المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{فَسَجَدَ الملائكة … } - تفسير الشعراوي - جـ ١٢

[الشعراوي]

الفصل: {فَسَجَدَ الملائكة … }

{فَسَجَدَ الملائكة

}

ص: 7695

وقد سجدوا جميعاً في حركة واحدة؛ ذلك أنه لا اختيارَ لهم في تنفيذ ما يُؤمرون به، فمن بَعْد أن خلق اللهُ آدمَ جاء تكريم الحق سبحانه له بقوله للملائكة: {اسجدوا لأَدَمََ

} [طه: 116]

وسجدت الملائكة التي كلَّفها الله برعاية وتدبير هذا المخلوق الجديد، وهم المُدبِّرات أمراً والحفظة، ومَنْ لهم علاقة بهذا المخلوق الجديد.

وقوله الحق: {

فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]

يعني أن عملية السجود قد حدثت بصورة مباشرة وحاسمة وسريعة، وكان سجودهم هو طاعة للآمر الأعلى؛ لا طاعة لآدم.

وقول الحق سبحانه: {فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر:‌

‌ 30]

يعني الملائكة الأعلى من البشر، ذلك أن هناك ملائكةً أعلى منهم؛ وهم الملائكة المُهِيمون المتفرِّغون للتسبيح فقط.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: {إِلَاّ إِبْلِيسَ أبى أَن

}

ص: 7695

وهكذا جاء الحديث هنا عن إبليس؛ بالاستثناء وبالعقاب الذي

ص: 7695

نزل عليه؛ فكأن الأمرَ قد شَمله، وقد أخذتْ هذه المسألة جدلاً طويلاً بين العلماء.

وكان من الواجب أن يحكمَ هذا الجدلَ أمران:

الأمر الأول: أن النصَّ سيد الأحكام.

والأمر الثاني: أن شيئاً لا نصَّ فيه؛ فنحن نأخذه بالقياس والالتزام. وإذا تعارض نصٌّ مع التزام؛ فنحن نُؤول الالتزام إلى ما يُؤول النص.

وإذا كان إبليس قد عُوقِب؛ فذلك لأنه استثنى من السجود امتناعاً وإباءً واستكباراً؛ فهل هذا يعني أن إبليس من الملائكة؟

لا. ذلك أن هناك نصاً صريحاً يقول في الحق سبحانه: {فسجدوا إِلَاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ

} [الكهف: 50]

وهكذا حسم الحق سبحانه الأمر بأن إبليس ليس من الملائكة؛ بل هو من الجنّ؛ والجن جنس مختار كالإنس؛ يمكن أن يُطيع، ويمكن أن يَعصِي.

وكونه سَمِع الأمر بالسجود؛ فمعنى ذلك أنه كان في نفس الحَضْرة للملائكة؛ ومعنى هذا أنه كان من قبل ذلك قد التزم التزاماً

ص: 7696

يرفعه إلى مستوى الحضور مع الملائكة؛ ذلك أنه مُخْتار يستطيع أن يطيع، ويملك أن يعصي، ولكن التزامه الذي اختاره جعله في صفوف الملائكة.

وقالت كتب الأثر: إنهم كانوا يُسمُّونه طاووس الملائكة مختالاً بطاعته، وهو الذي وهبه الله الاختيار، لأنه قدر على نفسه وحمل نفسه على طاعة ربه، لذلك كان مجلسه مع الملائكة تكريماً له؛ لأنه يجلس مع الأطهار، لكنه ليس مَلاكاً.

وبعض العلماء صَنَّفوه بمُسْتوًى أعلى من الملائكة؛ والبعض الآخر صَنَّفه بأنه أقلُّ من الملائكة؛ لأنه من الجنِّ؛ ولكن الأمر المُتفق عليه أنه لم يكُنْ ملاكاً بنصِّ القرآن، وسواء أكان أعلى أم أَدْنى، فقد كان عليه الالتزام بما يصدر من الحق سبحانه.

ونجد الحق سبحانه وهو يعرض هذه المسألة، يقول مرة (أبىَ) ، ومرة (استكبر) ، ومرة يجمع بين الإباء والاستكبار.

ص: 7697

والإباء يعني أنه يرفض أن ينفذ الأمر بدون تعال. والاستكبار هو التأبِّي بالكيفية، وهنا كانت العقوبة تعليلاً لعملية الإباء والاستكبار، وكيف ردّ أمر الحق أورده سبحانه مرة بقول إبليس: {

لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 33]

وقوله: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [ص: 76]

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلَاّ تَكُونَ مَعَ الساجدين}

ص: 7698

وتقول «ما لك؟» في الشيء العجيب الذي تريد أن تعرف كيف وقع، وكأن هذا تساؤلٌ عن أمر مخالف لِمَا اختاره إبليس؛ الذي وهبه الله خاصية الاختيار، وقد اختار أن يكون على الطاعة.

ولنلحظ أن المتكلم هنا هو الله؛ وهو الذي يعلم أنه خلق إبليس بخاصية الاختيار؛ فله أن يطيعَ، وله أنْ يعصيَ. وهو سبحانه هنا يُوضِّح ما علمه أزلاً عن إبليس؛ وشاء سبحانه إبراز هذا ليكون حجة على إبليس يوم القيامة.

ويتابع سبحانه: {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ

}

ص: 7698

وهكذا أفصح إبليس عما يُكِنّه من فَهْم خاطئ لطبيعة العناصر؛ فقد توهَّم أن الطينَ والصلصال أقلُّ مرتبة من النار التي خلقه منها الله. وامتناع إبليس عن السجود إذن امتناع مُعلَّل؛ وكأن إبليس قد فَهِم أن عنصر المخلوقية هو الذي يعطي التمايز؛ وتجاهل أن الأمر هو إرادة المُعنصِر الذي يُرتِّب المراتب بحكمته، وليس على هَوى أحدٍ من المخلوقات.

ثم من قال: إن النارَ أفضلُ من الطين؟ ونحن نعلم أنه لا يُقال في شيء إنه أفضل من الآخر إلا إذا استوتْ المصلحة فيهما؛ والنار لها جهة استخدام، والطين له استخدام مختلف؛ وأيٌّ منهما له مهمة تختلف عن مهمة الآخر.

ومن توجيه الله في فضائل الخَلْق أن مَنْ يطلي الأشياء بالذهب لا يختلف عنده سبحانه عن الذي يعجن الطين ليصنعَ منه الفخار، فلا يفضلُ أحدهما الآخرَ إلا بإتقان مهمته.

وهكذا أفصح إبليس أن الذي زَيَّن له عدم الامتثال لأمر السجود هو قناعته بأن هناك عنصراً افضل من عنصر.

ويأتي الأمر بالعقاب من الحق سبحانه؛ فيقول تعالى: {قَالَ فاخرج مِنْهَا

}

ص: 7699

وهكذا صدر الأمر بطرْدِ إبليس من حضرة الله بالملأ الأعلى؛ وصدر العقاب بأنه مطرود من كل خَيْر، وأَصْل المسألة أنها الرَّجْم بالحجارة.

ص: 7699

وقد حدث ذلك لردِّه أمر الله سبحانه، واستكباره، ولقناعته أن النار التي خُلِق منها أفضلُ من الطين الذي خُلِق منه آدم، ولم يلتفت إلى أن لكل مخلوق مُهمة، وكل كائن يؤدي مُهِمته هو مُساوٍ للآخر.

وقد شاء الحق سبحانه ذلك ليزاول كل كائن الأسباب التي وُجِد من أجلها؛ فآدم قد خلقه الله ليجعله خليفة في الأرض؛ ذلك أنه سبحانه يباشر الأمر في السَّببيات بواسطة ما خلق.

فالنار على سبيل المثال تتسبَّب في إنضاج الطعام؛ لأنه سبحانه هو الذي شاء ذلك، وجعلها سبباً في إنضاج الطعام. ومزاولة الحق سبحانه لأشياء كثيرة في المُسبِّبات معناه أن المخلوقات تُؤدِّي المهامَّ التي أرادها سبحانه لها في الوجود.

والمؤمن الحق هو مَنْ يرى في الأسباب التي في الكون؛ أنها عطاء من الله، وأن يده مَمْدودة له بتلك الأسباب.

وبعد أن طرد الحق سبحانه إبليس من حضرته سيُقرر سبحانه الحكم الذي أصدره عليه في قوله: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة

}

ص: 7700

وفي هذا القول ما يؤكد أن الجن أيضاً يموتون؛ ولهم آجَال مثلنا، وفي هذا الحكم بالطرد تأكيدٌ على أنه سبحانه لن يُوفِّقه إلى توبة، ولا يعفو عنه في النهاية.

ص: 7700

ولكن إبليس يحاول الالتفاف؛ فيأتي ما جاء على لسانه: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي

}

ص: 7701

وكأن إبليس بهذا القول أراد أن يُفْلِتَ من الموت، ولكن مثل هذا المَكْر لا يجوز على الله أو معه، فإذا كان إبليس قد أراد أنْ يظلَّ في الدنيا إلى يوم بَعْث البشر؛ فذلك دليلٌ على أمنيته بالهروب من الموت.

ويقول الحق سبحانه رداً على دعاء إبليس: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ

}

ص: 7701

ولحظةَ أنْ يسمعَ إبليسُ ذلك يظن أنه قد أفلتَ من الموت؛ إذ لا مَوْتَ بعد البعث، ويتوهم أن دعوته قد أُجيبت، وكأنه قد أفلتَ بغروره الذي ظَنَّ به أن يتسع له الوقت ليأخذ الثأر من بني آدم؛ فعدم سجوده لآدم هو الذي وضعه في هذا الموقف العصيب.

ولو كان إبليس يملك ذرة من وَعْي لَعِلم أن الاستكبار والتوهم بأن عنصر النار افضل من الطين هما السبب وراء ما حاق به من الطرد.

ولكن تأتي من بعد ذلك مباشرة الآية التي تتضمن عدم إفلاته من الموت؛ فيقول سبحانه:

ص: 7701

{إلى يَوْمِ الوقت

}

ص: 7702

أي: أن إبليس سيذوق الموت أيضاً؛ لأن كل المخلوقات ستذوق الموت من قبل أن تقوم القيامة، مصداقاً لقوله الحق: {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلَاّ مَن شَآءَ الله

} [الزمر: 68]

وكذلك قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]

وهكذا لم يُفلتْ إبليس من الموت.

ولقائل أنْ يسألَ: كيف كلّمه الله؟

ونقول: لم يُكلِّمه الله تشريفاً أو تكريماً؛ بل غلَّظ له العقاب، كما أن للحق سبحانه ملائكة يمكنهم أن يُبلِّغوا ما شاء لمَنْ شاء.

ويقول سبحانه من بعد ذلك: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ

}

ص: 7702