المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الخامس: حياتهم ومعاشهم: - جهد المحتفي في أمر العالم المختفي

[مرزوق بن هياس الزهراني]

الفصل: ‌المبحث الخامس: حياتهم ومعاشهم:

محمد صلى الله عليه وسلم عليها: مرة عند سدرة المنتهى، كما في قوله تعالى:{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} (1)، ومرة ثانية وهو في غار حراء كما في قول عائشة رضي الله عنها:"ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإن أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدّ الأفق"(2)، والملائكة خلقهم الله عز وجل من نور، والجان من مارج من نار، وابن آدم من طين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)(3)، فسبحان العليم الحكيم، يصنع ما يشاء ويفعل ما يريد.

‌المبحث الخامس: حياتهم ومعاشهم:

معلوم أن كل المخلوقات تحتاج إلى ما تقوم به حياتها من غذاء وتزاوج وغير ذلك، وقد جعل الله عز وجل من ذلك لكل مخلوق ما يناسبه، فالإنس والجن مكلفون ومقومات الحياة تتشابه بينهم إلى حد كبير، فالجن كالإنس مكلفون بفرائض الإسلام، وهم يعيشون على ظهر الأرض، وليسوا في باطنها كما يعتقد العوام، ويتزاوجون، كالإنس في الحاجة إلى مقومات الحياة فهم يأكلون، قال

(1)(الآية (13) من سورة النجم.

(2)

(أخرجه البخاري (3063).

(3)

(أخرجه مسلم حديث (2996).

ص: 27

رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن)(1)، وهم يشربون وغير المسلم منهم يتناول ذلك بشماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)(2)، واسمع هذه القصة عن حذيفة رضي الله عنه قال: "كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاما لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيضع يده، وإنا حضرنا معه، مرة، طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها)(3)، وكذلك قول جابر بن محشي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجلٌ يأكل، فلم يُسَمِّ حتى لم يبق من طعامه إلا لقمةٌ، فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره، فضحك النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم قال:(ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله عز وجل استقاء ما في بطنه)(4).

(1) أخرجه مسلم حديث (150).

(2)

أخرجه مسلم حديث (2019).

(3)

أخرجه مسلم حديث (2017) ..

(4)

أخرجه أبو داود حديث (3768).

ص: 28

هذه من معجزات رسول الله إذ أعلمه الله ذلك الحدث، فالتسمية واجبة، ومن تركها عامدا فقد عصى الله ورسوله.

والجن يطبخون على نار، ولهم آنية وآثار كغيرهم من الإنس، وفيهم علماء، ومنهم جهال، وهم عموما لا يعلمون الغيب قال الله سبحانه وتعالى في قصة موت سليمان عليه السلام:{فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (1)، ويعتريهم ما يعتري الإنس من الخوف والمرض والهرم والموت، إلا إبليس {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (2)، فقد أنظره الله عز وجل إلى يوم الوقت المعلوم وبناء على هذا التقارب بين الإنس والجن الخيّرين من الطرفين، فإن للجن المسلمين على الإنس حقوقا منها: اعتبارهم إخوانا لهم كما نطق بذلك رسول الله (فإنه زاد إخوانكم من الجن)(3)، والمراد أخوة الإيمان بالله تعالى، وهذا يستلزم عدم إيذائهم بأي شكل من الأذى، وكيف يتم لنا ذلك ونحن لا نراهم؟ ، يتم

(1) الآية (14) من سورة سبأ.

(2)

الآية (36) من سورة الحجر.

(3)

أخرجه مسلم حديث (150)

ص: 29

لنا ذلك بالحرص على التسمية في كل شأن من شؤوننا، فإنها حرز للجن المسلمين من أذى إخوانهم من الإنس، فإذا قال ذلك الإنسان تنحى عنه الجنى وابتعد عن الأذى، وهي أيضا حرز للإنسان المسلم من أذى فسقة الجن ومردة الشياطين، الذين لا يستجيبون لداعي التسمية، قال علقمة رحمه الله: "أنا سألت ابن مسعود. فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ ، قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة. ففقدناه.

فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) (1) ففي التسمية منافع عظيمة للإنس والجن على حد سواء، ولا يعني هذا أنهم لا يطعمون إلا هذا، فقد ثبت في قصة أبي هريرة رضي الله عنه الآتية مع الشيطان الذي قبض عليه وهو يسرق من الطعام، فلعلهم أرادوا مشاركة الإنس في أرزاقهم، فكان جوابه صلى الله عليه وسلم على نحو

(1) أخرجه مسلم حديث (150).

ص: 30