المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المبحث السادس شبهات المخالف والرد عليها ‌ ‌الشبهة الأولى: تشبث النبهاني بما فهمه من - الأدلة الشرعية على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية

[حسام الدين عفانة]

الفصل: ‌ ‌المبحث السادس شبهات المخالف والرد عليها ‌ ‌الشبهة الأولى: تشبث النبهاني بما فهمه من

‌المبحث السادس

شبهات المخالف والرد عليها

‌الشبهة الأولى:

تشبث النبهاني بما فهمه من حديث أم عطية الأنصاري رضي الله عنها قالت: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا: أن لا تشركن بالله شيئاً. ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها. فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فانطلقت ورجعت فبايعها) رواه الإمام البخاري. (1)

قال النبهاني: [فهذا حديث يدل على أن الرسول بايع النساء بالمصافحة بدليل قوله فقبضت امرأة منا يدها) فإن معناها أن النساء الأخريات اللواتي معها لم يقبضن أيديهن وهذا يعني أنهن بايعن بأيديهن أي بالمصافحة (2) وقال النبهاني أيضاً: [

وهو - أي حديث أم عطية - نص في المصافحة في مفهومه ومنطوقه] (3) وقال أحد أتباع النبهاني: [وحديث أم عطية نص في وقوع المصافحة ببيعة النساء في مفهومه ومنطوقه، فتكون بيعة النساء بالمصافحة جائزة شرعاً ولا شيء في ذلك]. (4)

(1) صحيح البخاري مع فتح الباري 10/ 262.

(2)

الشخصية الإسلامية 3/ 107 - 108.

(3)

الشخصية الإسلامية 2/ 23.

(4)

قواعد نظام الحكم في الإسلام ص 123.

ص: 30

والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

الوجه الأول:

إن المراد بقبض اليد في الحديث التأخر عن القبول كما قال الحافظ ابن حجر: [المراد بقبض اليد التأخر عن القبول](1) ومثل ذلك قوله تعالى في حق المنافقين: (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) فهو كناية عن عدم الإنفاق في سبيل الله، ودليلنا على أن هذا هو المراد بقبض اليد ما جاء في رواية أخرى لحديث أم عطية رواها الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عاصم عن

حفصة عن أم عطية قالت: (لما نزلت الآية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا

وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قالت كان منه النياحة، قالت: فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا آل فلان). (2)

وكذلك ما رواه النسائي عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (لما أردت أن أبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله إن امرأة أسعدتني في الجاهلية فأذهب فأسعدها (3) ثم أجيئك فأبايعك، قال: اذهبي فأسعديها، قالت: فذهبت فأسعدتها ثم جئت فبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) (4) قال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد. (5)

(1) فتح الباري 10/ 261.

(2)

صحيح مسلم مع شرح النووي 6/ 238.

(3)

إسعاد النساء في المناحات: [تقوم المرأة فتقوم معها امرأة أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة] لسان العرب مادة سعد. وقال الحافظ ابن حجر: [ولا يستعمل إلا في البكاء والمساعدة عليه].

(4)

سنن النسائي 7/ 149.

(5)

صحيح سنن النسائي 3/ 875 حديث رقم 3895.

ص: 31

إن الناظر في هذه الروايات الثلاث لحديث أم عطية: رواية البخاري ورواية مسلم ورواية النسائي يظهر له أن المراد بقول أم عطية: (فقبضت امرأة منا يدها) التأخر عن قبول المبايعة، فلم تقبل المبايعة مباشرة ولكن أخرتها حتى تذهب لإسعاد المرأة التي أسعدتها في الجاهلية. انظر إلى قولها:(ثم أجيئك فأبايعك).

وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أم عطية لما قالت: (فقبضت امرأة منا يدها) أنها كانت تقصد نفسها، قال الحافظ: [وفي رواية النسائي قلت أن امرأة أسعدتني في الجاهلية

وتبين أن أم عطية في رواية عبد الوارث أبهمت نفسها]. (1)

يقصد رواية البخاري المذكورة سابقاً لحديث أم عطية، فقد قال البخاري:[حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية الحديث]. (2)

ومن المعلوم أن الحادثة واحدة مع أم عطية فعبرت مرة بقولها: (فقبضت امرأة منا يدها) ومرة بقولها: (فقلت:

يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية) ومرة قالت: (إن امرأة أسعدتني في الجاهلية

ثم أجيئك فأبايعك).

ثم نقول إن حديث أم عطية ليس فيه ذكر للمصافحة أصلاً حتى تزعموا أن قبض اليد معناه الامتناع عن المصافحة.

وبهذا يظهر لكل منصف أن تأويل النبهاني لحديث أم عطية تأويل باطل مردود رواية ودراية.

(1) فتح الباري 10/ 262.

(2)

صحيح البخاري مع فتح الباري 10/ 262.

ص: 32

الوجه الثاني:

إن الروايات الثابتة والصريحة الواردة في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء تؤكد أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يصافح النساء في البيعة فمن ذلك ما سبق من حديث عائشة حيث قالت: (لا والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط غير أنه بايعهن بالكلام).

وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح النساء في البيعة، وما ورد في حديث أميمة بنت رقيقه حيث قالت: هلم نبايعك، قال سفيان - أحد رواة الحديث - تعني صافحنا، فقال رسول الله:(إني لا أصافح النساء) فقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا قاله في البيعة، فتأويل حديث أم عطية يتناقض مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله عليه الصلاة والسلام مقدم على قول غيره في جميع الأحوال.

وكذلك ما ورد في إحدى روايات حديث أميمة السابق: (قالت: ولم يصافح رسول الله منا امرأة).

فهذه الأدلة الصحيحة الصريحة تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح أحداً من النسوة في البيعة، فلا ينبغي لمسلم أن يترك

هذه الأدلة ويتمسك بتأويل فاسد لحديث أم عطية، وخاصة أن المصافحة لم تذكر في ذلك الحديث أصلاً، ويزعم أن النصوص متعارضة.

قال الشيخ الألباني: [وجملة القول أنه لم يصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صافح امرأة قط، حتى ولا في المبايعة، فضلاً عن المصافحة عند الملاقاة، فاحتجاج البعض لجوازها بحديث أم عطية الذي ذكرته مع أن المصافحة لم تذكر فيه وإعراضه عن الأحاديث الصريحة في تنزهه صلى الله عليه وسلم عن المصافحة لأمر لا يصدر عن مؤمن مخلص]. (1)

(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 2/ 55.

ص: 33