المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٧

[بسام العسلي]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الأول

- ‌ نظرية الاستعمار الإفرنسي(وتطبيقاتها في الجزائر)

- ‌ حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام

- ‌ الأهداف التربوية للتعليم الاستعماري

- ‌ الفرنسة والتنصير ونتائجهما

- ‌ الانهيار الكبير

- ‌أ - (تلك كانت حياة الجزائر سنة 1925:

- ‌ب - أحمد بن عليوة والرحمانية

- ‌ج - ضحية من ضحايا الاستعمار (الشيخ عبد الحليم بن سماية)

- ‌د - ضحية أيضا من ضحايا القهر الإستعماري - عمر راسم

- ‌هـ - احتفال فرنسا بمرور مائة عام على احتلال الجزائر

- ‌الفصل الثاني

- ‌ عبد الحميد بن باديس

- ‌ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

- ‌ مدافع الله ونهاية رحلة العمر

- ‌ إخوان عبد الحميد في الجهاد

- ‌أ - الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

- ‌ب - الشيخ مبارك بن محمد الميلي:

- ‌ج - الشيخ أحمد توفيق المدني

- ‌د - الشيخ الطيب العقبي:

- ‌هـ - الشيخ التبسي:

- ‌ تيار الأصالة الثورية في الجزائر

- ‌أ - الشاعر محمد العيد

- ‌ب - أحمد رضا حوحو

- ‌ج - الشيخ إبراهيم بن عمر بيوضوتجربته التربوية الرائدة في ميزاب

- ‌(محتوى الكتاب)

الفصل: ‌ حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام

2 -

‌ حرب الحضارة الصليبية ضد الإسلام

كان في مدينة الجزائر وحدها يوم وطئتها أقدام الغزاة الصليبيين- الإفرنسيين - سنة 1830 مائة وستة مساجد، وعندما حرر المسلمون الجزائريون بلادهم سنة 1961 لم يكن في عاصمة الجزائر أكثر من ثمانية مساجد فقط. وهكذا اختفى 98 مسجدا كانت من أعظم منارات الدنيا.

وكانت الأوقاف الإسلامية في جزائر المسلمين تبلغ نحو (66) في المائة من مجموع الأملاك العقارية والزراعية. ويعود السبب في ذلك إلى شغف الجزائريين بحبس أموالهم على المساجد وأضرحة الأولياء وأندية العلم عامة والحرمين الشريفين خاصة. وكان الجزائريون يديرون هذه الأموال بمهارة وكفاءة، بواسطة إدارة أهلية، ولم يكن أحد يشكو يومئذ فقرا لأن جميع الفقراء كانوا يأخذون حصتهم ونصيبهم من خيراتها. وهكذا استمرت الجزائر في بحبوحة من العيش أيام عزها ومجدها، حتى غزتها جحافل الصليبيين الإفرنسيين. وعندئذ تطلعت فرنسا إلى تلك الخيرات فحاولت انتزاعها من أيدي أصحابها، ولكنها وجدت

ص: 29

شروط الواقفين حائلة بين الإفرنسيين وبين ما يطمعون. فخلقوا مشكلة التدخل في أمورها بحجة التنظيم والإصلاح.

واشتهر القضاء الإسلامي، عبر التاريخ، بنزاهته وإستقلاليته، ووجد الاستعمار الإفرنسي في هذا القضاء عاملا قويا في المحافظة على شخصية الجزائر الإسلامية والإبقاء على أصالتها، فراح يخطط لفرض هيمنته على هذا القضاء، فأصدر قرارا يوم 10 نيسان - أبريل - 1834 ينص على (استئناف الأحكام التي يصدرها القاضي المسلم أمام مجلس الاستئناف) وفي هذا ما يخالف الشريعة الإسلامية، إذ أنه ليس لحكم الله استئناف أو تمييز، أو مماطلة وتسويف. وزاد الأمر خطورة بإسناد حق الاستئناف إلى قضاة الاستئناف من النصارى أو اليهود. وزاد في العدوان الإفرنسي الأثيم - أيضا - إرغام القضاة المسلمين على إصدار أحكامهم (باسم الملك الإفرنسي - إبان حكم الملكية، وباسم الإمبراطور - في أيام نابليون الثالث، وباسم الدولة الإفرنسية - في عهد بيتان). وأضيفت إلى ذلك مجموعة من الصعوبات والعراقيل، جعلت اختصاص القضاة المسلمين بعد سنة 1841 محصورا في دائرة ضيقة النطاق لا تتجاوز الدعاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية والإرث. وكانوا قبلا ينظرون في الدعاوى الجنائية والمدنية والتجارية وقضايا العروض والعقارات. ولم يتوقف نشاط الاستعمار الإفرنسي المعادي للقضاء الإسلامي عند حد تضييق الخناق عليه والحد من صلاحياته، بل تجاوزها إلى لأعمال حذف المحاكم الإسلامية وإبطالها. ففي 28 آب - أغسطس - سنة 1874، صدر أمر بحذف المحاكم الإسلامية

ص: 30

(بمنطقة القبائل) وإبدالها بجماعات أهلية أطلق عليها اسم (الجامعات القضائية). وخصصت صلاحياتها بالحكم حسب العرف والعادات الأهلية لا الدين.

فكيف تم هذا التحول؟ للإجابة على ذلك، قد يكون من الأفضل التوقف عند بعض المقولات التي طرحت في إطار الحرب الصليبية- الحضارية - ضد المسلمين.

لقد بدءت عملية احتلال المساجد، مع البدايات الأولى لغزو الجزائر، ففي سنة 1832، صرح (روفيغو) (1):(بأنه يلزمني أجمل مسجد في المدينة لنجعل منه معبد إله المسيحيين) وخاطب رجاله قائلا: (عجلوا بذلك، فجامع كتشاوه - كيجاوه - هو أجمل مسجد في المدينة خاصة وأنه يتاخم القصر، ويقع وسط الدوائر الحكومية والحي الأوروبي (2) وتملك الجزائريون الفزع،

وتساءلوا جميعا: إلى بيوت الله توصل المستعمرون الفجرة؟ وهرع المسلمون إلى المسجد يحمونه بقلوبهم. ودخل أربعة آلاف منهم رحاب المسجد، وأقفلوا الباب عليهم، وقد عقدوا

(1) روفيغو SAVARY RENE DE ROVIGO واسمه سافوري. رونيه - دوق - (1774 - 1833) تولى منصب وزير الشرطة أيام نابليون بونابرت، ثم عين حاكما للجزائر.

(2)

مسجد كتشاوة: يوجد حاليا في ساحة ابن باديس، وكان موجودا منذ القرن الرابع عشر، وأعيد بناؤه أيام حسان باشا - بن خير الدين بربروس 1209هـ (1794 - 1795) ليكون من أعظم مساجد الجزائر. وتعرض المسجد لتشويه مرعب سنة 1845 وتحول إلى كنيسة، ثم استعاده المسلمون سنة 1962.

ص: 31

النية على الاستثهاد معه. وفي يوم 18 كانون الأول - ديسمبر -1832، حضرت قوات من المدفعية والمشاة الإفرنسيين، وأحاطوا بالمسجد. واقتربت فرقة من حاملي الفؤوس، وأخذت تكسر الباب الموصد، وبينما كان صياح الأهالي واستغاثاتهم تعلو عنان السماء، كانت القوات الإفرنسية تقتحم رحاب المسجد وتنطلق بوحشية وهي تطعن الأهالي بحد الحراب والسيوف. وقتل المسلمون عن آخرهم وطلي الجامع بدمائهم. وقام القساوسة يتلون أناشيد الغفران على أشلائهم الممزقة. وتم تحويل المسجد إلى كنيسة عرفت باسم (كنيسة سان فيليب).

واستمرت بعد ذلك عملية هدم المساجد، وتحويلها إلى كنائس للنصارى وبيع لليهود وثكنات للجيش والشرطة وأصطبلات للخيل والدواب. وتعرضت المدن الجزائرية الأخرى لما تعرضت له العاصمة (الجزائر) حيث ذكر أحد رؤساء الأديرة والنائب العام لمطران الجزائر، فقال ما يلي:(إن الحاكم الإفرنسي - فالي - هو رجل عميق الإيمان، صاحب ذمة وضمير، يحكم الجزائر كالملك المنفرد بحكمه. هذا هو الرجل الصالح للمستعمرة. فهو يبغي تثبيت دعائم الدين، وفرض احترامه في كل مكان. ويريد أيضا مضاعفة الصلبان والمعابد في الجزائر. كما أن صاحب السيادة بإمكانه تنفيذ إرادته مع أي رجل كان. وقد اختار أجمل مسجد في قسنطينة ليجعل منه أجمل كنيسة في المستعمرة. وهو مسجد صالح باي).

لم تكن عملية التدمير البربرية لأماكن المسلمين المقدسة إلا

ص: 32

واحدة في جملة وسائل التدمير المادي والمعنوي للقدرة الإسلامية، وكانت الوسائل الأكثر خطورة هي: 1 - أعمال الإبادة الوحشية للمسلمين. 2 - نشر الأمراض والأوبئة وإهمال الشؤون الصحية. 3 - إفساح المجال بعد ذلك للارساليات التبشيرية حتى تكمل عملها فيما أطلق عليه سياسة التنصير. 4 - توجيه التعليم بما يتوافق مع الأهداف الاستعمارية.

وقد تنضب الأقلام وتضيق الصحف عن جمع الشواهد الثابتة والبراهين الواضحة عما بذلته السلطات الاستعمارية الإفرنسية وهي تمضي لتنفيذ المخطط المتكامل الذي عرضت أبرز نقاطه السابقة، لإبادة الشعب الجزائري المسلم وتصفية وجوده المادي والمعنوي. ولقد رافقت عملية الغزو البربري للجزائر، واستمرت معه، فظائع رهيبة، وأعمال إبادة إجماعية لم يعرف لها مثيل، ومن شواهدها الشهيرة والمتناقلة، قيام جند الغزو بقتل الشيوخ والأطفال والنساء، ثم تقطع آذان النسوة وأيديهن لنهب الأقراط والعقود (حتى كانت الأقراط المعلقة في آذان الجزائريات، تشحن بالبراميل، وتكدس أكواما في سوق باب عزون في العاصمة لبيعها بالمزاد). وهكذا كانت تباع حلي الحرائر الطاهرات من النساء المسلمات وهي تقطر من دمائهن البريئة. واستثارت هذه الوحشية بعض الإفرنسيين فمضوا في وصفها: (لقد قلت أن الاستعمار هو عملية اغتصاب. ولكن هذا أيضا لا يكفي، يجب أن أقول عملية اغتصاب هائلة. عملية إبادة شعب بأسره) وقال كاتب فرنسي: (دعونا من الخداع والمواربة، فما نفع تمويه الحقيقة. إن الاستعمار لم يكن في البدء حركة حضارية وإرادة حضارية. كان

ص: 33

حركة قوة نفعية، إنها مرحلة صراع من أجل الحياة، صراع التزاحم الحيوي الكبير الذي انتقل من الأفراد إلى الجماعات، ومن الجماعات إلى الأمم. وراح ينشر ألويته فوق العالم الفسيح

إن من يقول حضارة، إنما يعني منفعة الغير - ورغبة كريمة في مساعدة هذا الغير. في حين أن الاستعمار في أساسه، ليس سوى عملية منفعة شخصية - أنانية - يفرضها القوي على الضعيف).

ويعرف السفاح الاستعماري (بيجو) الاستعمار بقوله:

إن الاستعمار هو الفتح البربري الكبير، وهو أشبه شيء بمرور قوافل الرحالة الذين يهجمون على بلد ما، فيقتلون ويذبحون وينهبون كل شيء) (1) وسار المارشال (سانت آرنو) على نهج .. (بيجو) فكتب في وصف إحدى عمليات الإبادة ما يلي: (إن بلاد بني مناصر رائعة حقا. وهي إحدى المناطق الغنية التي شاهدتها في أفريقيا

فالقرى والمساكن متقاربة جدا

لقد أحرقنا ودمرنا كل شيء

إنها الحرب، وكم من نساء وأولاد لاجئين إلى ثلوج الأطلس، قضوا نحبهم من البرد والبؤس) وفي (رسائل جندي) كتب - مونتانياك - يصف ما فعله بأحد الجزائريين:(قطعت رأسه، وقبضته اليسرى، وقدمت إلى المعسكر شاكا رأسه على حربة، معلقا يده على قضيب بندقية. ثم أرسلناهما إلى الجنرال - باراقاي ديلليار - الذي كان في المعسكر القريب منا. وكم كان الجنرال شديد السرور والفرح). أما كريستيان، صاحب كتاب (أفريقيا الإفرنسية) فإنه بعد أن يصف كيفية إقدام القوات الإفرنسية

(1) الثورة الجزائرية (أحمد الخطيب) ص 159 - 163.

ص: 34

بقيادة الجنرال (روفيغو) على ذبح جميع أفراد قبيلة (الوفية) وهم نيام (يوم 6 نيسان - أبريل - سنة 932 1) يقول: (وهكذا أبيد من كان حيا دون تفريق بين الشاب والشيخ والذكر والأنثى)، ويقول (بن) واصفا إحدى المجازر: (لقد كانت المذبحة رهيبة، فالمساكن وخيام الأجانب منتصبة في الميادين والشوارع والساحات، مغطاة بالجثث، وتبين بعد الاستيلاء على القرية بأن عدد الضحايا بلغ 2300 قتيل بين امرأة وطفل، أما الجرحى فكان عددهم معدوما

وقام الجنود باكتساح البيوت ونهبها وإحراقها وإحراق الأشجار

وفي اليوم التالي، نزلت الحملة إلى (البليدة) وأحرقت كل شيء في طريقها، وهدمت هذه القرية الجميلة

وكان خط النيران المشتعلة في الجبل هو المرشد إلى طريق سير الحملة) ويكتب الكولونيل (دومونتانياك) إلى (الجنرال لامورسيار) (طلبت مني في مقطع من رسالتك أن أخبرك عن مصير النساء اللواتي نسبيهن، إننا نحتفظ ببعضهن كرهائن، وبعضهن نستبدلهن بالجياد، ثم نبيع الباقيات بالمزاد العلني باعتبارهن حيوانات لنقل الأحمال

ولكي أطرد الأفكار السوداء التي تمتلكني بعض الأحيان، أقوم بقطع رؤوس

لا ليس رؤوس نبات (الأرضي شوكي) بل رؤوس رجال حقيقيين) ولا بد لهؤلاء المساكين الذين يصبحون بدون مأوى، حفاة، عراة، أن يلجؤوا إلى الكهوف التي هي آخر ملجأ طبيعي للإنسان، تقيه الحر والقر، وتحميه من غوائل الليل ووحوش القفار).

وفي هذه الكهوف، حدثت أشنع أعمال الإبادة، ضد قبيلة

ص: 35

(أولاد رباح) التي جاءها إنذار من الكولونيل (باليسي)(يوم 11 حزيران - يونيو - عام 1845) يأمرها فيه بالإسلام خلال عشر ساعات. ولما كان الاستسلام يعني مد الرقبة للجزائر فقد اشترطت القبيلة لخروجها انسحاب القوات الإفرنسية. وبدون إنذار آخر، أوقد (باليسي) النار أمام الكهوف، وسلط الدخان على المحتمين فيها طوال الليل حتى قضوا خنقا. وهذا وصف مريع للعملية - وقد اقتطف من كتاب (رسائل جندي) مؤلفه - مونتانياك: (أية ريشة تستطيع رسم هذا المنظر، عند منتصف الليل، وتحت ضوء القمر، لقد انشغل قسم من القوات الإفرنسية في تحضير نار جهنمية

إننا نسمع الأنات المتقطعة المنبعثة من الرجال والنساء والأطفال والحيوان. وطقطقة الصخور المحترقة وهي تتساقط. وطلقات الأسلحة المستمرة

لقد حدث في هذا اليوم أعنف صراع بين الإنسان والحيوان، فعند الصباح، وبينما كنا نخلي مداخل الكهوف، فوجئنا بأفظع مشهد يقع عليه النظر. لقد وجدنا في داخل الكهوف جثث الثيران والأغنام والحمير المندفعة بغريزتها الطبيعية إلى استنشاق الهواء الطلق الذي حرمت منه في الداخل، وقد تكتلت بين هذه الحيوانات، وتحتها جثث الرجال والنساء والأطفال. ورأيت رجلا ميتا جاثيا على ركبتيه، يمينه تمسك بقرن ثور، بينما كانت بالقرب منه امرأة وعلى ذراعيها طفلها

من السهل التعرف على هذا المنظر، فالرجل قد اختنق مع المرأة والطفل والثور، في الوقت الذي كان يحمي فيه عائلته الصغيرة من ثورة هذا الحيوان

لقد كانت الكهوف واسعة، حتى إننا أحصينا فيها سبعمائة وستين جثة؛ ولم ينجح في الخروج

ص: 36

منهم سوى ستين ما لبث أن فقد أربعون منهم الحياة. ونقل رجال الإسعاف عشرة في حالة صحية خطيرة أما العشرة الباقون، فقد أطلقنا سراحهم ليعودوا إلى قبائلهم يبكون أطلالا وخرابا).

لم تقف جهود فرنسا - الحضارية - عند حدود أعمال الإبادة المباشرة للجزائريين المسلمين، وإنما تجاوزتها إلى أعمال الإبادة غير المباشرة وفي طليعتها إهمال الناحية الصحية، ونقل الأمراض والأوبئة الحضارية إلى الجزائر - ومنها أمراض السل والسرطان والأمراض التناسلية. ومعروف أن الجزائر - وأفريقيا كلها عامة - لم تكن تعرف قبيل الاحتلال الاستعماري شيئا عن مثل هذه الأوبئة، ولم يأت بهذه الأمراض الفتاكة غير جنود الحملة الإفرنسية المكونين من السجناء واللقطاء والمرتزقة. وهكذا فقد رافقت الحملة الاستعمارية، حملة أخرى من الأوبئة المخيفة التي صدرها المجتمع الإفرنسي القذر. وجدير بالذكر التنويه إلى ما كتبه (البروفسور ليفي فالنسي) في هذا المجال. وفيه ما يلي:(تضم الجزائر بسكانها التسعة ملايين نسبة من المسلولين تعادل ما تضمه فرنسا التي يبلغ عدد سكانها أربعين مليونا. وبالرغم من كل ذلك لم تتخذ سلطات الاستعمار الاحتياطات الوقائية اللازمة، مثل بناء المستشفيات الصحية، وزيادة أعداد الأطباء الذين هم بمعدل 4 - 8 أطباء لكل مائة ألف نسمة، فلا عجب إذن بعد كل هذا أن نرى نسبة وفيات الأطفال بين العرب تبلغ خمسين بالمائة) كان ذلك في نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ عدد الأطباء الموجودين في الجزائر (1851) طبيبا. وهذا يعنى توافر طبيب واحد لكل (5400) نسمة - نظريا - أما من الناحية العلمية، فكان

ص: 37

معظم هؤلاء في العواصم الكبرى والمراكز الصحية الإفرنسية، وواجبهم الأول هو خدمة الإفرنسيين. وقد يكون ذلك وحده كافيا لإبراز اهتمام السلطات الاستعمارية بالعرب المسلمين، وما نتج عن هذا الاهتمام من إسهام في أعمال الإبادة غير المباشرة للعرب المسلمين في الجزائر.

لم تقف فرنسا عند هذا الحد، فأضافت إلى سجلها الحضاري جريمة دينية وإنسانية ما عرفها التاريخ، عبرت فيها عن حقدها الدفين ضد الإسلام وتعصبها الأعمى والأحمق للمسيحية. وتمثلت هذه الجريمة بالمجاعة الكبرى التي اجتاحت الجزائر سنة 1867 والتي ذهب ضحيتها حوالي نصف مليون نسمة.

لقد كانت فرنسا وراء المجاعة، لأن التاريخ لم يذكر أبدا حدوث مجاعات من هذا النوع في البلاد، فالجزائر غنية بمواردها الغذائية، وكانت تجارتها مزدهرة قبل الاحتلال الإفرنسي للبلاد، ولكن الحروب التخريبية التي شنتها فرنسا على الحرث والنسل لتحطيم المقاومة الشعبية، كانت العامل الوحيد الذي أدى إلى المجاعة الرهيبة. فالسنوات التي سبقت عام 1867 كانت سني حرب طاحنة، لم يعرف تاريخ البشرية إلا نادرا بمثل وحشيتها وبمثل ما رافقها من فظائع وآثام.

ولم تجد فرنسا سبيلا للتغلب على الشعب إلا بحرمانه من وسائل الحياة - الغذاء والماء -. ولذا تم تطبيق مخطط إجرامي لإحراق الغابات والمزارع والحقول والبساتين وتخريب القرى والمدن، وردم العيون والآبار. وكان من نتيجة ذلك ظهور مجاعة

ص: 38

سنة 1867 التي انتظرتها فرنسا بفارغ الصبر، لتشرع في تنفيذ مهمتها الثانية المتعلقة يتنصير المسلمين. وصهرهم في البوتقة المسيحية. واغتنمت فرنسا هذه المجاعة فجلبت إلى الجزائر أكبر عدد ممكن من (الآباء البيض) و (الإرساليات التبشرية) الأخرى. وزودتهم بالأطعمة المختلفة، وحثتهم على استدعاء الأهالي الجياع لزيارة الكنائس، بعد إغرائهم يوجود ما يبتغون. ولم تكن بغية الأهالي آنذاك سوى لقمة العيش. ويقف الجزائريون على أبوابا الكنائس والمعابد المليئة بأشهى الطعام، ضمر الخصور، غور العيون. يتلهفون إلى لقمة العيش، فلا يجدونها إلا بشروط. ولم تكن هذه الشروط سوى الخروج على الدين الإسلامي

والدخول في المسيحية، وبهذا فقط يتمكنون من مضغ لقمة الحياة، وإلا فالموت لهم بالمرصاد.

وذات يوم، وقف أحد الجزائريين الجياع أمام باب إحدى (الإرساليات التبشرية) في عمالة (وهران). وطلب إعطاءه لقمة عيش تحفظ له ما بقي من حياة. وكان الرجل في حالة تفير الرثاء في أقسى القلوب المتحجرة، بسبب ما وضح من أمره من الضعف

والهزال. واستقبله (المبشر المحترم) ورحب به، وأدخله المعبد. وأخذ يعرض على بعد منه أنواع الطعام الشهية، واصفا لذائذها

وفوائدها. ولم يتمكن الرجل من إيقاف لعابه السائل، فهم بمد هيكل يده ليحظى بشيء من الطعام. ولكن المبشر حال دونه ودون مبتغاه، وقال له بصراحة:(لن يأكل هذا الطعام الشهي إلا من دخل الدين المسيحي). وانتابت الرجل رجفة، ولم يلبث أن أدار ظهره للطعام المشروط، وأخذ يسحب رجليه الضعيفتين

ص: 39

سحبا. حتى إذا ما ابتعد عن باب الكنيسة خر على الأرض فاقدا الحياة. ومضى أبناء وهران، الذين عاشوا المجاعة، يتناقلون هذه الحادثة فيما يتناقلون. ويسجلونها برهانا - في جملة البراهين - على ما اتسم به (هؤلاء المبشرون) من قسوة القلب، والبعد عن كل القيم الحضارية والمفاهيم الإنسانية.

وقد توافرت شواهد كثيرة أجمعت كلها على أن المبشرين الذين سبقوا الحملة الاستعمارية، ورافقوها، مثلوا أشنع تمثيل عقلية الاستعمار البغيضة، والقائمة على التقتيل الجماعي ونشر الرعب وتعميم الفوضى في المغرب الإسلامي عامة وفي جزائر المسلمين خاصة. وإلا لما تركوا هذا الرجل - وأمثاله الكثيرون - يموتون جوعا أمام عيونهم، بلا ذنب اقترفوه إلا لأنهم قالوا: ربنا الله، وما رضوا عن دينهم بديلا، بينما كان بوسع هؤلاء المبشرين المحترمين تلافي جرائمهم الدنيئة، والتستر على أعمالهم القذرة. ولكنهم يدركون بأن مثل هذا الرجل، سيجعل من أطفاله أيتاما لا معيل لهم. وبعد ذلك يسهل عليهم إلتقاطهم وزجهم في (دور الأيتام) التبشيرية حيث ينشؤون نشأة مسيحية محضة. وأشهر هذه الدور (دار بن عكنون وبوزريعة) في مدينة الجزائر، ودار بطيوه بالقرب من مدينة (أرزيو). ومثل هؤلاء الأينام الذين قضى آباؤهم جوعا، وهم الذين جاء بهم الجنرال بيجو إلى الأب (بريمو) وسلمه إياهم قائلا:(حاول يا أبت أن تجعلهم مسيحيين، وإذا فعلت، فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار).

لقد عبر بيجو في جملته هذه تعبيرا صريحا عن نوايا حكومته في

ص: 40

القضاء على الدين الإسلامي. وسانده في تعبيره كاتبه الخاص حين قال: (إن أيام الإسلام الأخيرة قد حانت، ولن يكون في الجزائر كلها بعد عشرين عاما من إله يعبد غير المسيح

وإذا ما ارتبنا في أن هذه الأرض ستبقى لفرنسا، فمن الجلي - على الأقل - أن الإسلام قد فقدها

إن العرب لن يكونوا لفرنسا إلا حينما يصبحون مسيحيين).

أصبحت العلاقة الجدلية القائمة بين الاستعمار وبين التبشير الكنسي، من العلاقات المسلم بها تاريخيا، والمعترف بها دوليا. ولم تعد بحاجة لدليل أو برهان. وقصة احتكاك المغرب العربي - الإسلامي بالصليبية العمياء - وهي نقيض المسيحية السمحاء - لم تبدأ باحتلال الجزائر، ولكنها أعرق في القدم. فالاحتلال نتيجة من نتائجها. وما كان التبشير إلا مقدمة صادقة للإستعمار. ورائدا وفيا لطلائع الزحف التوسعي. ولولا تسلل المبشرين إلى أفريقيا، ونفاذ هواجسهم إلى أدغالها، وتسرب تعاليمهم إلى حنايا سكانها، لما رسخ للإستعمار قدم في هذه القارة. وكانت هذه الإرساليات أمينة لرسالتها المزدوجة، التي تسربها حسوا في ارتقاء

فقد لا تكفي الإرسالية بتمهيد الأرض لأقدام الغزاة، وإحضاع الرقاب لسيوفهم، بل ربما عاد القسيس من جولته إلى باريس. وفي طيات أثوابه خريطة يسهل بها مؤامرة الغزو. وها هو الأب (شارل دوفوكو) إمام أئمة الكاثوليكية، وأحد رحالة الصحراء، رحل إلى المغرب الأقصى، ورجع منه بوثائق وبخريطة قيل عنها:(أنه لولا خريطة الأب فوكو ووثائقه عن المغرب التي قدمها للحكومة الإفرنسية، لكان احتلال فرنسا للمغرب من الصعوبة بمكان).

ص: 41

وكان على فرنسا أن تعترف له بالجميل، اعترافها بقوادها الفاتحين، فأقامت له تمثالا في حديقة - ليوتي - بالدار البيضاء -أزيح عنه الستار سنة 1922. وكانت الوثنية والبربرية في أفريقيا نقطة الضعف التي ركز التبشير هجومه عليها، والكوة التي نفذ منها إلى القارة.

وكان المبشرون يتطلعون باستمرار في نهم مسعور إلى استغلال الوثنية وتسخير البربرية لخدمة الاستعمار. وهو ما أبرزه بحث ظهر في مجلة - المغرب الكاثوليكي - بعنوان (روح الإنجيل غذاء لروح البربر). جاء فيه: (إن البرابرة قريبون من الإنجيل، وأساطير الإنجيل التي تفيض بحياة الرجل، تصف حياة شبيهة بحياتهم. وأمثال الإنجيل تشبه كثيرا من أمثالهم. وإن حياتنا الخلقية الإفرنسية قد كيفتها وصبغتها المسيحية، فلم لا يكون الإنجيل إذا مركز الاتصال الذي تلتقي به الروح البربرية والروح الإفرنسية اللتان تنشد إحداهما الأخرى). ولم يكن العرب في أفريقيا في مأمن من هذا النهم المسعور، بل هم آخر المطاف للجولة المبيتة، والهدف البعيد لها. ولم يكن الإسلام في معزل عن هذه المساومات الرخيصة. بل كان الغنيمة التي يتحلب لها ريق الصليبية البغيضة، وإنما اتخذت البربرية ذريعة للوصول إلى الإسلام المستعصي. وركز الهجوم على البربرية لاستدراج العرب والتمكن من تلابيبهم، وهو الأمر الذي أكده (الأب فوكو) الذي اشتهرت عنه مقولته التالية: (إن أبناء البرابرة هم فتيان جنس لطيف، وهم مستعدون لقبول الروح اللاتينية التي انتموا إليها في العصور الحالية. إن البرابرة ليسوا متعصبين ولا جاحدين، وإن

ص: 42

دخولهم في المسيحية هو الذي يعيد العرب ويدخلهم إليها كارهين) (1) والأمر الواضح هو أن الصليبيين قد جنحوا إلى كوة الوثنية، حين استعصى عليهم الولوج من باب الإسلام. فاستنجدوا بالعصبية المفرقة حين أعياهم الدين الموحد. الدين الذي وقف بالبربر والعرب على صعيد واحد في وجه الاحتلال، هو الذي دفعهم إلى نبش الماضي، والالتفات إلى لاتينية البرابرة حتى يجدوا ما يفتتون به أوصال الحاضر ويمزقونه.

إنها الصليبية تعيد نفسها، ومجاف للحقيقة وللواقع التاريخي من يزعم أن التبشير في الجزائر كان في خدمة المسيحية، ولو كان القائل مبشرا مسيحيا. لأن أقوال سلفه تغلق في وجهه باب مثل هذا الزعم. فقد كان غزو الجزائر منذ بدايته غزوا صليبيا أعلن عن أهدافه بوضوح تام، فأعاد إلى الأذهان ملاحم الحروب الصليبية في المشرق وأيامها في أندلس المسلمين.

والكنيسة هي التي باركت الغزو الصليبي في المشرق واحتضنته، والقسيس هو الذي كان يغمس السيف في الماء المقدس، ويقلده عنق الفارس، ويشيعه بالدعوات وهو في طريقه إلى بلاد الشام. أما بالنسبة لاحتلال الجزائر، فإن الكنيسة لم تقتنع بالدعوات الضارعة، بل سارت في ركاب الاحتلال، وتلاحمت معه جسما وروحا. وأذعنت في طواعية للوحشية البربرية التي جاء

(1) جريدة (الشريعة) الجزائرية. (31 كانون الثاني - يناير - 1933، نقلا عن مجلة (المغرب الكاثوليكي) دار الكتب الوطنية بتونس العاصمة - (صفحات من الجزائر - الدكتور صالح خرفي - ص 311 - 329).

ص: 43

بها الغزاة المستعمرون، الذين لم يشبع حقدهم بدخول البلاد، فمضوا إلى إشباعه بقلب أوضاع هذه البلاد رأسا على عقب، وهذا ما يفسر تركيز هجومهم على الإسلام ومقدساته. لا غرابة في ذلك، فالمعروف من القوانين الدينية للفروسية الغربية التي زحفت إلى المشرق في الحروب الصليبية القديمة هذه القوانين:

أولا: أن تصدق كل تعاليم الكنيسة وتمتثل لأوامرها، فإن فعلت ذلك، ولو أدى بك إلى الاستشهاد دخلت الجنة.

ثانيا: أن تحمي الكنيسة، وتبذل كل ما تستطيع من مال ونفس ونفيس في سبيل نصرتها ودعمها.

ثالثا: أن تشن على الكافرين (أي المسلمين) حربا لا هوادة فيها.

ومن هذا البند الثالث، نشطت الوحشية الصليبية، وانطلقت من عقالها لتقتل وتحرق وتدمر وتبيد، في حرب لا هوادة فيها، وبقلب لا يعرف الرحمة، وكأن المسيحية لن تقوم لها قائمة إلا على أنقاضى الإسلام، وبني الإسلام. ولا تستطيع الكنيسة تبرئة ساحتها من فظائع الاحتلال والتي سهر على تنفيذها سفاحون عسكريون، لأنهم زحفوا في حمى الكنيسة، ووسموا صدورهم بالصليب، فالهدف واحد عند الطرفين الديني والعسكري، الهدف إبادة الإسلام في هذه الربوع. وكان رجال الكنيسة هم الدماغ المفكر والمخطط، وكان رجال العسكر، هم الذراع المنفذ والمدمر. ولقد سبق عرض بعض الشواهد التي تؤكد هذه الحقيقة، وهذه طائفة أخرى منها:

ص: 44

قال الكردينال - لافيجوري -: (علينا أن نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه، وعلينا أن نعنى على الأقل بالأطفال، لتنشئتهم على مبادى غير التي نشأ عليها أجدادهم، فإن واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل أو طردهم إلى أقاصي الصحراء بعيدين عن العالم المتحضر) واستجابة لهذه التوصية وأمثالها يصدر أحد القادة الإفرنسيين - مونتانياك - تعليماته إلى مرؤوسيه: (لا يمكن تصور الرعب الذي يستولي على العرب حين يرون قطع رأس بيد مسيحية، فإني أدركت ذلك منذ زمن بعيد، وأقسم بأنه لا يفلت أحد من أظافري حتى يناله من قطع رأسه ما ينال. وقد أنذرت بنفسي جميع الجنود الذين أتشرف بقيادتهم، أنهم لو أتوا بعربي

وهو على قيد الحياة، فسأنهال عليهم ضربا بعرض نصل سيفي. وأما قطع الرؤوس، فيجب أن يتم على مرأى ومسمع جميع الناس

هكذا تكون معاملة العرب: قتل جميع الذكور الذين تجاوزوا الخامسة عشر من أعمارهم، وسبي جميع النساء، وخطف جميع الأطفال. وشحن الجميع في السفن، ثم إقصاؤهم إلى (جزر مركيز) أو إلى الثلث الخالي من الأرض. وخلاصة القول: يجب إبادة كل من لا يتمرغ تحت أرجلنا كالكلاب).

ويعود القائد الإفرنسي (سانت آرنو) ليؤكد مجددا ما تميزت به مواقفه البطولية التي تتوافق مع ما سبق ذكره: (لا تسأل عن أشجار الزيتون الباسقة التي ستكون فريسة وحشيتي، واليوم، في برنامجي إحراق جميع ضيع قبيلة بني سالم وابن القاسم وقاسي وقراهم. لقد أحرقت أكثر من عشر قرى كانت كلها بهجة وغنى. وهو القائل: تركت ورائي حريقا حافلا تندلع لظاه فيما يقرب من

ص: 45

مائتي قرية أصبحت طعمة للهب والحريق، لقد لعبت يد الدمار بالبساتين. بقدر ما لعبت يد المناشير بأشجار الزيتون). ولقد دافع (سانت آرنو) هذا عن فعلته الهمجية بقوله: (على الرغم مما يقوله أصحاب البر والإحسان، فإني أعتقد بأن الغاية تبرر الوسيلة، فالجيش الذي تكون مهمته إبادة شعب، لا يكترث بقوانين الحرب، فما الحريق إلا حريق، لا يضرم الإنسان النار، ويطلب منه أن تكون بردا أو سلاما، وما طبيعة النار إلا الإحراق والتدمير، وكان بالمستطاع موافقة هذا المجرم على حججه الذرائعية لو وقعت جرائمه في ظروف الاقتتال. غير أن جريمة سد الكهف لخنق 1500 إنسان بين شيخ وامرأة وطفل - وأمثالها هي من الجرائم التي تعجز الذرائع عن تغطية بشاعتها. وهنا تعود الصليبية - وليست المسيحية - لتحمل مسؤوليتها الكاملة. لقد كان باستطاعة الكنيسة على الأقل الإعلان عن استنكارها لما يتم ارتكابه من جرائم لا إنسانية، وأن تعتصم بجدران الكنائس وهي توجه دعوات المغفرة لمن خرجوا على تعليمات السيد المسيح وتنكروا لها - وقد كان مثل هذا الموقف هو أضعف الإيمان -.

ص: 46