المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الخيار في البيع] - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - ت الفقي - جـ ٤

[المرداوي]

الفصل: ‌[باب الخيار في البيع]

[بَابُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ]

ِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ (أَحَدُهُمَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ) فَإِنَّهَا بَيْعٌ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ. وَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي ذَلِكَ الْبَابِ. فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: عُمُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا مَخْصُوصٌ بِكَلَامِهِ فِي الْكِتَابَةِ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى أَيْضًا: لَوْ تَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ. فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ. صَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ. فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: يَلْزَمُ الْعَقْدُ بِمُفَارَقَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهِ. عَلَى الصَّحِيحِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَحْصُلُ اللُّزُومُ إلَّا بِقَوْلِهِ " اخْتَرْت لُزُومَ الْعَقْدِ " وَنَحْوُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ.

الثَّالِثُ: كَذَلِكَ حُكْمُ الْهِبَةِ إذَا تَوَلَّى طَرَفَيْهَا وَاحِدٌ. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ.

الرَّابِعُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ: ثُبُوتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.

ص: 363

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ.

قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي شِرَاءِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ.

الْخَامِسُ: وَكَذَا الْخِلَافُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَفِي سُقُوطِ حَقِّ صَاحِبِهِ وَجْهَانِ. قَوْلُهُ (وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: رِوَايَةٌ لَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعٍ وَعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَيَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ خِيَارُ شَرْطٍ أَوْ لَا. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ. [وَيَأْتِي فِي خِيَارِ الشَّرْطِ إنْ ابْتَدَأَهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَالْفَائِقِ. وَفَائِدَةِ الْوَجْهَيْنِ: هَلْ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، أَوْ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَكُونُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ. وَعَلَى الثَّانِي: مِنْ حِينِ الْعَقْدِ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَالْإِجَارَةِ) . ثَبَتَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ،

ص: 364

وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ فِي إجَارَةٍ تَلِي الْعَقْدَ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْكَافِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَأَطْلَقَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ. وَجَزَمَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهَا. قَوْلُهُ (وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ) .

وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَثْبُتُ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ النَّاظِمُ: هَذَا الْأَوْلَى. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرِهِمَا.

وَعَنْهُ لَا يَثْبُتُ فِيهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَخَصَّ الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّرْفِ، وَتَرَدَّدَ فِي السَّلَمِ: هَلْ يَلْحَقُ الصَّرْفُ أَوْ بِبَقِيَّةِ الْبِيَاعَاتِ؟ عَلَى احْتِمَالَيْنِ.

فَائِدَةٌ:

قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: وَيَثْبُتُ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ. كَبَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضٌ. كَصَرْفٍ، وَسَلَمٍ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ وَقِيلَ: وَبَقِيَّةُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ رِوَايَتَانِ. قَوْلُهُ (وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ إلَّا فِي الْمُسَاقَاةِ) . وَكَذَا الْمُزَارَعَةُ، وَالْحَوَالَةُ، وَالسَّبْقُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، النَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ.

ص: 365

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَوَالَةِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَثْبُتُ فِيهِنَّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي غَيْرِ الْحَوَالَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَثْبُتُ فِيهِنَّ الْخِيَارُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَثْبُتُ فِي الْحَوَالَةِ، إنْ قِيلَ: هِيَ بَيْعٌ. لَا إنْ قِيلَ: هِيَ إسْقَاطٌ أَوْ عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ. انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ: لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ إلَّا لِلْمُحِيلِ لَا غَيْرُ.

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: الْخِلَافُ هُنَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِمَا لَازِمَيْنِ أَوْ جَائِزَيْنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ. فَإِنْ قُلْنَا: هُمَا جَائِزَانِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا يَأْتِي فَلَا خِيَارَ فِيهِمَا. وَإِنْ قُلْنَا: هُمَا لَازِمَانِ دَخَلَهُمَا الْخِيَارُ.

وَقِيلَ: الْخِلَافُ هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَكَذَا حُكْمُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا جَعَالَةٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَلَا خِيَارَ فِيهِمَا. وَعَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِمَا دَخَلَهُمَا الْخِيَارُ. وَقِيلَ: الْخِلَافُ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.

الثَّانِي: شَمِلَ قَوْلُهُ " وَلَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ " غَيْرَ مَا اسْتَثْنَاهُ: مَسَائِلُ. مِنْهَا: الْهِبَةُ. وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ بِعِوَضٍ، وَتَارَةً تَكُونُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ: فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى أَنَّهَا: هَلْ تَصِيرُ بَيْعًا،

ص: 366

أَوْ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ، عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْهِبَةِ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا. وَجَزَمَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ: بِأَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ فِيهِمَا. قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمْ: فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا فَهِيَ كَالْبَيْعِ.

فَقَدْ يُقَالُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَهُوَ أَوْلَى. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَوْهُوبُ لَهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى التَّأْبِيدِ، بِخِلَافِ الْوَاهِبِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: وَفِيهِ نَظَرٌ.

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْوَاهِبُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَقْبَضَ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَ. فَإِذَا أَقْبَضَ فَلَا خِيَارَ لَهُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ: فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ، لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارٌ. اسْتِغْنَاءً بِجَوَازِهَا. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ حَمْدَانَ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمْ.

وَمِنْهَا: الْقِسْمَةُ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: الْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ. عَلَى الصَّحِيحِ. فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ: احْتَمَلَ أَنْ يَدْخُلَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ. انْتَهَى.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي الْأَصَحِّ وَفِي قِسْمَةٍ.

وَقَطَعَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهَا مُطْلَقًا. وَقَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ إنْ قُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ. وَكَذَا الزَّرْكَشِيُّ.

قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، حَيْثُ قُلْنَا: هِيَ إفْرَازٌ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: إنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ فَهِيَ كَالْبَيْعِ. يَدْخُلُهَا الْخِيَارَانِ مَعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدٌّ، وَعَدَلَتْ السِّهَامُ، وَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ: نُظِرَتْ. فَإِنْ كَانَ الْقَاسِمُ

ص: 367

الْحَاكِمَ فَلَا خِيَارَ. لِأَنَّهُ حُكْمٌ. وَإِنْ كَانَ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ: لَمْ يَدْخُلْهَا خِيَارٌ. لِأَنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ بَيْعٌ. انْتَهَى. وَقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا.

وَمِنْهَا: الْإِقَالَةُ. فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. لِأَنَّهَا فَسْخٌ، وَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ: ثَبَتَ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَثْبُتَ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْإِقَالَةِ. وَمِنْهَا: الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. فَلَا خِيَارَ فِيهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْقَاضِي، ابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ. ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ فِي الشُّفْعَةِ.

وَقِيلَ: فِيهَا الْخِيَارُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْقَوَاعِدِ.

وَمِنْهَا: سَائِرُ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ كَالنِّكَاحِ، وَالْوَقْفِ، وَالْخُلْعِ، وَالْإِبْرَاءِ، الْعِتْقُ عَلَى مَالِ، الرَّهْنُ، وَالضَّمَانُ، وَالْإِقَالَةُ لِرَاهِنٍ وَضَامِنٍ وَكَفِيلٍ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. فَلَا يَثْبُتُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَذَكَرَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِيمَا إذَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ. فَقَالَ: طَلَّقْتُك بِهَا طَلْقَةً احْتِمَالَيْنِ. أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْخِيَارِ مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ قَبْضِ الْأَلْفِ لِيَكُونَ الطَّلَاقُ. رَجْعِيًّا.

وَمِنْهَا: جَمِيعُ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، كَالْجَعَالَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْعَارِيَّةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْوَصِيَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ.

التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ:

مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا) التَّفَرُّقَ الْعُرْفِيَّ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَدْ ضَبَطَ ذَلِكَ بِعُرْفِ مَكَان بِحَسْبِهِ. فَلَوْ كَانَ فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ أَوْ مَسْجِدٍ كَبِيرٍ أَوْ سُوقٍ. فَقِيلَ: يَحْصُلُ التَّفَرُّقُ بِأَنْ

ص: 368

يَمْشِيَ أَحَدِهِمَا مُسْتَدْبِرًا صَاحِبَهُ خُطُوَاتٍ. جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْحَاوِيَيْنِ.

وَقِيلَ: بَلْ يَبْعُدُ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ عَادَةً. جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالنَّظْمِ.

وَإِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ: صَعِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَعْلَاهَا. وَنَزَلَ الْآخَرُ إلَى أَسْفَلِهَا. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً: خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا وَمَشَى. وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ كَبِيرَةٍ: فَتَحْصُلُ الْمُفَارَقَةُ بِخُرُوجِهِ مِنْ بَيْتٍ إلَى بَيْتٍ، أَوْ إلَى مَجْلِسٍ أَوْ صِفَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يُعَدُّ مُفَارِقًا. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَإِنْ صَعِدَ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ أَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَقَدْ فَارَقَهُ.

وَلَوْ أَقَامَا فِي مَجْلِسٍ وَبَنَى بَيْنَهُمَا حَاجِزًا مِنْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ: لَمْ يَعُدْ تَفَرُّقًا. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمْ. التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ:

ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِالْإِكْرَاهِ. وَفِيهِ طَرِيقَانِ.

أَحَدُهُمَا: طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ أَجْوَدُ، وَهِيَ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِل الْإِكْرَاهِ. فَقِيلَ: يَحْصُلُ بِالْعُرْفِ مُطْلَقًا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَجَمَاعَةٍ. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقِيلَ: لَا يَحْصُلُ بِهِ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْحَاوِيَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ. فَعَلَيْهِ يَبْقَى الْخِيَارُ فِي مَجْلِسٍ زَالَ عَنْهُمَا الْإِكْرَاهُ فِيهِ حَتَّى يُفَارِقَاهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَائِقِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إنْ أَمْكَنَهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَطَلَ خِيَارُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي التَّلْخِيصِ.

ص: 369

الطَّرِيقُ الثَّانِي: إنْ حَصَلَ الْإِكْرَاهُ لَهُمَا جَمِيعًا: انْقَطَعَ خِيَارُهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ حَصَلَ لِأَحَدِهِمَا: فَالْخِلَافُ فِيهِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحِ، وَابْنِ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَذَكَرَ فِي الْأُولَى احْتِمَالًا.

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِكُلٍّ مِنْ الْبَائِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا عُرْفًا، وَلَوْ كَرِهَا. وَفِي بَقَاءِ خِيَارِ الْمُكْرَهِ وَجْهَانِ. انْتَهَى.

فَائِدَةٌ:

ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ صُوَرِ الْإِكْرَاهِ: لَوْ رَأَيَا سَبُعًا أَوْ ظَالِمًا خَافَاهُ فَهَرَبَا مِنْهُ، أَوْ حَمَلَهُمَا سَيْلٌ أَوْ رِيحٌ وَفَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَبْطُلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. وَجَزَمَ. بِمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ.

فَوَائِدُ

الْأُولَى: لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ. نُصَّ عَلَيْهِ. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: بَطَلَ الْخِيَارُ، إنْ قُلْنَا: لَا يُورَثُ، وَإِنْ قُلْنَا يُورَثُ: لَمْ يَبْطُلْ انْتَهَى.

وَيَأْتِي: هَلْ يُورَثُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ أَمْ لَا عِنْدَ إرْثِ خِيَارِ الشَّرْطِ. وَأَمَّا خِيَارُ صَاحِبِهِ: فَفِي بُطْلَانِهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: لَا يَبْطُلُ.

قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يَبْطُلُ إنْ قُلْنَا يُورَثُ، وَإِلَّا بَطَلَ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَبْطُلُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ جُنَّ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ وَالِاخْتِيَارِ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ إذَا أَفَاقَ عَلَى الصَّحِيحِ

ص: 370

مِنْ الْمَذْهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: وَلِيُّهُ أَيْضًا يَلِيهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ الشَّارِحُ: إنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَامَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ. وَقِيلَ: مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ.

الثَّالِثَةُ: لَوْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا قَامَتْ إشَارَتُهُ مَقَامَ نُطْقِهِ. فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ.

الرَّابِعَةُ: خِيَارُ الشَّرْطِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيمَا إذَا جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ خَرِسَ.

الْخَامِسَةُ: لَوْ أَلْحَقَ بِالْعَقْدِ خِيَارًا بَعْدَ لُزُومِهِ لَمْ يَلْحَقْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَيَتَخَرَّجُ لُحُوقُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ وَبَعْدَهُ. وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا.

وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ. وَيَأْتِي نَظِيرُهَا فِي الرَّهْنِ وَالصَّدَاقِ السَّادِسَةُ: تَحْرُمُ الْفُرْقَةُ خَشْيَةَ الِاسْتِقَالَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَحْرُمُ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: لَا تَحِلُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِنْ مَشَى أَحَدُهُمَا، أَوْ فَرَّ لِيَلْزَم الْعَقْدُ قَبْلَ اسْتِقَالَةِ الْآخَرِ وَفَسْخِهِ وَرِضَاهُ حَرُمَ وَبَطَلَ خِيَارُ الْآخَرِ فِي الْأَشْهَرِ فِيهِمَا. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُصَنِّفُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ.

وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالْقَوَاعِدِ.

تَنْبِيهٌ:

مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا) .

ص: 371

أَنَّهُمَا إذَا تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ. وَيَبْطُلُ خِيَارُهُمَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ: مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ. قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَتَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَسْقُطُ الْخِيَارُ بَعْدَهُ فَيَسْقُطُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) . وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.

إحْدَاهُمَا: يَسْقُطُ الْخِيَارُ فِيهِمَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَسْقُطُ عَلَى الْأَقْيَسِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: يَسْقُطُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ، وَنِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهَادِي، وَالْمُحَرَّرِ، الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي فِي كِتَابِهِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشِّيرَازِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُمْ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ.

وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: لَا يَسْقُطُ فِي الْأُولَى. وَيَسْقُطُ فِي الثَّانِيَةِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. فَعَلَى الْقَوْلِ بِالسُّقُوطِ: لَوْ أَسْقَطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ، أَوْ قَالَ: لَا خِيَارَ بَيْنَنَا. سَقَطَ خِيَارُهُ وَحْدَهُ. وَبَقِيَ خِيَارُ صَاحِبِهِ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ إذَا شُرِطَ فِيهِ أَنْ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقِيلَ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ.

فَائِدَةٌ:

لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ " اخْتَرْ " سَقَطَ خِيَارُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

ص: 372

وَعَنْهُ لَا يَسْقُطُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا السَّاكِتُ: فَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ، قَوْلًا وَاحِدًا.

فَائِدَةٌ:

قَوْلُهُ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (فَيَثْبُتُ فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ) . هَذَا بِلَا نِزَاعٍ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. فَلَوْ بَاعَهُ مَا لَا يَبْقَى إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَطَعَامٍ رَطْبٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ثَلَاثًا. فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ الْخِيَارُ وَيُبَاعُ وَيُحْفَظُ ثَمَنُهُ إلَى الْمُدَّةِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لَكَانَ مُتَّجَهًا، وَهُوَ أَوْلَى. ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّهُ قَالَ: يَتَوَجَّهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ مِنْ وَجْهٍ فِي الْإِجَارَةِ، أَيْ مِنْ وَجْهِ عَدَمِ صِحَّةِ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الْخِيَارِ فِي الْإِجَارَةِ تَلِي الْعَقْدَ. قَالَ: وَمِنْهُ إنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ يَبْطُلُ الْخِيَارُ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَجُوزُ. وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا إلَّا أَنْ يَقْطَعَاهُ أَوْ تَنْتَهِيَ مُدَّتُهُ [وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ.

تَنْبِيهٌ:

ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: أَنَّهُ لَوْ شَرَطَهُ إلَى الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ مِنْهُمَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ هُنَا وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فِي الْمَجْهُولِ، لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ وَلَا يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ.

وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ السَّلَمِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ.

ص: 373

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ مُدَّةً، عَلَى أَنْ يَثْبُتَ يَوْمًا وَلَا يَثْبُتُ يَوْمًا. فَقِيلَ: يَصِحُّ مُطْلَقًا. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.

الثَّانِي: لَوْ شَرَطَ خِيَارَ الشَّرْطِ حِيلَةً لِيَرْبَحَ فِيمَا أَقْرَضَهُ: لَمْ يَجُزْ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ

قُلْت: وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَيَتَدَاوَلُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ. فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.

قَوْلُهُ (وَلَا يَثْبُتُ إلَّا فِي الْبَيْعِ. وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ) . بِلَا نِزَاعٍ.

تَنْبِيهَاتٌ

الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ (وَيَثْبُتُ فِي الْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ) . أَنَّهَا لَوْ وَلِيت الْعَقْدَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارٌ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهُوَ أَقْيَسُ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقِيلَ يَثْبُتُ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.

قَالَ فِي الْفَائِقِ: اخْتَارَهُ شَيْخُنَا. وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى.

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ.

ص: 374

الثَّانِي: قَوْلُهُ " وَيَثْبُتُ فِي الْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ " هَكَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: قُلْت: إنْ لَمْ يَجِبْ الشُّرُوعُ فِيهِ عَقِيبَ الْعَقْدِ.

الثَّالِثُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِيمَا ذَكَرَهُ. وَهُوَ الْبَيْعُ. الصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ وَالْإِجَارَةُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ إلَّا فِي الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. وَقَدَّمَهُ الْمُجَرَّدُ فِي شَرْحِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَثْبُتُ إنْ كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: وَلَا يَدْخُلُ الْقِسْمَةُ خِيَارٌ إنْ قُلْنَا هِيَ إفْرَازٌ. كَمَا قَالَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ.

وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الْحَوَالَةِ. انْتَهَى.

وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ فِي الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ. اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ. وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: يَثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِيمَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ. فَقَالَ: خِيَارُ الشَّرْطِ يَثْبُتُ فِيمَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي كُلِّ الْعُقُودِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَاهُ إلَى الْغَدِ: لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمُدَّةِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ يَدْخُلُ.

قَالَ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَإِنْ قَالَ: بِعْتُك وَلِي الْخِيَارُ إلَى الْغَدِ. فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْغَدِ أَدْنَى جَزْءٍ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً، فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ

ص: 375

حِينِ التَّفَرُّقِ. وَهُوَ وَجْهٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَنَظْمِهَا [وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ] وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ فَلَوْ قُلْنَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَصَرَّحَا بِاشْتِرَاطِهِ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ، أَوْ بِالْعَكْسِ: فَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: بُطْلَانُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. وَصِحَّتُهُ فِي الثَّانِي. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ قُلْت: إنْ عَلِمَ وَقْتَ التَّفَرُّقِ، فَهُوَ أَوَّلُ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَإِنْ جُهِلَ فِي الْعَقْدِ. وَلَا يَصِحُّ شَرْطُ عَكْسِهَا إلَّا أَنْ يَصِحَّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ جَازَ. وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ وَفِيهِ. وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ) .

يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لَهُمَا وَلِأَحَدِهِمَا وَلِغَيْرِهِمَا. لَكِنْ إذَا شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ، فَتَارَةً يَقُولُ: لَهُ الْخِيَارُ دُونِي، وَتَارَةً يَقُولُ: الْخِيَارُ لِي وَلَهُ، وَتَارَةً يَجْعَلُ الْخِيَارَ لَهُ، وَيُطْلَقُ. فَإِنْ قَالَ: لَهُ الْخِيَارُ دُونِي. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ، وَالْفَائِقِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: صِحَّتُهُ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. فَعَلَى هَذَا: هَلْ يَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِالْوَكِيلِ، أَوْ يَكُونُ لَهُ وَلِلْمُوَكِّلِ، وَيُلْغِي قَوْلَهُ " دُونِي "؟ تَرَدَّدَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ قُلْت: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ: أَنَّهُ يَكُونُ لِلْوَكِيلِ وَلِلْمُوَكِّلِ. فَإِنَّهُمَا قَالَا بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ الْفَسْخُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِطِ وَوَكِيلِهِ الَّذِي شَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ. وَإِنْ قَالَ: الْخِيَارُ لِي وَلَهُ. صَحَّ قَوْلًا وَاحِدًا.

ص: 376

وَإِنْ جَعَلَ الْخِيَارَ لَهُ وَأَطْلَقَ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.

قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَالَ الشَّيْخُ، وَغَيْرُهُ: صَحِيحٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.

قَوْلُهُ (وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ) . حَيْثُ صَحَّحْنَاهُ يَكُونُ خِيَارُ الْفَسْخِ لَهُ وَلِمُوَكِّلِهِ. فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ الْوَكِيلُ. وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَكُونُ تَوْكِيلًا لِأَحَدِهِمَا فِي الْفَسْخِ. وَقِيلَ: لِلْمُوَكِّلِ إنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ، وَجَعَلَهُ وَكِيلًا. انْتَهَى. وَهِيَ عِبَارَةٌ مُشْكِلَةٌ. وَالْخِلَافُ هُنَا لَا يَأْتِي فِيمَا يَظْهَرُ. فَإِنَّا حَيْثُ جَعَلْنَاهُ تَوْكِيلًا، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ يَسُوغُ لَهُ فِعْلُهُ. وَقَوْلُهُ " وَيَكُونُ تَوْكِيلًا لِأَحَدِهِمَا فِي الْفَسْخِ " لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْهُمَا يَعْنِي: فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَهُوَ مُشْكِلٌ أَيْضًا.

وَلِشَيْخِنَا عَلَى هَذَا كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي حَوَاشِيهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ.

فَائِدَةٌ:

أَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ: فَيَخْتَصُّ الْوَكِيلُ، لِأَنَّهُ الْحَاضِرُ. فَإِنْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ فِي الْمَجْلِسِ، وَحَجَرَ عَلَى الْوَكِيلِ فِي الْخِيَارِ: رَجَعَتْ حَقِيقَةُ الْخِيَارِ إلَى الْمُوَكِّلِ فِي أَظْهَرْ الِاحْتِمَالَيْنِ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ. وَيَأْتِي هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا.

قَوْلُهُ (وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَأَطْلَقُوا. [وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ] .

ص: 377

وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَهُ الْفَسْخَ بِرَدِّ الثَّمَنِ. وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله، كَالشَّفِيعِ.

قُلْت: وَهَذَا الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَعْدِلُ عَنْهُ، خُصُوصًا فِي زَمَنِنَا هَذَا. وَقَدْ كَثُرَتْ الْحِيَلُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ. وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ: أَنَّهُ لَا يَفْسَخُ فِي غَيْبَتِهِ حَتَّى يَبْلُغَهُ فِي الْمُدَّةِ.

قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ: وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ يَتَصَرَّفُ فِي الْفَسْخِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَفْسَخَاهُ بَطَلَ خِيَارُهُمَا) . يَعْنِي وَلَزِمَ الْبَيْعُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ ضُرِبَتْ لِحَقٍّ لَهُ لَا لِحَقٍّ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَلْزَمْ الْحُكْمُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى. فَعَلَى هَذَا: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ يُؤْمَرُ بِالْفَسْخِ. وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَسَخَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ. كَمَا قُلْنَا فِي الْمَوْلَى عَلَى مَا يَأْتِي.

قَوْلُهُ (وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) وَكَذَا قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَهِيَ الْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَغَيْرُهُمْ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي ثَبَتَ فِي الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ. انْتَهَى.

ص: 378

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ عَنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ. فَعَلَيْهَا يَكُونُ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ.

وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ حَكَى أَنَّ الْمِلْكَ يَخْرُجُ عَنْ الْبَائِعِ وَلَا يَدْخُلُ إلَى الْمُشْتَرِي. قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.

فَائِدَةٌ:

حُكْمُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ حُكْمُ انْتِقَالِهِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ. خِلَافًا وَمَذْهَبًا.

تَنْبِيهٌ:

لِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ. ذَكَرَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ رَجَبٍ رحمه الله فِي قَوَاعِدِهِ، وَغَيْرُهُ.

مِنْهَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، أَوْ زَوْجَتَهُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُعْتَقُ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ: خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ. قَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ. وَقَالَ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَأَنْكَرَ الْمَجْدُ ذَلِكَ، وَقَالَ: يَحْنَثُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.

وَأَمَّا لِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ: فَلَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، عَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ.

فَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ بَعْدُ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ يُسْقِطُ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فِي مُدَّتِهِ. وَهُوَ تَعْلِيلُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.

فَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالَانِ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ مُطْلَقًا، إذَا قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ.

ص: 379

قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ الشُّفْعَةِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْأَخِيرِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شِقْصًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَبَاعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ انْتِزَاعَ شِقْصِ الشَّفِيعِ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ. لِأَنَّهُ شَرِيكُ الشَّفِيعِ حَالَةَ بَيْعِهِ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَسْتَحِقُّهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ لَهُ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَأَهَلَّ هِلَالُ الْفِطْرِ وَهُوَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْفِطْرَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَلَى الْبَائِعِ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ نِصَابًا مِنْ الْمَاشِيَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ حَوْلًا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: زَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَلَى الْبَائِعِ.

وَمِنْهَا: الْكَسْبُ وَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ فِي مُدَّتِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ أَوْ فَسَخَاهُ. وَعَنْهُ إنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا فَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لِلْبَائِعِ. وَعَنْهُ وَكَسْبُهُ. وَعَلَى الثَّانِي لِلْبَائِعِ. وَقِيلَ: هُمَا لِلْمُشْتَرِي إنْ ضَمِنَهُ. وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

وَمِنْهَا: مُؤْنَةُ الْمَبِيعِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعَبِيدِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: عَلَى الْمُشْتَرِي. وَعَلَى الثَّانِيَةِ عَلَى الْبَائِعِ.

وَمِنْهَا: لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا: فَمِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمِنْ مَالِ الْبَائِعِ عَلَى الثَّانِيَةِ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

وَمِنْهَا: لَوْ تَعَيَّبَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَرُدُّ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُشْتَرِي لِانْتِفَاءِ الْقَبْضِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَهُ الرَّدُّ بِكُلِّ حَالٍ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ. ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فِي

ص: 380

مُدَّةِ الْخِيَارِ. فَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ. فَالرَّدُّ وَاجِبٌ. وَإِنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِهِ، فَوَجْهَانِ. جَزَمَ فِي الْكَافِي بِالْوُجُوبِ.

قُلْت: وَيَتَوَجَّهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ أَوْ الْمِثْلُ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ مُحِلٌّ صَيْدًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ أَحْرَمَ فِي مُدَّتِهِ. فَإِنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ. لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ عَلَى الصَّيْدِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ عَنْهُ فَلَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ الْمُشَاهَدَةُ أَرْسَلَهُ، وَإِلَّا فَلَا.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَتْ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ. فَإِنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ عَنْهَا، فَفِي لُزُومِ اسْتِرْدَادِهَا وَجْهَانِ. قُلْت: الْأَوْلَى عَدَمُ لُزُومِ اسْتِرْدَادِهَا. وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا: اسْتَرَدَّهُ وَجْهًا وَاحِدًا.

وَمِنْهَا لَوْ بَاعَ أَمَةً بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَلْزَمُهُ. لِبَقَاءِ الْمِلْكِ.

وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى أَمَةً بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَاسْتَبْرَأَهَا فِي مُدَّتِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ، لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ الِاسْتِبْرَاءُ. وَإِنْ قُلْنَا بِانْتِقَالِهِ. فَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُغْنِي، وَغَيْرِهِمَا: يَكْفِي.

وَذَكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالْمُحَرَّرِ وَجْهَيْنِ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ.

وَمِنْهَا: التَّصَرُّفُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَالْوَطْءِ. وَيَأْتِيَانِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَرِيبًا.

فَائِدَةٌ:

الْحَمْلُ وَقْتَ الْعَقْدِ مَبِيعٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: قَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: إنْ قُلْنَا لِلْحَمْلِ حُكْمٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْعَقْدِ، وَيَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الْعِوَضِ. وَلِمَنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لَهُ لَمْ يَأْخُذْ

ص: 381

قِسْطًا. وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ. فَلَوْ رُدَّتْ الْعَيْنُ بِعَيْبٍ. فَإِنْ قُلْنَا لَهُ حُكْمٌ: رَدَّ مَعَ الْأَصْلِ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّمَاءِ.

قَالَ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَجْزَاءِ، لَا حُكْمُ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ مَعَ الْعَيْنِ. وَأَنْ لَا حُكْمَ لَهُ، وَهُوَ أَصَحُّ. انْتَهَى.

وَذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ: أَنَّ الْقَاضِيَ، وَابْنَ عَقِيلٍ، وَغَيْرَهُمَا قَالُوا: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَنَّ لَهُ حُكْمًا. انْتَهَى. وَعَنْهُ الْحَمْلُ نَمَاءٌ. فَتُرَدُّ الْأُمُّ بِعَيْبٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ. قَطَعَ بِهِ فِي الْوَسِيلَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ هُوَ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ، أَوْ بَيْعٌ لِلْأُمِّ لَا حُكْمَ لَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. ذَكَرَهُمَا فِي الْمُنْتَخَبِ فِي الصَّدَاقِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ رَجَبٍ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، فِي أَثْنَاءِ التَّفْلِيسِ: وَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْبَيْعِ حَامِلًا، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي. فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَفِي وَلَدِهَا. لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا حِينَ الْبَيْعِ فَقَدْ بَاعَ عَيْنَيْنِ، وَقَدْ رَجَعَ فِيهِمَا. قَوْلُهُ (فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ: فَهُوَ لَهُ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ أَوْ فَسَخَاهُ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَهُوَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ وَغَيْرِهَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ إنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا فَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لِلْبَائِعِ. عَنْهُ: وَالْكَسْبُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَكُونُ لِلْبَائِعِ. وَقِيلَ: هُمَا لِلْمُشْتَرِي إنْ ضَمِنَهُ. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْفَوَائِدِ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ: لَوْ فُسِخَ الْبَيْعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَكَانَ لَهُ نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ، مُخَرَّجٌ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَجْهَيْنِ كَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِهِ: أَنَّ الْفَسْخَ بِالْخِيَارِ فَسْخٌ

ص: 382

لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ فِيهِ بِلُزُومِ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ. فَعَلَى هَذَا: يَرْجِعُ بِالنَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ فِي الْخِيَارِ، بِخِلَافِ الْعَيْبِ. انْتَهَى. وَيَأْتِي فِي خِيَارِ الْعَيْبِ: هَلْ الْحَمْلُ وَالطَّلْعُ، أَوْ الْحَبُّ يَصِيرُ زَرْعًا: زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، أَوْ مُنْفَصِلَةٌ

قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْزِئَةُ الْمَبِيعِ. وَإِنْ تَصَرَّفَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا) . اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا. أَوْ لِغَيْرِهِمَا. قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ. وَيَكُونُ رِضًا مِنْهُ بِلُزُومِهِ.

وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالِاسْتِقْلَالِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ. لِأَنَّهُ مَالِكٌ، وَيَمْلِكُ الْفَسْخَ انْتَهَى.

فَعَلَى الْأَوَّلِ: إنْ تَصَرَّفَ، الْمُشْتَرِي فَتَارَةً يَكُونُ الْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ. وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: نُفُوذُ تَصَرُّفِهِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَفَذَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَقَالَ: ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَغَيْرُهُمَا.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ. وَعَنْهُ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَاحْتِمَالٌ فِي التَّلْخِيصِ

ص: 383

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ وَتَصَرَّفَ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَاهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَعَنْهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ. وَعَنْهُ تَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ. ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى فَمَنْ بَعْدَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ. فَقَالَ: تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَهُ وَلِلْبَائِعِ، الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إمْضَاءِ الْبَيْعِ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. انْتَهَى.

وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتِهِ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمِلْكِ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَالَهُ غَيْرُهُ. تَنْبِيهٌ:

مَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ: إذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ مَعَ غَيْرِ الْبَائِعِ. فَأَمَّا إنْ تَصَرَّفَ مَعَ الْبَائِعِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَنْفُذُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، الْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُنَوِّرِ وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ لَا يَنْفُذُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: بِنَاءً عَلَى دَلَالَةِ التَّصَرُّفِ عَلَى الرِّضَى. وَلِلْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ احْتِمَالَانِ.

وَإِنْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ أَوْ لَا. وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ.

قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ: وَأَمَّا نُفُوذُ التَّصَرُّفِ: فَهُوَ مَمْنُوعٌ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا. صَرَّحَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ. لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِلْكٌ. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَنْفُذُ إنْ قِيلَ: الْمِلْكُ لَهُ وَالْخِيَارُ لَهُ. قَالَ النَّاظِمُ: وَمَنْ أَفْرَدَهُ بِالْخِيَارِ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ يَمْضِي مِنْهُ دُونَ تَصَدُّدٍ

ص: 384

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ، إنْ قُلْنَا: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ. وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ: أَنَّ تَصَرُّفَهُ يَنْفُذُ.

تَنْبِيهٌ:

وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي تَصَرُّفِهِمَا: إذَا لَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدِهِمَا إذْنٌ مِنْ الْآخَرِ. أَوْ تَصَرُّفِ الْمَالِكِ مِنْهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، أَوْ تَصَرُّفِ وَكِيلِهَا: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَفَذَ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفُذُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.

فَائِدَةٌ:

لَوْ أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي التَّصَرُّفِ. فَتَصَرَّفَ بَعْدَ الْإِذْنِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ. فَهَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي فِي الْوَكِيلِ عَلَى مَا يَأْتِي وَأَوْلَى. وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ.

تَنْبِيهٌ:

ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) أَنَّ لِلْبَائِعِ التَّصَرُّفَ فِي الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ غَيْرِهِ، إذَا قَبَضَهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ لِلْمَسْأَلَةِ. وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْعِنَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَجَمْعٌ كَثِيرٌ: أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ كَالْمُثَمَّنِ، سَوَاءٌ قُلْنَا فِي الْمَبِيعِ مَا قُلْنَا فِي الثَّمَنِ أَوْ لَا. وَلَمْ يَحْكُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا. لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَمَا لَا يَمْنَعُ فَقَالَ: وَالثَّمَنُ الَّذِي لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ كَالْمُثَمَّنِ، وَإِلَّا فَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهِ لِاسْتِقْرَارِهِ. انْتَهَى. فَقَدْ تُؤْخَذُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ عُمُومِ كَلَامِهِ هُنَاكَ.

ص: 385

وَيَأْتِي أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ. فِي " فَائِدَةٌ: هَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّقْدِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا " فَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إسْقَاطًا لِخِيَارِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) . وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ. وَوَجْهَانِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ فِي غَيْرِ الْوَطْءِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِيهِ: لَمْ يَكُنْ فَسْخًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَيْسَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَهِيَ أَصَحُّ. وَجَزَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيهِ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ يَكُونُ فَسْخًا. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْحَلْوَانِيُّ فِي الْكِفَايَةِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ وَغَيْرُهُمْ. وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقِيلَ: تَصَرُّفُهُ بِالْوَطْءِ فَسْخٌ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَمِمَّنْ [صَرَّحَ أَنَّ الْوَطْءَ اخْتِيَارٌ: الْقَاضِي] فِي الْمُجَرَّدِ. وَحَكَاهُ فِي الْخِلَافِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: وَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ. [وَأَمَّا تَصَرُّفُ] الْمُشْتَرِي وَوَطْؤُهُ، وَتَقْبِيلُهُ، وَلَمْسُهُ بِشَهْوَةٍ، وَسَوْمُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ

ص: 386

فَهُوَ إمْضَاءٌ وَإِبْطَالٌ لِخِيَارِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالنَّاظِمُ، وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ وَغَيْرُهُمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَعَنْهُ: لَا يَكُونُ إمْضَاءً. وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ وَجْهٌ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فِي تَصَرُّفِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي: لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا، لِأَنَّ فِي طَرَفِهِ: الْفَسْخَ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْعَقْدِ. وَفِي طَرَفِ الرِّضَى: يَمْتَنِعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآخَرِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) . وَفِي نُسْخَةٍ " الْوَجْهَيْنِ " وَعَلَيْهِمَا شَرْحُ ابْنِ مُنَجَّا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، وَتَصْحِيحُ الْمُحَرَّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَبْطُلُ خِيَارُهُ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: يَبْطُلُ خِيَارُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ.

قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لِلِاسْتِعْلَامِ: لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ. فَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَخْدَمَهُ لِغَيْرِ الِاسْتِعْلَامِ يَبْطُلُ. وَعِبَارَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ كَذَلِكَ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ قَوْلًا: إنْ اسْتَخْدَمَهُ لِلتَّجْرِبَةِ بَطَلَ. وَإِلَّا فَلَا. مِنْهُمْ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرُوهُ قَوْلًا ثَالِثًا. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْخِلَافَ يَشْمَلُ الِاسْتِخْدَامَ لِلتَّجْرِبَةِ. وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ فِي الْحَاوِيَيْنِ: وَمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّجْرِيَةِ لِلْمَبِيعِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ

ص: 387

سَيْرَهَا، أَوْ الطَّحْنِ عَلَيْهَا، لِيَعْلَمَ قَدْرَ طَحْنِهَا. أَوْ اسْتِخْدَامِ الْجَارِيَةِ فِي الْغَسْلِ وَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ لَا يُبْطِلُ الْخِيَارَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَهُ تَجْرِبَتُهُ وَاخْتِبَارُهُ بِرُكُوبٍ وَطَحْنٍ وَحَلْبٍ وَغَيْرِهَا. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْوَجِيزِ.

قَالَ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ: وَتَصَرُّفُهُ بِكُلِّ حَالٍ رِضًا إلَّا لِتَجْرِبَةٍ. قَالَ الشَّارِحُ: فَأَمَّا مَا يَسْتَعْلِمُ بِهِ الْمَبِيعَ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَخْتَبِرَ فَرَاهَتَهَا، وَالطَّحْنِ عَلَى الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى. وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الْخِيَارُ. انْتَهَى قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لِلِاخْتِبَارِ يَسْتَوِي فِيهِ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ. وَلَا تَشْمَلُهُ الرِّوَايَةُ الْمُطْلَقَةُ [وَقَطَعَ بِمَا قُلْنَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ] وَمَنْشَأُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ حَرْبًا نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْجَارِيَةَ إذَا غَسَلَتْ رَأْسَهُ، أَوْ غَمَزَتْ رِجْلَهُ، أَوْ طَبَخَتْ لَهُ، أَوْ خَبَزَتْ: يَبْطُلُ خِيَارُهُ. فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَا قَصَدَ بِهِ مِنْ اسْتِخْدَامٍ أَنَّ تَجْرِبَةَ الْمَبِيعِ لَا يُبْطِلُ الْخِيَارَ. كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيْرَهَا. وَمَا لَا يَقْصِدُ بِهِ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْخِيَارَ. كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَتْهُ الْجَارِيَةُ وَلَمْ يَمْنَعْهَا: لَمْ يَبْطُلْ الْخِيَارُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَسَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَمَنْ تَبِعَهُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا. وَقَدَّمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ. أَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ: لَمْ يَبْطُلْ قَوْلًا وَاحِدًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. قَوْلُهُ (وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي: نَفَذَ عِتْقُهُ. وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا، كَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ) .

ص: 388

إذَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ الْمَبِيعَ: نَفَذَ عِتْقُهُ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا تَقَدَّمَ. فَيَصِحُّ عِتْقُهُ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَيَبْطُلُ خِيَارُهُمَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ. وَعَنْهُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ. وَلَهُ الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْعِتْقِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي.

فَائِدَةٌ:

عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْبَائِعِ لَوْ أَعْتَقَهُ: يَنْفُذُ عِتْقُهُ كَالْمُشْتَرِي وَأَمَّا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ بَعْدَهُ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِهِ وَكَانَ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ مَعْدُودًا، أَوْ مَزْرُوعًا: انْفَسَخَ الْبَيْعُ عَلَى مَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ. وَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ الْمُشْتَرِي. فَيَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ. وَفِي خِيَارِ الْبَائِعِ الرِّوَايَتَانِ. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْنَعْ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ. فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا يَأْتِي. وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ: فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ. وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَشْهَرِ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُغْنِي، وَالشَّرْحُ، وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَصَاحِبِ الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا خِيَارُ الْبَائِعِ: فَيَبْطُلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَعَنْهُ لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ، وَلَهُ الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ، أَوْ مِثْلُهُ إنْ كَانَ

ص: 389

مِثْلِيًّا. اخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَحَكَاهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْفُصُولِ عَنْ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهَا فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ.

تَنْبِيهٌ:

قَوْلُهُ (وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ) تَكُونُ الْقِيمَةُ وَقْتَ التَّلَفِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ. الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: وَقْتَ الْقَبْضِ. وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ: انْتِقَالُ الْمِلْكِ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفُرُوعِ.

فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ

لَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَعْدَ قَبْضِهِ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ، أَوْ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. أَوْ أَقْبَضَهَا الصَّدَاقَ وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. فَفِي ضَمَانِهِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ أَوْجُهٌ.

أَحَدُهَا: حُكْمُ ضَمَانِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَقْدِ حُكْمُ ضَمَانِ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. إنْ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَانَ مَضْمُونًا لَهُ. وَإِلَّا فَلَا. وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي الْخَطَّابِ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْكَافِي فِي آخَرَيْنِ. فَعَلَى هَذَا: إنْ كَانَ عِوَضًا فِي بَيْعٍ، أَوْ نِكَاحٍ، كَانَ مُتَمَيِّزًا: لَمْ يُضْمَنْ. عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ: ضُمِنَ. وَإِنْ كَانَ فِي إجَارَةٍ: ضَمِنَ بِكُلِّ حَالٍ.

الثَّانِي: إنْ كَانَ انْتِهَاءُ الْعَقْدِ بِسَبَبٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ كَفَسْخِ الْمُشْتَرِي أَوْ شَارَكَ فِيهِ الْآخَرَ. كَالْفَسْخِ مِنْهُمَا: فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. وَإِنْ اسْتَقَلَّ بِهِ الْآخَرُ كَفَسْخِ الْبَائِعِ وَطَلَاقِ الزَّوْجِ. فَلَا ضَمَانَ. لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِ هَذَا بِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَا عُدْوَانٍ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ. وَعَلَى هَذَا يَتَوَجَّهُ ضَمَانُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ.

الثَّالِثُ: حُكْمُ الضَّمَانِ بَعْدَ الْفَسْخِ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ. فَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا فَهُوَ

ص: 390

مَضْمُونٌ. وَإِلَّا فَلَا فَيَكُونُ الْبَيْعُ بَعْدَ فَسْخِهِ مَضْمُونًا. لِأَنَّهُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُشْتَرِي بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ بِالْفَسْخِ. صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَمُقْتَضَى هَذَا: ضَمَانُ الصَّدَاقِ [عَلَى الْمَرْأَةِ] وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ، وَأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الرَّادِّ. وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، حَتَّى قَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ عَجَّلَ أُجْرَتَهَا، ثُمَّ انْفَسَخَتْ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ: فَلَهُ حَبْسُهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ، وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا.

الرَّابِعُ: لَا ضَمَانَ فِي الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ بَعْدَ فَسْخِهِ أَمَانَةً مَحْضَةً. صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ.

الْخَامِسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَقْدُ، أَوْ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ. فِي الْأَوَّلِ: يَكُونُ أَمَانَةً مَحْضَةً. لِأَنَّ حُكْمَ الْمِلْكِ ارْتَفَعَ وَعَادَ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ. وَفِي الْفَسْخِ يَكُونُ مَضْمُونًا. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ: الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي مَسَائِلِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ نَقْصَهُ فِيمَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَبَعْدَهُ بِالْقِيمَةِ لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ. ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ. قَوْلُهُ (وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) .

وَهَذَا الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْآخَرِ: حُكْمُ الْعِتْقِ. صَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَطِئَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَأَحْبَلَهَا: صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ. وَوَلَدُهُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ) .

ص: 391

هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَأَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ. فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْبَائِعِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ. وَقِيمَةُ الْوَلَدِ، وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ. فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ فَكَذَلِكَ، إنْ قُلْنَا الْبَيْعُ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ) وَتَقَدَّمَ: هَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ؟ وَأَنَّ الصَّحِيحَ يَكُونُ فَسْخًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْفَسِخُ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ) . قَدْ تَقَدَّمَ: أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَصَرُّفِهِ. وَقَوْلُهُ (إلَّا إذَا قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ) . وَتَقَدَّمَ: أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَكُونُ الْمِلْكُ لَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. قَوْلُهُ (وَلَا حَدَّ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) .

هَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَالْمَجْدِ فِي مُحَرَّرِهِ، وَالنَّاظِمِ، وَصَاحِبِ الْحَاوِي. وَصَحَّحُوهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ هُنَاكَ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَحَكَاهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. فَعَلَى هَذَا: يَكُونُ وَلَدُهُ حُرًّا ثَابِتَ النَّسَبِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَةٌ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.

وَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا عُلِمَ زَوَالُ مِلْكِهِ، وَأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ [وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَا أَيْضًا] قَوْلُهُ (إذَا عَلِمَ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ) .

ص: 392

هَكَذَا قَيَّدَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. وَقَالُوا: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. لِأَنَّ تَمَامَ الْوَطْءِ قَدْ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ، فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَالْأَكْثَرِينَ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْحَدِّ أَيْضًا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: إذَا كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ. أَمَّا إذَا كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ: فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الزِّنَا. فَعَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ. وَوَلَدُهُ حُرٌّ. وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ. وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ. وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. قَوْلُهُ (وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ، وَلَمْ يُورَثْ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُورَثَ كَالْأَجَلِ وَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَهُوَ لِأَبِي الْخَطَّابِ. وَذَكَرَهُ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي مَسْأَلَةِ حَلِّ الدَّيْنِ بِالْمَوْتِ رِوَايَةً.

تَنْبِيهٌ:

مُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ " وَلَمْ يُورَثْ " إذَا لَمْ يُطَالِبْ الْمَيِّتَ. فَأَمَّا إنْ طَالَبَ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يُورَثُ. نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

فَائِدَةٌ:

خِيَارُ الْمَجْلِسِ لَا يُورَثُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ كَالشَّرْطِ. وَفِي خِيَارِ صَاحِبِهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَبْطُلُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي.

فَائِدَةٌ:

حَدُّ الْقَذْفِ لَا يُورَثُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

ص: 393

وَفِي الِانْتِصَارِ. رِوَايَةٌ: لَا يُورَثُ حَدُّ قَذْفٍ وَلَوْ طَلَبَهُ مَقْذُوفٌ، كَحَدِّ زِنًا. وَيَأْتِي كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَذْفِ. وَيَأْتِي: هَلْ تُورَثُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ؟ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ بَابِ الشُّفْعَةِ. وَتَقَدَّمَ: إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى بَيْعِهِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ. قَوْلُهُ (الثَّالِثُ: خِيَارُ الْغَبْنِ. وَيَثْبُتُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ. أَحَدُهَا: إذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانَ، فَاشْتَرَى مِنْهُمْ، أَوْ بَاعَ لَهُمْ. فَلَهُمْ الْخِيَارُ إذَا هَبَطُوا السُّوقَ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ غُبِنُوا) . أَعْلَمَنَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله هُنَا أَنَّهُ إذَا تَلَقَّى الرُّكْبَانَ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَ لَهُمْ: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ بَاطِلٌ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ، سَوَاءٌ قَصَدَ تَلَقِّيهمْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا خِيَارَ لَهُمْ إلَّا إذَا قَصَدَ تَلَقِّيهمْ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. قَوْلُهُ (وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ قَدْ غُبِنُوا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: لَهُمْ الْخِيَارُ، وَإِنْ لَمْ يُغْبَنُوا. قَوْلُهُ (غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ) . يَرْجِعُ الْغَبْنُ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يُقَدَّرُ الْغَبْنُ بِالثُّلُثِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْغَبْنَ الْمُثْبِتَ لِلْفَسْخِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ. وَحَدَّهُ أَصْحَابُنَا بِقَدْرِ ثُلُثِ قِيمَةِ الْمَبِيعِ. انْتَهَى. وَقِيلَ يُقَدَّرُ بِالسُّدُسِ.

ص: 394

وَقِيلَ: يُقَدَّرُ بِالرُّبُعِ. ذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْغَبْنِ وَإِنْ قَلَّ. قَالَهُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: لَهُ الْفَسْخُ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ، كَدِرْهَمٍ فِي عَشَرَةٍ بِالشَّرْطِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْدَ تَعَدُّدِ الْعُيُوبِ.

قَوْلُهُ (الثَّانِيَةُ: فِي النَّجْشِ. وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيَضُرَّ الْمُشْتَرِي) أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ رحمه الله أَنَّ بَيْعَ النَّجْشِ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ: يَبْطُلُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ فِي التَّنْبِيهِ: لَا يَجُوزُ النَّجْشُ. وَعَنْهُ يَقَعُ لَازِمًا. فَلَا فَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضًا. ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ هَلْ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ؟ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ لَا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا خِيَارَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ الْبَائِعِ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: لَوْ نَجَشَ الْبَائِعُ، فَزَادَ أَوْ وَاطَأَ. فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ فِي الْأَوْلَى؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.

أَحَدُهُمَا: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ. وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَقَالَ: هَذَا الْمَشْهُورُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُبْطِلُ الْبَيْعَ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَالْحَاوِيَيْنِ.

ص: 395

وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ النَّجْشِ، كَمَا لَوْ زَادَ فِيهِ الْبَائِعُ أَوْ وَاطَأَ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: أَوْ زَادَ زِيدَ بِإِذْنِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِكَذَا وَكَانَ زَائِدًا عَمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ: لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ: يَبْطُلُ مَعَ عِلْمِهِ.

تَنْبِيهٌ:

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَوْلُهُمْ فِي النَّجْشِ " لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِيَ " لَمْ يَحْتَجُّوا لِتَوَقُّفِ الْخِيَارِ عَلَيْهِ. وَقَالَ: وَفِيهِ نَظِيرٌ. وَأَطْلَقُوا الْخِيَارَ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ. لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّجْشِ. فَيَكُونُ الْقَيْدُ مُرَادًا. وَشَبَّهَ مَا إذَا خَرَجَ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّلَقِّي. وَسَبَقَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ الْخِيَارُ. انْتَهَى. قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَحْرُمُ أَنْ يَزِيدَ فِي سِلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا. وَقِيلَ: بَلْ لِيَغُرَّ مُشْتَرِيهَا الْغُرَّ بِهَا. [وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَزَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي زَادَ مَعْرُوفًا بِالْحِذْقِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ. انْتَهَى. وَلَمْ نَرَهُ لِغَيْرِهِ] . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ، " لِيَغُرَّ الْمُشْتَرِي " وَهُوَ حَسَنٌ. انْتَهَى.

فَائِدَةٌ:

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ: حُكْمُ زِيَادَةِ الْمَالِكِ فِي الثَّمَنِ كَأَنْ يَقُولَ: أَعْطَيْته فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ كَذَا، وَهُوَ كَاذِبٌ حُكْمُ نَجْشِهِ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (الثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ) . يَثْبُتُ لِلْمُسْتَرْسِلِ الْخِيَارُ إذَا غَبَنَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ عَنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَعَنْهُ لَا يَثْبُتُ.

ص: 396

فَوَائِدُ

الْأُولَى " الْمُسْتَرْسِلُ " هُوَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ أَنْ يُمَاكِسَ. قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ " هُوَ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ ". قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمَا: هُوَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ سِعْرَ مَا بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ. فَصَرَّحَا أَنَّ " الْمُسْتَرْسِلَ " يَتَنَاوَلُ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ، وَأَنَّهُ الْجَاهِلُ بِالْبَيْعِ. كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ، بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ خِيَارِ التَّدْلِيسِ، فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ، كَمَا لَمْ يُفَرِّقُوا فِي الْغَبْنِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي: فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمُسْتَرْسِلَ هُوَ الْجَاهِلُ بِالْقِيمَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا.

قَالَ، فِي الْمَذْهَبِ: لَوْ جَهِلَ الْغَبْنَ فِيمَا اشْتَرَاهُ لِعَجَلَتِهِ. وَهُوَ لَا يَجْهَلُ الْقِيمَةَ: ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا. وَجَزَمَ بِهِ فِي النَّظْمِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَوْ عَجَّلَ فِي الْعَقْدِ فَغَبَنَ فَلَا خِيَارَ لَهُ. انْتَهَى. وَعَنْهُ يَثْبُتُ أَيْضًا لِمُسْتَرْسِلٍ إلَى الْبَائِعِ لَمْ يُمَاكِسْهُ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ.

وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَهُ الْفَسْخُ مَا لَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ غَالٍ، وَأَنَّهُ مَغْبُونٌ فِيهِ. انْتَهَى. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: يَثْبُتُ خِيَارُ الْغَبْنِ إلَى الْمُسْتَرْسِلِ فِي الْإِجَارَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا فَسَخَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ الْمُدَّةِ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ، لَا بِقِسْطِهِ مِنْ الْمُسَمَّى. لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَمْ يَسْتَدْرِكْ [ظِلَامَةَ الْغَبْنِ. فَارَقَ مَا لَوْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فِي الْإِجَارَةِ فَفُسِخَ. فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِسْطِهِ مِنْ الْمُسَمَّى، لِأَنَّهُ يَسْتَدْرِكُ] ظِلَامَتَهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِسْطِهِ مِنْهَا مَعِيبًا. فَيَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِذَلِكَ قَالَ الْمَجْدُ: نَقَلْته مِنْ خَطِّ الْقَاضِي عَلَى ظَهْرِ الْجُزْءِ الثَّلَاثِينَ مِنْ تَعْلِيقِهِ.

ص: 397

الثَّالِثَةُ: الْغَبْنُ مُحَرَّمٌ. نُصَّ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُنُونِ. وَقَالَ: إنَّ أَحْمَدَ قَالَ أَكْرَهُهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ. وَقِيلَ: يَحْرُمُ. وَهُوَ أَوْلَى. انْتَهَى.

الرَّابِعَةُ: هَلْ غَبْنُ أَحَدِهِمَا فِي مَهْرِ مِثْلِهِ كَبَيْعٍ أَوْ لَا فَسْخَ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ فِي التَّعْلِيقِ لِلْقَاضِي، وَالِانْتِصَارِ لِأَبِي الْخَطَّابِ. وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ. ثُمَّ فَرَّقَ، وَقَالَ: وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ الصَّدَاقُ عِنْدَهُمْ وَفِي وَجْهٍ لَنَا: بِعَيْبٍ يَسِيرٍ وَيُرَدُّ الْمَبِيعُ بِذَلِكَ. قُلْت: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ. بَلْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَازِمًا. وَيَأْتِي قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ، وَبَابِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ.

الْخَامِسَةُ: يَحْرُمُ تَغْرِيرُ مُشْتَرٍ، بِأَنْ يَسُومَهُ كَثِيرًا لِيَبْذُلَ قَرِيبًا مِنْهُ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَإِنْ دَلَّسَ مُسْتَأْجِرٌ عَلَى مُؤَجِّرٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى اسْتَأْجَرَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَفِي مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ [الْأُولَى] كَقَوْلِهِ، وَأَنَّهُ كَالْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ سَوَاءٌ. ثُمَّ سَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ.

السَّادِسَةُ: لَوْ قَالَ عِنْدَ الْبَيْعِ " لَا خِلَابَةَ " فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ إذَا خَلَبَهُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: لَا خِيَارَ لَهُ.

قَوْلُهُ (الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيسِ بِمَا يَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ. كَتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَتَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ، وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ، وَجَمْعِ مَاءِ الرَّحَى وَإِرْسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا) .

ص: 398

قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: كَذَا تَحْسِينُ وَجْهِ الصُّبْرَةِ وَنَحْوِهَا. وَتَصْنِيعُ النَّسَّاجِ وَجْهَ الثَّوْبِ، وَصَقَّالِ الْإِسْكَافِ وَجْهَ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ. فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ بِلَا نِزَاعٍ. وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّدْلِيسِ لَا خِيَارَ لَهُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَمَالًا إلَيْهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَيْضًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفَائِقِ [وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي] وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَذَكَرَ صُوَرَ الْمَسْأَلَةِ: تَحْمِيرُ الْوَجْهِ مِنْ الْخَجَلِ أَوْ التَّعَبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. [وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُمْرَةِ الْخَجَلِ أَوْ التَّعَبِ وَنَحْوِهِمَا. وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ] .

فَائِدَةٌ:

لَوْ سَوَّدَ كَفَّ الْعَبْدِ، أَوْ ثَوْبَهُ. لْيَظُنَّ أَنَّهُ كَاتِبٌ، أَوْ حَدَّادٌ، أَوْ عَلَفَ الشَّاةَ، أَوْ غَيْرَهَا. لِيَظُنَّ أَنَّهَا حَامِلٌ: لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي بِذَلِكَ خِيَارٌ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ. قَوْلُهُ (وَيَرُدُّ مَعَ الْمُصَرَّاةِ عِوَضَ اللَّبَنِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) . يَتَعَيَّنُ التَّمْرُ فِي الرَّدِّ بِشَرْطِهِ. وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الْمُصَرَّاةِ، أَوْ نَقَصَتْ عَنْ قِيمَةِ اللَّبَنِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: يُجْزِئُ الْقَمْحُ أَيْضًا. اخْتَارَهُ الشِّيرَازِيُّ. لِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِهِ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: عَلَّلَ أَبُو بَكْرٍ وُجُوبَ الصَّاعِ بِأَنَّ لَبَنَ التَّصْرِيَةِ اخْتَلَطَ بِلَبَنٍ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي. فَلَمَّا لَمْ يَتَمَيَّزْ قَطَعَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ الْمُشَاجَرَةَ بَيْنَهُمَا بِإِيجَابِ صَاعٍ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ اشْتَرَى أَكْثَرَ مِنْ مُصَرَّاةٍ: رَدَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ صَاعًا. صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ.

ص: 399

قُلْت: وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِمْ.

تَنْبِيهٌ:

قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ التَّمْرَ فَقِيمَتُهُ فِي مَوْضِعِهِ) أَيْ فِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ. صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قِيمَةِ الْمُصَرَّاةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رحمه الله.

قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ: رَدَّهُ وَأَجْزَأَهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَنَصَرَهُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ.

قَالَ الْقَاضِي: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَبُولُهُ.

قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَزِمَ الْبَائِعَ قَبُولُهُ فِي الْأَقْيَسِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا التَّمْرُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالنَّظْمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَيَشْمَلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

تَنْبِيهَانِ

إحْدَاهُمَا: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " لَمْ يَتَغَيَّرْ رَدَّهُ " أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ قَبُولُهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي [وَالْكَافِي وَغَيْرُهُمْ] وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ رَدُّهُ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ قَبُولُهُ [اخْتَارَهُ الْقَاضِي] .

الثَّانِي: لَوْ عَلِمَ التَّصْرِيَةَ قَبْلَ الْحَلْبِ، فَرَدَّهَا قَبْلَ حَلْبِهَا: لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ (وَمَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ فَلَهُ الرَّدُّ) . فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَهَا مَا لَمْ يَرْضَ. كَسَائِرِ التَّدْلِيسِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هَذَا الْقِيَاسُ.

ص: 400

قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَقْيَسُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالنَّظْمِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَتَخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ كَالْعُيُوبِ. لِأَنَّ فِيهَا قَوْلًا كَذَلِكَ. انْتَهَى.

وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهَا إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ مُنْذُ عَلِمَ. وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَهَا وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَقَالَ فِيهِمَا: إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ التَّصْرِيَةَ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَوَجْهَانِ.

أَحَدُهُمَا: يَثْبُتُ الرَّدُّ عِنْدَ تَبَيُّنِ التَّصْرِيَةِ. وَالْآخَرُ: تَكُونُ مُدَّةُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا. انْتَهَى.

قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِكَلَامِ الْقَاضِي: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ. أَنَّ خِيَارَهُ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَى تَمَامِهَا. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ عَنْهُ.

وَقَالَ فِي الْكَافِي، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا عَلِمَ التَّصْرِيَةَ فَلَهُ الْخِيَارُ إلَى تَمَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. لَكِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْكَافِي: أَنَّ ابْتِدَاءَ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى مِنْ حِينِ الْبَيْعِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ يُخَيَّرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُنْذُ عَلِمَ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى.

ص: 401

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَعَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ الْقَاضِي: أَنَّ الْخِيَرَةَ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي تَكُونُ بَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ. وَتَكُونُ عَلَى هَذَا عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: تَكُونُ الْخِيَرَةُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ.

تَنْبِيهٌ:

ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَلَهُ الرَّدُّ " أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سِوَاهُ أَوْ الْإِمْسَاكُ مَجَّانًا. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ الرَّدِّ. وَجَزَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَالْمُبْهِجِ، وَالتَّلْخِيصِ وَالتَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ. وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَمَالَ إلَيْهِ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ. وَنَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي التَّصْرِيَةِ. لِأَنَّهُمَا حَكَيَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَاقْتَصَرَا عَلَيْهِ. وَقَدَّمَاهُ فِي غَيْرِ التَّصْرِيَةِ. لَكِنْ قَالَا: ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ أَوْ الْإِمْسَاكُ لَا غَيْرُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً: لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ: إذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَمْلِكْ الرَّدَّ) . وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا صَارَ لَبَنُهَا عَادَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ. وَجَزَمَ بِهِ كُلُّ مَنْ ذَكَرَهَا وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَهُوَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا. قُلْت: لَعَلَّهُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَالْمُذْهَبِ.

ص: 402

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا، فِي طَلَاقِ بَائِنٍ فِيهِ عِدَّةٌ: احْتِمَالَانِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِقَدْرِ الِاسْتِبْرَاءِ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ عِنْدَهُ: إنْ اشْتَرَى مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ جَاهِلًا ذَلِكَ فَلَهُ رَدُّهَا أَوْ الْأَرْشُ.

تَنْبِيهٌ:

قَوْلُهُ " فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ " هَكَذَا أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ: فَلَوْ طَلُقَتْ قَبْلَ عِلْمِهِ زَالَ. نُصَّ عَلَيْهِ. فَقَيَّدَ الطَّلَاقَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.

فَائِدَةٌ

لَوْ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِكَوْنِهَا مُزَوَّجَةً: خُيِّرَ بَيْنَ الرَّدِّ أَوْ الْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا: فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا بِحَالٍ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ التَّصْرِيَةُ فِي غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ: فَلَا رَدَّ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ

أَحَدُهُمَا: لَا رَدَّ لَهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ. قَالَ ابْنُ الْبَنَّا تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْقَاضِي هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَقْيَسُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ الرَّدُّ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُ اللَّبَنِ)

ص: 403

هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقَالُوا فِي تَعْلِيلِهِ: لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالُوا. وَلَيْسَ بِمَانِعٍ انْتَهَى. وَقِيلَ: إنْ جَازَ بَيْعُ لَبَنِ الْأَمَةِ غَرِمَهُ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: وَيَخْرُجُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَلْ أَوْلَى.

قَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ لِلْبَائِعِ تَدْلِيسُ سِلْعَتِهِ. وَلَا كِتْمَانُ عَيْبِهَا) أَمَّا التَّدْلِيسُ: فَحَرَامٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَأَمَّا كِتْمَانُ الْعَيْبِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ حَرَامٌ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الصَّوَابُ. وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُكْرَهُ. قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: الْكَرَاهَةُ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ. لَكِنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ الْبَيْعِ مَعَ الْكَرَاهَةِ. انْتَهَى. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله بِالْكَرَاهَةِ: التَّحْرِيمُ. قَوْلُهُ (فَإِنْ فَعَلَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ)

يَعْنِي إذَا كَتَمَ الْعَيْبَ أَوْ دَلَّسَهُ وَبَاعَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ. نَقَلَ حَنْبَلٌ: بَيْعُهُ مَرْدُودٌ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَنْصُوصِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.

وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ وَبَاعَ، فَتَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَقَوْلُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ فَالْمَبِيعُ بَاطِلٌ. قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي الْمُصَرَّاةِ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا. قَالَ الشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ. قُلْت: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ يَحْكِي: أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ. وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُ رَجَعَ

ص: 404

فَائِدَةٌ:

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا لَوْ أَعْلَمَهُ بِالْعَيْبِ، وَلَمْ يَعْلَمَا قَدْرَهُ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِقَابُهُ بِإِتْلَافِهِ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ إذَا دَلَّسَهُ. وَقَالَ: أَفْتَى بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.

قَوْلُهُ (الْخَامِسُ: خِيَارُ الْعَيْبِ. وَهُوَ النَّقْصُ)" الْعَيْبُ " هُوَ مَا يُنْقِصُ قِيمَةَ الْمَبِيعِ عَادَةً، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ: هُوَ مَا يُنْقِصُ قِيمَةَ الْمَبِيعِ نَقِيصَةً يَقْتَضِي الْعُرْفُ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ عَنْهَا غَالِبًا.

قَوْلُهُ (وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ مِنْ فِعْلِهِ، كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ وَالْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ، وَكَذَا شُرْبُهُ الْخَمْرَ وَالنَّبِيذَ، إذَا كَانَ مُمَيِّزًا) نَصَّ عَلَيْهِ. أَنَاطَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بِالتَّمْيِيزِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَهُوَ [ظَاهِرُ] مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ، وَالْفَائِقِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إذَا تَكَرَّرَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَبَوْلُهُ فِي فِرَاشِهِ مِرَارًا.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ ابْنِ عَشْرٍ فَصَاعِدًا. وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَحَمَلَ ابْنُ مُنَجَّا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. مَعَ أَنَّ كَلَامَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَا يَأْبَاهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. قَالَ فِي الْكَافِي: فَأَمَّا الْعُيُوبُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى فِعْلِهِ كَكَذَا وَكَذَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُمَيِّزٍ جَاوَزَ الْعَشْرَ فَهِيَ عَيْبٌ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَزِنًا مِمَّنْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ، أَوْ أَكْثَرَ. وَقِيلَ: إنْ دَامَ. زِنَا مُمَيِّزٍ أَوْ سَرِقَتُهُ أَوْ إبَاقُهُ، أَوْ شُرْبُهُ الْخَمْرَ، أَوْ بَوْلُهُ فِي فِرَاشِهِ. انْتَهَى.

ص: 405

وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي الْبَوْلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَبِيرٍ. وَتَكَرَّرَ شَرْطُ النَّاظِمِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَبِيرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ التَّكْرَارَ.

قَوْلُهُ (كَالْمَرَضِ وَذَهَابِ جَارِحَةٍ، أَوْ سِنٍّ، أَوْ زِيَادَتِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْخَصِيِّ. وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَلَكِنْ يُفَوِّتُهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ مُبَاحٌ، وَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، وَالْعَمَى، وَالْعَوَرِ، وَالْحَوَلِ، وَالْخَوَصِ، وَالسَّبَلِ وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْفَانِ وَالطَّرَشِ، وَالْخَرَسِ، وَالصَّمَمِ [وَالْقَرَعِ] وَالصُّنَانِ، وَالْبُهَاقِ، وَالْبَرَصِ، وَالْجُذَامِ، وَالْفَالِجِ، وَالْكَلَفِ، وَالتَّجَمُّرِ، وَالْعَفَلِ، وَالْقِرَانِ، وَالْفَتْقِ، وَالرَّتَقِ، وَالِاسْتِحَاضَةِ، وَالْجُنُونِ، وَالسُّعَالِ، وَالْبُحَّةِ، وَكَثْرَةِ الْكَذِبِ، وَالتَّخْنِيثِ، وَكَوْنِهِ خُنْثَى، وَالثَّآلِيلِ، وَالْبُثُورِ، وَآثَارِ الْقُرُوحِ، وَالْجُرُوحِ، وَالشِّجَاجِ، وَالْجُدَرِيِّ، وَالْحُفَرِ وَهُوَ الْوَسَخُ يَرْكَبُ أُصُولَ الْأَسْنَانِ وَالثُّلُومِ فِيهَا، وَذَهَابِ بَعْضِ أَسْنَانِ الْكَبِيرِ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَالْوَشْمِ. وَتَحْرِيمٍ عَامٍّ، كَأَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بِخِلَافِ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَحَمَاتِهِ، وَنَحْوِهِمَا، وَقَرَعٍ شَدِيدٍ مِنْ كَبِيرٍ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. انْتَهَى. وَكَوْنِ الثَّوْبِ غَيْرَ جَدِيدٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَثَرُ الِاسْتِعْمَالِ. ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. وَالزَّرْعِ، وَالْغَرْسِ، وَالْإِجَارَةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَشَامَاتٍ، وَمَحَاجِمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَشَرَطٍ مَشِينٍ. وَمِنْهَا: إهْمَالُ الْأَدَبِ وَالْوَقَارِ فِي أَمَاكِنِهَا. نُصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ. قُلْت: لَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْجَلَبِ، وَالصَّغِيرِ.

وَمِنْهَا: الِاسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، الشَّارِحُ، وَصَاحِبُ عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَغَيْرُهُمْ. وَمِنْهَا: الْحُمْقُ مِنْ كَبِيرٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ

ص: 406

الْأَصْحَابُ. وَهُوَ ارْتِكَابُ الْخَطَأِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، الشَّارِحُ: وَحُمْقٌ شَدِيدٌ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْعَادَةَ. وَمِنْهَا: حَمْلُ الْأَمَةِ، دُونَ الدَّابَّةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي: إنْ لَمْ يَضُرَّ اللَّحْمُ. وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَابِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ. وَمِنْهَا: عَدَمُ خِتَانِ عَبْدٍ كَبِيرٍ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، الشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. إنْ كَانَ الْعَبْدُ الْكَبِيرُ مَجْلُوبًا فَلَيْسَ بِعَيْبٍ، وَإِلَّا فَعَيْبٌ.

وَمِنْهَا: عَثْرَةُ الْمَرْكُوبِ، وَكَدْمُهُ، وَقُوَّةُ رَأْسِهِ، وَحَرَنُهُ، وَشَمُوسُهُ، وَكَيُّهُ، أَوْ بِعَيْنِهِ ضَفَرَةٌ، أَوْ بِأُذُنِهِ شَقٌّ قَدْ خِيطَ، أَوْ بِحَلْقِهِ تَعَاتِعُ، أَوْ غُدَّةٌ، أَوْ عُقْدَةٌ، أَوْ بِهِ زَوَرٌ وَهُوَ نُتُوءُ الصَّدْرِ عَنْ الْبَطْنِ أَوْ بِيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ شِقَاقٌ، أَوْ بِقَدَمِهِ فَرْعٌ وَهُوَ نُتُوءُ وَسَطِ الْقَدَمِ أَوْ بِهِ وَخْسٌ وَهُوَ وَرَمٌ حَوْلَ الْحَافِرِ أَوْ كَوَعٌ، أَوْ، الْعُرُوقُ فِي الرِّجْلَيْنِ عَنْ قَدَمَيْهِمَا، أَوْ كَوَعٌ وَهُوَ انْقِلَابُ أَصَابِعِ الْقَدَمَيْنِ عَلَيْهِمَا أَوْ بِعَقِبِهِمَا صَكَكٌ وَهُوَ تَقَارُبُهُمَا، وَقِيلَ: اصْطِكَاكُهُمَا أَوْ انْتِفَاخُهُمَا أَوْ بِالْفَرَسِ خَسْفٌ. وَهُوَ كَوْنُ إحْدَى عَيْنَيْهِ زَرْقَاءَ وَالْأُخْرَى كَحْلَاءَ. وَمِنْهَا: كَوْنُهُ أَعْسَرَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وَلَا يَعْمَلُ بِالْيُمْنَى عَمَلَهَا الْمُعْتَادَ، وَإِلَّا فَزِيَادَةُ خَيْرٍ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: كَوْنُهُ أَعْسَرَ لَيْسَ بِعَيْبٍ لِعَمَلِهِ بِإِحْدَى يَدَيْهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْجَارُ السُّوءُ عَيْبٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَبِئْرٌ وَنَحْوُهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ بِالدَّارِ. قَالَ: وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ فِي زَمَانِنَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَاخْتِلَافُ الْأَضْلَاعِ وَالْأَسْنَانِ، وَطُولُ إحْدَى يَدَيْ الْأُنْثَى، وَخَرْمُ شُنُوفِهَا.

ص: 407

وَمِنْهَا: أَكْلُ الطِّينِ.

ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُهُ إلَّا مَنْ بِهِ مَرَضٌ. نَقَلَهُ عَنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ. ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَهُ فِي التَّلْخِيص، وَالتَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِمَا. وَكَوْنُ الدَّارِ يَنْزِلُهَا الْجُنْدُ: عَيْبٌ. وَعِبَارَةُ الْقَاضِي: وَجَدَهَا مَنْزُولَةً قَدْ نَزَلَهَا الْجُنْدُ. قَالَ الْقَاضِي، وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ، وَالْحَاوِي، وَمَنْ تَابَعَهُمْ: لَوْ اشْتَرَى قَرْيَةً فَوَجَدَ فِيهَا سَبُعًا أَوْ حَيَّةً عَظِيمَةً: فَهُوَ عَيْبٌ يُنْقِصُ الثَّمَنَ. وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ: وَجَدَهَا كَانَ السُّلْطَانُ يَنْزِلُهَا لَيْسَ عَيْبًا. وَنَقْصُ الْقِيمَةِ بِهِ عَادَةً إنْ عَيَّنَ لِذَلِكَ الثُّلُثَ وَكَانَ مُسْتَسْلِمًا. فَلَهُ الْفَسْخُ لِلْغَبْنِ لَا لِلْعَيْبِ. وَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ الْفَسْخُ لِهَذَا الْأَمْرِ الْمُتَرَدِّدِ. انْتَهَى.

وَلَيْسَ الْفِسْقُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، أَوْ الْفِعْلِ، أَوْ التَّغْفِيلِ: بِعَيْبٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَفِي قَوْلِهِ " أَوْ التَّغْفِيلِ " نَظَرٌ. لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ مِنْ الْمُمَيِّزِ عَيْبٌ. وَقِيلَ: هُوَ عَيْبٌ فِي الثَّلَاثَةِ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَوْ ظَهَرَ الْعَبْدُ فَاسِقًا مَعَ إسْلَامِهِ فَلَهُ الرَّدُّ. سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ لِبِدْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ. قَالَ: وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ مُتَوَانِيًا فِي الصَّلَاةِ. وَالْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. انْتَهَى وَالثُّيُوبَةُ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ ظَهَرَتْ ثَيِّبًا مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ فَهُوَ عَيْبٌ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ.

ص: 408

وَلَيْسَ مَعْرِفَةُ الْغِنَاءِ وَالْكُفْرُ بِعَيْبٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْغِنَاءُ فِي الْأَمَةِ عَيْبٌ. وَكَذَا الْكُفْرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَعَدَمُ نَبَاتِ عَانَةِ الْأَمَةِ لَيْسَ بِعَيْبٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: هُوَ عَيْبٌ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ عَيْبٌ لِمُخَالَفَةِ الْجِبِلَّةِ فِيهِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفِي الِانْتِصَارِ: لَيْسَ عَيْبًا. مَعَ بَقَاءِ الْقِيمَةِ. وَلَيْسَ عُجْمَةُ اللِّسَانِ وَالْفَأْفَاءُ وَالتَّمْتَامُ وَالْأَرَتُّ وَالْقَرَابَةُ بِعَيْبٍ. وَكَذَلِكَ الْأَلْثَغُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي مَوْضِعٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: اللَّثَغُ وَغُنَّةُ الصَّوْتِ عَيْبٌ.

فَائِدَةٌ:

قَالَ فِي الِانْتِصَارِ، وَمُفْرَدَاتُ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ: لَا فَسْخَ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ كَصُدَاعٍ، وَحُمَّى يَسِيرَةٍ، وَسُقُوطِ آيَاتٍ يَسِيرَةٍ فِي الْمُصْحَفِ لِلْعَادَةِ. كَغَيْرِ يَسِيرٍ. وَلَوْ مِنْ وَلِيٍّ. قَالَ أَبُو يَعْلَى: وَوَكِيلٍ. وَقَالَ فِي وَلِيٍّ وَوَكِيلٍ: لَوْ كَثُرَ الْغَبْنُ بَطَلَ. وَقَالَ أَيْضًا: يُوجِبُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِمَا. وَذَكَرَ أَيْضًا: الْفَسْخُ بِعَيْبٍ يَسِيرٍ. وَأَنَّ الْمَهْرَ مِثْلُهُ فِي وَجْهٍ. وَأَنَّ لَهُ الْفَسْخَ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ. كَدِرْهَمٍ فِي عَشَرَةٍ بِالشَّرْطِ. وَتَقَدَّمَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي الْغَبْنِ. وَفِي مُفْرَدَاتِ أَبِي الْوَفَاءِ، وَغَيْرِهِ أَيْضًا: لَا فَسْخَ بِعَيْبٍ، أَوْ غَبْنٍ يَسِيرٍ. فَإِنَّ الْكَثِيرَ يَمْنَعُ الرُّشْدَ، وَيُوجِبُ السَّفَهَ. فَالرُّجُوعُ عَلَى وَلِيٍّ وَوَكِيلٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ اشْتَرَى مُصْحَفًا فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ، لَيْسَ هَذَا عَيْبًا. لَا يَخْلُو الْمُصْحَفُ مِنْ هَذَا. وَفِي جَامِعِ الْقَاضِي بَعْدَ هَذَا النَّصِّ قَالَ: الْآيَةُ كَغَبْنٍ يَسِيرٍ.

ص: 409

قَالَ: وَأَجْوَدُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَادَةً مِنْ ذَلِكَ. كَيَسِيرِ التُّرَابِ وَالْعَقْدِ فِي الْبُرِّ.

قَوْلُهُ (فَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ) هَكَذَا عِبَارَةُ غَالِبِ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ: فَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ، أَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ. قَوْلُهُ (فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ) هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. أَعْنِي سَوَاءٌ تَعَذَّرَ رَدُّهُ أَوْ لَا. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ الْأَرْشُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ. اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْفَائِقِ. وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. قَالَ: وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ، كَالصَّفْقَةِ إذَا تَفَرَّقَتْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَاخْتَارَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ إذَا دَلَّسَ الْعَيْبَ خُيِّرَ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ. وَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْ الْعَيْبَ خُيِّرَ بَيْنَ الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ بِلَا أَرْشٍ وَعَنْهُ: لَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ لِمُشْتَرٍ وَهَبَهُ بَائِعٌ ثَمَنًا، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ. كَمَهْرٍ فِي رِوَايَةٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ. قَالَ: وَاخْتَارَ الْقَاضِي خِلَافَهُ: أَنَّهُ إذَا رَدَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَيَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ. فَيَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْإِبْرَاءِ. لَوْ ظَهَرَ هَذَا الْمَبِيعُ مَعِيبًا بَعْدَ أَنْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ. فَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي رَدِّهِ. وَالطَّرِيقُ الْآخِرُ: تَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ وَجْهًا وَاحِدًا. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مَا يُشَابِهُ هَذَا.

ص: 410

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: لَوْ ظَهَرَ بِالْمَأْجُورِ عَيْبٌ. فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالْمَجْدُ، الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَبِيعِ. جَزَمَ بِهِ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْإِجَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً " بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. الثَّانِيَةُ

إذَا اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ مَعَ الْأَرْشِ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّمَنِ مَعَ بَقَائِهِ. لِأَنَّهُ فَسْخٌ أَوْ إسْقَاطٌ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ الْبَائِعُ، لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ. وَقَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْخَمْسِينَ: وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ يَعْنِي: فِي أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ فَسْخُ الْعَقْدِ فِي مِقْدَارِ الْعَيْبِ، وَرُجُوعٌ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ إسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ. وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ: قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَرْشَ فَسْخٌ، أَوْ إسْقَاطٌ لِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ مُعَاوَضَةٌ: أَنَّهُ إنْ كَانَ فَسْخًا. أَوْ إسْقَاطًا: لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَسْتَحِقُّ جُزْءًا مِنْ غَيْرِ الثَّمَنِ مَعَ بَقَائِهِ. بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مُعَاوَضَةٌ. انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْأَرْشَ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ فِي الْمَبِيعِ. وَقَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ: إذَا قُلْنَا هُوَ عِوَضٌ عَنْ الْفَائِت. فَهَلْ هُوَ

ص: 411

عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ قِيمَتِهِ؟ ذَهَبَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: إلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْقِيمَةِ. وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ، وَابْنُ الْمُنَى: إلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْعَيْنِ الْفَائِتَةِ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ: جَوَازُ الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْمَضْمُونُ الْعَيْنُ: فَلَهُ الْمُصَالَحَةُ عَنْهَا بِمَا شَاءَ. وَإِنْ قُلْنَا الْقِيمَةُ: لَمَا يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ جِنْسِهَا. انْتَهَى.

فَائِدَةٌ

: لَوْ أَسْقَطَ الْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ بِعِوَضٍ بَذَلَهُ لَهُ الْبَائِعُ وَقَبِلَهُ: جَازَ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ مِنْ الْأَرْشِ فِي شَيْءٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الشُّفْعَةِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله عَلَى مِثْلِهِ فِي خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ. قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْخَمْسِينَ. قَوْلُهُ (وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنْ الثَّمَنِ) وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعُوا بِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْأَوَّلَ وَقِيلَ: قَدْرُهُ مِنْ الثَّمَنِ كَنِسْبَةِ مَا يُنْقِصُ الْعَيْبُ مِنْ الْقِيمَةِ إلَى تَمَامِهَا لَوْ كَانَ سَلِيمًا يَوْمَ الْعَقْدِ.

قَوْلُهُ (وَمَا كَسَبَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ. مِنْهُمْ: الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَالَا: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَعَنْهُ: لِلْبَائِعِ. وَنَفَاهَا الزَّرْكَشِيُّ. وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا قَالَ عَنْهُ صَاحِبُ الْكَافِي فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِيهِ. فَقَدْ ذَكَرَ الرِّوَايَةَ جَمَاعَةٌ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: لَا يَرُدُّهُ إلَّا مَعَ نَمَائِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرُدُّ كَسْبَهُ.

ص: 412

وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّبَنَ وَحْدَهُ يُرَدُّ عِوَضُهُ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ.

فَائِدَةٌ

: لَوْ حَدَثَ حَمْلٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ. فَهَلْ هُوَ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ أَوْ مُتَّصِلٌ؟ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ هُنَا: أَنَّهُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّدَاقِ: هُوَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَا. فَقَالَ الْقَاضِي: يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى قَبُولِهَا إذَا بَذَلَتْهَا الْمَرْأَةُ. وَخَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الأدميات. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّفْلِيسِ: يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ: هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ حُكْمٌ. فَهُوَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. وَإِلَّا فَهُوَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ كَالسِّمَنِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُتَّبَعُ فِي الرُّجُوعِ كَمَا يُتَّبَعُ فِي الْمَبِيعِ. ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ. وَأَمَّا إذَا حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ بَعْدَ الشِّرَاءِ: فَهُوَ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ بِلَا نِزَاعٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: أَنَّهُ تُرَدُّ أُمُّهُ دُونَهُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ فِيهَا. وَأَظُنُّ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْفُرُوعِ كَمَا لَوْ كَانَ حُرًّا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا رَدَّهَا لَا يَرُدُّهَا إلَّا بِوَلَدِهَا. فَيَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. فَائِدَةٌ

: لِلْأَصْحَابِ فِي الطَّلْعِ: هَلْ هُوَ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ أَوْ مُتَّصِلٌ؟ طُرُقٌ. أَحَدُهَا: هُوَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ مُطْلَقًا. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّدَاقِ. وَكَذَا فِي الْكَافِي. وَجَعَلَ كُلَّ ثَمَرَةٍ عَلَى شَجَرَةٍ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً.

ص: 413

الثَّانِي

: زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ مُطْلَقًا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ التَّفْلِيسِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي احْتِمَالًا. وَحَكَاهُ فِي الْكَافِي عَنْ ابْنِ حَامِدٍ الثَّالِثُ

: الْمُؤَبَّرُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَغَيْرُهُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي التَّفْلِيسِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَذَكَرَهُ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ رحمه الله. الرَّابِعُ

: غَيْرُ الْمُؤَبَّرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِلَا خِلَافٍ. وَفِي الْمُؤَبَّرِ وَجْهَانِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ التَّرْتِيبِ فِي الصَّدَاقِ. الْخَامِسُ

: الْمُؤَبَّرَةُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَجْهًا وَاحِدًا. وَفِي غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ وَجْهَانِ. وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ: أَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ. وَهِيَ طَرِيقُهُ فِي الْكَافِي فِي التَّفْلِيسِ. وَأَمَّا الْحَبُّ إذَا صَارَ زَرْعًا، وَالْبَيْضَةُ إذَا صَارَتْ فَرْخًا: فَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَجْهًا وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَغَيُّرِ مَا يُزِيلُ الِاسْمَ. لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَالَ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

تَنْبِيهٌ

: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: إنَّ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِلَ لِلْبَائِعِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: النَّمَاءُ الْمُتَّصِلُ كَالْمُنْفَصِلِ. فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي قِيمَتُهُمَا. وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لِلْمُشْتَرِي. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّمَانِينَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا. فَعَلَى هَذَا: يُقَوَّمُ عَلَى الْبَائِعِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَفِي الْمُغْنِي، فِي النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ فِي مَسْأَلَةِ صَبْغِهِ وَنَسْجِهِ: لَهُ أَرْشُهُ إنْ رَدَّهُ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي الْمُغْنِي: فَلَهُ أَرْشُهُ لَا غَيْرُ.

ص: 414

قَوْلُهُ (وَوَطْءُ الثَّيِّبِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ. فَلَهُ رَدُّهَا. وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا مُرَابَحَةً بِلَا خِيَارٍ. قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: وَطْؤُهَا يَمْنَعُ رَدَّهَا. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: لَا تُرَدُّ الْأَمَةُ بَعْدَ وَطْئِهَا، وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعَيْبِ مُطْلَقًا. وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: حُدُوثُ الْعَيْبِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ: كَالْعَيْبِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا ضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ، كَالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَالْمَعْدُودِ، وَالْمَزْرُوعِ. وَالثَّمَرَةِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَنَحْوِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا أَرْشَ إلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ. وَحُدُوثُ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ عُهْدَةُ الْحَيَوَانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعَنْهُ سِتَّةٌ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: وَبَعْدَ السِّتَّةِ. وَالْمُذْهَبُ: لَا عُهْدَةَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ فِيهِ حَدِيثٌ.

الثَّانِيَةُ

: لَوْ اشْتَرَى مَتَاعًا، فَوَجَدَهُ خَيْرًا مِمَّا اشْتَرَى. فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى بَائِعِهِ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ أَرْدَأَ أَكَانَ لَهُ رَدُّهُ. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمَا. قُلْت: لَعَلَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَائِعُ جَاهِلًا بِهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ وَطِئَ الْبِكْرَ، أَوْ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ. فَلَهُ الْأَرْشُ)

ص: 415

يَعْنِي: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ. قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ عَنْ أَحْمَدَ. [وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَرْشِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ. نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ: عَلَيْهَا الْأَصْحَابُ. زَادَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَشْهَرُهُمَا. وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَالْمُصَنِّفُ. وَإِلَيْهَا مَيْلُ الشَّارِحِ. وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ فِيمَا إذَا لَمْ يُدَلِّسْ الْعَيْبَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ يَلْزَمُهُ أَيْضًا مَهْرُ الْبِكْرِ.

تَنْبِيهَانِ

أَحَدُهُمَا: أَرْشُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ: هُوَ مَا نَقَصَهُ مُطْلَقًا.

الثَّانِي

: عَلَى رِوَايَةِ التَّخْيِيرِ: يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي إذَا رَدَّهُ أَرْشُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَلَوْ أَمْكَنَ زَوَالُ الْعَيْبِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُهُ إنْ أَمْكَنَ زَوَالُهُ قَبْلَ رَدِّهِ. وَإِنْ زَالَ بَعْدَ الرَّدِّ فَفِي رُجُوعِ مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ احْتِمَالَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ الرُّجُوعِ.

ص: 416

قَوْلُهُ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيْبَ. فَيَلْزَمَهُ رَدُّ الثَّمَنِ كَامِلًا) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. أَعْنِي فِيمَا إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ [الْعَيْبَ] . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ الْمَعْرُوفُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَنَصُّهُ: لَهُ رَدُّهُ بِلَا أَرْشٍ إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذَا الْمَنْصُوصُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قُلْت: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْحَاوِي. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ: رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ رحمه الله فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَبَقَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ: إنْ كَانَ إبَاقُهُ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِعِ: يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. لِأَنَّهُ غَرَّرَ بِالْمُشْتَرِي. وَيَتَّبِعُ الْبَائِعُ عَبْدَهُ حَيْثُ كَانَ. انْتَهَى. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ. فَعَلَى هَذَا: قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ: سَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ، أَوْ مِنْ فِعْلِ الْمُشْتَرِي، أَوْ مِنْ فِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ مِنْ [فِعْلِ] الْعَبْدِ. وَسَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبًا لِلْجُمْلَةِ أَوْ لِبَعْضِهَا. قَالَ فِي الْفَائِقِ: قُلْت: لَمْ يَنُصَّ أَحْمَدُ عَلَى جِهَاتِ الْإِتْلَافِ. وَالْمَنْقُولُ: هُوَ فِي الْإِبَاقِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ بِانْتِفَاعِهِ، أَوْ بِفِعْلِ اللَّهِ، كَمَا حَمَلَ الْقَاضِي عَلَيْهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَنْصُورٍ أَصَحُّ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ.

ص: 417

قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضُ الْعَيْنِ إذَا تَلِفَتْ، وَأَرْشُ الْبِكْرِ إذَا وَطِئَهَا. لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَام - «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَكَمَا يَجِبُ عِوَضُ لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ. يَعْنِي بِهَذَا الِاحْتِمَالِ إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَحَكَاهُ رِوَايَةً. وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ. لَكِنَّهُ إنَّمَا حَكَاهَا فِي التَّلَفِ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِالْأَرْشِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّمَانِينَ: وَحَكَى طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ رِوَايَةً بِذَلِكَ.

فَائِدَةٌ

: لَوْ كَانَ كَاتِبًا أَوْ صَائِغًا، فَنَسِيَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. فَهُوَ عَيْبٌ حَدَثَ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ الشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ وَعَنْهُ يَرُدُّهُ مَجَّانًا. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ. وَقَالَ: نُصَّ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ) أَيْ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْنِهِ (رَجَعَ بِأَرْشِهِ) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ، وَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ: صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ وَاجِبٍ وَعَيْبُهُ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَلَهُ أَرْشُهُ. وَعَنْهُ إنْ أَعْتَقَهُ عَنْ وَاجِبٍ جَعَلَ الْأَرْشَ فِي الرِّقَابِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ كَانَ لَهُ. وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُطْلَقًا. يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ عَنْ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَإِنَّ الْأَرْشَ يَكُونُ فِي الرِّقَابِ. وَرَدَّهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.

ص: 418

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا أَرْشَ. وَيَتَخَرَّجُ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنْ يَفْسَخَ، وَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ. ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ.

تَنْبِيهٌ

: فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ أَعْتَقَ. الْعَبْدَ " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ لِلْقَرَابَةِ: لَا أَرْشَ لَهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الْأَرْشِ لَكَانَ مُتَّجَهًا، بَلْ فِيهِ قُوَّةٌ.

قَوْلُهُ (أَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ: رَجَعَ بِأَرْشِهِ) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَفْسَخَ وَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ. وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ: أَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ وَيَرُدُّ بَدَلَهَا مِنْ رَدِّ الْمُشْتَرِي أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ. وَذَكَرَ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ، عَنْ الْمَذْهَبِ: هُوَ ضَعِيفٌ. ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْخَمْسِينَ قَوْلُهُ

(وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ) . يَعْنِي يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَغَيْرُهُمْ. وَيَتَخَرَّجُ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنْ يُفْسَخَ وَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِيمَنْ بَاعَهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ الْمَبِيعُ. فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ الرَّدُّ أَوْ الْأَرْشُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَذَا إنْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الْأَرْشَ، فَلَهُ الْأَرْشُ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ.

ص: 419

فَائِدَةٌ: لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهِ: كَانَ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، ثُمَّ لِلثَّانِي رَدُّهُ عَلَيْهِ. وَفَائِدَتُهُ: اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَفِيهِ احْتِمَالُ أَنْ لَا رَدَّ هُنَا.

قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَهُ) أَيْ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْعَيْبِ. يَعْنِي يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ. وَعَنْهُ الْهِبَةُ كَالْبَيْعِ، فِيهَا الرِّوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ. وَيَتَخَرَّجُ مِنْ خِيَارِ الشَّرْطِ: أَنْ يُفْسَخَ، وَيَغْرَمَ الْقِيمَةَ.

فَائِدَةٌ

: حَيْثُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَأَخَذَ الْأَرْشَ: فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قِيمَتِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ) وَكَذَا لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، أَوْ عَرَضَهُ لِلْبَيْعِ، أَوْ اسْتَغَلَّهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَغَيْرُهُمَا. وَاخْتَلَفَ كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ فِيهِ. وَعَنْهُ لَهُ الْأَرْشُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى الرِّضَا فَمَعَ الْأَرْشِ كَإِمْسَاكِهِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْعَاشِرَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ: هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَقَالَ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فِيهِ بُعْدٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ بِكُلِّ حَالٍ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ.

ص: 420

قَوْلُهُ (وَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ فَلَهُ أَرْشُ الْبَاقِي) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ فِي الْبَاقِي. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ عَيْنَيْنِ يُنْقِصُهُمَا التَّفْرِيقُ [ثُمَّ قَالَا: وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ يُنْقِصُهُمَا التَّفْرِيقُ] لَا يَجُوزُ رَدُّ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ لَا يُنْقِصُهُمَا التَّفْرِيقُ: فَهَلْ لَهُ رَدُّ الْعَيْنِ الْبَاقِيَةِ فِي مِلْكِهِ؟ يَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَحَمَلَا كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ، كَمَا تَقَدَّمَ. انْتَهَيَا. وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ. اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ. وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ. وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَهُ رَدُّ مِلْكِهِ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَرْشِ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَالْمَنْصُوصُ جَوَازُ الرَّدِّ، كَمَا قَالَ الْخِرَقِيُّ. وَبَنَى الْقَاضِي وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُمَا الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ عَيْنَيْنِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى. وَمَثَّلَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ بِالْعَيْنَيْنِ.

فَائِدَةٌ:

قَوْلُ الْخِرَقِيِّ " وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهَا " قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلَى، بَعْضِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ. وَعَلَى هَذَا شَرْحُ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ. فَإِذَنْ يَكُونُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ جَوَازَ رَدِّ الْبَاقِي. وَكَذَا حَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْهُ. وَعَلَى هَذَا: إنْ حَصَلَ بِالتَّشْقِيصِ نَقْصٌ: رَدَّ أَرْشَهُ، مِنْ كَلَامِهِ السَّابِقِ، إلَّا مَعَ التَّدْلِيسِ.

ص: 421

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ الْمُدَلَّسَةِ. وَعَلَى هَذَا: لَا يَكُونُ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لِرَدِّ الْبَاقِي فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ مُدَلَّسٍ. انْتَهَى. قَوْلُهُ (وَفِي أَرْشِ الْمَبِيعِ الرِّوَايَتَانِ) . يَعْنِي الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَنَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ هُنَا: لَا شَيْءَ لَهُ مَعَ تَدْلِيسِهِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ صَبَغَهُ أَوْ نَسَجَهُ فَلَهُ الْأَرْشُ) . يَعْنِي: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْكَافِي: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: لَهُ الرَّدُّ. وَيَكُونُ شَرِيكًا بِصَبْغِهِ وَنَسْجِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ. فَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: لَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى بَذْلِ عِوَضِ الزِّيَادَةِ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ لَوْ بَذَلَهُ الْبَائِعُ. عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ فِي الْأُولَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي الْأُولَى رِوَايَةٌ: يُجْبَرُ. قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ: يُجْبَرُ أَيْضًا.

فَوَائِدُ

إحْدَاهَا: لَوْ أَنْعَلَ الدَّابَّةَ وَأَرَادَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ نَزَعَ النَّعْلَ. فَإِنْ كَانَ النَّزْعُ يَعِيبُهَا لَمْ يَنْزِعْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةُ النَّعْلِ عَلَى الْبَائِعِ، عَلَى أَظْهَرِ الِاحْتِمَالَيْنِ. قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

ص: 422

وَهَلْ يَكُونُ إهْمَالًا لِلْفِعْلِ أَوْ تَمْلِيكًا، حَتَّى لَوْ سَقَطَ كَانَ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قُلْت: الْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ إهْمَالًا. حَتَّى لَوْ سَقَطَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي.

الثَّانِيَةُ:

لَوْ اشْتَرَى حُلِيَّ فِضَّةٍ بِوَزْنِهِ دَرَاهِمَ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا: جَازَ لَهُ رَدُّهُ. وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْخَمْسِينَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. قُلْت: فَيُعَايِي بِهَا. فَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَعَنْهُ يَرُدُّهُ، وَيَرُدُّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ. وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَقَوْلُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ. وَيُطَالِبُ بِقِيمَةِ الْحُلِيِّ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إهْمَالُ الْعَيْبِ، وَلَا أَخْذُ الْأَرْشِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا فَسَخَ وَجَبَ رَدُّ الْحُلِيِّ وَأَرْشُ نَقْصِهِ. وَاخْتَارَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ.

الثَّالِثَةُ:

لَوْ بَاعَ قَفِيزًا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا بِمِثْلِهِ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا أَخَذَهُ عَيْبًا يُنْقِصُ قِيمَتَهُ دُونَ كَيْلِهِ: لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ أَرْشِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّفَاضُلِ. وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحُلِيِّ بِالدَّرَاهِمِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَهُ الْفَسْخُ فِي رِبَوِيٍّ بِجِنْسِهِ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ. وَعَنْهُ: لَهُ الْأَرْشُ. وَقِيلَ: مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، عَلَى " مُدِّ عَجْوَةٍ "

ص: 423

وَفِي الْمُنْتَخَبِ: يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا. وَيَأْخُذُ الْجَيِّدَ رَبُّهُ، وَيُدْفَعُ الرَّدِيءُ إلَيْهِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: لَوْ اشْتَرَى رِبَوِيًّا بِجِنْسِهِ. فَبَانَ مَعِيبًا، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ رَدِّهِ: مَلَكَ الْفَسْخَ، وَيَرُدُّ بَدَلَهُ. وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ. انْتَهَى.

الرَّابِعَةُ:

لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِذَهَبٍ، ثُمَّ أَخَذَ عَنْهُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ قَدِيمٍ: رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالذَّهَبِ لَا بِالدَّرَاهِمِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَيَأْتِي نَظِيرُهَا فِي آخِرِ بَابِ الْإِجَارَةِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ، فَكَسَرَهُ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةٌ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَغَيْرُهُمْ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي، إلَّا مَعَ شَرْطِ الْبَائِعِ سَلَامَتَهُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسُورًا قِيمَةٌ كَبَيْضِ النَّعَامِ، وَجَوْزِ الْهِنْدِ وَكَذَا الْبِطِّيخُ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ وَنَحْوُهُ. فَلَهُ أَرْشُهُ) . يَعْنِي يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَعَنْهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَرْشِهِ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ مَا نَقَصَ وَأَخْذِ الثَّمَنَ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ

ص: 424

التَّلْخِيصِ، وَالشَّارِحُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ إذَا زَادَ فِي الْكَسْرِ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِعْلَامِ. وَإِنْ لَمْ يَزِدْ خُيِّرَ. وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الشَّرْحِ. وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، وَلَا أَرْشَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. يَعْنِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ سَلَامَتَهُ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمَذْهَبِ. وَالْأُولَى: وَجْهٌ فِيهِ، وَتَخْرِيجٌ فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي الَّذِي لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ فَعَنْهُ: لَهُ الْأَرْشُ. وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّهُ. وَخَيَّرَهُ الْخِرَقِيُّ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى.

فَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، الَّتِي ذَكَرَهَا: لَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ.

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِدًا " اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَسَرَ الَّذِي لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ. فَتَارَةً يَكْسِرُهُ كَسْرًا لَا تَبْقَى لَهُ مَعَهُ قِيمَةٌ، وَتَارَةً يَكْسِرُهُ كَسْرًا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ، وَتَارَةً يَكْسِرُهُ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُهُ بِدُونِهِ. فَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا تَبْقَى لَهُ مَعَهُ قِيمَةٌ، فَهُنَا يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُهُ بِدُونِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ " وَرَدِّ مَا نَقَصَهُ " أَنَّهُ يَرُدُّ أَرْشَ الْكَسْرِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ [وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ] وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، [وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى] وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي لَهُ الرَّدُّ بِلَا أَرْشٍ عَلَيْهِ لِكَسْرِهِ. لِأَنَّهُ حَصَلَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَيَّبَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ.

ص: 425

وَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُهُ بِدُونِهِ. فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَيَّبَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَعَمْ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي فِي الَّذِي قَبْلَهُ إذَا رَدَّهُ: هَلْ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْكَسْرِ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الزَّائِدُ عَلَى اسْتِعْلَامِ الْمَبِيعِ؟ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ. انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ رَزِينٍ: حُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي قَبْلَهُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَالْقَاضِي. انْتَهَوْا. قُلْت: يُشْبِهُ مَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا قَالُوا فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ. فَبَاعَهُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَدَّرَهُ. وَقُلْنَا: يَصِحُّ، وَيَضْمَنُ النَّقْصَ. فَإِنْ فِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَا بَيْنَ مَا بَاعَ بِهِ وَثَمَنِ الْمِثْلِ.

وَالثَّانِي: هُوَ مَا بَيْنَ مَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ وَمَا لَا يَتَغَابَنُونَ. عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ.

قَوْلُهُ (وَمَنْ عَلِمَ الْعَيْبَ، ثُمَّ أَخَّرَ الرَّدَّ: لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، مِنْ التَّصَرُّفِ وَنَحْوِهِ) .

اعْلَمْ أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى رَدِّهِ أَوْ أَرْشِهِ. لِتَضَرُّرِ الْبَائِعِ بِالتَّأْخِيرِ.

وَعَنْهُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَقِيلَ عَنْهُ رِوَايَةٌ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. انْتَهَى.

وَقِيلَ: السُّكُوتُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ رِضًا.

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ " إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ التَّصَرُّفِ وَنَحْوِهِ " مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ رِوَايَةٌ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا: أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ. عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ فَعَلَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ ".

ص: 426

وَقَوْلُهُ " مِنْ التَّصَرُّفِ وَنَحْوِهِ " كَاخْتِلَافِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ. لِأَنَّهُ مِلْكُهُ. فَلَهُ أَخْذُهُ.

قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: أَوْ رَكِبَهَا لِسَقْيِهَا أَوْ عَلَفِهَا.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: إنْ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَا لِلِاخْتِبَارِ: بَطَلَ رَدُّهُ بِالْكَثِيرِ، وَإِلَّا فَلَا.

قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله فِي بُطْلَانِ خِيَارِ الشَّرْطِ بِالِاسْتِخْدَامِ رِوَايَتَانِ. فَكَذَا يُخَرَّجُ هُنَا، وَاخْتَارَهُ.

وَقَالَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَذَكَرَ فِي التَّنْبِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَالِاسْتِخْدَامُ وَالرُّكُوبُ لَا يَمْنَعُ أَرْشَ الْعَيْبِ، إذَا ظَهَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ. وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إنَّمَا نَصَّ أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ. فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْأَرْشَ.

وَقِيلَ: رُكُوبُ الدَّابَّةِ لِرَدِّهَا رِضًا. ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله فِي شَرْحِ الْمُحَرَّرِ: لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ سِلْعَةً فَأَصَابَ بِهَا عَيْبًا، وَلَمْ يَخْتَرْ الْفَسْخَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَبْقَيْتهَا لِأَنَّنِي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي الْخِيَارَ: لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَصْلًا فِي الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ، إذَا قَالَتْ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي الْخِيَارَ. وَخَالَفَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمُعْتَقَةِ. وَوَافَقَهُ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. انْتَهَى.

الثَّانِيَةُ:

خِيَارُ الْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ عَلَى التَّرَاخِي. قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.

وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ بَيْعِ الْمَوْصُوفِ، فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. كَذَا الْخِيَارُ لِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي. قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي وَغَيْرِهِمْ.

ص: 427

وَتَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ رحمه الله قَالَ: يُخَيَّرُ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ عَلَى الرَّدِّ أَوْ الْأَرْشِ، إنْ تَضَرَّرَ الْبَائِعُ. فَكَذَا هُنَا

قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أَوْ وَجَدَاهُ مَعِيبًا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا. فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ)

هَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا كَمَا لَوْ وَرِثَا خِيَارَ عَيْبٍ. وَعَنْهُ لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ فِيهِمَا. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ عِنْدِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ. إنْ قُلْنَا هُوَ كَعَقْدَيْنِ: فَلَهُ الرَّدُّ. وَإِلَّا فَلَا وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْبَيْعِ أَنَّهُ كَعَقْدَيْنِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيَأْتِي فِي الشُّفْعَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَقِيَاسُ الْأَوَّلِ: لِلْحَاضِرِ مِنْهُمَا نَقْدُ نِصْفِ ثَمَنِهِ وَقَبْضُ نِصْفِهِ. وَإِنْ نَقَدَهُ كُلَّهُ: قَبَضَ نِصْفَهُ. وَفِي رُجُوعِهِ: الرِّوَايَتَانِ. ذَكَرَهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَغَيْرِهَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ قَالَ: بِعْتُكُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا قَبِلْت جَازَ. وَإِنْ سَلَّمْنَا فَكَمُلَاقَاةِ فِعْلِهِ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَهُنَا لَاقَى فِعْلُهُ مِلْكَ نَفْسِهِ. ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي طَرِيقَتِهِ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: لَوْ اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ شَيْئًا، وَظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ: فَلَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِمَا، وَرَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَإِمْسَاكُ نَصِيبِ الْآخَرِ. لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ جَمِيعَ مَا بَاعَهُ. وَلَمْ يَحْصُلْ بِرَدِّهِ تَشْقِيصٌ. لِأَنَّهُ كَانَ مُشَقَّصًا قَبْلَ الْبَيْعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ. ثُمَّ قَالَ مِنْ عِنْدِهِ: وَإِنْ قُلْنَا هُوَ كَعَقْدَيْنِ: جَازَ وَإِلَّا فَلَا.

ص: 428

الثَّانِيَةُ:

لَوْ وَرِثَ اثْنَانِ خِيَارَ عَيْبٍ، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا: سَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ فِي الرَّدِّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى وَاحِدٌ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً. فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّهُمَا أَوْ إمْسَاكُهُمَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ) وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا. وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ رَدُّ الْبَاقِي بِقِسْطِهِ) هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ. وَعَنْهُ يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: أَنَّ الرَّدَّ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا.

فَعَلَى هَذَا: إنْ قُلْنَا لَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا، فَلَيْسَ رَدُّ الْبَاقِي إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا. انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ قَوْلُهُ، مَعَ يَمِينِهِ)

وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قُبِلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي قِيمَتِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي قِيمَتِهِ.

فَائِدَةٌ:

الصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.

ص: 429

وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَدُّ أَحَدِهِمَا. وَلَهُ الرَّدُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ.

قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَإِنْ بَانَا مَعِيبَيْنِ: رَدَّهُمَا أَوْ أَمْسَكَهُمَا.

وَقِيلَ: هِيَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَهِيَ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا. الْآتِيَةِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ بِقِسْطِهِ) يَعْنِي إذَا أَبَى أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ.

وَقَوْلُهُ " فَلَهُ رَدُّهُ " يَعْنِي لَا يَمْلِكُ إلَّا رَدَّهُ وَحْدَهُ. بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْآتِيَةِ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَزَجِيِّ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ إلَّا رَدُّهُمَا أَوْ إمْسَاكُهُمَا. قَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَالنَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوقِ الزِّرْيَرانِيَّةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ.

وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ، أَوْ رَدُّهُمَا مَعًا. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ.

فَائِدَةٌ:

مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي وِعَاءَيْنِ ذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

تَنْبِيهٌ:

مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يُنْقِصُهُ التَّفْرِيقُ [أَوْ مِمَّا لَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفْرِيقُ] بَيْنَهُمَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُنْقِصُهُ التَّفْرِيقُ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ وَزَوْجَيْ خُفٍّ، وَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا. فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا)

(وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَقِيلَ: لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا) . وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَا مَعِيبَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا.

ص: 430

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا مَعَ أَرْشِ نَقْصِ الْقِيمَةِ بِالتَّفْرِيقِ الْمُبَاحِ.

وَقِيلَ: إنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ الْبَاقِي مَعَ أَرْشِ نَقْصِ قِيمَتِهِ بِالتَّفْرِيقِ. انْتَهَى.

تَنْبِيهٌ:

قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَجَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا " كَذَا وُجِدَ فِي نُسَخٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ. وَزَادَ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِصْلَاحِ " أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا " قَالَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.

قُلْت: وَفِي تَمْثِيلِ الْمُصَنِّفِ كِفَايَةٌ. وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ. وَقَدْ نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ: هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، أَوْ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ رِوَايَتَانِ) .

وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. إحْدَاهُمَا:

يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ. قَالَ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَظْهَرِ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ:

يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. وَهِيَ أَنَصُّهُمَا. وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَجَزَمَ بِهَا فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، أَوْ فِي الذِّمَّةِ. فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْبَائِعِ. فَلَمْ تَثْبُتُ بَرَاءَتُهَا.

ص: 431

وَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ: يَتَحَالَفَانِ كَالْحَلِفِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ. عَلَى مَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فَائِدَةٌ:

إذَا قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي: فَمَعَ يَمِينِهِ، وَيَكُونُ عَلَى الْبَتِّ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ: فَمَعَ يَمِينِهِ، وَهِيَ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ، وَتَكُونُ عَلَى الْبَتِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. عَنْهُ: عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى.

قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ لَا يُحْتَمَلَ إلَّا قَوْلُ أَحَدِهِمَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ.

تَنْبِيهٌ:

مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ. فَإِنْ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ إلَى يَدِ غَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ رَدُّهُ. نَقَلَهُ مُهَنَّا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

فَوَائِدُ

إحْدَاهَا: لَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ. فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ كَوْنَ هَذِهِ سِلْعَتَهُ، وَمُنْكِرٌ اسْتِحْقَاقَ الْفَسْخِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.

الثَّانِيَةُ:

لَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ بِخِيَارِ الشَّرْطِ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ فَسْخِ الْعَقْدِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِهِ. وَهَذَانِ الْفَرْعَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله. وَجَزَمَ بِهِمَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ [الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ] وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قُبَيْلَ بَابِ السَّلَمِ: وَإِنْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعُ الَّذِي قَبَضْته مِنِّي: صُدِّقَ إنْ حَلَفَ. وَاخْتَارَ فِيهَا هَذَا إنْ كَانَ عَيَّنَهُ فِي

ص: 432

الْعَقْدِ. إنْ كَانَ عَيَّنَهُ بَعْدَهُ عَمَّا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ بِالْعَقْدِ: صُدِّقَ الْمُشْتَرِي إنْ حَلَفَ. انْتَهَى.

الثَّالِثَةُ:

لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مُعَيَّنٍ حَالَ الْعَقْدِ. وَقَبَضَهُ الْبَائِعُ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ وَبِهِ عَيْبٌ، وَادَّعَى أَنَّهُ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي كَوْنَهُ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَعَدَمُ وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَى هَذَا الْعَيْبِ.

وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ. ثُمَّ نَقَدَهُ الْمُشْتَرِي، أَوْ قَبَضَهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا كَذَلِكَ، وَلَا بَيِّنَةَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. وَهُوَ الْقَابِضُ مَعَ يَمِينِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الدَّعَاوَى قَوْلُ مَنْ الظَّاهِرُ مَعَهُ، وَالظَّاهِرُ مَعَ الْبَائِعِ. لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ غَيْرَ مَعِيبٍ، فَلَمْ يُغْفَلْ.

قَوْلُهُ (فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ) .

وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوقِ الزِّرْيَرانِيَّةِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْقَبْضِ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ الرَّابِعِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي بَابِ السَّلَمِ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَبْلَ الْقَرْضِ بِفَصْلٍ وَلَوْ قَالَ الْمُسَلِّمُ: هَذَا الَّذِي أَقْبَضْتَنِي وَهُوَ مَعِيبٌ. فَأَنْكَرَ أَنَّهُ هَذَا: قُدِّمَ قَوْلُ الْقَابِضِ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ قَدْ أَقَبَضَ فِي الظَّاهِرِ مَا عَلَيْهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، فِي آخِرِ بَابِ الْقَبْضِ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ يَدِهِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْفُرُوقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةِ: لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ،

ص: 433

فَقَالَ: هَذَا الثَّمَنُ وَقَدْ خَرَجَ مَعِيبًا. وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي: فَفِيهِ طَرِيقَانِ.

أَحَدُهُمَا:

إنْ قُلْنَا النُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَإِنْ قُلْنَا لَا يَتَعَيَّنُ: فَوَجْهَانِ.

أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا. لِأَنَّهُ أَقْبَضَ فِي الظَّاهِرِ مَا عَلَيْهِ.

وَالثَّانِي: قَوْلُ الْقَابِضِ. لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّتِهِ. وَالْأَصْلُ اشْتِغَالُهَا بِهِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ. وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.

الطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ:

إنْ قُلْنَا النُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَجْهًا وَاحِدًا. لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ. وَلَمْ يَثْبُتْ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ. وَإِنْ قُلْنَا تَتَعَيَّنُ: فَوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ. فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ [وَاحِدٍ] مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنَّ الْعَيْبَ حَدَثَ عِنْدَهُ فِي السِّلْعَةِ. أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. لِأَنَّهُ يَدَّعِي سَلَامَةَ الْعَقْدِ. وَالْأَصْلُ، عَدَمُهُ. وَيَدَّعِي عَلَيْهِ الْفَسْخَ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.

وَالثَّانِي: قَوْلُ الْقَابِضِ. لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ التَّسْلِيمَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَجَزَمَ صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ، إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ بِالْعَيْبِ هُوَ الْمَبِيعُ. وَلَمْ يَحْكِيَا خِلَافًا، وَلَا فَصْلًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُعَيَّنًا. نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ الرَّدِّ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الصَّرْفِ. وَفَرَّقَ السَّامِرِيُّ فِي فُرُوقِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ بِعَيْبٍ وَقَعَ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا. فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ، فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي لِمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعَيْبَ أَنَّ مَالَهُ كَانَ مَعِيبًا. أَمَّا إنْ اعْتَرَفَ بِالْعَيْبِ، وَقَدْ فَسَخَ صَاحِبُهُ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا الْمُعَيَّنَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ. صَرَّحَ بِهِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الْمُغْنِي. مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ

ص: 434

قَبِلَ اسْتِحْقَاقَ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْآخَرُ. وَالْأَصْلُ مَعَهُ. وَيَشْهَدُ لَهُ: أَنَّ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ بِالْخِيَارِ. وَقَدْ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الْمَبِيعَ بَعْدَ الْفَسْخِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ: هَلْ هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَقَدْ يَكُونُ مَا أَخَذَهُ أَمَانَةً عِنْدَهُ.

وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْبَائِعِ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ. فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ ثُمَّ أَحْضَرَهَا، فَأَنْكَرَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُقَرُّ بِهَا. فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْقَوَاعِدِ.

الرَّابِعَةُ:

لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ شَيْئًا، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ. فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ، فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَةَ الْعَقْدِ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ.

فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِالْعَيْبِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ. وَظَاهِرُ الشَّرْحِ: الْإِطْلَاقُ.

الْخَامِسَةُ:

لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ. فَقَالَ الْمُشْتَرِي: هِيَ ثَيِّبٌ: أُرِيَتْ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي. وَقَالَ: مَا وَجَدْتهَا بِكْرًا: خُرِّجَ فِيهَا الْوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الْعَيْبِ الْحَادِثِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ.

السَّادِسَةُ:

لَوْ بَاعَ أَمَةً بِعَبْدٍ، ثُمَّ ظَهَرَ بِالْعَبْدِ عَيْبٌ. فَلَهُ الْفَسْخُ، وَأَخْذُ الْأَمَةِ أَوْ قِيمَتِهَا لِعِتْقِ مُشْتَرٍ. وَلَيْسَ لِبَائِعِ الْأَمَةِ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الِاسْتِرْجَاعِ بِالْقَوْلِ. لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا تَامٌّ مُسْتَقَرٌّ. فَلَوْ أَقْدَمَ الْبَائِعُ وَأَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوْ وَطِئَهَا: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَسْخًا، وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ احْتِمَالًا أَنَّ وَطْأَهُ اسْتِرْجَاعٌ. وَرَدَّهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ.

ص: 435

قَوْلُهُ (وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا يَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ) بِلَا نِزَاعٍ (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَهُ الرَّدُّ أَوْ الْأَرْشُ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ الْأَرْشُ) . يَعْنِي: يَتَعَيَّنُ لَهُ الْأَرْشُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ. وَخَرَّجَ مَالِكٌ الْفَسْخَ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ. وَأَخَذَ ثَمَنَهُ الَّذِي وَزَنَهُ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ.

فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْعَبْدِ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي: فَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ. لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَطْعِ دُونَ حَقِيقَتِهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَهَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ رَدَّهُ بِعَيْبِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. قُلْت: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُدُوثِ عَيْبٍ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ قَبْلَ الْبَيْعِ. غَايَتُهُ: أَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا. فَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ حَقَّ الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّدِّ.

قَوْلُهُ (وَالشَّرِكَةُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَيَصِحُّ بِقَوْلِهِ: أَشْرَكْتُك فِي نِصْفِهِ، أَوْ بِثُلُثِهِ) . بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. لَكِنْ لَوْ قَالَ " أَشْرَكْتُك " وَسَكَتَ: صَحَّ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيَنْصَرِفُ إلَى النِّصْفِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ لَقِيَهُ آخَرُ، فَقَالَ: أَشْرِكْنِي عَالِمًا بِشَرِكَةِ الْأَوَّلِ فَلَهُ نِصْفُ نَصِيبِهِ. وَهُوَ الرُّبْعُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ الْبَيْعِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.

فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَأْخُذُ نَصِيبَهُ كُلَّهُ، وَهُوَ النِّصْفُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالْخَمْسِينَ: لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَ السِّلْعَةِ

ص: 436

الْمُشْتَرَكَةِ. هَلْ يَتَنَزَّلُ الْبَيْعُ عَلَى نِصْفٍ مَشَاعٍ. وَإِنَّمَا لَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ الرُّبْعُ، أَوْ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَخُصُّهُ بِمِلْكِهِ. وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَتَنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَخُصُّهُ كُلِّهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: أَشْرَكَتْك فِي نِصْفِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ سِوَى النِّصْفِ. فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ الرُّبْعَ. لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي التَّسَاوِي فِي الْمِلْكَيْنِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ النِّصْفِ حَتَّى يَقُولَ " نَصِيبِي " وَإِنْ أُطْلِقَ تَنَزَّلَ عَلَى الرُّبْعِ. انْتَهَى.

وَقِيلَ: يَأْخُذُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ الرُّبْعُ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.

وَقِيلَ: لَهُ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِ وَنِصْفُ مَا فِي شَرِيكِهِ إنْ أَجَازَ. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ.

وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرِينَ: لِطَالِبِ الشَّرِكَةِ وَهُوَ الْأَخِيرُ مِنْهُمَا الْخِيَارُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ بِوُقُوفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَيُجِيزُهُ الْآخَرُ.

وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ لِاثْنَيْنِ، فَقَالَ لَهُمَا آخَر: أَشْرِكَانِي. فَأَشْرَكَاهُ مَعًا. فَلَهُ الثُّلُث عَلَى الصَّحِيحِ. صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ.

وَقِيلَ: لَهُ النِّصْفُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ أَشْرَكَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا: كَانَ لَهُ النِّصْفُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّبْعُ.

وَإِنْ قَالَ: أَشْرِكَانِي فِيهِ، فَشَرَكَهُ أَحَدُهُمَا. فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَهُ السُّدُسُ. وَعَلَى الثَّانِي: لَهُ الرُّبْعُ.

وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَشْرَكْنَاكَ انْبَنَى عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ. فَإِنْ قُلْنَا بِهِ وَأَجَازَهُ، فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْمَلِكُ فِي ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.

ص: 437

فَائِدَةٌ:

لَوْ اشْتَرَى قَفِيزًا وَقَبَضَ نِصْفَهُ. فَقَالَ لَهُ شَخْصٌ: بِعْنِي نِصْفَ هَذَا الْقَفِيزِ فَبَاعَهُ: انْصَرَفَ إلَى نِصْفِ الْمَقْبُوضِ. وَإِنْ قَالَ: أَشْرِكْنِي فِي هَذَا الْقَفِيزِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، فَفَعَلَ: لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ إلَّا فِيمَا قَبَضَ مِنْهُ. فَيَكُونُ النِّصْفُ الْمَقْبُوضُ بَيْنَهُمَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَنْصَرِفُ إلَى النِّصْفِ كُلِّهِ. فَيَكُونُ بَائِعًا لِمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ. فَيَصِحُّ فِي نِصْفِ الْمَقْبُوضِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ كَمَا قُلْنَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَظَاهِرُ الشَّرْحِ الْإِطْلَاقُ.

قَوْلُهُ (وَالْمُرَابَحَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ بِرِبْحٍ. فَيَقُولُ: رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ. بِعْتُكَهُ بِهَا وَرِبْحَ عَشَرَةٍ، أَوْ عَلَى أَنْ أَرْبَحَ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا) .

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهُوَ قَوْلُهُ: بِعْتُكَهُ بِهَا وَرِبْحَ عَشَرَةٍ لَا يُكْرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا.

وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ أَرْبَحَ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا مَكْرُوهَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ. وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. نَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَنَّهُ كُرِهَ بَيْعُ ده يازده. وَهُوَ هَذَا. وَنَقَلَ أَبُو الصَّقْرِ: هُوَ الرِّبَا. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ. وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ هَاشِمٍ: كَأَنَّهُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ. لَا يَصِحُّ.

وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ. وَذَكَرَهُ رِوَايَةً فِي الْحَاوِي، وَالْفَائِقِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِرِبًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِلَا نِزَاعٍ.

قَوْلُهُ (وَالْمُوَاضَعَةُ: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك بِهَا وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ. فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تِسْعُونَ دِرْهَمًا) .

وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.

ص: 438

وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ تِسْعُونَ دِرْهَمًا وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ. كَمَا لَوْ قَالَ: وَوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ، أَوْ عَنْ كُلِّ عَشَرَةٍ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الشَّارِحُ: وَهَذَا غَلَطٌ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ تِسْعُونَ دِرْهَمًا وَتِسْعَةُ أَعْشَارِ دِرْهَمٍ. وَحَكَاهُ الْأَزَجِيُّ رِوَايَةً. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَهُوَ سَهْوٌ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: مَتَى بَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ: حَطَّ الزِّيَادَةَ. وَيَحُطُّ فِي الْمُرَابَحَةِ قِسْطَهَا، وَيُنْقِصُهُ فِي الْمُوَاضَعَةِ. وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. وَعَنْهُ بَلَى.

الثَّانِيَةُ:

حُكْمُ بَيْعِ الْمُوَاضَعَةِ فِي الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا وَالصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا حُكْمُ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَمَتَى اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْيِيرِهِ بِالثَّمَنِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالرَّدِّ) . هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ.

وَعَنْهُ: يَأْخُذُهُ مُؤَجَّلًا. وَلَا خِيَارَ لَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: إذَا اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ. فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مُؤَجَّلًا، عَلَى الصَّحِيحِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَعَنْهُ: يَأْخُذُهُ حَالًّا أَوْ يَفْسَخُ. وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا.

ص: 439

فَوَائِدُ

الْأُولَى: لَوْ عَلِمَ تَأْجِيلَ الثَّمَنِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ: حَبَسَ الثَّمَنَ بِقَدْرِ الْأَجَلِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.

الثَّانِيَةُ:

لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ غَلَطًا، أَنَّ الثَّمَنَ أَكْثَرُ مِمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ: لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ.

وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا مَعَ يَمِينِهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُحَرَّرِ وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَقَالَ ابْنُ رَزِينِ فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ. وَعَنْهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ، وَإِلَّا فَلَا. وَعَنْهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً حَتَّى يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي. وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالْأَخِيرَتَيْنِ فِي الْكَافِي.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ وَقُلْنَا: لَا يُقْبَلُ فَادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَلَطٌ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: الصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ. لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي.

قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَأَطْلَقَهُمَا الزَّرْكَشِيُّ.

الثَّالِثَةُ:

لَوْ بَاعَهَا بِدُونِ ثَمَنِهَا عَالِمًا: لَزِمَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَخَرَّجَهَا الْأَزَجِيُّ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا.

ص: 440

قَوْلُهُ (أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ حِيلَةً) . مِثْلُ: أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غُلَامٍ دُكَّانَهُ لِحُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ: لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يَتَبَيَّنَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً، فَقَالَ الْقَاضِي: إذَا بَاعَ غُلَامٌ دُكَّانَهُ سِلْعَةً، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ: لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ. لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي حَقِّهِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَظَاهِرُ الْفَائِقِ: إطْلَاقُ الْخِلَافِ.

قَوْلُهُ (أَوْ بَاعَ بَعْضَ الصَّفْقَةِ بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي تَخْيِيرِهِ بِالثَّمَنِ. فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ) .

هَذَا الْمَذْهَبُ. سَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ كُلُّهَا لَهُ أَوْ الْبَعْضُ الْمَبِيعُ، إذَا كَانَ الْجَمِيعُ صَفْقَةً وَاحِدَةً. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ يَجُوزُ بَيْعُ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً مُطْلَقًا مِنْ اللَّذَيْنِ اشْتَرَيَاهُ وَاقْتَسَمَاهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَعَنْهُ عَكْسُهُ.

تَنْبِيهٌ:

مَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ الَّتِي لَا يَنْقَسِمُ. عَلَيْهَا الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا.

فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْمُتَمَاثِلَاتِ الَّتِي يَنْقَسِمُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا الْمُتَسَاوِي. فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ مُرَابَحَةً بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

قَوْلُهُ (وَمَا يُزَادُ فِي الثَّمَنِ أَوْ يُحَطُّ مِنْهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) . يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ، وَيُخْبِرُ بِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي فَلَا يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ،

ص: 441

كَمَا بَعْدَ اللُّزُومِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي الْفُرُوعِ بِانْتِقَالٍ وَلَا بِعَدَمِهِ. [وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ زَادَ فِي الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ] .

فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا:

قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتِهِ: مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ زَادَ أَجَلًا أَوْ خِيَارًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ [وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ] . الثَّانِيَةُ:

قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَلَوْ حَطَّ كُلَّ الثَّمَنِ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ، أَوْ يَصِحُّ، أَوْ يَكُونُ هِبَةً؟ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا. قُلْت: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هِبَةً.

قَوْلُهُ (أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِعَيْبٍ: يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ) . أَيْ يُحَطُّ مِنْهُ، وَيُخْبِرُ بِالْبَاقِي. هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّاب. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْهَادِي، وَالْمُصَنِّفُ هُنَا.

وَقَالَ الْقَاضِي: يُخْبَرُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي. وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَصْطَلَحْنَاهُ. لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ (أَوْ يُؤْخَذُ أَرْشًا لِجِنَايَةٍ عَلَيْهِ يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ) .

يَعْنِي يُحَطُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيُخْبِرُ بِالْبَاقِي. وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْهَادِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْخُلَاصَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي:

يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. قَالَهُ الشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَانْتَصَرَ لَهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْمُنَوِّرِ.

ص: 442

قُلْت: وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ. وَقِيلَ: لَا يُحَطُّ هَاهُنَا مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا.

فَوَائِدُ الْأُولَى:

لَوْ أَخَذَ نَمَاءَ مَا اشْتَرَاهُ. أَوْ اسْتَخْدَمَهُ، أَوْ وَطِئَهُ لَمْ: يَجِبْ بَيَانُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَفِيهِ رِوَايَةٌ كَنَقْصِهِ.

الثَّانِيَةُ:

لَوْ رَخُصَتْ السِّلْعَةُ عَنْ قَدْرِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِخْبَارُ بِالْحَالِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا. قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ. فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ لَمْ يَرْضَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ. فَفِيهِ نَوْعُ تَغْرِيرٍ. ثُمَّ وَجَدْت فِي الْكَافِي قَالَ: الْأَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ. الثَّالِثَةُ:

لَوْ اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ لِرَغْبَةٍ تَخُصُّهُ، كَحَاجَتِهِ إلَى إرْضَاعٍ: لَزِمَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْحَالِ، وَيَصِيرُ كَالشِّرَاءِ بِثَمَنٍ غَالٍ لِأَجْلِ الْمَوْسِمِ الَّذِي كَانَ حَالَ الشِّرَاءِ. ذَكَرَهُ الْفُنُونُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ.

قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ (أَوْ زِيدَ فِي الثَّمَنِ أَوْ حُطَّ مِنْهُ، بَعْدَ لُزُومِهِ: لَمْ يُلْحَقْ بِهِ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَنْهُ: يُلْحَقُ بِهِ. وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ. وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ آخِرَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ.

فَائِدَةٌ:

هِبَةُ مُشْتَرٍ لِوَكِيلٍ بَاعَهُ كَزِيَادَةٍ، وَمِثْلُهُ عَكْسُهُ.

ص: 443

قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ وَقَصَّرَهُ بِعَشَرَةٍ: أَخْبَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِنْ قَالَ: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِعِشْرِينَ. فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِيَيْنِ.

أَحَدُهُمَا:

لَا يَجُوزُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَنَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.

قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ: لَا يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي:

يَجُوزُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْهِدَايَةِ.

فَائِدَةٌ:

مِثْلُ ذَلِكَ حُكْمًا وَخِلَافًا وَمَذْهَبًا أُجْرَةُ كَيْلِهِ، وَوَزْنِهِ، وَمَتَاعِهِ، وَحَمْلِهِ وَخِيَاطَتِهِ.

قَالَ الْأَزَجِيُّ: وَعَلَفُ الدَّابَّةِ. وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ: لَا. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا بَيَّنَ فَلَا بَأْسَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْته بِعَشَرَةٍ جَازَ) . اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: يُحَطُّ الرِّبْحُ مِنْ الثَّمَنِ الثَّانِي، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. قُلْت: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَعَلَّ مُرَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله: اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ. لَا أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ.

تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ:

إذَا بَقِيَ شَيْءٌ بَعْدَ حَطِّ الرِّبْحِ. أَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ. فَإِنَّهُ يُخْبِرُ بِالْحَالِ، قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَهُمْ.

ص: 444

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ نِصْفَ سِلْعَةٍ بِعَشَرَةٍ، وَاشْتَرَى آخَرُ نِصْفَهَا بِعِشْرِينَ ثُمَّ بَاعَاهَا مُسَاوَمَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ فِي الْحَاوِي: رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ: إجْمَاعًا. وَخَرَّجَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا. كَشَرِكَةِ الِاخْتِلَاطِ. وَإِنْ بَاعَاهَا مُرَابَحَةً، أَوْ مُوَاضَعَةً، أَوْ تَوْلِيَةً: فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَعَنْهُ: الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا. نَقَلَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَأَنْكَرَهَا الْمُصَنِّفُ. لَكِنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ وَحَنْبَلٌ: عَلَى رَأْسِ مَالِهِمَا. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي. وَقَالَ وَقِيلَ: الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: وَجْهٌ خَرَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ. انْتَهَى.

وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ رَأْسُ مَالِهِ، وَالرِّبْحُ نِصْفَانِ.

الثَّانِيَةُ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْمُسَاوَمَةُ عِنْدِي أَسْهَلُ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ.

قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَذَلِكَ لِضِيقِ الْمُرَابَحَةِ عَلَى الْبَائِعِ. لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ النَّقْدِ وَالْوَزْنِ وَتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَمِمَّنْ اشْتَرَاهُ. وَيَلْزَمُهُ الْمُؤْنَةُ وَالرَّقْمُ، وَالْقِصَارَةُ وَالسَّمْسَرَةُ وَالْحَمْلُ، وَلَا يَغُرَّ فِيهِ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُزِيدَ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا بَيَّنَهُ لَهُ، لِيَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِكُلِّ مَا يَعْلَمُهُ الْبَائِعُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُسَاوَمَةُ. انْتَهَى. قُلْت: أَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ: فَهُوَ أَوْلَى لِلْمُشْتَرِي وَأَسْهَلُ.

قَوْلُهُ (وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا) .

ص: 445

هَذَا الْمَذْهَبُ: وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ صُورَةً. وَكَذَا حُكْمُ السَّمَاعِ لِبَيِّنَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: وَلَا تُسْمَعُ إلَّا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي بِاتِّفَاقِنَا. انْتَهَى. وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ. ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ: الْمَنْصُوصُ، كَاخْتِلَافِهِمَا بِحَدِّ قَبْضِهِ وَفَسْخِ الْعَقْدِ فِي الْمَنْصُوصِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً مَذْهَبًا فَهِيَ ظَاهِرَةٌ دَلِيلًا. وَذَكَرَ دَلِيلَهَا وَمَالَ إلَيْهَا. وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ. قِيلَ: فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً؟ قَالَ: كَذَلِكَ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَنْهُ: إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ تَحَالَفَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ.

قَوْلُهُ (فَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْبَائِعِ. فَيَحْلِفُ: مَا بِعْته بِكَذَا، وَإِنَّمَا بِعْته بِكَذَا. ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيْته بِكَذَا، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْته بِكَذَا) . اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَذْكُرُ فِي يَمِينِهِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا وَيَبْدَأُ بِالنَّفْيِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ.

وَعَنْهُ: يُبْدَأُ بِالْإِثْبَاتِ. وَذَكَرَهَا الزَّرْكَشِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا. وَذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا. فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْته بِكَذَا لَا بِكَذَا. وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته بِكَذَا لَا بِكَذَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ يَذْكُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إثْبَاتًا وَنَفْيًا. فَظَاهِرُهُ: أَنَّ خِلَافَ الْأَشْهَرِ: الِاكْتِفَاءُ بِأَحَدِهِمَا أَعْنِي الْإِثْبَاتَ أَوْ النَّفْيَ. وَقَدْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: حَلَفَ الْبَائِعُ: مَا بَاعَهُ إلَّا بِكَذَا، ثُمَّ الْمُشْتَرِي: أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ إلَّا بِكَذَا.

ص: 446

قَوْلُهُ (فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا لَزِمَهُ مَا قَالَ صَاحِبُهُ) . وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: لَوْ نَكَلَ مُشْتَرٍ عَنْ إثْبَاتٍ: قُضِيَ عَلَيْهِ. [قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَإِنْ نَكَلَ الْمُشْتَرِي عَنْ الْإِثْبَاتِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِتَخْيِيرِ الْبَائِعِ] . قَوْلُهُ (وَإِنْ تَحَالَفَا فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ صَاحِبِهِ: أُقِرَّ الْعَقْدُ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ) . هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَقِفُ الْفَسْخُ عَلَى الْحَاكِمِ. وَهُوَ احْتِمَالٌ لِأَبِي الْخَطَّابِ. وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ

تَنْبِيهٌ:

ظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ " أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَكَذَا لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ لَوْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ إعْطَائِهِ بِمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي، وَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَخْذِ بِمَا قَالَهُ الْبَائِعُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَعَنْهُ يَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ إبَائِهِمَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا) . وَهُوَ كَالصَّرِيحِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ مَعَ تَلَفِ السِّلْعَةِ. وَقَدْ دَخَلَ ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ " وَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا " وَهَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ التَّحَالُفُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَوْلَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيُّ، وَتَذْكِرَةِ

ص: 447

ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَالْمُنَوِّرِ. وَنَصَرَهُ فِي الْمُغْنِي. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ. وَعَنْهُ لَا يَتَحَالَفَانِ إنْ كَانَتْ تَالِفَةً. وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَنَصُّهُمَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ التَّحَالُفُ وَلَا الْفَسْخُ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي. وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِهِ الرُّجُوعُ إلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَلَا فَائِدَةَ لِلْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ. فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُشْرَعَ الْيَمِينُ وَلَا الْفَسْخُ. لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشْرَعَ لِتَحْصِيلِ الْفَائِدَةِ لِلْمُشْتَرِي. انْتَهَيَا.

تَنْبِيهَانِ

أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ " رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا " هَكَذَا قَالَ الْخِرَقِيُّ وَشُرَّاحُهُ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْحَابِ.

وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ثُمَّ يَرُدُّ عَيْنَ الْمَبِيعِ عِنْدَ التَّفَاسُخِ، إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، وَإِلَّا فَمِثْلَهَا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا.

فَاعْتُبِرَ الْمِثْلِيَّةُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً فَالْقِيمَةُ وَالْجَمَاعَةُ أَوْجَبُوا الْقِيمَةَ وَأَطْلَقُوا.

الثَّانِي:

قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى " رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا. وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ التَّالِفِ " نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ. فِي قَدْرِهِ وَصِفَتِهِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ".

ص: 448

فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي صِفَةِ الْعَيْنِ أَوْ الْعَيْبِ. أَمَّا صِفَةُ الْعَيْنِ: فَلَا خِلَافَ فِيهَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَتْ الصُّفَّةُ عَيْبًا، كَالْبَرَصِ وَالْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي نَفْيِ ذَلِكَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَإِلَّا رَجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ. فَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ، وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الْقِيمَةَ. فَإِنْ تَسَاوَيَا وَكَانَا مِنْ جِنْسٍ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا، عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِلَّا سَقَطَ الْأَقَلُّ وَمِثْلُهُ مِنْ الْأَكْثَرِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ.

وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّ الْقِيمَةَ إذَا زَادَتْ عَنْ الثَّمَنِ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الزِّيَادَةُ. لِأَنَّهُ قَالَ: الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ دَفْعِ الثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، وَبَيْنَ دَفْعِ الْقِيمَةِ. لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَدَّعِي الزِّيَادَةَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَكَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ كَكَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَسْخِ، بَلْ هَذَا التَّخْيِيرُ مُصَرِّحٌ بِهِ بِأَنَّهُ بَعْدَ التَّحَالُفِ. وَلَيْسَ إذْ ذَاكَ فَسْخٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُخَيَّرُ عَلَى الْمَشْهُورِ.

وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ مُنَجَّا بَحْثٌ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ يَعْنِي جَدَّهُ أَبَا الْمَعَالِيَ صَاحِبَ الْخُلَاصَةِ فَإِنَّهُ حَكَى [عَنْهُ] بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: وُجُوبُ الزِّيَادَةِ أَظْهَرُ. لِأَنَّ بِالْفَسْخِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الثَّمَنِ.

وَبَحَثَ ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله أَيْضًا. فَقَالَ: يَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَجِبَ قِيمَتُهُ، إلَّا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ. أَمَّا إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ: فَهُوَ قَدْ رَضِيَ بِالثَّمَنِ فَلَا يُعْطَى زِيَادَةً. لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا.

ص: 449

وَمِثْلُ هَذَا فِي الصَّدَاقِ وَلَا فَرْقَ، إلَّا أَنَّ هُنَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْمُسَمَّى، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ. فَإِنَّ الْمُقْتَضِيَ لِاسْتِحْقَاقِهِ قَائِمٌ. انْتَهَى.

قَوْلُهُ (وَمَتَى فَسَخَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ، ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا. وَإِنْ فَسَخَ الظَّالِمُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا. وَعَلَيْهِ إثْمُ الْغَاصِبِ) .

قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي: وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ إنْ فَسَخَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا: انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَإِنْ فَسَخَهُ الْكَاذِبُ عَالِمًا بِكَذِبِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. فَوَافَقَ اخْتِيَارُهُ فِي الْمُغْنِي مَا جَزَمَ بِهِ هُنَا. وَوَافَقَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. فَقَالَ: وَيَنْفَسِخُ ظَاهِرًا فَقَطْ، لِفَسْخِ أَحَدِهِمَا ظُلْمًا، وَمُطْلَقًا لِفَسْخِ الْمَظْلُومِ. وَقَدَّمَهُ النَّاظِمُ فَقَالَ:

وَإِنْ فَسَخَ الْمَظْلُومُ يُفْسَخُ مُطْلَقًا

وَيَنْفُذُ فَسْخُ الْمُعْتَدِي ظَاهِرًا قَدْ

ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ. وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَإِذَا فَسَخَ الْعَقْدَ انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مُطْلَقًا. وَيَنْفُذُ فَسْخُ الْمُعْتَدِي. فَأَدْخَلَ الظَّالِمَ وَالْمَظْلُومَ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. ثُمَّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: مَعَ ظُلْمِ الْبَائِعِ وَفَسْخِهِ يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا. وَقِيلَ: وَبَاطِنًا فِي حَقِّ الْمَظْلُومِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَمَعَ ظُلْمِ الْبَائِعِ وَفَسْخِهِ يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا. وَقِيلَ: وَبَاطِنًا. وَمَعَ ظُلْمِ الْمُشْتَرِي وَفَسْخِهِ يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. فَيُبَاعُ لِلْبَائِعِ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْمَبِيعِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفَسِخُ بَاطِنًا. وَمَعَ فَسْخِ الْمَظْلُومِ مِنْهُمَا يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: فَإِنْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ. فَقَالَ شَيْخُنَا: يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. فَيُبَاحُ لِلْبَائِعِ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْمَبِيعِ.

ص: 450

وَعِنْدِي: إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا انْفَسَخَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ. لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إمْضَاءُ الْعَقْدِ، وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ. فَإِذَا فَسَخَ فَقَدْ تَعَدَّى. فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ. لِأَنَّهُ غَاصِبٌ.

وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الظَّالِمُ: انْفَسَخَ الْعَقْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِإِمْضَاءِ الْعَقْدِ. فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي. انْتَهَى.

وَتَابَعَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالشَّرْحِ. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَيَنْفَسِخُ فِي الْبَاطِنِ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْبَاطِنِ.

وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْبُلْغَةِ: وَمَتَى وَقَعَ الْفَسْخُ انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي حَقِّهِمَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا أَنْفَسَخَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ. إلَّا أَنَّهُمَا أَطْلَقَا. وَقَيَّدَ هُوَ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ، عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ، سَوَاءٌ كَانَ الظَّالِمُ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ. وَلَمْ أَجِدْ نَقْلًا صَرِيحًا يُوَافِقُ ذَلِكَ، وَلَا دَلِيلًا يَقْتَضِيهِ. بَلْ الْمَنْقُولُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَذَكَرَ كَلَامَ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ. انْتَهَى. وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ. فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَ فِيهَا مَنْقُولٌ صَرِيحٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله حَتَّى يُخَالِفَهُ. بَلْ الْمَنْقُولُ فِيهَا عَنْ الْأَصْحَابِ. وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهِمْ. وَقَدْ اخْتَارَ مَا قَطَعَ بِهِ هُنَا فِي الْمُغْنِي. فَقَالَ: وَيَقْوَى عِنْدِي ذَلِكَ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ. وَذَكَرَهُ قَوْلًا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ " وَلَا وَجَدْت دَلِيلًا يَقْتَضِيهِ " غَيْرُ مُسَلَّمٍ. فَإِنَّ فَسْخَ الْمَظْلُومِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ظَاهِرُ الدَّلِيلِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا فَسْخُ الظَّالِمِ لِلْعَقْدِ: فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَسْخُ. فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

ص: 451

وَهَذِهِ عَادَةُ ابْنِ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ مَعَ الْمُصَنِّفِ، إذَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَنْقُولٍ بِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ. فَإِنَّ الِاعْتِذَارَ عَنْهُ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ. وَالْمُصَنِّفُ إمَامٌ جَلِيلٌ، لَهُ اخْتِيَارٌ وَاطِّلَاعٌ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ.

إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مُطْلَقًا. كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْخُلَاصَةِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.

وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا انْفَسَخَ فِي حَقِّهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ظَالِمًا انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ، وَالْبُلْغَةِ. وَاخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ قَوْلٌ ثَالِثٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ تَحَالَفَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ. فَيُرْجَعُ إلَيْهِ) .

إذَا كَانَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ: أُخِذَ بِهِ. نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: أُخِذَ بِالْغَالِبِ. وَعَنْهُ الْوَسَطُ. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَعَنْهُ الْأَقَلُّ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَيَتَحَالَفَانِ.

وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى أَغْلَبِ نُقُودِ الْبَلَدِ. فَإِنْ تَسَاوَتْ فَأَوْسَطُهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَحَالَفَانِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: أُخِذَ نَقْدُ الْبَلَدِ أَوْ غَالِبُهُ إنْ تَعَدَّدَتْ نُقُودُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ اسْتَوَتْ فَالْوَسَطُ. وَمِنْ قَبْلُ قَوْلُهُ: حَلَفَ. وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ.

زَادَ فِي الْكُبْرَى وَقِيلَ: إنْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِرْهَمٍ وَأَطْلَقَ، وَهُنَاكَ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ. فَلَهُ أَقَلُّ ذَلِكَ.

ص: 452

فَظَاهِرُهُ: جَوَازُ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ وَلِلْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَلَهُ أَدْنَاهَا. لِأَنَّهُ الْيَقِينُ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ: فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ رُجِعَ إلَى أَوْسَطِهَا.

وَقَالَ شَيْخُنَا: يَتَحَالَفَانِ. وَكَذَا. قَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ رُجِعَ إلَى أَوْسَطِهَا. نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.

قَالَا: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا كَانَ هُوَ الْأَغْلَبُ، وَالْمُعَامَلَةُ بِهِ أَكْثَرُ. لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْمُعَامَلَةِ بِهِ. أَشْبَهُ مَا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَدَّهُمَا إلَيْهِ مَعَ التَّسَاوِي. لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِّ وَتَوَسُّطًا بَيْنَهُمَا. وَفِي الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهِ مَيْلٌ عَلَى أَحَدِهِمَا. فَكَانَ التَّوَسُّطُ أَوْلَى. وَعَلَى مُدَّعِي ذَلِكَ الثَّمَنُ. انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ نُقُودٌ رُجِعَ إلَى أَوْسَطِهَا، تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا. وَيَحْلِفُ مُدَّعِيهِ. فَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً تَحَالَفَا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: أُخِذَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ. وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ. فَهَلْ يُرْجَعُ إلَى الْوَسَطِ أَوْ يَتَحَالَفَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ رُجِعَ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ وَغَالِبِهِ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ تَسَاوَتْ نُقُودُهُ. فَهَلْ يُرْجَعُ إلَى الْوَسَطِ، أَوْ يَتَحَالَفَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: وَيَلْزَمُ نَقْدُ الْبَلَدِ، أَوْ غَالِبُهُ، أَوْ أَحَدُ الْمُتَسَاوِيَةِ أَوْ وَسَطُ الْمُتَقَارِبَةِ بِحَلِفِهِمَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ.

إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: فَالْمُصَنِّفُ رحمه الله هُنَا قَطَعَ التَّحَالُفِ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ.

ص: 453

وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُمَا لَا يَتَحَالَفَانِ، لَكِنْ هَلْ يُؤْخَذُ الْغَالِبُ؟ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْفَائِقِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ.

قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ. نَصَّ عَلَيْهِ. أَوْ يُؤْخَذُ الْوَسَطُ؟ اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ. أَوْ يُؤْخَذُ الْأَقَلُّ؟ فِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.

وَالثَّالِثَةُ:

قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى رِوَايَةِ الْوَسَطِ. وَلَنَا قَوْلٌ رَابِعٌ بِالتَّحَالُفِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إنْ تَسَاوَتْ النُّقُودُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا غَالِبٌ. فَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَالْمُنَوِّرِ: أُخِذَ الْوَسَطُ. لَكِنْ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْفَائِقِ: هَلْ يُؤْخَذُ الْوَسَطُ، أَوْ يَتَحَالَفَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَالْوَسَطُ الَّذِي فِي الْفُرُوعِ، غَيْرُ الْمُوَسَّطِ الَّذِي فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ، أَوْ شَرْطٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) . هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي أَجَلًا أَوْ شَرْطًا، عَلَى الْأَظْهَرِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ وَالْمُنَوِّرِ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهَادِي.

ص: 454

وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ. جَزَمَ بِهِ فِي تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَنِهَايَتِهِ، وَنَظْمِهَا، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.

تَنْبِيهٌ: مِثْلُ ذَلِكَ خِلَافًا وَمَذْهَبًا إذَا اخْتَلَفَا فِي رَهْنٍ، أَوْ فِي ضَمِينٍ، أَوْ فِي قَدْرِ الْأَجَلِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْمَبِيعِ.

قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فَاسِدًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) . فَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ يُبْطِلُ الْعَقْدَ أَوْ لَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ [وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ] وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ. وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَإِنْ كَانَ يُبْطِلُ الْعَقْدَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى عَبْدٍ عَدَمَ الْإِذْنِ، وَدَعْوَى أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا حَالَةَ الْعَقْدِ.

وَفِيمَنْ يَدَّعِي الصِّغَرَ وَجْهٌ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ. لِأَنَّهُ الْأَصْلُ [وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا إذَا أَقَرَّ وَقَالَ لَمْ أَكُنْ بَالِغًا] .

وَقَطَعَ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ: أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الصِّغَرَ أَوْ السَّفَهَ حَالَةَ الْبَيْعِ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ.

وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي مُدِّ عَجْوَةٍ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ: قُبِلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مُدَّعِي فَسَادِهِ.

ص: 455

وَيَأْتِي نَظِيرُ ذَلِكَ فِي الضَّمَانِ وَكِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا إذَا ضَمِنَ أَوْ أَقَرَّ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا حَالَةَ الضَّمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: بِعْتنِي هَذَيْنِ. فَقَالَ بَلْ أَحَدَهُمَا) يَعْنِي بِثَمَنٍ وَاحِدٍ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ) .

هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالْهَادِي، وَالْوَجِيزِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ.

وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً، وَصَحَّحَهَا. وَقَدَّمَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَغَيْرِهَا.

قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا أَقْيَسُ وَأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا أَقْيَسُ.

قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي بَابِ الْمُزَارَعَةِ، وَبَابِ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ تَحَالَفَا. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي التَّلْخِيصِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ: بِعْتنِي هَذَا، فَقَالَ: بَلْ هَذَا. حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَهُ. وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) .

هَذَا إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَفِي الْهَادِي، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالشَّرْحِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالْفَائِقِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ.

وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: حُكْمُ الَّتِي قَبْلَهَا. وَهِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ. وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ. وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَأَطْلَقَ الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْفُرُوعِ.

ص: 456

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: إذَا قُلْنَا: يَتَحَالَفَانِ، وَتَحَالَفَا. فَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ مَعِيبًا بِيَدِ الْمُشْتَرِي، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْبَائِعِ. وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ طَلَبُهُ إذَا بَذَلَ لَهُ ثَمَنَهُ، لِاعْتِرَافِهِ بِبَيْعِهِ. وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ ثَمَنَهُ فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُهُ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ.

وَقَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ: لَا يَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ.

وَأَمَّا إذَا كَانَ بِيَدِ الْبَائِعِ: فَإِنَّهُ يَقِرُّ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي طَلَبُهُ. وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ، قَوْلًا وَاحِدًا.

وَإِنْ أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي شِرَاءَ الْأَمَةِ: لَمْ يَطَأْهَا الْبَائِعُ. لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِبَيْعِهَا. نَقَلَ جَعْفَرٌ: هِيَ مِلْكٌ لِذَاكَ، أَيْ الْمُشْتَرِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِجُحُودِهِ. وَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ خِلَافُ خُرُوجِهِ فِي النِّهَايَةِ مِنْ الطَّلَاقِ.

الثَّانِيَةُ: لَوْ ادَّعَى، الْبَيْعَ وَدَفْعَ الثَّمَنِ، فَقَالَ: بَلْ زَوَّجْتُك وَقَبَضْت الْمَهْرَ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى إبَاحَةِ الْفَرْجِ لَهُ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى النِّكَاحِ بِيَمِينِهِ.

وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلًا: تُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْبَيْعَ بِيَمِينِهِ.

وَيَأْتِي عَكْسُهَا فِي أَوَائِلِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ.

ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ " بَابِ مَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغَيِّرُهُ ".

وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ فِي " فَصْلٍ، السَّابِعُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ ".

قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ. وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ، وَالثَّمَنُ عَيْنٌ: جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ إلَيْهِمَا) .

وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَالْقَوَاعِدِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ.

ص: 457

وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسَلِّمُ الْمَبِيعَ أَوَّلًا ثُمَّ الثَّمَنَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.

وَقِيلَ: بَلْ يُسَلِّمُ إلَيْهِمَا مَعًا. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.

وَقِيلَ: أَيُّهُمَا يَلْزَمُهُ الْبُدَاءَةُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

فَائِدَةٌ:

مَنْ قَدَرَ مِنْهُمَا عَلَى التَّسْلِيمِ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ: ضَمِنَهُ كَغَاصِبٍ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ دَيْنًا) يَعْنِي فِي الذِّمَّةِ حَالًّا (أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى التَّسْلِيمِ. ثُمَّ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ حَاضِرًا) يَعْنِي فِي الْمَجْلِسِ.

وَهَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.

وَقِيلَ: لَهُ حَبْسُهُ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ الْحَالَّ. كَمَا لَوْ خَافَ فَوَاتَهُ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَاخْتَارَهُ فِي الِانْتِصَارِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْقَوَاعِدِ.

فَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ: لَوْ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي: لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِرْجَاعَهُ، وَلَا مَنْعَ الْمُشْتَرِي مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ.

قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ الْقَرِيبِ.

فَائِدَةٌ:

لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا: لَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الْمُطَالَبَةَ بِالنَّقْدِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْإِجَارَاتِ مِنْ خِلَافِهِ. وَصَرَّحَ بِهِ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ

وَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بِدُونِ إذْنٍ صَرِيحٍ مِنْ الْبَائِعِ. نَصَّ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ غَائِبًا بَعِيدًا، أَوْ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا. فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْفُرُوعِ.

وَقِيلَ: لَهُ الْفَسْخُ مَعَ إعْسَارِهِ فَقَطْ، أَوْ يَصْبِرُ مَعَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.

ص: 458

قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُبَاعَ الْمَبِيعُ. وَقِيلَ: وَغَيْرُهُ مِنْ مَالِهِ، فِي وَفَاءِ ثَمَنِهِ إذَا تَعَذَّرَ لِإِعْسَارٍ أَوْ بُعْدٍ.

تَنْبِيهٌ:

قَدْ يُقَالُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ " الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ كُلِّهِ أَوْ بِبَعْضِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ.

قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.

وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا بِهِ كُلِّهِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَائِدَةٌ:

لَوْ أَحْضَرَ نِصْفَ الثَّمَنِ، فَهَلْ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ كُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ؟ أَوْ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا حَتَّى يَزْنِ الْبَاقِيَ، أَوْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ؟ . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَقِيلَ: نَقْدُ بَعْضِ الثَّمَنِ لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ. انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ أَحْضَرَ نِصْفَ ثَمَنِهِ. فَقِيلَ: يَأْخُذُ الْمَبِيعَ. وَقِيلَ: نِصْفَهُ. وَقِيلَ: لَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ مَعَ خِيَارِ شَرْطٍ. انْتَهَى. قُلْت: أَمَّا أَخْذُ الْمَبِيعِ كُلِّهِ: فَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْبَائِعِ. وَكَذَا أَخْذُ نِصْفِهِ، لِلتَّشْقِيصِ. فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ الْمَبِيعِ حَتَّى يَأْتِيَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمِثْلُهُ الْمُؤَجِّرُ بِالنَّقْدِ فِي الْحَالِّ.

تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَالْمُشْتَرِي مُعْسِرًا " أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسِرًا مُمَاطِلًا لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ [وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْحَالِّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ. فَإِنَّهُ قَالَ: لَهُ الْفَسْخُ] .

قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ: حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مَالِهِ كُلِّهِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ) .

هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: لَهُ الْفَسْخُ.

ص: 459

قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ قَرِيبًا: اُحْتُمِلَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ) .

وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي نِهَايَتِهِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهَادِي.

(وَاحْتُمِلَ أَنْ يُحْجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي) مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ. وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّا، وَالْهِدَايَةِ، وَالْخُلَاصَةِ. فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يُحْبَسُ عَنْ الْمُشْتَرِي. نُصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.

وَقِيلَ: يَحْبِسُهُ إلَى أَجَلِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْوَجِيزِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الشَّيْخُ. يَعْنِي: بِهِ الْمُصَنِّفَ.

الثَّانِيَةُ: مِثْلُ الْبَائِعِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُؤَجِّرُ بِالنَّقْدِ فِي الْحَالِّ. قَالَهُ فِي الْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمَا.

تَنْبِيهَاتٌ

الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَمَنْ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) . أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مَطْعُومًا أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَعَنْهُ مَحِلُّ ذَلِكَ: إذَا كَانَ مَطْمُوعًا مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا.

وَعَنْهُ مَحَلُّ ذَلِكَ: فِي الْمَطْعُومِ، سَوَاءٌ كَانَ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ لَا.

الثَّانِي: أَنَاطَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله الْأَحْكَامَ بِمَا يُكَالُ، وَيُوزَنُ، لَا بِمَا يُبَاعُ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ. فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ " وَمَنْ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا " الصُّبْرَةُ. وَهُوَ

ص: 460

إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ. وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ [وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ] .

وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْحُكْمَ مَنُوطٌ بِذَلِكَ إذَا بِيعَ بِالْكَيْلِ، أَوْ الْوَزْنِ لَا بِمَا بِيعَ مِنْ ذَلِكَ جُزَافًا. كَالصُّبْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَصَاحِبِ الْفُرُوعِ. وَقَالَ: هَذَا الْمَذْهَبُ

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَشْهَرُ. وَهِيَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ " وَعَنْهُ فِي الصُّبْرَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي " وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ.

الثَّالِثُ: فِي اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ: إشْعَارٌ بِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَيْسَ مِثْلَهُمَا فِي الْحُكْمِ وَلَوْ كَانَ مَعْدُودًا، أَوْ مَذْرُوعًا. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي: قَوْلِهِ {وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ} وَهُوَ وَجْهٌ. قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَعْدُودَ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَطَعَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ.

وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْمَذْرُوعَ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَغَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ (لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ) .

هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

وَعَنْهُ: يَجُوزُ بَيْعُهُ لِبَائِعِهِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله. وَجَوَّزَ التَّوْلِيَةَ فِيهِ. وَالشَّرِكَةَ. وَخَرَّجَهُ مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ.

وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.

ص: 461

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ " أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ. وَلَكِنْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ ابْنُ مُشَيْشٍ وَغَيْرُهُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله إجْمَاعًا.

وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ رِوَايَةً: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ. ذَكَرَهَا فِي مَسْأَلَةِ نَقْلِ الْمَلِكِ زَمَنَ الْخِيَارِ.

وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مِلْكُ الْبَائِعِ قَائِمٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْمُشْتَرِي.

فَائِدَتَانِ

أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِالْعَقْدِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.

وَقِيلَ فِي قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَرِطْلٍ مِنْ زُبْرَةٍ: لَا يَلْزَمُ إلَّا بِقَبْضِهِ.

وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ كَلَامِهِ: مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ: لَا يَلْزَمُ إلَّا بِقَبْضِهِ. ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِكَيْلِهِ وَوَزْنِهِ. وَلِهَذَا نَقُولُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْآخَرِ، مَا لَمْ يَكِيلَا أَوْ يَزِنَا.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ: فَيَتَّجِهُ إذَنْ فِي نَقْلِ الْمَلِكِ رِوَايَتَا الْخِيَارِ.

وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا يُحِيلُ بِهِ قَبْلَهُ.

وَقَالَ: غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ كَهُمَا فِي رِوَايَةٍ.

وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا ".

الثَّانِيَةُ: الْمَبِيعُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ: مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ غَيْرَهُمَا.

تَنْبِيهٌ:

ظَاهِرُ قَوْلِهِ " لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ " جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ.

ص: 462

وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ اخْتَارَ جَوَازَ بَيْعِهِ لِبَائِعِهِ، وَجَوَازَ التَّوْلِيَةِ فِيهِ وَالشَّرِكَةِ. وَهُنَا مَسَائِلُ: مِنْهَا: الْعِتْقُ. وَيَصِحُّ رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إجْمَاعًا.

وَمِنْهَا: رَهْنُهُ وَهِبَتُهُ بِلَا عِوَضٍ بَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ. وَفِي جَوَازِهِمَا وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الرَّهْنِ: عَدَمُ جَوَازِ رَهْنِهِ، حَيْثُ قَالَ: وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ، غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ.

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ.

قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالْخَمْسِينَ: قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا إجَارَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَبِيعِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ [وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُرْتَهِنِ] عَنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. انْتَهَى.

وَقَطَعَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَلَا هِبَتُهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ.

وَاخْتَارَ الْقَاضِي: الْجَوَازَ فِيهِمَا. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله.

وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ أَيْضًا: وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ كَانَ الثَّمَنُ قَدْ قُبِضَ: صَحَّ رَهْنُهُ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُمَا فِيمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ.

وَلِلْأَصْحَابِ وَجْهٌ آخَرُ بِجَوَازِ رَهْنِهِ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ: صِحَّةَ رَهْنِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ. ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي بَابِ الرَّهْنِ. وَيَأْتِي هُنَاكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا.

وَمِنْهَا: الْإِجَارَةُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا. اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.

وَقِيلَ: تَصِحُّ مِنْ بَائِعِهِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله.

ص: 463

وَمِنْهَا: التَّوْصِيَةُ بِهِ وَالْخُلْعُ عَلَيْهِ. فَجَوَّزَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ بِهِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالْخَمْسِينَ: وَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بِجَوَازِ جَعْلِهِ مَهْرًا، مُعَلِّلًا بِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ يَسِيرٌ. فَيُغْتَفَرُ فِي الصَّدَاقِ. وَمِنْهُمْ: الْمَجْدُ. انْتَهَى.

وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مَهْرًا.

وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله أَيْضًا جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ بَيْعٍ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَدَمُ الْجَوَازِ.

قَوْلُهُ (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ) .

اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ كُلُّهُ، وَكَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ: انْفَسَخَ الْعَقْدُ. كَانَ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ. وَكَذَا إنْ تَلِفَ بَعْضُهُ. لَكِنْ هَلْ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي بَاقِيهِ، أَوْ يَفْسَخُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَذْهَبُ فِيهَا.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ قَبُولِ الْمَبِيعِ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ. وَبَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ: أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْبَاقِي، وَأَنَّ التَّالِفَ يَسْقُطُ مَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ. انْتَهَى.

وَأَمَّا فِي الْعَيْبِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ: فَيَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَلَفِ الْبَعْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ آدَمِيٌّ، فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ إمْضَائِهِ وَمُطَالَبَةِ مُتْلِفِهِ بِالْقِيمَةِ) .

هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمَا: قَالَهُ أَصْحَابُنَا.

ص: 464

وَقِيلَ: إنْ أَتْلَفَهُ بَائِعُهُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ. وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْكَافِي.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَدْ يُقَالُ: إنَّ إطْلَاقَ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا. وَظَاهِرُ مَا رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: إذَا كَانَ التَّلَفُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ، وَلَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي. انْتَهَى.

تَنْبِيهٌ:

قَوْلُهُ " وَمُطَالَبَةُ مُتْلِفِهِ بِالْقِيمَةِ " كَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ إلَّا الْمُحَرَّرَ بِقَوْلِهِمْ " بِقِيمَتِهِ ": " بِبَدَلِهِ " وَقَدْ نَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: يُطَالِبُ مُتْلِفَهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِمِثْلِهِ.

فَوَائِدُ

مِنْهَا: لَوْ خَلَطَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ: فَهَلْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفَائِقِ، وَالزَّرْكَشِيُّ.

أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ.

وَالثَّانِي: لَا يَنْفَسِخُ. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُخْتَارُ ثُبُوتُ الْخِيرَةِ فِي فَسْخِهِ. وَلَعَلَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْخَلْطَ: هَلْ هُوَ اشْتِرَاكٌ أَوْ إهْلَاكٌ؟ عَلَى مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْغَصْبِ.

وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى شَاةً بِشَعِيرٍ، فَأَكَلَتْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِيَدِ أَحَدٍ: انْفَسَخَ الْعَقْدُ كَالسَّمَاوِيِّ. وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ الْبَائِعِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ: فَمِنْ ضَمَانِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ، أَوْ رِطْلًا مِنْ زُبْرَةٍ، فَتَلِفَتْ إلَّا قَفِيزًا أَوْ رِطْلًا: فَهُوَ الْمَبِيعُ.

وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ شِقْصًا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَذْرُوعٍ. فَقَبَضَ الْعَبْدَ وَبَاعَهُ، أَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ تَلِفَ الطَّعَامُ قَبْلَ قَبْضِهِ: انْفَسَخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي. وَلَا يَبْطُلُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. وَيَرْجِعُ مُشْتَرِي الطَّعَامِ عَلَى

ص: 465

مُشْتَرِي الْعَبْدِ أَوْ الشِّقْصِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ. وَعَلَى الشَّفِيعِ مِثْلُ الطَّعَامِ. لِأَنَّهُ عِوَضُ الشِّقْصِ.

تَنْبِيهٌ:

يَأْتِي حُكْمُ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِمَا فِي بَابَيْهِمَا. وَيَأْتِي حُكْمُ الثَّمَرَةِ إذَا بَاعَهَا عَلَى الشَّجَرِ: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ جَذِّهَا؟ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ (وَمَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي) .

وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَعْدُودَ وَالْمَذْرُوعَ كَهُمَا، فَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْمَذْهَبُ كَأَخْذِهِ بِشُفْعَةٍ.

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ. وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.

قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: هَذَا الْمَشْهُورُ.

قَالَ فِي الشَّرْحِ: هَذَا الْأَظْهَرُ.

قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْفَائِقِ: هَذَا الْأَشْهَرُ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَالْمُخْتَارُ لِجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ.

وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ. وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.

وَعَنْهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا.

وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ رِوَايَةٌ: يَجُوزُ فِي الْعَقَارِ فَقَطْ.

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي ذَلِكَ. فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مُطْلَقًا وَلَوْ ضَمِنَهُ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي غَيْرِ الْفُصُولِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَجَعَلَهَا طَرِيقَةَ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: عَلَيْهِ تَدُلُّ أُصُولُ أَحْمَدَ. كَتَصَرُّفِ

ص: 466

الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَرَةِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الْعَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا، وَعَكْسُهُ كَالصُّبْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ. كَمَا شُرِطَ قَبْضُهُ لِصِحَّتِهِ، كَسَلَمٍ وَصَرْفٍ.

وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ فِي الصَّرْفِ: إنْ تَمَيَّزَ لَهُ الشِّرَاءُ بِعَيْنِهِ، وَيَأْمُرُ الْبَائِعَ بِقَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ. وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: الْمُتَعَيِّنَانِ فِي الْعُرْفِ قِيلَ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيلَ: لَا. لِقَوْلِهِ " إلَّا هَؤُلَاءِ ".

فَوَائِدُ

الْأُولَى: ضَابِطُهُ: الْمَبِيعُ مُتَمَيِّزٌ وَغَيْرُهُ. فَغَيْرُ الْمُتَمَيِّزِ: مُبْهَمٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَنَحْوِهِ. فَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَقْتَضِي رِوَايَةً بِعَدَمِ الِافْتِقَارِ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا.

وَمُبْهَمٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، كَنِصْفِ عَبْدٍ وَنَحْوِهِ. فَفِي الْبُلْغَةِ: هُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.

وَفِي التَّلْخِيصِ: هُوَ مِنْ الْمُتَمَيِّزَاتِ، فِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي.

وَالْمُتَمَيِّزُ قِسْمَانِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَبِعْتُكَ هَذَا الْقَطِيعَ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ وَنَحْوِهِ. فَهُوَ كَالْمُبْهَمِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَخَرَّجَ أَنَّهُ كَالْعَبْدِ. وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.

وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالْعَبْدِ، وَالدَّارِ، وَالصُّبْرَةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الذِّمِّيَّاتِ، فَفِيهِ الرِّوَايَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.

الثَّانِيَةُ: مَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ الْبَائِعُ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ أَوْ لَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: لَا يَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِ إلَّا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهِ.

وَقَالَ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قَبْضِهِ وَغَيْرِهِ، لَيْسَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقْبُوضِ وَغَيْرِهِ.

ص: 467

قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ الْأَصْحَابَ ذَكَرُوهُ. وَرَدَّ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَاسْتَشْهَدَ لِلرَّدِّ بِكَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.

الثَّالِثَةُ: الثَّمَنُ الَّذِي لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الثَّمَنِ. فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ: فَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهِ، لِاسْتِقْرَارِهِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ فِيمَنْ اشْتَرَى شَاةً بِدِينَارٍ فَبَلَعَتْهُ، إنْ قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ الدِّينَارُ بِالتَّعْيِينِ، وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ: انْفَسَخَ هُنَا. وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَنْفَسِخْ.

الرَّابِعَةُ: حُكْمُ كُلِّ مُعَيَّنٍ مُلِكَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ: يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. كَالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْعِوَضِ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَنَحْوِهِمَا: حُكْمُ الْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ وَمَنْعِهِ كَمَا سَبَقَ، قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ.

وَجَوَّزَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْبَيْعَ فِيهِ وَغَيْرَهُ، لِعَدَمِ قَصْدِ الرِّبْحِ. انْتَهَى. وَحُكْمُ مَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْعِوَضِ فِي الْخُلْعِ، وَالْعِوَضِ فِي الْعِتْقِ، وَالْمُصَالَحِ بِهِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ قِيلَ: حُكْمُ الْبَيْعِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.

اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، لَكِنْ يَجِبُ بِتَلَفِهِ مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَلَا فَسْخَ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: لَهُمَا فَسْخَ نِكَاحٍ، لِفَوْتِ بَعْضِ الْمَقْصُودِ كَعَيْبِ مَبِيعٍ. انْتَهَى.

وَقِيلَ: لَهُ التَّصَرُّفُ قَبْلَ قَبْضِهِ فِيمَا لَا يَنْفَسِخُ، فَيَضْمَنُهُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَفِي التَّلْخِيصِ، بَلْ ضَمَانُهُ كَبَيْعٍ.

وَحُكْمُ الْمَهْرِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْمُحَرَّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.

ص: 468

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ.

الْخَامِسَةُ: لَوْ تَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِي مَوْرُوثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ: لَمْ يُعْتَبَرْ قَبْضُهُ فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله بِلَا خِلَافٍ. وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمَا. لِعَدَمِ ضَمَانِهِ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ. كَمَبِيعٍ مَقْبُوضٍ، وَكَوَدِيعَةٍ، وَكَمَالِهِ فِي يَدِ وَكِيلِهِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقِيلَ: وَصِيَّةٌ كَبَيْعٍ. وَقِيلَ: وَإِرْثٌ أَيْضًا كَبَيْعٍ. وَفِي الْإِفْصَاحِ عَنْ أَحْمَدَ: مُنِعَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي إرْثٍ وَغَيْرِهِ. وَفِي الِانْتِصَارِ: مُنِعَ تَصَرُّفُهُ فِي غَنِيمَةٍ قَبْلَ قَبْضِهَا إجْمَاعًا. وَعَارِيَّةٍ كَوَدِيعَةٍ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ. وَيَضْمَنُهَا مُسْتَعِيرٌ.

وَيَأْتِي حُكْمُ الْقَرْضِ فِي أَوَّلِ بَابِهِ.

قَوْلُهُ (وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ) وَكَذَا الْمَعْدُودُ، وَالْمَذْرُوعُ بِعَدِّهِ، وَذَرْعِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: حُضُورُ الْمُسْتَحِقِّ أَوْ نَائِبِهِ.

وَعَنْهُ: إنْ قَبَضَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.

وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَمَنْ تَابَعَهُ: وَإِنْ تَقَابَضَاهُ جُزَافًا، لِعِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ: جَازَ، إلَّا فِي الْمَكِيلِ. فَإِنَّهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

وَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ السَّلَمِ: هَلْ يُكْتَفَى بِعِلْمِ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَنَحْوِهِمَا أَمْ لَا؟

فَوَائِدُ

إحْدَاهَا: نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله عَلَى كَرَاهَةِ زَلْزَلَةِ الْكَيْلِ.

الثَّانِيَةُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: صِحَّةُ اسْتِنَابَةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي الْقَبْضِ.

ص: 469

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: صَحَّ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.

الثَّالِثَةُ: نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله وَقَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ طَرَفُهُ كَيَدِهِ. بِدَلِيلِ تَنَازُعِهِمَا مَا فِيهِ. وَقِيلَ: لَا.

الرَّابِعَةُ: نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ قَبْضِ وَكِيلٍ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.

قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ: اكْتَلْ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ قَدْرَ حَقِّك، فَفَعَلَ: صَحَّ. وَقِيلَ: لَا. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ السَّلَمِ.

قَوْلُهُ (وَفِي الصُّبْرَةِ وَمَا يُنْقَلُ بِالنَّقْلِ، وَفِيمَا يُتَنَاوَلُ بِالتَّنَاوُلِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ.

وَعَنْهُ: إنْ قَبَضَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيزِ. وَنَصَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.

فَائِدَةٌ:

قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: وَالْقَبْضُ فِي الْمَشَاعِ بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ إلَيْهِ. فَإِنْ أَبَى الشَّرِيكُ أَنْ يُسْلِمَ نَصِيبَهُ قِيلَ لِلْمُتَّهِبِ: وَكِّلْ الشَّرِيكَ فِي قَبْضِهِ وَنَقْلِهِ. فَإِنْ أَبَى نَصَبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا. فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ.

لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ. وَيَتِمُّ بِهِ عَقْدُ شَرِيكِهِ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَنْ اتَّهَبَ مُبْهَمًا أَوْ مَشَاعًا، مِنْ مَنْقُولٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ غَيْرِهِ. فَأَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فِي الْقَبْضِ: كَانَ سَهْمُهُ أَمَانَةً مَعَ الْمُتَّهَبِ، أَوْ يُوَكِّلُ الْمُتَّهَبُ شَرِيكَهُ فِي قَبْضِ سَهْمِهِ مِنْهُ، وَيَكُونُ أَمَانَةً. وَإِنْ تَنَازَعَا قَبَضَ لَهُمَا وَكِيلُهُمَا أَوْ أَمِينُ الْحَاكِمِ. انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْهِبَةِ قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ: يُعْتَبَرُ لِقَبْضِ الْمَشَاعِ إذَنْ

ص: 470

الشَّرِيكُ. فَيَكُونُ نِصْفُهُ مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا. وَنِصْفُ الشَّرِيكِ أَمَانَةً. وَقَالَ فِي الْعُيُونِ: بَلْ عَارِيَّةٌ. انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ أَيْضًا فِي بَابِ الْقَبْضِ، وَالضَّمَانِ وَمَنْ بَاعَ حَقَّهُ الْمَشَاعَ مِنْ عَيْنٍ، وَسَلَّمَ الْكُلَّ إلَى الْمُشْتَرِي بِلَا إذْنِ شَرِيكِهِ، فَهُوَ غَاصِبٌ حَقَّ شَرِيكِهِ. فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي عَدَمَ إذْنِهِ فِي قَبْضِ حَقِّهِ، فَتَلِفَ: ضَمَّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ. وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَكَذَا إنْ جَهِلَ الشَّرِكَةَ أَوْ وُجُوبَ الْإِذْنِ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ. لَكِنَّ الْقَرَارَ عَلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُشْتَرِي.

قَوْلُهُ (وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ بِالتَّخْلِيَةِ) .

كَاَلَّذِي لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ. وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. لَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَصَاحِبُ التَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي، وَغَيْرُهُمْ: مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ.

قُلْت: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ.

فَائِدَتَانِ

إحْدَاهُمَا: أُجْرَةُ تَوْفِيَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ عَلَى بَاذِلِهِ مِنْهُمَا. قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: أُجْرَةُ نَقْلِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ لَهُ عَلَيْهِ. انْتَهَى.

وَأُجْرَةُ الْمَنْقُولَاتِ عَلَى الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ قُلْنَا كَمَقْبُوضٍ أَوْ لَا. جَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ.

وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمَا: أُجْرَةُ الْمَنْقُولَاتِ عَلَى الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ قُلْنَا كَمَقْبُوضٍ أَوْ لَا.

قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ. نَصُّ عَلَيْهِ.

وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمُؤْنَةُ تَوْفِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ مِنْ أُجْرَةِ وَزْنِهِ وَكَيْلِهِ، وَذَرْعِهِ وَعَدِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى بَاذِلِهِ. وَمُؤَنُهُ قَبْضِ مَا بِيعَ جُزَافًا وَهُوَ مُتَمَيِّزٌ عَلَى مَنْ صَارَ لَهُ، إنْ قُلْنَا: هُوَ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ، وَإِلَّا فَلَا.

ص: 471

وَمَا بِيعَ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ. فَهُوَ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَنَحْوِهِمَا، فِي حَقِّ التَّوْفِيَةِ وَغَيْرِهَا.

وَقِيلَ: أُجْرَةُ الْكَيَّالِ عَلَى الْبَائِعِ. وَكَذَا أُجْرَةُ الْوَزَّانِ، وَالنَّقْلِ. وَقِيلَ: بَلْ عَلَى الْمُشْتَرِي.

ثُمَّ قَالَ مِنْ عِنْدِهِ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَلَيْهِ أُجْرَةَ النَّقَّادِ. وَزِنَةَ الْوَزَّانِ. انْتَهَى.

[وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: وَأُجْرَةُ النَّقَّادِ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ. فَهِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ إلَيْهِ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ قُبِضَ. فَهِيَ عَلَى الْبَائِعِ. لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ مِنْهُ وَمَلَكَهُ. فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ مَعِيبًا يَجِبُ رَدُّهُ] .

الثَّانِيَةُ: يَتَمَيَّزُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُثَمَّنِ بِدُخُولِ " بَاءِ " الْبَدَلِيَّةِ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ. وَقَالَ: وَهُوَ أَوْلَى. قَالَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.

وَقِيلَ: إنْ اشْتَمَلَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى أَحَدِ النَّقْدَيْنِ. فَهُوَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا فَهُوَ مَا دَخَلَتْهُ " بَاءُ " الْبَدَلِيَّةِ. نَحْوُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِهَذَا. فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْت، أَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت هَذَا بِهَذَا. فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُك.

وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ فِي نِهَايَتِهِ وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ: أَنَّ الثَّمَنَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَوْضُوعَةُ لِلثَّمَنِيَّةِ اصْطِلَاحًا. فَيَخْتَصُّ بِهَا فَقَطْ.

قُلْت: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ.

فَوَائِدُ

مِنْهَا: لَا يَضْمَنُ النُّقَّادُ مَا أَخْطَئُوا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نُصَّ عَلَيْهِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: إذَا عُرِفَ حَذَقُهُ وَأَمَانَتُهُ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. وَقِيلَ: يَضْمَنُونَ.

وَمِنْهَا: إتْلَافُ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ: قَبْضٌ مُطْلَقًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

ص: 472

وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَمْدًا فَقَبْضٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَغَصْبُهُ لَيْسَ بِقَبْضٍ.

وَفِي الِانْتِصَارِ: خِلَافٌ، إنْ قَبِلَهُ: هَلْ يَصِيرُ قَابِضًا أَمْ يُفْسَخُ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ؟ وَكَذَا مُتَّهِبٌ بِإِذْنِهِ: هَلْ يَصِيرُ قَابِضًا فِيهِ، وَفِي غَصْبِ عَقَارٍ لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَائِعِهِ: صَارَ قَابِضًا؟ .

وَمِنْهَا: يَصِحُّ قَبْضُهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: يَحْرُمُ فِي غَيْرِ مُتَعَيِّنٍ.

وَمِنْهَا: لَوْ غَصَبَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، أَوْ أَخَذَهُ بِلَا إذْنِهِ: لَمْ يَكُنْ قَبْضًا إلَّا مَعَ الْمُقَاصَّةِ.

فَائِدَةٌ:

يَحْرُمُ تَعَاطِيهِمَا عَقْدًا فَاسِدًا فَلَوْ فَعَلَا: لَمْ يُمْلَكْ بِهِ. وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ: صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهِ مِنْ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.

وَاعْتَرَضَهُ أَحْمَدُ الْحَرْبِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.

وَأَبْدَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ: احْتِمَالًا بِنُفُوذِ الْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. قَالَ: وَيُفِيدُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ لَا يُؤَثِّرُ. انْتَهَى.

قَالَ فِي الْفَائِقِ: قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ رحمه الله: يَتَرَجَّحُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.

فَعَلَى الْمَذْهَبِ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَغْصُوبِ فِي الضَّمَانِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.

قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: هَذَا الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ.

ص: 473

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ. وَمِنْهُ خَرَّجَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ لَا يَضْمَنُهُ.

وَيَأْتِي حُكْمُ الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ فِي بَابِ الضَّمَانِ وَإِنْ كَانَ هَذَا مَحَلَّهُ لِمَعْنًى مَا.

وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبِي طَالِبٍ.

وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ: يَضْمَنُهُ بِالْمُسَمَّى، لَا الْقِيمَةِ. كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي الْكِتَابَةِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.

وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَضْمَنُهُ بِالثَّمَنِ، وَالْأَصَحُّ: بِقِيمَتِهِ كَمَغْصُوبٍ.

وَفِي الْفُصُولِ أَيْضًا فِي أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي مُضَارَبَةٍ فَاسِدَةٍ أَنَّهُ كَبَيْعٍ فَاسِدٍ، إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ الْمُسَمَّى اسْتَحَقَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقِيمَةُ. كَذَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمِثْلِ لِهَذِهِ الْمَنْفَعَةِ. انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الْمُغْنِي فِي تَصَرُّفِ الْعَبْدِ وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ: أَوْ يَضْمَنُ مِثْلَهُ يَوْمَ تَلَفِهِ. وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِيهِ وَفِي عَارِيَّةٍ: كَمَغْصُوبٍ. وَقَالَهُ فِي الْوَسِيلَةِ.

وَقِيلَ: لَهُ حَبْسُ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ عَلَى قَبْضِ ثَمَنِهِ.

وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَضْمَنُ زِيَادَتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَلَهُ مُطْلَقًا نَمَاؤُهُ الْمُتَّصِلُ وَالْمُنْفَصِلُ، وَأُجْرَتُهُ مُدَّةَ قَبْضِهِ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، وَأَرْشُ نَقْصِهِ.

وَقِيلَ: هَلْ أُجْرَتُهُ وَزِيَادَتُهُ مَضْمُونَةٌ أَوْ أَمَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. انْتَهَى.

وَقَالَ فِي الصُّغْرَى: وَنَمَاؤُهُ وَأُجْرَتُهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ لِمَالِكِهِ.

وَقِيلَ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَنْفَعَةٍ. وَضَمَانُهُ إنْ تَلِفَ بِقِيمَتِهِ، وَزِيَادَتُهُ أَمَانَةٌ. انْتَهَى

وَقَدَّمَ الضَّمَانَ أَيْضًا فِي الزِّيَادَةِ. وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ.

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ: وَفِي ضَمَانِ زِيَادَتِهِ وَجْهَانِ.

ص: 474

وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالتَّرْغِيبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا: إنْ سَقَطَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَهَدَرٌ. وَقَالَهُ الْقَاضِي. وَعِنْدَ أَبِي الْوَفَاءِ: يَضْمَنُهُ. انْتَهَى.

وَيَضْمَنُهُ ضَارِبُهُ بِلَا نِزَاعٍ. وَحُكْمُهُ فِي الْوَطْءِ حُكْمُ الْغَاصِبِ، إلَّا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ

قَوْلُهُ (وَالْإِقَالَةُ: فَسْخٌ) .

هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي، وَالْأَكْثَرُونَ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ الْقَاضِي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ.

قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ: وَيُشْرَعُ إقَالَةُ النَّادِمِ. وَهِيَ فَسْخٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي وَالْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ.

وَعَنْهُ: إنَّهَا بَيْعٌ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ.

تَنْبِيهٌ:

يَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ. ذَكَرَهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي فَوَائِدِهِ وَغَيْرِهِ

مِنْهَا: إذَا تَقَايَلَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ: فَيَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى الثَّانِيَةِ، إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ فِي الْإِجَارَاتِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ بَائِعِهِ خَاصَّةً قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. وَاخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ.

وَمِنْهُمَا: جَوَازُهَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَوَزْنٍ، عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَا يَصِحُّ عَلَى الثَّانِيَةِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ، وَالْقَاضِي، وَالْأَكْثَرِينَ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.

وَحَكَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ ثَانٍ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا. وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.

ص: 475

وَمِنْهَا: إذَا تَقَايَلَا بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ، أَوْ بِنَقْصٍ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ: لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ. وَالْمِلْكُ بَاقٍ لِلْمُشْتَرِي، عَلَى الْمَذْهَبِ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَيْضًا. صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفَائِقِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَصِحُّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ وَنَقْصٍ. وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَنْهُ بِيعَ. فَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ إلَّا مِثْلَ الثَّمَنِ فِي وَجْهٍ. وَيَكُونُ هَذَا الْمَذْهَبَ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ.

وَمِنْهَا: تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بِلَفْظِ " الْإِقَالَةِ " وَ " الْمُصَالَحَةِ " عَلَى الْمَذْهَبِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا تَنْعَقِدُ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. وَقَالَ: مَا يَصْلُحُ لِلْحَلِّ لَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ، وَمَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ لَا يَصْلُحُ لِلْحَلِّ. فَلَا تَنْعَقِدُ الْإِقَالَةُ بِلَفْظِ " الْبَيْعِ " وَلَا الْبَيْعُ بِلَفْظِ " الْإِقَالَةِ " قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: انْعِقَادُهَا بِذَلِكَ. وَتَكُونُ مُعَاطَاةً. قَالَهُ فِي الْفَوَائِدِ.

وَمِنْهَا: عَدَمُ اشْتِرَاطِ شُرُوطِ الْبَيْعِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُقَالِ فِيهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَتَمْيِيزِهِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي فِي التَّفْلِيسِ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يَقْتَضِي: أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: أَقِلْنِي. ثُمَّ غَابَ، فَأَقَالَهُ: لَمْ يَصِحَّ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَدَّمَ فِي الِانْتِصَارِ: يَصِحُّ عَلَى الْفَوْرِ.

ص: 476

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: الْإِقَالَةُ لَمَّا افْتَقَرَتْ إلَى الرِّضَا وَقَفَتْ عَلَى الْعِلْمِ.

وَمِنْهَا: لَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ. فَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ، وَالْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي.

وَقِيلَ: إنْ قِيلَ هِيَ فَسْخٌ: صَحَّتْ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ.

قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.

وَفِي التَّلْخِيصِ وَجْهَانِ. وَقَالَ: أَصْلُهُمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَا: وَفَارَقَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ. لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ مَرْدُودًا.

وَمِنْهَا: صِحَّتُهَا بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ، عَلَى الْمَذْهَبِ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا تَصِحُّ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا.

وَمِنْهَا: نَمَاؤُهُ الْمُنْفَصِلُ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يُتَّبَعُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ الْقَاضِي: هُوَ لِلْمُشْتَرِي.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالرُّجُوعِ لِلْمُفْلِسِ.

وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِرَدِّهِ مَعَ أَصْلِهِ. حَكَاهُ الْمَجْدُ عَنْهُ فِي شَرْحِهِ.

وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ: النَّمَاءُ لِلْبَائِعِ، عَلَى الْمَذْهَبِ. مَعَ ذِكْرِهِمَا أَنَّ نَمَاءَ الْعَيْبِ لِلْمُشْتَرِي.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَهُ نَخْلًا حَامِلًا، ثُمَّ تَقَايَلَا وَقَدْ أَطْلَعَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُتَّبَعُ الْأَصْلُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً أَوْ لَا.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: إنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً: فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ: فَهِيَ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ.

وَمِنْهَا: خِيَارُ الْمَجْلِسِ، لَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَثْبُتُ فِيهَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي لَا يَثْبُتُ.

ص: 477

وَمِنْهَا: هَلْ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَهُ الرَّدُّ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُرَدَّ بِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَدَّ بِهِ. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.

وَمِنْهَا: الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ. فَقِيلَ: يَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِيهِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَكْثَرِينَ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ.

وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا الثَّانِيَةِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ فِي رِوَايَتِهِمَا. وَصَاحِبِ الرَّوْضَةِ، وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ. وَيَأْتِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي بَابِ السَّلَمِ.

وَمِنْهَا لَوْ بَاعَهُ جُزْءًا مَشَاعًا مِنْ أَرْضِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي وَلَا مَنْ حَدَثَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الْمُقَايَلَةِ شَيْئًا مِنْ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَثْبُتُ لَهُمْ.

وَكَذَا لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ، ثُمَّ عَفَا الْآخَرُ عَنْ شُفْعَتِهِ، ثُمَّ تَقَايَلَا وَأَرَادَ الْعَافِي أَنْ يَعُودَ إلَى، الطَّلَبِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ.

وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَهُ ذَلِكَ.

وَمِنْهَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا، ثُمَّ تَقَايَلَاهُ قَبْلَ الطَّلَبِ.

فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَسْقُطُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَسْقُطُ أَيْضًا. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَقِيلَ: يَسْقُطُ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي حَفْصٍ، وَالْقَاضِي فِي خِلَافِهِ.

وَمِنْهَا: هَلْ يَمْلِكُ الْمُضَارِبُ أَوْ الشَّرِيكُ الْإِقَالَةَ فِيمَا اشْتَرَيَاهُ؟ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِهَا عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ.

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ فُصُولِهِ: عَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَمْلِكُهَا، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَمْلِكُهَا. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الشَّرِكَةِ.

وَمِنْهَا: هَلْ يَمْلِكُ الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ الْمُقَايَلَةَ، لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ؟

فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَمْلِكُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ: الْأَظْهَرُ يَمْلِكُهَا. قَالَهُ ابْنُ رَجَبٍ

ص: 478

وَمِنْهَا: لَوْ وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ شَيْئًا. فَبَاعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ بِإِقَالَةٍ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَمْتَنِعُ رُجُوعُ الْأَبِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَطْلَقَهُمَا فِي الْفَوَائِدِ.

وَيَأْتِي هَذَا هُنَاكَ. وَكَذَا حُكْمُ الْمُفْلِسِ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِإِقَالَةٍ وَوَجَدَهَا بَائِعُهَا عِنْدَهُ.

وَيَأْتِي هَذَا فِي بَابِ الْحَجْرِ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ أَمَةً، ثُمَّ أَقَالَهُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيُّ: يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الثَّانِيَةِ. وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِيهَا رِوَايَتَانِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ بُخْتَانَ: وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ مُطْلَقًا. وَلَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، إنَاطَةً بِالْمِلْكِ، وَاحْتِيَاطًا لِلْأَبْضَاعِ.

وَنَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ الْإِقَالَةَ إنْ كَانَتْ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالتَّعَرُّفِ: وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ.

كَذَلِكَ حَكَى الرِّوَايَةَ الْقَاضِي، وَأَبُو مُحَمَّدٍ، فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي.

وَكَأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ لَمْ يَنْظُرْ إلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ. إنَّمَا نَظَرَ لِلِاحْتِيَاطِ.

قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَجْدِ. حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ قَيْدَ التَّفَرُّقِ مَعَ وُجُودِهِ. وَتَصْرِيحِ الْإِمَامِ بِهِ. لَكِنَّهُ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِقَيْدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. وَهُوَ بِنَاؤُهَا عَلَى الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ. أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْإِقَالَةُ فِي بَيْعِ خِيَارٍ وَقُلْنَا: لَمْ يَنْتَقِلْ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَجِبُ. وَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ.

وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْمَجْدُ أَيْضًا الْقَبْضَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي لَهَا امْرَأَةً. بَلْ حَكَى فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَطْلَقَ. وَخَالَفَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي تَصْرِيحِهِ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ كَالرَّجُلِ.

ص: 479

وَنَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله الَّذِي فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ التَّفَرُّقِ وَعَدَمِهِ: وَقَعَ فِي الرَّجُلِ. انْتَهَى كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ.

وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الطَّرِيقَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ قِيلَ: إنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى انْتِقَالِ الضَّمَانِ عَنْ الْبَائِع وَعَدَمِهِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ عَقِيلٍ.

وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ تَجَدُّدَ الْمِلْكِ مَعَ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ: هَلْ يُوجِبُ الِاسْتِبْرَاءَ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ. انْتَهَى.

وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، أَوْ لَأَبِيعَنَّ، أَوْ عَلَّقَ فِي الْبَيْعِ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ: تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَإِلَّا فَلَا.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ يُقَالُ: الْأَيْمَانُ تَنْبَنِي عَلَى الْعُرْفِ. وَلَيْسَ فِي الْعُرْفِ أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ.

وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، وَقُبِضَتْ دُونَ ثَمَنِهَا. ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَائِعُ وَقُلْنَا: يَجِبُ لَهُ الثَّمَنُ فَأَقَالَ الْمُشْتَرِي فِيهَا. فَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا يَصِحُّ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ، قِيلَ: لَا يَصِحُّ أَيْضًا. وَقِيلَ: يَصِحُّ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفَوَائِدِ.

وَمِنْهَا: هَلْ تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؟ .

ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافِهِ: أَنَّ خِيَارَ الْإِقَالَةِ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ. وَلَا يَصِحُّ بَعْدَهُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ قُلْنَا هِيَ بَيْعٌ: صَحَّتْ مِنْ الْوَرَثَةِ. وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ: فَوَجْهَانِ.

وَبَنَى فِي الْفُرُوعِ صِحَّةَ الْإِقَالَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى الْخِلَافِ. وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ: لَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ، وَإِلَّا صَحَّتْ.

وَمِنْهَا: لَوْ تَقَايَلَا فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ. ثُمَّ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَنُفُوذِهِ، فَهَلْ يُؤَثِّرُ حُكْمُهُ؟ إنْ قُلْنَا الْإِقَالَةُ بَيْعٌ: فَحُكْمُهُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ صَحِيحٌ.

وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ: لَمْ يَنْفُذْ. لِأَنَّ الْعَقْدَ ارْتَفَعَ بِالْإِقَالَةِ.

ص: 480

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْفُذَ، وَتُلْغَى الْإِقَالَةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي عُمَدِ الْأَدِلَّةِ.

وَمِنْهَا: مُؤْنَةُ الرَّدِّ. فَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَا تَلْزَمُ مُشْتَرِيًا. وَتَبْقَى بِيَدِهِ أَمَانَةً. كَوَدِيعَةٍ. وَفِي التَّعْلِيقِ لِلْقَاضِي: يَضْمَنُهُ.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ، فَيَتَوَجَّهُ تَلْزَمُهُ الْمُؤْنَةُ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ فِي مَعِيبٍ. وَفِي ضَمَانِهِ النَّقْصَ خِلَافٌ فِي الْمُغْنِي.

قَالَ فِي الْفُرُوعِ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ تَوَجَّهَ عَلَى مُشْتَرٍ.

فَائِدَةٌ:

إذَا وَقَعَ الْفَسْخُ بِإِقَالَةٍ، أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ عَيْبٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَلْ يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ مِنْ حِينِهِ، أَوْ مِنْ أَصْلِهِ؟ .

قَالَ الْقَاضِي فِي الْإِقَالَةِ فِي النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ: إذَا قِيلَ إنَّهَا فَسْخٌ: يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي. فَيُحْكَمُ بِأَنَّهَا فَسْخٌ مِنْ حِينِهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ.

قَالَ فِي آخِرِ الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ: وَخَامِسُهَا: أَنْ يَنْفَسِخَ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ وَيَعُودَ إلَى مَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ مِنْهُ. فَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ. لِأَنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ رَفْعٌ لَهُ مِنْ حِينِهِ. لَا مِنْ أَصْلِهِ. انْتَهَى.

وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْفَسْخُ عِنْدَنَا: رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مِنْ أَصْلِهِ. انْتَهَى.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: الْقِيَاسُ أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَسَائِرِ الْفُسُوخِ.

وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي، وَالْمُغْنِي، وَغَيْرِهِمَا: الْإِقَالَةُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ. وَهَذَا أَظْهَرُ. انْتَهَى.

وَاَلَّذِي رَأَيْنَا فِي الْمُغْنِي: الْإِقَالَةُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ. ذَكَرَهُ فِي الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ.

فَلَعَلَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ اطَّلَعَ عَلَى مَكَان غَيْرِ هَذَا. أَوْ هُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فِي حَوَاشِيهِ إنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ مِنْ " حِينِهِ " يَرْجِعُ إلَى الْعَقْدِ، لَا إلَى الْفَسْخِ.

ص: 481

قُلْت: وَهُوَ بَعِيدٌ.

وَصَرَّحَ أَبُو بَكْرٍ [فِي التَّنْبِيهِ] بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ لَوْ نَكَحَهَا الْمُشْتَرِي. ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْبٍ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ. انْتَهَى

وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي خِلَافَيْهِمَا: الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ: رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ، وَالْفَسْخُ بِالْخِيَارِ: رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ. لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ اللُّزُومَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلِهَذَا يَمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ وَثَمَنِهِ، بِخِلَافِ الْمَعِيبِ. انْتَهَيَا وَتَلَخَّصَ لَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.

ثَالِثُهَا: فَرْقٌ بَيْنَ الْفَسْخِ بِالْخِيَارِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ، وَأَنَّ الْمَذْهَبَ: أَنَّهُ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ.

ص: 482