الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولا: ومن الناحية النظرية
، ينبغي عدم جعل العولمة قدرا محتوما ينبغي الاستسلام له، بل التعامل معها على أنها مرحلة من مراحل المواجهة الحضارية التي واجهت الأمة العربية وما تزال تواجهها، وأن نقوي في ذواتنا القدرة على المواجهة وأن نثبت إيماننا بهويتنا، بمعنى أنه لا ينبغي أن نواجه العولمة من منطلق الضعيف المهزوم بل من منطلق القوي بفكره ودينه وثقافته. هذا الإطار النظري هو الذي سيمكن الجانب العملي من الصمود والمواجهة والتحدي.
أما على المستوى العملي فإن الأمر يتطلب:
ضرورة التحديث في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، لأن هذا التحديث سيقلل من ضغوط المشروع العولمي علينا من جهة، ويجنبنا العودة إلى الغرب في كل مطالبنا واحتياجاتنا، ويجنب أفراد مجتمعاتنا من تأثيرات العولمة السلبية، ثم إن هذا التحديث ضرورة حضارية لا نستطيع البقاء على الهامش في عالم جامح لا يعترف إلا بالقوي علميا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا.
ضرورة فهم ما يجري من تغيرات عالمية في المجالات المختلفة، وكيف يجري وما الغاية منه. بعضنا يتحدث عن الغرب كأنه مشهد بسيط، والغرب ليس كذلك، إنه كيان معقد ليس من السهل التعرف على ما يجري في مؤسساته، وليس من السهل التعرف على أهدافه وغاياته، وليس من السهل معرفة منهجياته وأسراره، إن محاولة التعرف على العالم من خارجه، أي من داخل ثقافتنا لم يعد بالأمر الممكن، لذا وجب التعرف إليه من داخله، وهذا ما فعله الغرب نفسه بالنسبة للآخر فقد اتصل به وتفاعل معه من داخله. الغرب يعرفنا الآن بشكل جيد، ومع ذلك فما يزال يتابع المتغيرات التي تحدث من خلال غرف عمليات يتابع من خلالها أي حركة، يرصدنا من الأرض ومن السماء، ومن كل جانب. فمن أجل الدفاع عن أنفسنا ينبغي التعرف أولا عما يحيطنا.
ضرورة التفاعل الحضاري مع المتغيرات الدولية من منظور حوار الحضارات، وليس من منظور التبعية الساذجة. إن التخندق وراء حدودنا الجغرافية والثقافية لن يكون أبدا حصنا لنا ضد التأثيرات التي تهجم علينا من خارج حدودنا. وعليه فالتفاعل الموجه والمبرمج هو سبيلنا، حتى ولو كنا في منأى عن تحديات العولمة. وهذا هو منهج الحضارة الإسلامية، أيام كانت في عز ازدهارها، في التفاعل الحضاري. إن هذا التفاعل الحضاري هو ما يضمن لثقافتنا بعض الحياة والحيوية ويجعلها قادرة على إنتاج الأفكار والمشروعات الحضارية.
ضرورة الحفاظ على هويتنا والدفاع عنها وهو المسعى الأصلي الذي نهدف إليه، والحفاظ يتم من خلال وسائل عديدة، إما بتطوير وسائل التعليم ومناهجه، أو تطوير وسائل الدعوة وطرقها، قبل أن يفرض علينا التطوير من الخارج، وقد بدأ بالفعل يحدث ذلك. ينبغي ألا تكون الحداثة التي نسعى إليها على حساب أصالتنا، فالحداثة لا تتنافى مطلقا مع أي مكون من مكونات هويتنا. بل إن العمل على إيجاد السبل العلمية الكفيلة بالحفاظ على أصالتنا هو في ذاته مظهر من مظاهر الحداثة، فلتكن الحداثة هي وعينا بذاتنا وبالآخر معا، وليكن الحافز المحرك لنا هو المستقبل.
هذا لا يعني أن الأمر بسيط وسنصل إلى النتيجة بسهولة أو أن ندفع الضرر بسهولة أيضا، ذلك أننا فعلا في مأزق، وأن هويتنا في مأزق، لقد تحدث بعض أنصار العولمة عندنا عن مأزق الهوية في ظل العولمة، (1) ونحن نتفق معه، لأنه من الصعب الخروج من المواجهة دون خسائر أبدا. فهويتنا لا تملك وسائل الحفاظ على ذاتها، فكيف بالموجهة؟
(1) انظر على حرب. حيث النهايات ، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ط1. 2000. ص50.