الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[أصول الإسلام ومصادره]
[من مصادر الإسلام القرآن العظيم]
أصول الإسلام ومصادره اعتاد أتباع الأديان المنسوخة والملل الوضعية أن يقدسوا كتبا متوارثة فيهم، كتبت في أزمنة غابرة، وقد لا يعلم حقيقة من كتبها، ولا من ترجمها، ولا في أي زمن كتبت، إنما كتبها أناس يعتريهم ما يعتري البشر من الضعف والنقص والهوى والنسيان.
أما الإسلام فإنه يتميز عن غيره حيث يعتمد على المصدر الحق (الوحي الإلهي) القرآن والسنة، وفيما يلي تعريف موجز بهما: أ - القرآن العظيم: علمت فيما سبق أن الإسلام هو دين الله، ولأجل ذلك أنزل الله القرآن على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هدى للمتقين، ودستورا للمسلمين، وشفاء لصدور الذين أراد الله لهم الشفاء، ونبراسا لمن أراد الله لهم الفلاح والضياء، وهو مشتمل على الأصول التي بعث الله من أجلها الرسل (1) ولم يكن القرآن بدعا من الكتب، كما لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل، فقد أنزل الله على إبراهيم عليه السلام صحفا، وأكرم موسى عليه السلام بالتوراة، وداود عليه السلام بالزبور، وجاء المسيح عليه السلام بالإنجيل، وهذه الكتب وحي من الله أوحاه إلى أنبيائه ورسله، ولكن هذه الكتب المتقدمة فقد كثير منها، واندرس معظمها، ودخلها التحريف والتبديل.
(1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي تأليف مصطفى السباعي، ص:376.
أما القرآن العظيم فقد تكفل الله بحفظه، وجعله مهيمنا وناسخا لما سبقه من الكتب، قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48](1) ووصفه الله بأنه تبيان لكل شيء، فقال جل ثناؤه:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89](2) وأنه هدى ورحمة، فقال عز من قائل:{فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157](3) وأنه يهدي للتي هي أقوم: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9](4) فهو يهدي البشرية لأقوم سبيل في كل شأن من شؤون حياتها.
ومن استحضر كيف نزل القرآن الكريم، وكيف حفظ عرف للقرآن قدره، وأخلص لله قصده، قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192 - 194](5) .
فمن نزل القرآن هو الله رب العالمين.
ومن نزل به هو الروح الأمين جبريل عليه السلام.
ومن نزل على قلبه هو النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا القرآن آية باقية لمحمد صلى الله عليه وسلم ضمن آيات باقيات إلى يوم القيامة - فقد كانت آيات الأنبياء السابقين ومعجزاتهم تنتهي بانتهاء
(1) سورة المائدة، الآية:48.
(2)
سورة النحل، الآية:89.
(3)
سورة الأنعام، الآية:157.
(4)
سورة الإسراء، الآية:9.
(5)
سورة الشعراء، الآيات: 192 - 194.
حياتهم، أما هذا القرآن فقد جعله الله حجة باقية.
وهو الحجة البالغة، والآية الباهرة، تحدى الله البشر أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة واحدة من سوره، فعجزوا على الرغم من أنه يتكون من حروف وكلمات، والأمة التي أنزل عليها هي أمة الفصاحة والبلاغة، قال تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38](1) .
ومما يشهد لهذا القرآن أنه وحي من عند الله أنه تضمن أخبارا كثيرة عن الأمم السابقة، وتنبأ عن حوادث مستقبلية وقعت كما أخبر، وذكر من البراهين العلمية الشيء الكثير مما لم يتوصل العلماء إلى بعضه إلا في هذا العصر، ومما يشهد لهذا القرآن - أيضا - أنه وحي من عند الله أن النبي الذي أنزل عليه هذا القرآن لم يعهد عنه مثله، ولم ينقل عنه ما يشابهه قبل تنزل القرآن، قال تعالى:{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16](2) بل كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتردد على شيخ، ولم يجلس إلى معلم، ومع ذلك يتحدى الفصحاء والبلغاء أن يأتوا بمثله:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48](3) وهذا الرجل الأمي الذي وصف في التوراة والإنجيل بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب يأتي إليه أحبار اليهود والنصارى - الذين لديهم بقايا من التوراة والإنجيل - يسألونه عما
(1) سورة يونس، الآية:38.
(2)
سورة يونس، الآية:16.
(3)
سورة العنكبوت، الآية:48.
يختلفون فيه، ويحتكمون إليه فيما يتشاجرون فيه، قال تعالى موضحا خبره في التوراة والإنجيل:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157](1) وقال تعالى مبينا سؤال اليهود والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} [النساء: 153](2) وقال جل ثناؤه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء: 85](3) وقال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 83](4) وقال سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل: 76](5) .
ولقد حاول القس إبراهيم فيلبس في أطروحة الدكتوراة النيل من القرآن، فعجز عن ذلك وقهره القرآن بحججه وبراهينه ودلائله، فأعلن عجزه واستسلم لخالقه وأعلن إسلامه (6) .
وحينما أهدى أحد المسلمين نسخة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الدكتور الأمريكي جفري لانغ وجد أن هذا القرآن يخاطب نفسه، ويجيب على أسئلته، ويزيل الحواجز التي بينه وبين نفسه، بل قال: " إن
(1) سورة الأعراف، الآية:157.
(2)
سورة النساء، الآية:153.
(3)
سورة الإسراء، الآية:85.
(4)
سورة الكهف، الآية:83.
(5)
سورة النمل، الآية:76.
(6)
انظر المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي تأليف إبراهيم خليل أحمد.
الذي أنزل القرآن كأنه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي " (1) كيف لا والذي أنزل القرآن هو الذي خلق الإنسان؟ وهو الله سبحانه: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14](2) ثم كانت قراءته لترجمة معاني القرآن الكريم سببا في إسلامه وتأليفه لهذا الكتاب الذي نقلت لك منه.
والقرآن العظيم شامل لكل ما يحتاج إليه البشر، فهو شامل لأصول القواعد والعقائد والأحكام والمعاملات والآداب، قال تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38](3) ففيه الدعوة إلى توحيد الله، وذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، ويدعو إلى صحة ما جاء به الأنبياء والمرسلون، ويقرر المعاد والجزاء والحساب، ويقيم الحجج والبراهين على ذلك، ويذكر أخبار الأمم الماضية وما حل بها من المثلات في الدنيا، وما ينتظرهم من العذاب والنكال في الآخرة.
وفيه من الآيات والدلائل والبراهين الشيء الكثير مما يدهش العلماء، ويناسب كل عصر، ويجد فيه العلماء والباحثون ضالتهم، وسأذكر لك ثلاثة أمثلة فقط تكشف لك شيئا من ذلك، وهذه الأمثلة هي: 1 - قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 53](4) وقال عز شأنه:
(1) الصراع من أجل الإيمان تأليف الدكتور جفري لانغ، ترجمة د. منذر العبسي، نشر دار الفكر، ص:34.
(2)
سورة الملك، الآية:14.
(3)
سورة الأنعام، الآية:38.
(4)
سورة الفرقان، الآية:53.
ومن المعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر، ولم يكن في عصره الوسائل المادية التي تعين على اكتشاف أعماق البحر، فمن الذي أخبر محمدا صلى الله عليه وسلم بهذه المعلومات إلا الله؟
2 -
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14](2) ولم يكتشف العلماء هذه التفاصيل الدقيقة عن مراحل خلق الجنين إلا في هذا العصر.
3 -
قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59](3) فلم تعتد البشرية هذا التفكير الشامل ولا تفكر فيه، فضلا عن أن تستطعيه، بل إذا رصد فريق من العلماء نبتة أو حشرة وسجلوا ما عرفوا عنها تملكنا الإعجاب لذلك، علما أن ما خفي عليهم من حالها أكثر مما رصدوه.
(1) سورة النور، الآية:40.
(2)
سورة المؤمنون، الآيات: 12 - 14.
(3)
سورة الأنعام، الآية:59.