المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقربَ من غيرهم؛ لأنهم - تفسير الشعراوي - جـ ١٢

[الشعراوي]

الفصل: وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقربَ من غيرهم؛ لأنهم

وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقربَ من غيرهم؛ لأنهم يتبعون ديناً سماوياً؛ وساعة يرى رائحة صاحب خير يرجحه على صاحب الشر؛ فهو يطلب لهم النصر ويُبشِّره الله بخير نصرهم في بِضْع سنين، وهم يحملون رائحة الخير، رغم أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم َ.

ومعنى: {قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ

} [الرعد: 36]

أي: أنني سأعبد الله وحده، ولن أعطف على عبادته شيئاً؛ ويدعو لعبادته وحده؛ لأنه يعلم أنه سيؤوب إليه، كما سيؤوب إليه كُلُّ إنسان؛ فلا أحدَ ينفلِتُ من ربه وخالقه، ولابُدَّ لكل إنسان أن يُعِد عُدَّته لهذا المآب.

ويقول سبحانه من بعد ذلك:

{وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً

}

ص: 7377

والمقصود ب «كذلك» إشارة إلى إرسال الرسل المُتقدِّمين بمعجزات شاءها الحق سبحانه، ولم يقترحها أحد.

وقوله: {أَنزَلْنَاهُ

} [الرعد:‌

‌ 37]

ساعةَ نسمعه نرى أن هناك مكانة عَلِِيّة يُنزِل منها شيئاً لمكانة

ص: 7377

أدْنَى، ومثل ذلك أمر معروف في الحِسِّيات، وهو معروف أيضاً في المعنويات.

بل وقد يكون هذا الشيء لم يَصِل إلى السماء؛ ولكنه في الأرض، ومع ذلك يقول فيه الحق سبحانه: {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ

} [الحديد: 25]

وهو إنزالٌ، لأنه أمر من تدبير السماء، حتى وإنْ كان في الأرض: {وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً

} [الرعد: 37]

والحكم هو المُعْنى، والمقصود بالإنزال هنا هو القرآن، وهو كتاب؛ والكتاب مَبْنى ومَعْنى، وشاء الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف وكأنه الذات، أي: أنه أنزل القرآن حُكْماً؛ وهذا يعني أن القرآن في حَدِّ ذاته حكم.

وأنت حين تصف قاضياً يحكم تمام العدل؛ لا تقول «قَاضٍ عادلٌ» بل تقول «قََاضٍ عَدْل» أي: كأن العدل قد تجسم في القاضي؛ وكأن كل تكوينه عدل. والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو الحكم العدل، ويصفه بأنه: {حُكْماً عَرَبِيّاً

} [الرعد: 37]

لأن اللسان الذي يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لابد أن يكون عربياً.

ص: 7378

ولذلك يقول في آية أخرى. {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44]

أي: أنه شرفٌ كبير لك ولقومك، أن نزل القرآن بلغة العرب.

وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافيةً؛ بينما نجد كل لغات العالم قد تشعَّبتْ إلى لهجات أولاً، ثم استقلتْ كل لهجة فصارتْ لغة، مثل اللغة اللاتينية التي خرجتْ منها أغلب لغات أوربا المعاصر من: إنجليزية وفرنسية وإيطالية، ووجدنا تلك اللغات تتفرَّق إلى لغات استقلالية، وصار لكل منها قواعد مختلفة.

بل إن اللغة الإنجليزية على سبيل المثال صارت «إنجليزية إنجليزية» يتكلم بها أهل بريطانيا؛ و «إنجليزية أمريكية» يتكلم بها أهل الولايات المتحدة.

ولو تركنا نحن لغة التخاطب بيننا كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف بلادنا؛ فلن يفهم بعضنا البعض، ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض حين نتكلم هو اللغة الفصحى.

ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي، فنجد إنساناً تربَّى على اللغة الفرنسية، أو تكون لغة جَمْعاً بين لهجات متعددة من البربرية والفرنسية وبقايا لغة عربية، فإذا حدثته باللغة العامية لا يفهم منك شيئاً، وإن تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب؛ لأن فطرته تستقبل الفصحى فهماً وإدراكاً.

ص: 7379

وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان العربي.

ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه: {حُكْماً عَرَبِيّاً.

. .} [الرعد: 37]

أي: أن الذي يصُون ويعصِم هذا اللسان العربي هو القرآن الكريم.

ويتابع سبحانه بقوله: {

وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} [الرعد: 37]

وهذا خطاب مُوجَّه منه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم َ يكشف فيه الحق سبحانه أمام رسوله صلى الله عليه وسلم َ مَضارّ وخطورة اتباع الهوى؛ وهو خطاب يدل على أن الدين الذي نزل على موسى ثم عيسى، وهما السابقان لرسول الله؛ لم يَعُدْ كما كان على عهد الرسولين السابقين؛ بل تدخَّل فيه الهوى؛ ولم يَعُدْ الدين متماسكاً كما نزل من السماء.

ولذلك يقول سبحانه في آية أخرى: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض

} [المؤمنون: 71]

ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم لَضَاع نظام الكون؛ ألم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ:

ص: 7380

{أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً

} [الإسراء: 92]

ولو استجاب الحق مثلاً لهذه الدعوة، ألم تكن السماء لتفسد؟

إذن: فبعد أن نزل القرآن من السماء حكماً وعلماً ومنهجاً يسهل عليهم فهمه، لأنه بلُغتِهم، وهم يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة، وفيه دليل السعادة في الدنيا والآخرة.

لذلك فليس لأحد أن يتبع هواه؛ فالهوى كما نعلم يختلف من إنسان لآخر، والخطاب المُوجَّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم َ يتضمن في طيّاته الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم َ.

ومن يفعل ذلك فليس له من دون الله وليّ يؤازره أو ينصره، أو يقيه عذاب الحق: شقاءً في الدنيا، وإلقاءً في الجحيم في الآخرة.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ

}

ص: 7381

وأنت يا محمد لست بِدْعاً من الرسل في مسألة الزواج والإنجاب. وهي تحمل الرد على مَنْ قالوا:

ص: 7381

{مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق

} [الفرقان: 7]

ومنهم مَنْ قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟

وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوَّجوا وأنجبوا.

وحين تكون حياة الرسول قريبةً كمثال واضح من حياة الناس الذين أُرسل إليهم؛ ليكون أُسْوة لهم؛ فالأُسْوَة تتأتِّى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام؛ كأبٍ وزوجٍ، فالأسوة تكون واضحة للناس.

ونعلم أن هناك مَنْ جاء إلى رسول الله؛ ليطلب الإذن بالتفرُّغ التامّ للعبادة من: صوم وصلاة وزُهْد عن النساء، فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم َ عن ذلك وقال في حديث شريف:«إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

ص: 7382

ويتابع الحق سبحانه: {

وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَاّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]

أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أيّ رسول من الرسل، ولم يكُنْ لأيِّ رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له.

وبهذا القول حسم الحق سبحانه قضية طلب المشركين لآيات الرسول صلى الله عليه وسلم َ؛ لأن كل رسول جاء لزمنه ولقومه؛ وكل معجزة كانت من اختيار الله، وكل رسول يؤدي ما يُكلِّفه به الله؛ وليس للرسول أن يقترح على الله آيةً ما؛ لأن الخالق الأعلى هو الأعلم بما يصلح في هذه البيئة على لسان هذا الرسول.

ونأخذ من قوله الحق: {

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]

أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمد صلى الله عليه وسلم َ وما اختاره الله له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان؛ وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم َ.

ولكن، أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه: {

لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38]

نعم هناك تغيير، وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك:

ص: 7383