الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
؟
سنة ست وخمسين وستمائة
دخلت هذه السنة والملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بدمشق والبحرية ومن انضم إليهم من الأمراء الصالحية وعلى بن الملك المغيث صاحب الكرك متفقون عل قصد الديار المصرية ووصل إليهم الملك المغيث ونزل بدهليزه بغزة وأمر البحرية كله راجع إلى الأمير ركن الدين البندقداري ووصل الأمير سيف الدين قطز وعساكر مصر ونزلوا حول العباسة مستعدين لقتالهم.
وفيها استولى التتار على بغداد والعراق بمكيدة دبرت مع وزير الخليفة قبل ذلك وآل الأمر إلى هلاك الخليفة وأرباب دولته وقتل معظم أهل بغداد ونهبوا وذلك في يوم الأربعاء عاشر صفر قصد هولاكو بغداد وملكها وقتل الخليفة المستعصم بالله رحمه الله وما دهى الإسلام بداهية أعظم من هذه الداهية ولا أفضع وسنذكر خبرها مجملاً إن شاء الله تعالى.
قد علم تملك التتر أكثر المماليك الإسلامية وما فعلوه من خراب البلاد وسفك الدماء وسبي الحريم والأولاد ونهب الأموال وكانوا قبل هذه السنة قد قصدوا إلا لموت بلد الباطنية ومعقلهم المشهور وكان صاحب إلا لموت وبلادها علاء الدين محمد بن جلال الدين حسن المنتسب - 40ب - إلى نزار بن المستنصر بالله العلوي صاحب مصر وتوفي وقام مقامه ولده الملقب شمس الشموس وكان الذي قصد الالموت هولاكو وهو من ذرية جنكيز خان الذي قصد بلاد الإسلام سنة ستة عشر وستمائة
واندفع بين يديه السلطان علاء الدين محمد بن تكش وفعل تلك الأفاعيل العجيبة المسطورة في التواريخ وهو صاحب أمة التتر التي مرجعهن إليها وكان جنكيز خان عندهم بمنزلة النبي لهم ولما نازل هولاكو الالموت نزل ِإليه صاحبها ابن علاء الدين بشارة نصير الدين الطوسي عليه بذلك وكان الطوسي عنده وعند أبيه قبله فقتل هولاكو ابن علاء الدين وفتح الألموت وما معها من البلاد التي في تلك الناحية وكان لهم بالشام معاقل ولصاحب الالموت فيها أبدا نائب من قبله وسنذكر ما آل إليه أمرها فيما بعد إن شاء الله تعالى
واستولى هولاكو على بلاد الروم وأبقى ركن الدين ين غياث الدين كيخسرو فيها له اسم السلطنة صورة وليس له من الأمر شيء وفي سنة أربع وخمسين وستمائة تهيأ هولاكو لقصد العراق وسبب ذلك أن مؤيد الدين بن العلقمي وزير الخليفة كان رافضياً وأهل الكرخ روافض وفيه جماعة من الأشراف والفتن لا تزال بينهم وبين أهل البصرة فانه لسبب التعصب في المذاهب فاتفق أنه وقع بين الفريقين محاربة فشكى أهل باب البصرة وهم سنية إلى ركن الدين الداودار والأمير أبي بكر بن الخليفة فتقدما إلى الجند بنهب الكرخ فهجموا ونهبوا وقتلوا وارتكبوا العظائم فشكى أهل الكرخ ذلك إلى الوزير فأمرهم بالكف والتغاضي وأضمر هذا الأمر في نفسه وحصل عنده بسبب ذلك الضغن على الخليفة وكان المستنصر بالله رحمه الله قد استكثر من الجند حتى قيل أنه بلغ عدة عسكره نحو مائة ألف وكان منهم
أمراء أكابر يطلق على كل منهم لفظ الملك وكان مع ذلك يصانع التتار ويهاديهم فلما ولي المستعصم أشير عليه بقطع أكثر الجند وإن مصانعة التتر وحمل المال إليهم يحصل به المقصود ففعل ذلك وقلل من الجند وكاتب الوزير ابن العلقم التتر وأطمعهم في البلاد وأرسل إليهم غلامه وأخاه وسهل عليهم ملك العراق وطلب منهم أن يكون نائبهم في البلاد فوعدوه بذلك واخذوا في التجهيز لقصد العراق وكاتبوا بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل في أن يسير إليهم ما يطلبونه من آلات الحرب فسير إليهم ذلك ولما تحقق قصدهم علم أنهم إن ملكوا العراق لا يبقون عليه فكاتب الخليفة سرا في التحذير منهم وأنه يعتد لحربهم فكان الوزير لا يوصل رسله إلى الخليفة ومن وصل إلى الخليفة منهم بغير علم الوزير أطلع الخليفة وزيره على أمره فكان الشريف تاج الدين ابن - 41ب - صلايا نائب الخليفة بإربل فسير إلى الخليفة من يحذره من التتر وهو غافل لا يجدي فيه التحذير ولا يوقظه التنبيه لما يريده الله تعالى فلما تحقق الخليفة حركت التتر نحوه سير شرف الدين بن محي الدين الجوزي رسولاً إليهم يعدهم بأموال يبذلها لهم ثم سير نحو مائة رجل إلى الدربند الذي يسلكه التتر إلى العراق ليكونوا فيه ويطالعوه بالأخبار فتوجهوا ولم يأت منهم خبر لأن الأكراد الذين كانوا عند الدربند دلوا التتر عليهم على ما قيل فقتلوهم كلهم وتوجه التتر إلى العراق وجاء بانجونوين في جحفل عظيم وفيه خلق من الكرخ
ومن عسكر بركة - خان - ابن عم هولاكو ومدد من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل مع ولده الملك الصالح من جهة البر الغربي عن دجلة وخرج معظم العسكر من بغداد للقائهم ومقدمهم ركن الدين الدوادار فالتقوا على نحو مرحلتين من بغداد واقتتلواُ قتالاً كثيراً وفتقت فتوق من نهر الملك على البر الذي القتال فيه ووقعت الكسرة على عسكر بغداد فوقع بعضهم في الماء الذي خرج من تلك الفتوق فارتطمت خيلهم وأخذتهم السيوف فهلكوا وبعضهم رجع إلى بغداد هزيماً وقصد بعضهم جهة الشام قيل كانوا نحو ألف فارس ثم توجه بانجونوين ومن معه فنزل القرية مقابل دور الخلافة وبينه وبينها دجلة وقصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي عن دجلة وهو البر الذي فيه مدينة بغداد ودور الخلافة وضرب سوراً على عسكره وأحاط ببغداد فحينئذ أشار ابن العلقمي الوزير على الخليفة بمصانعة ملك التتر ومصالحته وسأله أن يخرج إليه في تقرير ذلك فخرج وتوثق منه لنفسه ثم رجع إلى الخليفة وقال إنه قد رغب أن يزوج ابنته من ابنك الأمير آبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى سلطان الروم في سلطنة الروم لا يؤثر إلا أن يكون الطاعة له كما كان أجدادك من السلاطين السلجوقية وينصرف بعساكره عنك فتجيبه ِإلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد وحسن له الخروج غليه فخرج في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا
عقد النكاح فيما أظهره فخرجوا فقتلوا وكذلك صار يخرج طائفة بعد طائفة ثم مد الجسر وغدا بانجونوين ومن معه وبذل السيف في بغداد فقتل كل من ظهر ولم يسلم منها إلا من هرب أو كان صغيراً فإنه أخذ أسيراً واستمر القتل والنهب نحو أربعين يوما ثم نودي بالأمان فظهر من كان اختفى وقتل سائر الذين خرجوا إلى هولاكو من القضاة والأكابر والمدرسين وأما الوزير ابن العلقمي فلم يتم له ما أراد ومات بعد - 42ب - مدة يسيرة ولقاه الله
تعالى ما فعله بالمسلمين ورأى قبل موته في نفسه العبر والهوان والذل ما لا يعبر عنه ثم ضرب هولاكو عنق بانجونوين لأنه قيل عنه أنه كاتب الخليفة وهو في الجانب الغربي وأما الخليفة فقتل ولكن لم يتحقق كيفية قتلته فقيل أنه خنق وقيل رفس إلى أن مات وقيل غرق وقيل لف في بساط فغطس والله أعلم بحقيقة الحال، ونعود إلى أخبار الشام ومصر كنا ذكرنا أن العساكر المصرية نزلوا حول العباسة لما بلغهم اجتماع البحرية وبعض أمراء مصر مع الملك المغيث ولما جاءهم الخبر بمحاصرة التتر لبغداد كتبوا بذلك إلى الديار المصرية وتقدموا بأن يدعى للمسلمين بالنصر فأمر الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله الأئمة والخطباء أن يقنتوا في الصلوات الخمس ثم ورد الخبر أن بغداد ملكت فاشتد أسف المسلمين وحزنهم. الى ما فعله بالمسلمين ورأى قبل موته في نفسه العبر والهوان والذل ما لا يعبر عنه ثم ضرب هولاكو عنق بانجونوين لأنه قيل عنه أنه كاتب الخليفة وهو في الجانب الغربي وأما الخليفة فقتل ولكن لم يتحقق كيفية قتلته فقيل أنه خنق وقيل رفس إلى أن مات وقيل غرق وقيل لف في بساط فغطس والله أعلم بحقيقة الحال، ونعود إلى أخبار الشام ومصر كنا ذكرنا أن العساكر المصرية نزلوا حول العباسة لما بلغهم اجتماع البحرية وبعض أمراء مصر مع الملك المغيث ولما جاءهم الخبر بمحاصرة التتر لبغداد كتبوا بذلك إلى الديار المصرية وتقدموا بأن يدعى للمسلمين بالنصر فأمر الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله الأئمة والخطباء أن يقنتوا في الصلوات الخمس ثم ورد الخبر أن بغداد ملكت فاشتد أسف المسلمين وحزنهم.