المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٧

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم

‌المجلد السابع

‌تابع المقصد الرابع: في معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالة على ثبوت نبوته

‌معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم

تابع المقصد الرابع: في معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالة على ثبوت نبوته

بسم الله الرحمن الرحيم

"معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم":

وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف المياه، فقال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي

نبع الماء الطهور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم:

"وأما نبع الماء" قسيم قوله: أما معجزة انشقاق القمر، بيانًا لتفصيل القسم الثالث، وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته، "الطهور" صفة لازمة، وقال شيخنا: مخصصة "من بين أصابعه" أي أصابع يديه "صلى الله عليه وسلم" كما هو ظاهر الروايات الآتية، واقتصر على بين الأصابع بالنسبة لأغلب الوقائع، أو تجوز بالبينية عما يشمل رءوس الأصابع، "وهو أشرف المياه" على الإطلاق؛ كما قاله البلقيني وغيره. قال السيوطي:

وأفضل المياه ماء قد نبع

من بين أصابع النبي المتبع

يليه ماء زمزم فبالكوثر

فنيل مصر ثم باقي الأنهر

"فقال القرطبي" صاحب المفهم فيه: "قصة نبع الماء" إضافة بيانية، أي القصة التي هي نبع الماء "من بين أصابعه، ق تكررت منه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن" جمع موطن، المشهد من مشاهد الحرب ومكان الإنسان، "في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي.

وقال عياض: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير والجم الغفير، عن الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجامع العساكر، ولم يرد عن أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي في معجزاته.

قال في فتح الباري: فأخذ القرطبي كلام عياض وتصرف فيه، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر عندهم من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى، والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة، ليس كما يفهم من إطلاقهما.

وأما تكثير الماء بأن لمسه بيده، أو تفل فيه، أو أمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته، فجاء من حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحارث،

ص: 3

ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى.

الصدائي عنده، وعن بريح، بضم الموحدة، وتشديد المهملة الصدائي أيضًا، فإذا ضم هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة أو قاربها.

وأما من رواها من أهل القرن الثاني، فهم أكثر عددًا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا، وفي الجملة يستفاد منها الرد على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلو في السند، انتهى، وهذا ينادي عليه بقلة الاطلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، انتهى. "ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني" إسماعيل بن يحيى، بن إسماعيل، بن عمرو، بن إسحاق، الإمام الجليل، صاحب التصانيف، الزاهد، المتقلل من الدنيا، مجاب الدعوة، قال الشافعي: لو ناظر الشيطان لغلبه، مات لست بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، ودفن قريبًا من الشافعي، وولد سنة خمس وسبعين ومائة، "أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت" جرت وسالت "منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود" كما قال تعالى:{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} الآية، "بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم" ليس بمعهود؛ كما قال الشاعر:

إن كان موسى سقى الأسباط من حجر

فإن في الكف معنى ليس في الحجر

ولله در البوصيري حيث قال في اللامية:

ومنبع الماء عذبًا من أصابعه

وذي أياد عليها قد جرى النيل

"انتهى" كلام القرطبي.

قال الحافظ: وظاهر كلامه أن الماء نبع من بين اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيد قوله في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشيء، فوضع صلى الله عليه وسلم يده عليه، ثم فرق بين أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عصا موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا، فتمسكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه، ويحتمل أن المراد أن الماء نبع من بين أصابعه بالنسبة إلى

ص: 4

وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم: أنس وجابر وابن مسعود.

فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء.

رؤية الرائي وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر وكفه صلى الله عليه وسلم في الماء، فيراه الرائي، نابعًا منه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الإخبار ما يرده، انتهى، ويأتي نحوه في المتن.

"وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة" خمسة، كما علمت، "منهم: أنس وجابر، وابن مسعود" وابن عباس، وأبو يعلى، "فأما حديث أنس، ففي الصحيحين" البخاري في الوضوء وعلامات النبوة، ومسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في المناقب، والنسائي في الطهارة، كلهم من طريق مالك، الإمام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، أنه "قال: رأيت" أي أبصرت "رسول الله" وفي رواية: النبي صلى الله عليه وسلم، والحال أنه قد "حانت" بالمهملة، أي قربت "صلاة العصر" زاد في رواية للشيخين من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، وهو بالزوراء، بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راء: موضع بسوق المدينة، وتفسير حانت: بقربت، هو ما صدر به الكرماني، واقتصر عليه المصنف والحافظ أنسب بقوله: صلاة العصر، وإن كان يطلق لغة أيضًا على دخول الوقت.

قال الحافظ: وزعم الداودي أن الزوراء: مكان مرتفع، كالمنارة، وكأنه أخذه من أمر عثمان بالتأذين على الزوراء، وليس بلازم، بل الواقع أن المكان الذي أمر بالتأذين فيه كان الزوراء، لا أنه الزوراء نفسها.

وفي رواية همام عن قتادة عن أنس: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة، أخرجه أبو نعيم، "فالتمس" أي طلب، "الناس الوضوء" بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية: فالتمس الوضوء بالبناء للمفعول، "فلم يجدوه" وفي رواية بغير الضمير للمنصوب، أي فلم يصيبوا الماء، "فأتي" بضم الهمزة مبني للمفعول، "رسول الله صلى الله عليه وسلم" بالرفع نائب الفاعل، "بوضوء" بفتح الواو، أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، وفي رواية: فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير، وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، وعند أبي نعيم والحارث بن أبي أسامة، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، أنه هو الذي أحضر الماء، ولفظه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق إلى بيت أم سلمة"، فأتيته بقدح ماء، إما ثلثه وإما نصفه. الحديث،

ص: 5

فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ البخاري: كانوا ثمانين رجلا، وفي لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة.

قوله: "حتى توضئوا من عند آخرهم" قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و"عند" بمعنى "في" لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى.

وفيه: أنه رده بعد فراغهم إليها، وفيه قدر ما كان فيه أولا، "فوضع يده في ذلك الإناء" قال شيخ الإسلام: الظاهر أنها اليد اليمنى، "فأمر" بالفاء "الناس أن يتوضئوا منه" أي: بالتوضؤ من ذلك الإناء، قال أنس:"فرأيت الماء ينبع" بتثليث الموحدة: يخرج "من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ للبخاري" من رواية حميد عن أنس: "كانوا ثمانين رجلا". في لفظ للبخاري أيضًا من رواية الحسن عن أنس: كانوا سبعين أو نحوه، وفي مسلم: سبعين أو ثمانين، "وفي لفظ له" أي البخاري في العلامات، وكذا مسلم في الفضائل من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء، "فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال" قتادة: "فقلنا لأنس: كم كنتم؟، قال: كنا ثلاثمائة" لفظه، أو زهاء ثلاثمائة بالشك.

قال الحافظ: بضم الزاي والمد، أي قدر ثلاثمائة من زهوت الشيء إذا حصرته، وللإسماعيلي من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد ثلاثمائة، بالجزم دون قوله أو زهاء، انتهى وبه تعلم ما في المؤلف من المؤاخذة، بالجزم بثلاثمائة مع العزو للبخاري، وقد ظهر من السياق تعدد القصة إذ كانوا مرة ثمانين أو سبعين، ومرة ثلاثمائة أو ما قاربهما، فهما كما قال النووي قضيتان جرتا في وقتين حضرهما جميعًا أنس، "قوله: حتى توضئوا من عند آخرهم".

"قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي توضأ الناس حتى توضأ الناس الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في؛ لأن عند وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون" لمطلق الظرفية؛ لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، "فكأنه قال: الذين هم في آخرهم".

"وقال التيمي" أحمد بن محمد بن عمر، شارح البخاري شرحًا واسعًا جدًا: "المعنى

ص: 6

توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووي:"من" هنا بمعنى "إلى" وهي لغة، وتعقبه الكرماني بأنها شاذة، قال: ثم إن "إلى" لا يجوز أن تدخل على "عند" ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمي أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرماني من أن "إلى" لا تدخل على عند لا يلزم مثله في "من" إذا وقعت بمعنى "إلى" وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال عند زائدة. قاله في فتح الباري.

وروى هذا الحديث أيضًا عن أنس بن شاهين، ولفظه: قال أنس كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله، عطشت دوابنا وإبلنا،

توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر".

وقال النووي: من هنا بمعنى إلى، وهي لغة" والكوفيون يجوزون مطلقًا وضع حروف الجر بعضها مقام بعض، "وتعقبه الكرماني بأنها شاذة" فلا يخرج عليها الفصيح مع إمكان غيره، "قال: ثم إن إلى لا يجوز أن تدخل على عند" فهو اعتراض ثان على النووي، "ويلزم عليه" أي جعل النووي من بمعنى إلى، "وعلى ما قاله التيمي" من قوله إلى آخرهم، فأشار أيضًا إلى أنها بمعنى إلى "أن لا يدخل الأخير" من القوم؛ لأن المغيابالي خارج على المشهور، وإلا فيدخل على قول؛ "لكن ما قاله الكرماني من أن إلى لا تدخل على عند، لا يلزم مثله في من إذا وقعت بمعنى إلى" لأن كون كلمة بمعنى أخرى لا يلزم أن تكون مثلها استعمالا، فلا مانع من دخول من التي بمعنى إلى على عند، وامتناع دخول إلى عليها، "وعلى توجيه النووي" يمكن أن يقال عند زائدة، قاله في فتح الباري" في كتاب الطهارة.

وقال المصنف: أي توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم، لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، لأن عند هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى في، كأنه قال: حتى توضأ الذين هم آخرهم، وأنس داخل فيهم، إذ قلنا يدخل المخاطب، بكسر الطاء في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: حتى حرف ابتداء مستأنف، جملة اسمية وفعلية فعلها ماض، نحو: حتى عفوا وحتى توضئوا، ومضارع نحو:"حتى يقول الرسول" في قراءة نافع، ومن للغاية لا للبيان، خلافًا للكرماني، لأنها لا تكون للبيان إلا إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبهام هنا.

"وروى هذا الحديث أيضًا" أي حديث نبع الماء لا بقيد المتقدم عن الصحيحين؛ لأنه في سوق المدينة، وهذا في تبوك "عن أنس بن شاهين" فاعل روى "ولفظه، قال أنس: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله! عطشت دوابنا وإبلنا،" عطف

ص: 7

فقال: "هل من فضلة ماء". فجاء رجل في شن بشيء، فقال:"هاتوا صحفة". فصب الماء ثم وضع راحته في الماء، قال: فرأيتها تخلل عيونًا بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا، فقال:"أكفيتم"؟. قلنا: نعم يا رسول الله، فرفع يده فارتفع الماء.

وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء فأتى من بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم:"هلموا إلى الشراب". قال أنس: بصر عيني ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعًا.

وأما حديث جابر: ففي الصحيحين، قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين

خاص على عام، فقال:"هل من فضلة ماء"؟. إنما طلبها لئلا يظن أنه صلى الله عليه وسلم موجد للماء والإيجاد إنما هو لله لا لغيره، "فجاء رجل في شن" بفتح المعجمة ونون ثقيلة: قربة بالية "بشيء" من ماء فقال: "هاتوا صحفة" إناء كالقصعة، وقال الزمخشري: قصعة مستطيلة، "فصب الماء""ثم وضع راحته" كفه مع أصابعه "في الماء قال" أنس "فرأيتها" أي الصحفة "تخلل"، بفتح التاء، مضارع بحذف إحدى التاءين، أي تنفذ "عيونًا بين أصابعه" تمييز محول عن الفاعل، والأصل تتخلل عيونها بين أصابعه.

"قال" أنس: "فسقينا إبلنا وداوبنا، وتزودنا" حملنا الماء معنا، "فقل" صلى الله عليه وسلم:"أكفيتم"؟. قلنا: نعم يا رسول الله، فرفع يده" من الصحفة، "فارتفع الماء" برفع يده.

"وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء" موضع معروف بالمدينة، كان صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت راكبًا أو ماشيًا، "فأتي" بالبناء للمفعول "من بعض بيوتهم" أي بيوت أهل قباء، "بقدح صغير، فأدخل يده، فلم يسعه" أي إدخال يده، وإلا فالظاهر لم يسعها، أي اليد "القدح" لصغره، "فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: "هلموا إلى الشراب"، قال أنس: بصر" بضم الصاد وكسرها، قال المجد: ككرم وفرح، أي نظر "عيني ينبع الماء" أي نبعه "من بين أصابعه" وتعديه بصر بنفسه لغة، والأفصح تعديته بالباء، نحو بصرت بما لم يبصروا به، "فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا" بفتح الراء وضم الواو، "منه جميعًا" أي زال ظمؤهم، وأصله رويوا، حذفت الياء لثقل الضمة عليها، وضمت الواو الأولى لمناسبة الثانية.

"وأما حديث جابر، ففي الصحيحين" في المغازي والبخاري أيضًا في علامات النبوة، وأخرجه النسائي في الطهارة والتفسير، كلهم من رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر، "قال:

ص: 8

يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور من بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.

وقوله: "يثور"

عطش" بكسر الطاء "الناس يوم الحديبية" بالتخفيف والتشديد، "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة" مثلث الراء: إناء صغير من جلد يشرب فيه، لفظ البخاري في الموضعين فتوضأ "منها" قال الحافظ: كذا وقع في هذه الرواية، ووقع في الأشربة من طريق الأعمش عن سالم؛ أن ذلك لما حضرت صلاة العصر، "جهش"، بفتح الجيم والهاء، بعدها معجمة "الناس" أي: أسرعوا لأخذ الماء، وللكشميهني: فجهش بزيادة فاء في أوله، "نحوه" عليه السلام، وقال المصنف: بفتح الجيم، والهاء والشين المعجمة، أي: أسرعوا إلى الماء منتهين لأخذه، ولأبي ذر بكسر الهاء، وللحموي والمستملي جهش بإسقاط الفاء وفتح الهاء انتهى، فما يوجد في كثير من نسخ المتن، وجهش بواو، بل الجيم مخالف للروايتين، "فقال" وفي رواية: قال بلا فاء، "ما لكم" أي: أي شيء عرض لكم حتى جهشتم إلى "قالوا: يا رسول الله! ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا ماء نشربه" وماء بالهمز في اليونينية، وفي بعض النسخ لم يضبطها "إلا ما بين يديك" ومعلوم أنه لا يكفي، وجعلوا ما بين يديه عندهم، لعلمهم أنه لا يمنعهم منه، فالاستثناء متصل، "فوضع" صلى الله عليه وسلم "يده في الركوة، فجعل الماء يثور" بالمثلثة للأكثر، وللكشميهني بالفاء، وهما بمعنى، أي: ينبع الماء ويرتفع لزيادته "من بين أصابعه، كأمال العيون" أي: مائها الذي يخرج منها، والغرض وصف الماء الخارج من أصابعه بالكثرة.

وقال بعض: أي: كان بين كل أصبعين من أصابعه عين ماء نابعة، "فشربنا وتوضأنا، قلت" هو مقول سالم بن أبي الجهد راويه عن جابر، أي: قلت له "كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا" ذلك الماء لما شاهد من ثورانه الدال على عدم انقطاعه، "كنا خمس عشرة مائة" يعني: ألفًا وخمسمائة.

قال الطيبي: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوز في الكثرة والقلة، وهذا يدل على أنه اجتهد فيه، وغلب على ظنه المقدار، لكن يخالفه قول البراء عند البخاري: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، ورجح البيهقي هذه الرواية على الأولى، بل قيل: إنها وهم، وجمع بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: وأربعمائة ألغاه، ويؤيده رواية البخاري من وجه آخر عن البراء: كنا ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فأو بمعنى بل تفيد ذلك، واعتمد

ص: 9

أي يغلي ويظهر متدفقًا.

وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في ذكره غزوة بواط، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ناد: الوضوء". وذكر الحديث بطوله، أنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب

النووي هذا الجمع لصحة الروايات كلها، كما تقدم بسط ذلك في الحديبية، "وقوله: يثور" بالمثلثة أو الفاء، لأنهما بمعنى؛ كما قال الحافظ، "أي: يغلي ويظهر متدفقًا" عطف تفسير، يقال للشيء إذا زاد وارتفع قد غلى؛ كما في المصباح، وبه تعلم أنه لا يشترط في الغليان حصوله بحرارة النار.

"وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت" الأنصاري، المدني، أبي عبادة، ثقة، من كبار التابعين، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومات بعد السبعين، روى له الشيخان والترمذي والنسائي، "عنه" أي: عن جابر "في حديث مسلم الطويل" صفة لحديث في آواخر صحيحه، نحو ورقتين في باب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، "في ذكر غزوة بواط" بضم الباء وفتحها، وخفة الواو مفتوحة، وألف، ومهملة جبال جهينة على أبراد من المدينة بقرب ينبع ثاني غزواته صلى الله عليه وسلم، قال:"قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ناد" أمر من النداء محذوف الآخر المعتل، أي: ناد الناس، فقال لهم: أعطوا أو ناولوا "الوضوء" بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، فنصب بمقدر، "وذكر الحديث بطوله" وهو: فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء، ألا وضوء، قال: قلت: يا رسول الله! ما وجدت في الركب من قطر، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب له ماء في أشجاب على حمارة، فلم أجد إلا قطرة وعزلاء شجب، منها لو أني أفرغه لشربه، يابس الإناء، قال: "اذهب فائت به"، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمز بيده، ثم أعطانيه، فقال: "يا جابر ناد بجفنة" فقلت: يا جفنة الركب، فأتى بها تحمل، فوضعها بين يديه، فقال صلى الله عليه وسلم: بيده هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: "خذ يا جابر، فصب علي وقل: بسم الله". فصببت عليه وقلت بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: "يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء"، قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا وبقي، فقلت: هل بقي أحد له حاجة، فرفع صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى، الحديث.

قال الحافظ: وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم لاشتمالها على قلة الماء، وعلى كثرة من استقى منه، فذكر المصنف معناه تبعًا للشفاء بقوله:"وإنه" أي: جابرًا "لم يجد" عند الأنصاري "إلا قطرة" أي: ماء قليلا جدًا، "في عزلاء" بفتح المهملة، وسكون الزاي، ولام، بعدها مدة

ص: 10

فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فغمزه وتكلم بشيء لا أدري ما هو، وقال:"ناد بجفنة الركب". فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب عليه جابر، وقال: بسم الله، قال فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل

وهمزة: فم القربة الأسفل أو مصب الماء من الراوية، مضاف إلى "شجب" بفتح المعجمة، وحكي كسرها، ولا يصح سكون الجيم وموحدة، أي: فم قربة معلقة بعود أو بالية، فالشجب عود يعلق عليه القرب والثياب والأواني بالماء على الصحيح، وقيل: ما قدم من القرب، "فأتي" بالبناء للمفعول، والفاعل "به النبي صلى الله عليه وسلم، فغمزه" بفتح، المعجمة والميم، والزاي: عصره وحركه، أو وضع يده عليه وكبسه بها، "وتكلم بشيء لا أدري ما هو" كأنه سر من أسرار الله، تكلم به بالسريانية ونحوها ليخفى على غيره، كذا قال بعض أو بالعربية، وأسره فلم يدره جابر، "وقال:"ناد بجفنة" كقصعة لفظًا ومعنى: إناء يشبع عشرة فأكثر، ودونها الصحفة تشبع خمسة، ثم الماكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة مصغر تشبع الواحد، وقيل: الجفنة كالصحفة، وقيل: أعظم منها، "الركب" بزيادة الباء أو بتضمين ناد معنى صح أو ائت، بدليل قوله:"فأتيت بها فوضعتها بين يديه" بالبناء للمفعول؛ كما قاله البرهان وغيره، وقيل: مفعول ناد محذوف، أي: ناد القوم يؤتوا بجفنة أو نزلها منزلة العاقل؛ لأن الله خلق فيها إدراكًا حتى تنادي هي، ثم ظاهره أن الركب كان لهم جفنة معينة يستعملونها في حوائجهم، أو يضعون فيها الطعام، ويجتمعون عليها عند الأكل مثلا، وهذا مقتضى الإضافة.

وقد علمت أن لفظ مسلم: "ناد بجفنة". فقلت: يا جفنة الركب، ولا منافاة لجواز أن المراد بها الجفنة المخصوصة، فالتنوين عوض عن المضاف إليه، أو على حقيقته؛ لأنه جوز أن يكون معهم غيرها، فأراد، أي: جفنة كانت.

"وذكر" جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط" بالسين والصاد، وبهما قرئ، أي: وضع "يده في الجفنة" مبسوطة، ليكون أبرك، "وفرق أصابعه، وصب عليه جابر، وقال" جابر: "بسم الله" كما أمره بها، وزعم أن فاعل قال النبي صلى الله عليه وسلم بعيد، بل يخالفه لفظ مسلم المار. "قال" جابر:"فرأيت الماء يفور" يزيد ويرتفع حتى يتدفق، "من بين أصابعه" عليه الصلاة والسلام، "ثم فارت الجفنة" أي: ارتفع ماؤها، فالمضاف مقدر، وإسناد مجازي للمبالغة في فورانه، "واستدارت" أي: دارت، كما هو لفظ مسلم، أي: دار الماء فيها من تسمية الحال باسم المحل؛ لأن الماء إذا زاد بسرعة يرى كأنه يدور، وقيل: الجفنة نفسها دارت لعظم الأمر وشرف الموضع، فاهتزت واضطربت، وتتابعت حركاتها، "حتى امتلأت" قال بعض: ولا

ص: 11

بقي من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى.

وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فدعا بعس فصب فيه شيئًا من الماء، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، وقال:"استقوا". فاستقى الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ من حديثه له أيضًا: قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الإناء ثم قال: "بسم الله". ثم قال: "أسبغوا الوضوء". قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري، لقد رأيت العيون، عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فما رفعها حتى توضئوا أجمعون.

ورواه أيضًا عنه البيهقي في الدلائل قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوضع يده في تور

محصل لهذا القيل، وفيه نظر، "وأمر الناس بالاستقاء، فاستقوا حتى رووا فقلت" مقول جابر، "هل" نافية، أي: ما "بقي من" زائدة "أحد له حاجة" كقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} ، و"هل ترك لنا عقيل من رباع"، بدليل زيادة من، وقوله:"فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة" ويجوز أنها استفهامية، ومن زائدة والفاء في فرفع فصيحة، أي: فقالوا: لا، فرفع والأولى أَوْلى؛ لأن الأصل عدم التقدير، "وهي ملأى" أي: مملوأة بالماء لم تنقص شيئًا بما أخذوه.

"وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده، بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فدعا بعس" بضم العين، وشد السين المهملتين: قدح كبير، "فصب فيه شيئًا من الماء" قليلا، "ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، وقال: "استقوا" فاستقى الناس، فكنت أرى العيون أي: عيون الماء "تنبع" تخرج "من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ من حديثه" أي: جابر، "له" أي: لأحمد "أيضًا، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الإناء، ثم قال: "بسم الله" أتبرك وأطلب نبع الماء، ويحتمل القسم لصحة نيته بذلك، واقتصر عليه، لأنه المأثور في سائر الأفعال، لا لبيان جوازه بدون الرحمن الرحيم؛ كما زعم، ثم قال: "أسبغوا الوضوء" قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري أي: بفقده وذهابه؛ لأنه عمي في آخر عمره، "لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم فما رفعها" أي: يده "حتى توضئوا أجمعون، ورواه أيضًا عند البيهقي في الدلائل" النبوية، "قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر" هو الحديبية، "فأصابنا عطش، فجهشنا" بفتح الجيم، والهاء، وتكسر: أسرعنا، "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال" جابر:"فوضع يده في تور" بفتح الفوقية: شبه الطست، وقيل: هو الطست، ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج: أتي بطست من ذهب فيه تور، وظاهره

ص: 12

من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال: خذوا بسم الله، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفًا وخمسمائة.

وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضًا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث.

وأخرجه أيضًا -عن جابر- أحمد من طريق نبيح العنزي عنه، وفيه: فجاء رجل بإداوة فيها شيء من الماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم.

المغايرة بينهما، ويحتمل الترادف، فكان الطست أكبر من التور، قاله الحافظ: وقوله: فكان لا يلائم احتمال الترادف إلا أن يكون مراده الترادف اللغوي، وقال المصنف: التور إناء من صفرا وحجارة.

وفي القاموس: إناء يشرب فيه مذكر، "من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون" لكثرة نبعه، "قال:"خذوا بسم الله" فشربنا، فوسعنا" عمنا "وكفانا" حتى روينا، ولا يلزم من الوسع الكفاية في الري، فلذا جمع بينهما، "ولو كنا مائة ألف لكفانا" لأنه مدد غير منقطع، قال سالم بن أبي الجعد: "قلت لجابر: كم كنتم؟ قال" كنا "ألفًا وخمسمائة".

"وأخرجه ابن شاهين" الحافظ، أبو حفص، عمر بن أحمد البغدادي، تقدمت ترجمته، وإن له المنتهى في التصنيف، له ثلاثمائة وثلاثون تصنيفًا، منها المسند ألف وستمائة مجلد، والتفسير ألف مجلد ضخم، وحاسب الحبار على ثمانية عشر قنطارًا من الحبر استجرها منه وجمع براية أقلامه عنده، وأوصى أن يسخن له ماء غسله، فكفت تسخينه.

قال ابن ماكولا وغيره: ثقة مأمون صنف ما لم يصنفه أحد، إلا أنه لحان ولا يعرف الفقه، مات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، "من حديث جابر أيضًا، وقال" في سياقه: "أصابنا عطش بالحديبية، فجهشنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث.

"وأخرجه أيضًا عن جابر أحمد" الإمام في المسند، "من طريق نبيح" بضم النون ومهملة، مصغر ابن عبد الله "العنزي" بفتح المهملة والنون، ثم زاي، أبي عمرو الكوفي مقبول "عنه" أي: جابر، قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحضرت الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم:"أما في القوم طهور"؟. "وفيه" تلو هذا: "فجاء رجل بإداوة فيها شيء" قليل "من الماء، ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح، ثم توضأ فأحسن الوضوء" أتم فرائضه ونوافله، "ثم

ص: 13

انصرف وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح فقال: على رسلكم، فوضع كفه في القدح ثم قال: أسبغوا الوضوء قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

وأما حديث ابن مسعود، ففي الصحيح من رواية علقمة: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا ماء، فقال لنا:"اطلبوا من معه فضل ماء". فأتي بماء فصبه في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

انصرف وترك القدح، قال" جابر:"فتزاحم الناس على القدح" أسقط من هذه الرواية، فقال: تمسحوا تمسحوا، فسمع صلى الله عليه وسلم، فقال:"على رسلكم" بكسر الراء: هينتكم، "فوضع كفه في القدح"، وفي رواية: فضرب يده في القدح في جوف الماء، ثم قال:"أسبغوا الوضوء"، أتموه بفرضه، ونقله ولا تمسحوا، "قال" جابر:"فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم" حتى توضئوا أجمعون، قال: حسبته قال: كنا مائتين وزيادة هذا بقية رواية نبيح؛ كما في الفتح.

"وأما حديث ابن مسعود، ففي الصحيح" أي الحديث الصحيح أو صحيح البخاري، "من رواية علقمة" بن قيس بن عبد الله النخعي، الكوفي، التابعي، الكبير، ثقة، ثبت، فقيه عابد، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين عن عبد الله، يعني ابن مسعود، قال:"بينما" بالميم، وفي رواية: بينا بلا ميم، "نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: في سفر؛ كما في البخاري، وجزم البيهقي في الدلائل؛ بأنه الحديبية، لكن لم يخرج ما يصرح به، وقد روى أبو نعيم في الدلائل أن ذلك في غزوة خيبر، فهذا أولى؛ كما في الفتح، "وليس معنا ماء" جملة حالية، فقال لنا:"اطلبوا من معه فضل ماء" أي: بقية ماء كان أو زيادة منه على حاجته، "فأتى بماء" بالبناء للمفعول، والفاء فصيحة، أي: فطلبوا الماء، فوجده بعضهم، فأتى به، وفي البخاري: فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، ولأبي نعيم عن ابن عباس: دعا صلى الله عليه وسلم بلالا بماء فطلبه فلم يجده، "فصبه في إناء" آخر مكشوف ليدخل يده فيه "ثم وضع كفه فيه" أي: في الإناء الثاني، والعطف بثم، لما بينهما من تراخ قليل، "فجعل" أي: صار "الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي رواية ابن عباس: فبسط كفه فيه، فنبعت تحت يده عين، فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر.

وفي رواية عن ابن مسعود: فجعلت أبادرهم إلى الماء، أدخله في جوفي؛ لقوله:"البركة من الله" ثم ما ذكره المصنف من لفظ الحديث، وعزاه للصحيح مثله في الشفاء، ولفظ البخاري في علامات النبوة من رواية علقمة عن عبد الله، قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم

ص: 14

وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر -للبركة الحاصلة فيه- يفور ويكثر، وكفه صلى الله عليه وسلم في الإناء، فيراه الرائي نابعًا من بين أصابعه.

وظاهر كلام القرطبي: أنه نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، وبه صرح النووي في شرح مسلم، ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، وهذا هو الصحيح، وكلاهما معجزة له صلى الله عليه وسلم.

تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء، فقال:"اطلبوا فضلة من ماء"، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال:"حي على الطهور المبارك والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.

"وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه" لا حقيقة، بل "بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه" متعلق بقوله: "يفور ويكثر" في نفسه من غير خروجه من أصابعه، الشريفة، "وكفه صلى الله عليه وسلم في الإناء، فيراه الرائي نابعًا من بين أصابعه" وليس بنابع حقيقة.

"وظاهر كلام القرطبي" المتقدم أول هذا المبحث: "أنه نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع" لقوله: نبع الماء من عظمه ولحمه ودمه، وقدمت أن الحافظ أبدى فيه احتمال كونه بالنسبة للرؤية، وأن ظاهره أبلغ، وليس في الأخبار ما يرده.

"وبه صرح النووي في شرح مسلم" فقال: وفي كيفية هذا النبع، قولان، حكاهما عياض وغيره، أحدهما وهو قول أكثر العلماء والمزني: أن الماء كان يخرج من ذات أصابعه، والثاني: أن الماء كثر في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، انتهى.

ودعوى المصنف أن حديث ابن مسعود ظاهر في الثاني، فيها نظرًا؛ إذ هو محتمل، بل الظاهر منه الأول كبقية الأحاديث، "ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه" فقوله: يخرج وينبع ظاهر في أنه من ذاتها، "وهذا هو الصحيح، وكلاهما" أي: الأمرين كثرته في نفسه ببركته، وخروجه من ذات أصابعه "معجزة له صلى الله عليه وسلم" وقول الأكثر أبلغ في المعجزة، وأفرد معجزة نظرًا للفظ كلا، فيجوز مراعاة لفظها ومعناها، واجتمعا في قوله:

كلاهما حين جد الجري بينهما

قد أقلع وكلا أنفيهما رابي

ص: 15

وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدبًا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل.

وروى ابن عباس قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت الماء، قال:"فهل من شن"؟. فأتي بشن فبسط كفه فيه فانبعثت تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ، رواه الدارمي وأبو نعيم، وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده.

"وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء، ولا وضع إناء تأدبًا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات" إيجادها على غير مثال سابق، "وإيجادها من غير أصل" تتولد منه.

وفي فتح الباري: الحكمة في طلبه صلى الله عليه وسلم في هذه المواطن فضلة الماء، لئلا يظن أنه الموجد للماء، ويحتمل أنه إشارة إلى أن الله أجرى العادة في الدنيا غالبًا بالتوالد، وأن بعض الأشياء يقع بثها بالتوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما يشاهد من فوران بعض المائعات إذا خمرت وتركت زمانًا، ولم تجر العادة في الماء الصرف بذلك، فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جدًا، انتهى.

"وروى ابن عباس، قال: دعا" نادى "النبي صلى الله عليه وسلم بلالا" بماء؛ كما في الرواية، "فطلب" بلال "الماء، فقال" بلال: "لا والله ما وجدت الماء"، قال:"فهل من شن"؟. بفتح المعجمة وبالنون، إداوة يابسة، "فأتي بشن، فبسط كفه" اليمنى على الظاهر "فيه، فانبعثت" انفرجت "تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب" ويكثر؛ كما في الرواية، وكان "غيره يتوضأ، رواه الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن، "وأبو نعيم" في الدلائل، قال الحافظ: وهذا يشعر بأن ابن عباس حمل الحديث عن ابن مسعود، فإن القصة واحدة، ويحتمل أن يكون كل من بلال وابن مسعود أحضر الإداوة، فإن الشن الإداوة اليابسة، انتهى.

"وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري" والد عبد الرحمن، قيل: اسمه بلال، وقيل: بليل بالتصغير، وقيل: داود بن بلال، وقيل: أوس، وقيل: يسار، وقيل: اليسر، وقيل: اسمه وكنيته.

وقال ابن الكلبي: أبو ليلى بن بلال بن بليل بن أحيحة، وتميم نسبة إلى مالك بن الأوس، وقال غيره: شهد أحدًا وما بعدها، ثم سكن الكوفة، وكان مع علي في حروبه، وقيل: إنه قتل بصفين، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه ولده عبد الرحمن وجده.

وقال الدولابي: روى عنه أيضا عامر بن كدين، قاضي دمشق، وليس كما قال: فشيخ عامر هو أبو ليلى الأشعري؛ كما في الإصابة، وله أحاديث في السنن.

"وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده" أبي رافع، واسمه أسلم، على أشهر أقوال عشرة تقدمت غير مرة، مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر المصنف ستة صحابة رووا حديث نبع الماء، فزاد أبا رافع على الحافظ.

ص: 16