الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقصد في إثبات المدعى وفيه مسلكان
المسلك الأول في الإثبات (1) التحقيقي:
فإن قلت الإثبات التحقيقي إنما يكون للمجتهد ولا مجتهد في زماننا، قال في الخلاصة:[القاضي (2) إذا قاس مسألة على مسألة وحكم فظهر روايةً أن الحق بخلافه فالخصومة للمدعى عليه يوم القيامة على القاضي وعلى المدعي، لأن القاضي آثم بالاجتهاد، لأنه ليس أحدٌ من أهل الاجتهاد في زماننا، والمدعي آثم بأخذ المال. انتهى].
قلت المسائل المثبتة (3) بالشرع قسمان: نصية قطعية كالثابت بحكم الكتاب والسنة المشهورة والإجماع، مثل وجوب الصلاة وحرمة الربا وغيرهما (4)، فلا تقليد فيها للمجتهد.
(1) في ط إثبات.
(2)
نهاية 18/ب.
(3)
في ط المشبهة وهو خطأ.
(4)
في ط ونحوهما.
واجتهادية ظنية ففيها التقليد، وما نحن بصدده من قبيل الأولى.
ولو سلم فالإثبات التحقيقي يمكن لمن كان مضطلعاً على مأخذ الأحكام، أهلاً للنظر مترقياً من درجة التقليد المحض، وهو الذي أجيز له الفتوى.
قال الفقيه أبو الليث في البستان: [لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء، ويعلم من أين قالوا، ويعلم معاملات الناس، فإن عرف أقاويل العلماء ولم يعرف مذاهبهم، فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء (1) الذين هو ينتحل مذهبهم قد اتفقوا عليها، فلا بأس (2) بأن يقول هذا (3) جائز وهذا لا يجوز، ويكون قوله على سبيل الحكاية.
(1) نهاية 19/أ.
(2)
ورد في أعليه.
(3)
في ط وهذا.
وإذا كانت مسألة قد اختلفوا فيها، فلا بأس بأن يقول هذا جائز في قول فلان، ولا يجوز في قول فلان، ولا يجوز [له أن يختار](1) أحد الأقوال، فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجته].
وروي عن عصام بن يوسف (2) أنه قال كنت في مأتم فاجتمع فيه [أربعة](3) من أصحاب أبي حنيفة (4)، زفر (5) بن الهذيل (6) وأبو يوسف (7) وعافية بن يزيد (8)
(1) ما بين المعكوفين ليس في ط.
(2)
هو عصام بن يوسف بن ميمون أبو عصمة البلخي، الفقيه الحنفي، روى عن ابن المبارك وكان صاحب حديث وروى عنه شعبة والثوري توفي سنة 215هـ الجواهر المضية 2/ 527
(3)
في أ + ط أربع وهو خطأ.
(4)
هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام الأئمة وسراج الأمة صاحب المذهب الحنفي ولد سنة 80هـ وتوفي سنة 150هـ، له ذكر حافل في المراجع التاريخية تصعب الإحاطة به، انظر ترجمته في الجواهر المضية 1/ 49 فما بعدها الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص183 فما بعدها، تهذيب الأسماء واللغات 2/ 216 - 223، أبو حنيفة لمحمد أبي زهرة.
(5)
هو زفر بن الهذيل بن قيس المصري صاحب أبي حنيفة وكان أقيس أصحابه وقد جمع بين العلم والعبادة وكان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي توفي سنة 158هـ، انظر سير أعلام النبلاء 8/ 35، الانتقاء ص335، الجواهر المضية 2/ 207، الفوائد البهية ص132.
(6)
في أهذيل.
(7)
هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري صاحب أبي حنيفة الأول المتوفى سنة 182هـ، كان صاحب حديث وفقه، لزم أبا حنيفة وولي قضاء بغداد وله عدة كتب منها الخراج والأمالي والنوادر والآثار، انظر ترجمته في الجواهر المضية 3/ 611، الفوائد البهية ص372، سير أعلام النبلاء 8/ 470، شذرات الذهب 1/ 278، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص329.
(8)
هو عافية بن يزيد الأودي كان من أصحاب أبي حنيفة وكان من خيار القضاة توفي بعد سنة 160 هـ، انظر الجواهر المضية 2/ 284.
وآخر، وكلهم أجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا (1).
وروى إبراهيم بن يوسف (2) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى أنه
قال: [لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا. انتهى](3).
(1) انظر الجواهر المضية 2/ 527 - 528.
(2)
هو إبراهيم بن يوسف بن ميمون البلخي تتلمذ على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، الإمام المشهور كبير المحل عند أصحاب أبي حنيفة توفي سنة 241هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية 1/ 219.
(3)
انظر الجواهر المضية 1/ 121.
ويمكن أن ندعي (1) الاجتهاد في هذه المسألة، بناء على ما هو الحق من جري (2) الاجتهاد، وإن منعه قوم (3). وكيف لا وأصحاب أبي حنيفة مثلاً مجتهدون بلا خلاف، مع أنهم يقلدون أبا حنيفة في كثير من المسائل (4) ويجتهدون في بعضها، إما مع القدرة على المخالفة، كأبي يوسف ومحمد (5)، وإما فيما لا رواية عنه على
(1) في ط يدعي.
(2)
في ط
…
تحري.
(3)
الصحيح من أقوال أهل العلم أن الاجتهاد لا ينقطع، ولا يخلو عصر من مجتهد، انظر مجموع الفتاوى 20/ 204، فواتح الرحموت 2/ 399، شرح العضد 2/ 307، شرح المحلي 2/ 398، شرح الكوكب المنير 4/ 564.
(4)
نهاية 19/ب.
(5)
هو محمد بن الحسن الشيباني الصاحب الثاني للإمام أبي حنيفة، أصولي فقيه محدث، له فضل كبير في نشر مذهب أبي حنيفة صاحب المؤلفات المعتبرة كالمبسوط والجامع الكبير والجامع الصغير والسير الكبير والسير الصغير والزيادات، وهذه الكتب الستة معروفة بكتب ظاهر الرواية، وله كتب غيرها، انظر ترجمته في الجواهر المضية 3/ 122، الفوائد البهية ص268، الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص337.
خلافه، كظهير الدين (1) وقاضي خان (2) ونحوهما، ولهذا (3) لم يُعدوا (4) مذاهب مستقلة كما عُدَّ الشافعي ومالك ونحوهما إذ لا تقليد لهم لأحد أصلاً.
ويؤيد هذا ما ذكر في مناقب أبي يوسف رحمه الله أنه قال في مرض موته: [إلهي أنت تعلم أني لم أحكم في قضائي فيما علمته باجتهادي إلا به، وفيما لم (5) أعلم (6) جعلت أبا حنيفة بيني وبينك، فاعف عني واغفر لي بكرمك يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين].
(1) ظهير الدين لقب لتسعة من علماء الحنفية كما في الجواهر المضية 5/ 275، وقال اللكنوي في ترجمة علي بن عبد العزيز ظهير الدين الكبير المرغيناني ما نصه:[وقد رأيت في الفتاوى الظهيرية أن صاحبها كثيراً ما ينقل المسائل والفوائد عن ظهير الدين المرغيناني ويصفه بالشيخ الإمام الأستاذ الأجلّ، ومن المعلوم أن الظهير المرغيناني لقب لصاحب الترجمة عليّ، ولابنه الحسن، ويفرق بينهما بتوصيف الأول بالظهير الكبير] الفوائد البهية ص 206
(2)
هو حسن بن منصور بن محمود فخر الدين قاضي خان الأوزجندي الفرغاني كان إماماً كبيراً وبحراً عميقاً غواصاً على المعاني الدقيقة مجتهداً توفي سنة 592هـ، له الفتاوى المعروفة بفتاوى قاضي خان أو الفتاوى الخانية وهي مشهورة مقبولة معمول بها متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وله شرح أدب القاضي للخصاف وغير ذلك، انظر كشف الظنون 2/ 218، الجواهر المضية 2/ 93، الفوائد البهية ص111.
(3)
في ط ولذا.
(4)
في ط
…
يعدوها.
(5)
في ط لا.
(6)
ورد في ط به.
وأما ما ذكر في الخلاصة، فمحمول على المجتهد المطلق، أو القادر على مخالفته في البعض، يدل عليه قوله فظهر رواية أن الحق بخلافه، على أنه لا دليل عليه أيضاً إلا الاستقراء الناقص (1) فهو لا يفيد.
كيف وقد ذهب (2) بعض العلماء [إلى](3) عدم جواز خلو الزمان عن (4) المجتهد.
إذا تقرر هذا فنقول: يدل على مدَّعانا كتاب الله تعالى وسنة حبيبه عليه الصلاة والسلام (5) وإجماع الأمة والقياس الصحيح.
اعلم أولاً أن النصوص محمولة على ظواهرها ما لم يمنع مانع، وأن العبرة بعموم اللفظ (6) وإطلاقه لا بخصوص السبب وتقييده (7).
(1) في ط ناقص، والاستقراء الناقص هو ما لا يكون فيه حصر الكلي في جزيئاته بأن لا يكون فيه تتبع لجميع جزئيات الكلي، انظر شرح الكوكب المنير 4/ 419.
(2)
في ط وذهب.
(3)
في أ + ط على وهو خطأ.
(4)
في أعلى.
(5)
نهاية 20/أ.
(6)
في أالنص.
(7)
انظر إرشاد الفحول 1/ 446.
وإن شريعة من قبلنا شريعة لنا إذا قص (1) الله تعالى ورسوله من غير نسخ (2).
وأن النهي للتحريم (3)، وأن تأويل الراوي وتوجيهه الآية أو الحديث بدون الرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون حجة على الغير (4). وأن ترتب الحكم على المشتق يدل على عِليَّة مأخذ الاشتقاق (5) على ما ثبت في موضعها.
(1) في ط قضى.
(2)
وهذا قول الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد، انظر شرح ابن ملك على المنار ص732، شرح المحلي 4/ 192، شرح العضد 2/ 286، المستصفى 1/ 134، أصول السرخسي 2/ 99
(3)
وهذا مذهب جماهير أهل العلم بما فيهم الأئمة الأربعة، انظر البرهان 1/ 283، كشف الأسرار 1/ 256، الإحكام للآمدي 2/ 187، فواتح الرحموت 1/ 396، المحصول 1/ 2/469.
(4)
انظر شرح الكوكب المنير 2/ 486، 4/ 425، فواتح الرحموت 2/ 161، تيسير التحرير 3/ 69، المنخول ص175، الإحكام للآمدي 2/ 128.
(5)
انظر التقرير والتحبير 1/ 119، التبصرة ص454، تخريج الفروع على الأصول ص344، إرشاد الفحول 2/ 151.
أما الكتاب: فمنه قوله تعالى: (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)(1) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)(2)، وجه الاستدلال أن المراد بالاشتراء الاستبدال (3) والأخذ، وبآياتي آيات (4) الكتاب، وبالثمن القليل الدنيا، بدليل إطلاقه عليها في الكتاب قال الله تعالى:(قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)(5)، والسنة والعرف قال:
هي الدنيا أقل من القليل وعاشقها أذل من الذليل
تُصِمُ (6) بسحرها قوماً وتعمي فهم متحيرون بلا دليل
وإن الضمير في به، لما أنزل الله، لقربه وذكره صريحاً، فدل الآيتان على (7) أن الاشتراء حرام، وأنه والكتمان سببان لأكل النار، فثبت حرمة أخذ الدنيا بسبب القرآن.
(1) سورة البقرة الآية 41.
(2)
سورة البقرة الآية 174.
(3)
في ط الاستدلال، وهو الخطأ.
(4)
ليست في ط.
(5)
سورة النساء الآية 77.
(6)
نهاية 20/ب.
(7)
ليست في ط.
قال الفقيه أبو الليث في تفسير هذه الآية: ولأجل هذه الآية كره إبراهيم النخعي (1) بيع المصحف، فانظر إلى احتياطه، فإن المصحف عبارة عن الأوراق والنقوش، وليس شيء منهما من آيات الله تعالى. ولكن (2) لما كان النقوش دالاً على نظم القرآن وبيع المدلول حراماً، جعل بيع ما يشتمل على داله مكروهاً احتياطاً.
ومنه قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ
…
الآية) وقد سبق في المقدمة. ووجه الاستدلال أن المراد من كان يريد بعمل (3) الآخرة بقرينة السياق فإن إرادة الدنيا بعمل الآخرة فهو رياء.
وأما إرادة الدنيا بعمل الدنيا جائز (4) بلا خلاف، فكيف يستحق به (5) عذاب النار
(1) هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي الفقيه المعروف وأحد الأعلام توفي سنة 96هـ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 4/ 520، تهذيب الكمال 2/ 233.
(2)
في ط لكن.
(3)
في ط العمل.
(4)
في ط جائزة.
(5)
ليست في ط.
وقد دلَّ عليه ترتب الحكم، وقراءة القرآن من أفضل أعمال (1)(2) الآخرة.
ومنه قوله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)(3).
وقوله تعالى: (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)(4).
وجه الاستدلال أن الضميرين للقرآن والحصر إضافي، فالمعنى ما القرآن إلا ذكرى (5) للعالمين، لا يتجاوز إلى كونه مما يسأل عليه الأجر من الخلق.
ومنه قوله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
…
الآية)، أي يريد بعمل الآخرة وقد مرَّ وجه الاستدلال.
(1) في ط الأعمال.
(2)
نهاية 21/أ.
(3)
سورة الأنعام الآية 90.
(4)
سورة يوسف الآية 104.
(5)
في أذكر.
وأما السنة: فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: (اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به)(1) ذكره صاحب الهداية (2) في كتاب الإجارة (3).
ومنها ما رواه (4) الترمذي عن عمران بن الحصين (5) رضي الله عنه، أنه مرَّ على قاصٍ (6) يقرأ ثم يسأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به (7) فإنه سيجيء أقوامٌ يقرؤون القرآن ويسألون (8) الناس به) (9).
وجه الاستدلال أن الأمر للوجوب، وأن قوله (فإنه سيجيء) سيق للذم، ولا ذم في المباح.
(1) رواه أحمد في المسند 3/ 428، وابن أبي شيبة في المصنف 2/ 168، والبيهقي في السنن الكبرى 2/ 17، وأبو يعلى في مسنده 3/ 88، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 18، وقال الألباني صحيح، سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 522.
(2)
هو أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني، الفقيه الحنفي العلامة المحقق له البداية في الفقه وشرحها الهداية توفي سنة 593 هـ انظر ترجمته في الجواهر المضية 2/ 627، الفوائد البهية ص 230.
(3)
الهداية مع تكملة شرح فتح القدير 8/ 40.
(4)
في ط روى.
(5)
في ط حصين، وهو عمران بن الحصين بن عبيد الخزاعي صحابي جليل أسلم سنة سبع للهجرة ولي قضاء البصرة توفي سنة 52هـ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 2/ 508، الإصابة 4/ 705.
(6)
في ط قارىء.
(7)
ليست في أ.
(8)
في أيسألون.
(9)
سنن الترمذي 5/ 179، وقال حديث حسن، ورواه أحمد في المسند 4/ 432، والطبراني في المعجم الكبير 18/ 166، وقال الألباني حسن. صحيح سنن الترمذي 3/ 10.
ومنها ما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت (1) وصححه التوربشتي (2) قال علّمت (3) ناساً من أهل الصفة القرآن وأهدى إليَّ رجل قوساً، فقلت ليست بمال
(1) في أصامت، وعبادة هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي المدني صحابي جليل مات بالرملة سنة 34هـ ودفن في بيت المقدس وانظر ترجمته في الإصابة 3/ 644، تهذيب التهذيب 5/ 97.
(2)
التوربشتي هو فضل الله شهاب الدين التوربشتي الحنفي محدث وفقيه من أهل شيراز له شرح مصابيح السنة للبغوي، تحفة المرشدين وغيرهما توفي سنة 600هـ انظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى 8/ 349، معجم المؤلفين 2/ 625.
(3)
نهاية 21/ب.
وأرمي بها في سبيل الله تعالى، فأتيته عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إليَّ قوساً (1) ممن كنت أعلمه القرآن، وليست بمال فأرمي بها في سبيل الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار (2) فاقبلها) (3).
ومنها ما ذكره (4) الشيخ أبو منصور (5) رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(6)، أي المستسلمين لأمر الله تعالى، الذين لا يأخذون للوعظ والنصيحة وتعليم الدين أجراً، فإن مقتضى الإسلام ذلك قال صلى الله عليه وسلم:(لا تأخذوا للعلم والقرآن ثمناً فتسبقكم الدنيا إلى الجنة)(7). انتهى
(1) ورد في أ (في نفسه)، وزيادتها خطأ حيث إنها ليست من الحديث.
(2)
في ط النار.
(3)
سنن أبي داود 3/ 264، ورواه ابن ماجة في سننه 2/ 730، وأحمد في المسند 5/ 315، والبيهقي في السنن الكبرى 6/ 125، وقال الألباني صحيح، صحيح سنن ابن ماجة 2/ 8.
(4)
في أذكر.
(5)
أبو منصور لعله محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي كان من كبار العلماء وكان يقال له إمام الهدى له مصنفات منها كتاب التوحيد، المقالات، بيان وهم المعتزلة، وكتاب تأويلات القرآن وهو كتاب لا يوازيه فيه كتاب، توفي سنة 333 هـ انظر ترجمته في الجواهر المضية 3/ 360.
(6)
سورة يونس الآية 72.
(7)
لم أقف على من رواه.
ومنها ما ذكر في المقدمة من قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب)(1).
أقول فإذا لم يكن له ثواب، فكيف تصح هذه الإجارة التي هي في الحقيقة (2) بيع الثواب، إذ ليس غرض المستأجر نفس القراءة، ولا انتفاع القارئ به (3) ولا انتفاع الغير بالسماع والتعليم، بل غرضه تسليم ثوابها له، وبيع المعدوم باطل، ولو سلم وجوده فليس بمال، لأنه ليس بعين يجري فيه التنافس (4) والابتذال، ولو سُلِّم فليس بمقدور التسليم، ولو سُلِّم أنه ليس ببيع، فالإجارة تمليك المنفعة بعوض، والمنفعة هاهنا هي الثواب لا نفس القراءة بل هي
(1) سبق تخريجه.
(2)
نهاية 22/أ.
(3)
ليست في ط.
(4)
في ط التنافر، وورد فيها كلمة رغبة.
مرادة لأجله حتى إن المستأجر إذا علم عدم حصول الثواب لم يعطه حبة على مجرد القراءة، فالمعقود (1) عليه ليس إلا تسليم الثواب، فإذا لم يسلم لا يستحق الأجر، كمن أستأجره (2) رجل ليذهب بطعام إلى فلان بالبصرة، فذهب ووجده ميتاً فرده فلا أجر له (3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السماوات والأرض)(4).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس وجهه ومحق (5) ذكره وأثبت اسمه في النار) (6)(7).
وبالجملة كل ما ورد في ذم الرياء من الآيات والأخبار يدل عليه لما ذكرنا (8) في المقدمة أنه رياء أو ملحق به.
(1) في ط
…
فالمقصود وهو خطأ.
(2)
في ط استأجر.
(3)
ما قاله المؤلف من عدم استحقاق الأجر غير مسلم إذ الأجير قد استؤجر على الذهاب بالطعام إلى البصرة فذهب فاستحق الأجر على ذلك.
(4)
سبق تخريجه.
(5)
في ط ومحي.
(6)
سبق تخريجه.
(7)
نهاية 22/ب.
(8)
في ط ذكر.
وأما الإجماع فمن وجهين:
الأول (1) إن الأمة اتفقوا على أن لا ثواب للعمل إلا بالنية لقوله (2) صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات ولكل إمرىء ما نوى)(3)، وهو حديث مشهور (4) تجوز به الزيادة على الكتاب (5)، وقد مرَّ أن النية ليست عبارة عن القول ولا الإخطار (6) بالبال حتى توجد إذا قال القارىء أنا أقرأ لله تعالى وأعطي ثوابه للمعطي وأخطر بباله معناه وقال المعطي أيضاً أنا أعطي لله تعالى وأخطر بباله معناه، بل هي الحالة الباعثة على العمل المعبر عنها بالقصد والعزم، ولم توجد فيما نحن فيه على ما هو المفروض، فلم يحصل (7) ثواب (8) فلا إجارة ولا بيع لما سبق وجهه.
(1) في ط
…
والأول.
(2)
في ألقموله وهو خطأ.
(3)
سبق تخريجه.
(4)
أي عند الفقهاء والأصوليين وأما عند المحدثين فليس بمشهور لأن المشهور عندهم ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر كما قال الحافظ ابن حجر، وحديث (إنما الأعمال بالنيات) أول إسناده فرد ثم طرأت عليه الشهرة من عند يحيى بن سعيد، والمؤلف قصد المشهور عند الحنفية وهو قسيم للمتواتر وللآحاد، انظر تدريب الراوي 2/ 173 - 174.
(5)
انظر أصول السرخسي 2/ 82، فواتح الرحموت 2/ 62.
(6)
في ط الإحضار.
(7)
في ط يصل.
(8)
في ط ثوابه.
والثاني أنهم أجمعوا على تحريم الرياء، وقد عرفت أن ما نحن فيه رياء (1)، أو ملحق به فكيف يجوز أخذ الأجرة على المعصية؟
وأما القياس: فمن وجهين أيضاً:
أحدهما: أن القراءة (2) مثل الصلاة والصوم في كونهما عبادة بدنية محضة، فكما لا يجوز أخذ الأجرة عليهما لا يجوز عليها.
والثاني: أنها (3) بيع الثواب بالحقيقة كما مر، فأشبه بيع ثواب الأعمال التي عملها رجل في الزمان الماضي، فكما أن هذا باطل بلا خلاف فكذا هذا.
(1) في ط
…
الرياء.
(2)
نهاية 23/أ.
(3)
في ط
…
أنه.