المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم] - شبهات حول السنة

[عبد الرزاق عفيفي]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌[الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم]

[الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم]

الجمع بين حديث الذباب وحديث أنتم أعلم بأمور دنياكم س4: كيف نجمع بين حديث الذباب وبين قول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (1) .

* الجواب: كان الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض عربية، والبلاد بلاد نخيل، وهو يعرف شيئًا ما عن هذا في الجملة، ولا أقول: إنه يعرف كمعرفة الزراع أو أرباب النخيل والثمار، لكنه مطّلع على ذلك في الجملة، والرسول عليه الصلاة والسلام ما قال: أنا أعلم بأمور دنياكم، بل نفى أنه أعلم بأمور الدنيا منهم، نفى هذا في مسألة النخيل وفي غيرها، فالشؤون التي تتصل بالدنيا هم فيها أعلم، وإنما يعلم منها ما أوحى الله به إليه.

(1) أخرج مسلم (2363) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح قال: فخرج شيصًا فمر بهم فقال ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.

ص: 55

وحيث إن الشيء الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام وأشباهه مما رجع عنه مثل هذه الأمور الاجتهادية، فهذا يدلنا على أنه قال باجتهاده، ولهذا رجع عنها، أما الذي لا مدخل للاجتهاد فيه مثل حديث الذباب إنما مثله يقال من طريق الوحي، بدليل التعليم الذي أشعر بذلك كما تقدم في السؤال السابق.

وحيث إنه لم يقل فيه صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ، ولم يرجع عنه، ولم يعارضه أحد، فهذا محمول على أنه وحي من الله.

أما ما كان في مسألة النخيل فهو من الأمور التي تؤخذ بالتجارب، وكذلك مسألة النزول على غير ماء في بدر، حين قال الصحابة رضي الله عنه:«أهو الرأي أو هو من الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هذا هو الرأي. قالوا: لا، الرأي أن ننزل على الماء» (1) وهذا يبين أنه أمر اجتهادي.

(1) ذكر العلامة الألباني رضي الله عنه أن سند هذا الحديث ضعيف، وانظر: تخريجه لكتاب فقه السيرة للشيخ الغزالي رحمه الله.

ص: 56

فالأمور التي فيها مجال للاجتهاد ومنها تأبير النخل يمكن أن يقول فيها باجتهاده، فإذا أخطأ قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم، والأمور التي لا مجال لمثله للاجتهاد فيها يتبين لنا أنها وحي من الله، ويؤيد هذا التعليل أنه صلى الله عليه وسلم أمي ولا عهد لأمته بالطب الذي من هذا الجنس ولا تجارب عندهم في هذا وخوضه فيه لا يليق برسالته لأنه يكون مجازفًا إذ بنى شيئًا على غير تجربة، ولا مجال لأمثاله في أن يجرب في مثل هذا، ثم قال صلى الله عليه وسلم:«فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» ، وهذا أمر لا يعلم إلا عن طريق تحليل جناح الذباب، فمن أجل هذا قلت: إن هذا وحي من السماء.

أما مسألة تأبير النخل في الحديث المذكور، ففيها نوع من الاجتهاد قد أخطأ فيه صلى الله عليه وسلم، فهو يخطئ في الأمور الاجتهادية من شئون الدنيا، ويهيئ الله له من يتكلم معه ويناقشه فيرجع عن خطئه إلى ما هم عليه صواب، فمن أجل ذلك قال صلى الله عليه وسلم:«أنتم أعلم بأمور دنياكم» وهذا في الأمور

ص: 57

التي تكتسب بالخيرة وغيرها.

* ومن جهة أخرى: مسألة الذباب لم ينته الأطباء، وأهل الاختصاص فيها إلى رأي واحد، بل مازالت إلى اليوم محل بحث ومحل تجربة، وأكثر ما فيها الاستقذار لسقوط الذباب على الأوساخ وعلى الأذى، وأن النفس تعاف الطعام أو الشراب الذي سقط فيه؛ وقد قلنا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمر المسلم أن يأكل أو يشرب ما وقع فيه الذباب، وعلى ذلك فهو حر إن شاء أكله أو شربه وإن شاء أعطاه غيره، فلا إشكال في الأمر، وكل ما أمره به أن يغمسه؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء.

* س5: ما حكم من ابتلع من الشراب أو من الأكل الذي وقع عليه الذباب ثم قاءه مع إيمانه بالحديث؟

* الجواب: هذا أشرت إليه في الجواب السابق، وقلت: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمر أحدًا بأن يأكله، إنما بيَّن لهم الفائدة في غمسه وأن ما فيه من داء يعالَج

ص: 58

بما فيه من دواء، ولم يأمر مَنْ غَمَسَه بأكله فهذا إليه إن استقذره فهو غير ملزم بأكله لكنه يعطيه من يطعمه ولا يستقذره ولا يضيّع ماله.

س6: هل تصح نسبة كتاب النبوات لابن تيمية؟ الجواب، في نظري أنه لابن تيمية، فالأسلوب أسلوبه، وأنا لم أحكم أن نسبته لابن تيمية تثبت بخطوط، فهذا لا أستند إليه ولا أجعله دليلا لي لأني لا أعرف الخطوط، ولا أعرف خط ابن تيمية حتى أطبق على المخطوط، وكذلك لم أحكم من جهة سلسلة موثوق بها من عهد ابن تيمية إلى يومي هذا، فليس عندي ذلك السند إنما الذي أستند إليه في هذا معرفتي بأسلوب ابن تيمية، فإنني إذا قرأت في كتاب الطبري لابن جرير الطبري أو كتب ابن تيمية أعرف طريقته في الاستدلال، وأعرف دورانه وجدله حول الموضوع، وذلك بكثرة قراءتي لكتبه، وأنا قرأت كتاب النبوات وأعرف أن الأسلوب أسلوبه وأن كثيرًا منه موجود في كتب أثق بأنها كتب ابن تيمية غير هذا الكتاب.

ص: 59