء؟ والجواب على هذا السؤال عندي هو أنه لا مانع شرعا من اختيار واحدة من الطريقتين المذكورتين للإطفاء، لأن الإطفاء كما أوضحنا فيما سبق بيع لمال المضاربة من المضارب، وإن هذا البيع كما يجوز في جميع مال المضاربة، يجوز في بعضه أيضا، غير أنه إذا باع رب المال نصف مال المضاربة من المضارب، وأبقى المضاربة في نصفه الآخر، وبقى هذا المجموع مصروفا في التجارة المشتركة مختلطا بعضه ببعض، فإن هذا البيع يتضمن إحداث شركة عنان في الحصة المبيعة بين المضارب ورب المال، فيكون المضارب شريكا في هذه التجارة بحصته التي اشتراها من رب المال، مع بقية مال المضاربة، فما حصل من الربح على مجموع هذا

ص: 238

المال فإن المضارب يجوز له نصفه كشريك، ويقسم الثاني على رب المال والمضارب بالنسبة المتفق عليها بحكم المضاربة. مثال: لو أعطى زيد مائة ألف ربية إلى خالد مضاربة بالنصف، فاشترى خالد منه بضائع يتجر فيها، فإن جميع هذه البضائع مملوكة لزيد، ثم اشترى خالد النصف المشاع من هذه البضائع ولم يعزلها عن التجارة، بل استمر في استرباحها برضا زيد، فإن ذلك يقتضي أن كلا منهما قد عقد الشركة بهذا النصف المشترى، فصار نصف هذه البضائع مملوكا لخالد وبقي نصفها الآخر مملوكا لزيد، تستمر فيه المضاربة كما كانت وإن خالدا شريك لزيد بنصفها الذي يملكه، ومضاربا له في النصف المملوك لزيد. فلو حصل على هذا المجموع ربح خمسين ألفا مثلا، فإن 25 ألفا منها حصة خالد بفضل كونه شريكا و25 ألفا ربح المضاربة، فيقسم بينهما أنصافا، فيكون لزيد -/12500 بحكم كونه رب المال، ولخالد -/12500 بحكم كونه مضاربا، فيكون توزيع الأرباح بينهما كالآتي:

حصة خالد بحكم الشركة -/25000

حصة خالد بحكم المضاربة -/ 12500

مجموع حصتي خالد -/37500

حصة زيد كرب المال في النصف -/12500

صافي الربح -/5000

واتضح بهذا أنه كلما يبيع رب المال جزءا من مال المضاربة إلى المضارب، فإن ربح ذلك

ص: 239

الجزء ينتقل إلى المضارب بحكم كونه شريكا في التجارة بذلك الجزء، فيقل ربح رب المال، ويزداد المضارب في مجموع التجارة. وبما أن إطفاء جزء من السند بيع لما يقابله فإن ربح ذلك الجزء ينتقل إلى الجهة المصدرة، فيعتبر ربح ذلك الجزء متناقصا في حق صاحب السند فور إطفائه، ولا ينظر في ذلك إلى أن يتم إطفاء السند بكامله. ومثاله: لو كان السند قيمته الاسمية مائة ربية، فتقدم صاحب السند لإطفاء نصفه، واتفقت الجهة المصدرة على ذلك، فإن حق صاحب السند في الربح ينقص خمسين في المائة فور هذا الإطفاء، ولا يصح شرعا أن يظل ربحه كاملا حتى نهاية الإطفاء. هذا من الناحية الشرعية، ولكننا إذا نظرنا من الناحية العملية، فيبدو أن الاقتصار على الطريق الأول من الإطفاء أولى وأسهل. وذلك أن لا يقع الإطفاء إلا على عدد معين من الأسهم الكاملة، ليسهل حساب الربح عملا، ولعل ذلك يتطلب أن تكون القيمة الاسمية للسندات قصيرة لا تحتاج عند الإطفاء إلى التجزئ. والله سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

ص: 240

..

ص: 241