الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبهة قديمة لها اليوم مثيل
لقد وُجد في الماضي من يزعم أن نكاح المرأة هضم لحقها وابتذال لشرفها وأنه خلاف القياس فتأمل هذه الشبهة يقولون كما نقل ابن تيمية عنهم: الإنسان شريف والنكاح فيه ابتذال المرأة وشرف الإنسان ينافي الإبتذال. قال رحمه الله: وهذا غلط فإن النكاح من مصلحة شخص المرأة ونوع الإنسان. والقدر الذي فيه من كون الذكر يقوم على الأنثى هو من الحكمة التي بها تتم مصلحة جنس الحيوان فضلاً عن نوع الإنسان ومثل هذا الإبتذال لا ينافي الإنسانية كما لا ينافيها أن يتغوط الإنسان إذا احتاج إلى ذلك وأن يأكل ويشرب وإن كان الإستغناء عن ذلك أكمل. بل ما احتاج إليه الإنسان وحصلت له به مصلحته فإنه لا يجوز أن يمنع منه. والمرأة محتاجه إلى النكاح وهو من تمام مصلحتها فكيف يقال: القياس يقتضي منعها أن تتزوج؟ (1).
أنظر كيف جاءت هذه الشبهة الشيطانية وورثها اليوم دعاة السفور حيث يزخرفون باطلهم بشبهة أن الحجاب منعٌ لحرية المرأة وهضم لحقها ونحو ذلك مما يستخفون به الأغبياء.
ولننظر الآن كلاماً لابن القيم رحمه الله يتبين به أمر الحجاب عند السلف. قال في تعليق له على سؤال عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم أهو أولى أم التغطية مع الفداء وقد
(1) - مجموع الفتاوى: 20/ 515.
قالت عائشة رضي الله عنها: لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد.
قال ابن القيم: سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء بالنهي عن لبس القميص والسراويل. ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أنه مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد وكيف يزاد على موجب النص ويُفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصّل على قدره كالنقاب والبرقع بل وكيدها يحرم سترها بالمفصّل على قدر اليد كالقفاز. وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه البته.
ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم ولا يصلح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق.
وقول من قال من السلف: إحرام المرأة في وجهها إنما أراد به هذا المعنى أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل بل يلزمها اجتناب النقاب فيكون وجهها كبدن الرجل.
ولو قدّر أنه أراد وجوب كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من الأمرين وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ولم تكن أحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب.
كما قاله بعض الفقهاء ولا يُعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملاً ولا فتوى ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهراً مشهوراً بينهن يعرفه الخاص والعام. ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي قال تعالى: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)(1)(2).
(1) - الروم، 60.
(2)
- انظر الفوائد 3/ 142.