الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشَّذِيِّ مَا لَفْظُهُ وَاسْتَمَرَّ التَّرْجِيعُ فِي مَكَّةَ إلى عهد الشافعي وكان السلف يشهدون وسم الْحَجِّ كُلَّ سَنَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ انْتَهَى
قُلْتُ وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَا وَلَكِنَّهُمَا مَعَ هَذَا الِاعْتِرَافِ لَمْ يَقُولَا بِسُنِّيَّةِ التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ فَأَمَّا صَاحِبُ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ بِأَنَّ التَّرْجِيعَ فِي أَذَانِهِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْأَذَانِ بَلْ كَانَ لِأَجْلِ التَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ كَانَ كَافِرًا فَكَرَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشَّهَادَتَيْنِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ لِتَرْسُخَا فِي قَلْبِهِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّتُهُ الْمُفَصَّلَةُ فَظَنَّ أَبُو مَحْذُورَةَ أَنَّهُ تَرْجِيعٌ وَأَنَّهُ فِي أَصْلِ الْأَذَانِ انْتَهَى
قُلْتُ هَذَا الْجَوَابُ مَرْدُودٌ كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْبَذْلِ مُسْتَدِلًّا عَلَى عَدَمِ سُنِّيَّةِ التَّرْجِيعِ مَا لَفْظُهُ وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّهُ قَالَ أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ إِلَى آخِرِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَرْجِيعًا انْتَهَى
قُلْتُ أَجَابَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهَذَا مُعَارِضٌ لِلرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيم بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَذَكَرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَفِيهِ تَرْجِيعٌ انْتَهَى
ثُمَّ قَالَ وَأَيْضًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّرْجِيعِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ بن عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً غَيْرَ أَنْ يَقُولَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَتَذَكَّرْ ثُمَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِنْ تَدُلَّ عَلَى عَدَمِ التَّرْجِيعِ فَتَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا بِعَدَمِ تَثْنِيَتِهَا أَيْضًا وَأَمَّا صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ فَقَالَ إِنْ رَجَّعَ الْحَنَفِيُّ فِي الْأَذَانِ فَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يُبَاحُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَقَالَ الْحَقُّ ثُبُوتُ التَّرْجِيعِ وَوَجْهُ الرُّجْحَانِ لَنَا فِي عَدَمِ التَّرْجِيعِ أَنَّ بِلَالًا اسْتَمَرَّ أَمْرُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ تَعْلِيمِهِ عليه السلام الْأَذَانَ أَبَا مَحْذُورَةَ وَبَعْدَهُ انْتَهَى
قُلْتُ قَدِ اسْتَمَرَّ التَّرْجِيعُ أَيْضًا مِنْ حِينِ تَعْلِيمِهِ عليه السلام الْأَذَانَ بِالتَّرْجِيعِ أَبَا مَحْذُورَةَ إِلَى عَهْدِ الشَّافِعِيِّ كَمَا اعْتَرَفَ هُوَ بِهِ فَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَيْسَ لِإِنْكَارِ سُنِّيَّةِ التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ وَجْهٌ إِلَّا التَّقْلِيدُ أَوْ قِلَّةُ الِاطِّلَاعِ
8 -
(بَاب مَا جَاءَ فِي إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ)
[193]
قَوْلُهُ (قَالَ أُمِرَ بِلَالٌ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَنْ يَشْفَعَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ يَأْتِيَ بِأَلْفَاظِهِ شَفْعًا قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَصْفُ الْأَذَانِ بِأَنَّهُ شَفْعٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ مَثْنَى أَيْ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَسْتَوِيَ جَمِيعُ ألفاظه لكن لم يختلف في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الَّتِي فِي آخِرِهِ مُفْرَدَةً فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ مَثْنَى عَلَى مَا سِوَاهَا (وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ) أَيْ يَأْتِيَ بِأَلْفَاظِهَا مَرَّةً مَرَّةً زَادَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا الْإِقَامَةَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ وَقَالَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَلِلنَّسَائِيِّ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلَالًا انْتَهَى فَرِوَايَةُ النَّسَائِيِّ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْآمِرَ هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَبِهَذَا ظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ الْعَيْنِيِّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْآمِرَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْ غَيْرَهُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِلَفْظِ إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَلَهُ طَرِيقَانِ كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ الْأَوَّلُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عن محمد بن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قال لَمَّا أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالنَّاقُوسِ وَفِيهِ ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله حي على الصلاة حي على الفلاح قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ورواه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ لَيْسَ فِي أَخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي فَصْلِ الْأَذَانِ خَبَرٌ أَصَحُّ مِنْ هَذَا لِأَنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَهُ من أبيه وبن أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بن زيد انتهى ورواه بن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ يَقُولُ لَيْسَ فِي أَخْبَارِ إلى آخر لفظ البيهقي وزاد خبر بن إِسْحَاقَ هَذَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم التيمي وليس هو مما دلسه بن إِسْحَاقَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكَبِيرِ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ عِنْدِي صَحِيحٌ انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الراية
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قال لما أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُضْرَبَ بِالنَّاقُوسِ يَجْمَعُ لِلصَّلَاةِ النَّاسَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حي على الصلاة حي على الفلاح قد قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ الحافظ في التلخيص بعد ما ذَكَرَ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَقَالَ هَذَا أَمْثَلُ الرِّوَايَاتِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرَوَاهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ وشعيب إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى مَا فِي التَّلْخِيصِ وَقَالَ فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ نَقْلًا عَنْ غَايَةِ وبن الْمَقْصُودِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا الطَّرِيقِ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَقَالَ هَذِهِ أَمْثَلُ الرِّوَايَاتِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرَوَاهُ يونس ومعمر وشعيب وبن إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمُتَابَعَةُ هَؤُلَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ تَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّدْلِيسِ الَّذِي يحتمله عنعنة بن إِسْحَاقَ انْتَهَى مَا فِي الْعَوْنِ
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تاريخه والدارقطني وبن خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَحَسَّنَهُ فِي حَدِيثٍ لِأَبِي مَحْذُورَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدَةً انْتَهَى
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ
قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ إِنَّ الْإِقَامَةَ عَشْرُ كَلِمَاتٍ بِتَوْحِيدِ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فَعِنْدَهُمْ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بتثنية قد قامت الصلاة واستدلوا بحديث بن عُمَرَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ
وَأَمَّا مَالِكٌ فَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ هُوَ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ
قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِبَارِ رَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْإِقَامَةَ فُرَادَى وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٌ
وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الشَّامِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَنْ تبعهم من العراقيين وإليه ذهب يحيى بن يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَازِمِيِّ
قُلْتُ وَأَجَابَ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ كَالْحَنَفِيَّةِ بِأَجْوِبَةٍ كُلُّهَا مَخْدُوشَةٌ لَا يَطْمَئِنُّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ إِفْرَادَ الْإِقَامَةِ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَفِيهِ تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَيَكُونُ نَاسِخًا
وَعُورِضَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ الْمُحَسَّنَةِ التَّرْبِيعَ وَالتَّرْجِيعَ فَكَانَ يَلْزَمُهُمُ الْقَوْلُ بِهِ
وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ بِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَعَ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَعَلَّمَهُ سَعْدَ الْقَرَظِ فَأَذَّنَ بِهِ بَعْدَهُ كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ إِفْرَادَ الْإِقَامَةِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ إِنَّ بِلَالًا كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقِيمُ مَثْنَى مَثْنَى
وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ بِلَالٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَتَعْرِفُ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ بِلَالًا كَانَ مَذْهَبُهُ الْإِبَاحَةَ وَالتَّخْيِيرَ
وَأَجَابَ الْعَيْنِيُّ فِي الْبِنَايَةِ بِأَنَّ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ فِي الْإِقَامَةِ وَالتَّفْرِيقِ فِي الْأَذَانِ وَعَلَى الْإِتْيَانِ قَوْلًا بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ الصَّوْتُ
وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ يُبْطِلُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورُ بِلَفْظِ ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَذَا يُبْطِلُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ فَتَأْوِيلُ الْعَيْنِيِّ هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ
وَالْحَقُّ أَنَّ أَحَادِيثَ إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَلَا بِمُؤَوَّلَةٍ نَعَمْ قَدْ ثَبَتَ أَحَادِيثُ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ أَيْضًا وَهِيَ أَيْضًا مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَلَا بِمُؤَوَّلَةٍ وَعِنْدِي الْإِفْرَادُ وَالتَّثْنِيَةُ كِلَاهُمَا جَائِزَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قال بن عبد البر ذهب أحمد وإسحاق وداود وبن حبان وبن جرير إلى ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ فَإِنْ رَبَّعَ التَّكْبِيرَ الأول في