الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني:
التدريب على الخطابة
المبحث الأول: مفهوم الخطابة وخصائص الأسلوب الخطابي
ما هي الخطابة:
الخطابة في اللغة: قال في اللسان: (الخِطابُ والمُخاطَبة: مُراجَعَة الكَلامِ، وقد خاطَبَه بالكلامِ مُخاطَبَةً وخِطاباً، وهُما يَتخاطَبانِ، قال الليث: والخُطْبةَ مَصْدَرُ الخَطِيبِ، وخَطَبَ الخاطِبُ على المِنْبَرِ، واخْتَطَبَ يَخْطُبُ خَطَابَةً، واسمُ الكلامِ: الخُطْبَة؛ قال أَبو منصور: والذي قال الليث، إِنَّ الخُطْبَة مَصْدَرُ الخَطِيبِ، لا يَجوزُ إِلَاّ على وَجْهٍ واحدٍ، وهو أَنَّ الخُطْبَةَ اسمٌ للكلام، الذي يَتَكَلمُ به الخَطِيب، فيُوضَعُ
…
قال الجوهري: خَطَبْتُ على المِنْبَرِ خُطْبَةً، بالضم، أَن يكونَ وَضَعَ الاسْمَ مَوْضِعَ المصْدَرِ، وذهب أَبو إِسْحق إِلى أَنَّ الخُطْبَةَ عندَ العَرَب: الكلامُ المَنْثُورُ المُسَجَّع، ونحوهُ. ورَجُل خَطِيبٌ: حَسَن الخُطْبَة، وجَمْع الخَطِيب خُطباءُ. وخَطُبَ، بالضم، خَطابَةً، بالفَتْح: صار خَطِيباً
…
) (1)
وخلاصة ما تقدم أن الخطابة: (كلام منثور بليغ) وهو كلام يضارع في أصالته وقوة تأثيره الشعر، وللخطابة أغراض وأنماط كثيرة تتنوع أساليبها تبعا لذلك.
والخطابة اصطلاحا:
عند أرسطو: (هي القدرة على النظر في كل ما يوصل إلى الإقناع في أي
(1) لسان العرب 1 / 361 مادة (خ ط ب)
مسألة من المسائل) (1) وعند ابن رشد: (الخطابة هي: قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة)(2)
ومن التعريفات الموضوعية ما تداوله كثير من الباحثين المعاصرين وهو قولهم: (الخطابة: فن مشافهة الجمهور للتأثير عليهم واستمالتهم)(3)
وبتأمل مفردات التعريفات السابقة يتبين أنها تتضمن العناصر الثلاثة الرئيسة وهي: المرسل والمستقبل والرسالة، أي الخطيب والجمهور والخطبة.
وعليه فالخطابة علم له قواعد وأصول وأساليب وضوابط، لا بد من تعلمها ثم التمرس عليها والتعود، يؤازر ذلك المقدرة النفسية والموهبة الإلهية. والخطيب البارع المفوه هو الذي يجمع الله له بين العلم والموهبة، وقد أطنب الأدباء في إبراز جانب الموهبة والملكة في الخطيب وعدّوه من أسس التمكن الخطابي، وذكروا العناصر الخطابية التي ينبغي للخطيب الوقوف عليها والتدريب عليها مثل قولهم: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ (4) .
كما ذكروا عيوب الخطباء مثل قولهم: ((تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عُجز، والتشادق من غير أهل البادية بُغض، والنظر في عيون الناس عيّ، ومسّ اللحية هُلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب)) (5) .
(1) أصول الإعلام الإسلامي - ص 267
(2)
تلخيص الخطابة لابن رشد ص 24
(3)
الدعوة إلى الله: د. عبد الله شحاتة ص 19، وقواعد الخطابة: د. أحمد غلوش: ص 8 ط: 1979م
(4)
البيان والتبيين 1 / 44
(5)
المرجع السابق.
وعلى هذا فالخطابة من حيث هي مادة قابلة للتدريب والتطوير ترتكز على أمرين أساسين: (العلم، والموهبة) .
وسبيل الخطابة (المشافهة) بين الخطيب والمستمعين من غير واسطة فالأصل فيها الارتجال مع سبق الإعداد على ما درج عليه العرب منذ الجاهلية إذ كانوا- وهم أميون- يخطبون عفو الخاطر وعلى السليقة والفطرة فالمستمعون يسمعون الخطيب ويرونه في آنه ولحظته، ولذلك من التفاعل بين المتكلم والمستمع وله من التأثير ما يجعل الخطابة أهم وسائل الدعوة والتبليغ المباشِرة.
وثمة (جمهور) مختلفون في الثقافة ومتباينون في المشارب والمسالك: فيهم الصغير والكبير والعالم والجاهل والصديق والعدو والموافق والمخالف فالخطيب البارع هو الذي يتمكن من مخاطبة كل هؤلاء بما يناسبهم من فنون البيان وطرائق الخطاب.
والخطابة تتوخى (الاستمالة) فالإقناع من أجلى خصائص الخطابة، وهذا يستلزم أن يكون الخطيب على علم بأساليب الاستمالة وكيفية توجيه عواطف الناس وعقولهم ومشاعرهم نحو المراد.
خصائص الأسلوب الخطابي:
باستقراء نماذج كثيرة من الخطب الأصيلة وبقراءة ما ذكره الباحثون في خصائص الأسلوب الخطابي يمكن تلخيص تلك الخصائص في الآتي:
1-
القوة البيانية.
2-
الإقناع والاستمالة.
3-
التأثير النفسي.
ودونك إيضاح لكل خاصية بما يناسب المقام:
1-
أما القوة البيانية:
فلأن الخطيب يعبر عما تستجيشه نفسه بأبلغ عبارة وأوفاها بعيدا عن التكلف والتنطع فهو ينطق عفو الخاطر، يمازج في أسلوبه الخطابي بين الخبر والإنشاء، ويحور أسلوبه وفق ما يراه من إقبال السامعين أو فتورهم، ويزين منطقه بالفصاحة والجزالة، قال البلاغيون:((البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وقوة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وأن ذلك أكثر ما تستمال به القلوب وتنثني به الأعناق وتزين به المعاني)) (1) .
وفي كل أمة خصائص بيانية وملكات بلاغية بحسب لغاتها وثقافتها وعوائدها وإن كانت اللغة العربية أقدر اللغات قاطبة في قوة البيان إذ تمتلك ما تفتقده اللغات الأخرى من خصائص التعبير وقوة الحجة، لذا نزل القرآن العظيم باللغة العربية، وفي التنْزيل الحكيم:{وَإنَّهُ لتَنْزِيل رَبّ العَالمِينَ * نَزَل به الرُّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلبكَ لتَكُونَ مِنْ المُنذرينَ * بلسَان عَرَبِي مبِينٍ} (2) فالإبانة وقوة العارضة وتمام الإفصاح من خصائص اللسان العربي لا يضارعه في ذلك لسان آخر البتة.
2-
الإقناع والاستمالة:
يحقق الخطيب الإقناع في خطابه بالحجة العقلية طورا، وبالتأثير العاطفي طورا آخر، وبهما معا طورا ثالثا، وبالمؤثرات الصوتية والإشارية والنفسية أيضا، قال ابن رشد:((لا توجد قوة الإقناع إلا في الخطابة والجدل)) وقال: ((وليس
(1) البيان والتبيين 1 / 14
(2)
سورة الشعراء: 192 – 195
عمل هذه الصناعة- يعني الخطابة- أن تقنع ولابد.. وقد يقنع من ليس بخطيب، وان كان الأصل في الخطيب الإقناع كالبرء في الطبيب)) (1) .
وهذا يقتضي أن يكون الخطيب عارفا بمجاري الكلام وأساليب الإقناع والتأثير. ولهذا الاعتبار وهو قدرة الخطيب على الإقناع والتأثير والاستمالة اطلق على البيان القوي سحرا كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا "(2)
ولعل من أهم ما يعين الخطيب على تحقيق الاقناع معرفته الدقيقة الشاملة بالأساليب الخطابية وسعة اطلاعه بعوامل التأثير في النفوس البشرية ومكامن الشعور فيها، ومواضع استحثاثها، وكثيرا ما قاد الساسة المفوهون الجماهير لا بنفوذ سلطانهم بل بالكلمة القوية البليغة المؤثرة التي ينقاد لها الناس انقياداً ويسلمون لها الزمام وهم راضون.
والأهم من هذا كله قوة الإيمان بالله واليقين بوعده ووعيده، وإن للإيمان لأثرا في تحقيق الإقناع لدى الآخرين، لما يستقر في أفئدتهم من التصديق والتسليم، ثم لما يدفعهم ذلك من الاستعداد للتضحية والبذل. وما تحقق للنبي صلى الله عليه وسلم من انقياد العرب له والإذعان لأمره والتسليم والرضا بأمر الله معه إلا لشئ استقر في قلوبهم.
3-
التأثير النفسي:
التأثير في الخطابة أمر أساس، وهو أمر لا جدال فيه، ولأجل ما تتسم به الخطابة من قوة التأثير وعمقه تسمى الخطابة سحراً كما تقدم.
(1) تلخيص الخطابة: ابن رشد ص 24
(2)
متفق عليه: خ: النكاح (5146)، م: الجمعة (869)
والخطباء يتلاعبون بعواطف الناس بالتأثير الذي تحدثه الخطابة القوية البليغة حتى إن منهم من يقلب الحقائق بالمغالطة وقوة الجدل فيُري الناس الباطل حقا، والخطأ صواباً، لذا ترى الدهماء كيف يُسيّرهم الخطباء البلغاء فيسيرون وفق إراداتهم، وينقادون صوب مقاصدهم ورغباتهم، ولو كان في ذلك العطب والهُلك!
وإلى تأثير الخطابة العميق يشير حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار"(1) .
ويعتمد التأثير الخطابي - بعد قوة العبارة وجودة الفكرة وحلاوة المنطق - على مكانة الخطيب الاجتماعية وجاهه ومنصبه، علما أو فضلا أو صلاحا أو إلفا أو لتفاعله أثناء الخطبة فيظهر صدقه في لهجته ونبرات صوته. وأيضا جرأته المحمودة وقدرته على البيان البليغ الذي هو من خصائص الرجولة، وقد جاء في التنزيل الحكيم أن العجز عن الإبانة من خصائص الأنوثة التي هي محل الستر وقلة المقارعة، قال الله تعالى:{أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الحِليَةِ وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} (2) وهي صفة مدح في الأنثى لأنها لا تساجل الرجال لكنها قدح في الرجل، فهو مثل ضربه الله لعيّ اللسان ورداءة البيان حين شبه أهله بالنساء والولدان! لذا عُدت قوة البيان من مقومات الرجولة.
وعليه فإن من المؤثرات النفسية التي تؤازر الخطيب في أداء مهمته على
(1) متفق عليه: خ: الأحكام (7169)، م: الأقضية (1713)
(2)
سورة الزخرف: 18
الوجه الأتم بعد قوة شكيمته مكانته الإجتماعية ومقوماته الشخصية وفضائله ومناقبه، وقد وردت في القرآن العظيم إشارة إلى ذلك، قال تعالى في قصة نوح عليه السلام:{قَال يَاقَوْمِ ليْسَ بِي ضَلالةٌ وَلكِنِّي رَسُول مِنْ رَبِّ العَالمِينَ أُبَلغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لكُمْ وَأَعْلمُ مِنْ اللهِ مَا لا تَعْلمُونَ} (1)
فهو يثبت لنفسه العلم وينفيه عنهم ليدلل على أهليته ومكانته وأن عليهم أن يأخذوا عنه ويستفيدوا منه ويهتدوا بهديه فعنده ما ليس عندهم، والطريق السوي أن المفضول يأخذ من الفاضل أسباب الفضيلة ويتعلم مسالكها
…
ولهذا المعنى تبعث الرسل في أشراف قومها ويكونون من أهل المدن لا من أهل البوادي لأن المدنية تضفي على أهلها معنى التحضر وهي مظنة العلوم والمعارف، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلنَا مِنْ قَبْلكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِليْهِمْ مِنْ أَهْل القُرَى أَفَلمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلهِمْ وَلدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلونَ} (2)
قال الإمام القرطبي: قوله تعالى: {مِنْ أَهْل القُرَى} يريد المدائن ولم يبعث الله نبيا من أهل البادية لغلبة الجفاء والقسوة على أهل البدو ولأن أهل الأمصار أعقل وأحلم وأفضل وأعلم قال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من النساء ولا من الجن. وقال قتادة: من أهل القرى أي من أهل الأمصار لأنهم أعلم وأحلم وقال العلماء من شرط الرسول أن يكون رجلا آدميا مدنيا
(1) سورة الأعراف: 61-62
(2)
سورة يوسف: 109
وإنما قالوا آدميا تحرزا من قوله يعوذون برجال من الجن والله أعلم (1) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشرف الناس وأرفعهم مكانة ففي حديث واثلة بن الأستع مرفوعا: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» (2) .
وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قال لوط: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} (3) قال: قد كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله عز وجل بعده نبيا إلا بعثه في ذروة قومه"، قال أبو عمر: فما بعث الله عز وجل نبيا بعده إلا في منعة من قومه (4)
فالشرف والوجاهة والمنصب كل أولئك عوامل يتحقق بها التأثير الخطابي.
(1) الجامع لأحكام القرآن 9/274
(2)
م: الفضائل (2276)
(3)
سورة هود: 80
(4)
أحمد: المكثرين (10483) وأصل الحديث في الصحيحين: خ: أحاديث الأنبياء (3372)، م: الفضائل (151)