الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال: "يا عم، أعطشت"؟. فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال:"اشرب يا عم فشربت". وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر.
راكبين عليها، فإن في نفي الحديث، وهو رديفه، أي: النبي صلى الله عليه وسلم رديف أبي طالب، أي: راكب خلفه، "وقال:"يا عم! أعطشت"؟، كأنه سأله بعد شكواه إليه العطش لينبهه على رؤية الآية، "فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض" وضرب الأرض بقدمه، "فإذا بالماء، فقال:"اشرب يا عم"، فشربت، وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر" من رواية إسحاق بن الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن عمرو بن شعيب، وهذا أحد ثلاثة أحاديث رواها أبو طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن علي، سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد بن أخي، وكان والله صدوقًا، قال: قلت له: بم بعثت؟ قال: "بصلة الأرحام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة".
وعن أبي رافع: سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه أحدًا، ومحمد عندي الصدوق الأمين، رواهما الخطيب وضعفهما؛ كما في الإصابة وعبر السيوطي بأن أبا طالب روى عن المصطفى حديثين وهو أدق، إذ الثاني والثالث واحد، رواه عنه علي أبو رافع والخطب سهل.
"
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم
":
ومن ذلك: تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه.
عن جابر، في غزوة الخندق، قال: فانكفيت إلى امرأتي، فقلت هل عندك شيء، فإني رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، فأخرجت جرابًا
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم:
"ومن ذلك تكثير الطعام" ما قابل الماء لتقدمه، "القليل ببركته ودعائه" والطعام لغة ما يطعم، وهو المراد هنا بسائر أنواعه، "عن جابر بن عبد الله في غزوة الخندق" وهي الأحزاب، "قال": لما حفر الخندق، رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، "فانكفيت"، قال الحافظ: بفاء مفتوحة، بعدها تحتية ساكنة، أي انقلبت، وأصله انكفأت بالهمز، وقال في التنقيح: أصله الهمزة من كفأت الإناء، وتسهل.
قال في المصابيح: ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة، أي: انقلبت "إلى امرأتي" سهيلة، "فقلت" لها:"هل عندك شيء، فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم خمصًا"، بمعجمة وميم مفتوحتين، وصاد مهملة، وقد تسكن الميم، ضمور البطن من الجوع، "شديدًا، فأخرجت جرابًا" بكسر
فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعًا من شعير. فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا، فحي هلا بكم".
الجيم، "فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة" بضم الموحدة، وفتح الهاء، مصغر بهمة، وهي الصغيرة من أولاد الغنم، وفي رواية: عناق، وهي الأنثى من المعز، "داجن" بكسر الجيم: التي تترك في البيت، ولا تخرج إلى المرعى، ومن شأنها أن تسمن، وقد زاد في رواية: أحمد: سمينة، "فذبحتها" بسكون الحاء، وضم التاء، فالذابح جابر، "وطحنت" بفتح المهملة والنون، امرأتي "الشعير" وفي رواية أحمد: فأمرت امرأتي، فطحنت لنا الشعير، وصنعت لنا منه خبزًا.
وفي رواية في الصحيح من طريق آخر عن جابر: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال:"أنا نازل" ثم قام وبطنه معصور بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب، فعاد كثيبًا أهيل، أو أهيم، فقلت: يا رسول الله! ئذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير، "حتى جعلنا"، أي: وشرعنا في تهيئته حتى جعلنا، وللكشميهني: جعلت، أي: المرأة "اللحم في البرمة"، بضم الموحدة، وسكون الراء: القدر مطلقًا أو من حجارة.
وفي رواية: ففرغت إلى فراغي، أي: معه وقطعتها في برمتها، "ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم"، زاد في رواية في الصحيح: والعجين قد انكسر، أي: اختمر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقالت: لا تفضحني برسول الله وبمن معه، فجئته "فساررته فقلت" له سرًا "يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت" المرأة رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما: وطحنا، وعلى الأولى هو من الإضمار، أي: إرجاع الضمير لما علم من السياق، وهو أنه لما أسند الفعل إلى مؤنث، علم النبي صلى الله عليه وسلم أنها الطاحنة، إذ ليس عنده غيرها، ولعله نسب الذبح إليهما لمعاونتها له فيه، والطحن لها لاستقلالها به دونه، "صاعًا من شعير كان عندنا، "فتعال أنت ونفر معك" دون العشرة من الرجال، وفي رواية: فقلت: طعيم لي صنعته، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، ولأحمد: وكنت أريد أن ينصرف صلى الله عليه وسلم وحده، قال: "كم هو"؟، فذكرت له، فقال: "كثير طيب، قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي"، "فصاح النبي صلى الله عليه وسلم": "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا فحي" بحاء مهملة، وشد التحتية، "هلا بكم" بفتح الهاء واللام المنونة مخففة، أي، هلموا مسرعين.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". ثم قال فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معك
وفي رواية في الصحيح، فقال:"قوموا". فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟، قلت: نعم، وفي سياقه اختصار، وبيانه في رواية يونس بن بكير في زيادات المغازي، قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله بالجند أجمعين، فقالت: هل كان سألك: كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، نحن أخبرناه بما عندنا، فكشفت عني غما شديدًا، وفي رواية الصحيح: فجئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، ويجمع بينهما بأنها أولا أمرته أن يعلمه بالصورة، فلما قال لها: إنه جاء بالجميع، ظنت أنه لم يعلم فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه، سكن ما عنده، لعلمها بإمكان خرق العادة، ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها، وقد وقع لها في قصة التمر أن جابرًا أوصاها لما زارهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تكمله، فلما أراد صلى الله عليه وسلم الانصراف نادته: يا رسول الله! صل عليّ وعلى زوجي، فقال صلى الله عليه وسلم:"صلى الله عليك وعلى زوجك" فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظن أن الله يورد رسوله بيتي، ثم يخرج ولا أسأله الدعاء، أخرجه أحمد بإسناد حسن، ذكره الحافظ.
"قال النبي صلى الله عليه وسلم" لجابر: "لا تنزلن"، بضم الفوقية، وكسر الزاي، وضم اللام، "برمتكم" نصب على المفعولية ولأبي ذر: لا تنزل بفتح الزاي واللام مبني للمفعول، برمتكم بالرفع نائب الفاعل، "ولا تخبزن" بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، وضم الزاي، وشد النون "عجينكم" بالنصب، ولأبي ذر، بضم التحتية، وفتح الموحدة، والزاي، ورفع عجينكم، "حتى أجيء" إلى منزلكم، "ثم جاء" لفظ البخاري: فجئت وجاء صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت إلى امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت الذي قلت، "فأخرجت" المرأة "له عجينًا، فبصق فيه" بالصاد، ولأبي ذر، والوقت، وابن عساكر: فبسق بالسين، ويقال بالزاي أيضًا، لكن قال النووي: بالصاد في أكثر الأصول وفي بعضها بالسين، وهي لغة قليلة، "وبارك" في العجين، أي: دعا فيه بالبركة، "ثم عمد" بفتح الميم: قصد "إلى برمتنا، فبصق" زاد الكشميني: فيها، أي: البرمة "وبارك" في الطعام، "ثم قال" صلى الله عليه وسلم لجابر:"ادع خابزة فلتخبز"، بسكون اللام "معك" بكسر الكاف، خطابًا لزوجة جابر، فخصه بالأمر بالدعاء؛ لأنه صاحب المنزل المشار بإذنه لمن شاء في دخوله منزله، وخاطب زوجته، بأنه إذا أحضرها يأمرها بالخبز معها، أي: مساعدتها فيه، ثم تباشر
واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، رواه البخاري ومسلم.
وقوله: "فانكفأت" أي: انقلبت.
هي غرف الطعام، ولا ينافيه أن لفظ البخاري: فلتخبزي معي؛ لأن المراد وقولي لها لتخبزي معي، أي: تعاونيني فيه، كذا أملانيه شيخنا قائلا، ويدل عليه قوله:"واقدحي" بسكون القاف، وفتح الدال، وكسر الحال المهملتين، أي: اغرفي "من برمتكم" والمغرفة تسمى المقدمة، وقدحه من المرق غرفه منه، "ولا تنزلوها" بضم الفوقية، وكسر الزاي، أي: البرمة من فوق الأثافي، بفتح الهمزة والمثلثة فألف، ففاء مكسورة، فتحتية مشددة: حجارة ثلاثة يوضع عليها القدر، "وهم" أي: القوم الذين أكلوا "ألف" وفي مستخرج أبي نعيم، وهو سبعمائة أو ثمانمائة، وللإسماعيلي ثمانمائة أو ثلاثمائة، وفي مسلم: ثلاثمائة.
قال الحافظ والحكم: لزائد لمزيد علمه، ولأن القصة متحدة.
وفي رواية أبي الزبير عن جابر وأقعدهم عشرة عشرة يأكلون، "فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا"، أي: مالوا عن الطعام، "وإن برمتنا لتغط" بكسر الغين المعجمة، وشد الطاء المهملة، أي: تغلي وتفور بحيث يسمع لها غطيط، "كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو" لم ينقص من ذلك شيء، وما في، كما كافة، وهي مقمحة لدخول الكاف على الجملة، وهي مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كما هي قبل ذلك.
"رواه البخاري ومسلم" في المغازي من حديث سعيد بن مينا عن جابر، وأخرجه البخاري وحده من رواية أيمن عن جابر نحوه، وفي آخره: فقال صلى الله عليه وسلم ادخلوا ولا تضاغطو، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرم والتنوم إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا أو بقي بقية، قال:"كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة" وفي رواية يونس بن بكر: فما يزال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، فقال:"كلي وأهدي" فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع، وفي رواية أبي الزبير عن جابر: فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا، فلما خرج صلى الله عليه وسلم ذهب ذلك، انتهى.
وصريح هذا أن الذي باشر الغرف النبي صلى الله عليه وسلم، فيخالف ظاهر قوله:"واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". أي: اغرفي من أن مباشرة المرأة، ويمكن الجمع بينهما؛ بأنها كانت تساعد في الغرف، ولم يتعرض الحافظ ولا المصنف لهذا.
"وقوله: فانكفأت، أي: انقلبت" بالهمز وتركه، وهو الرواية على ظاهر كلام الحافظ بن
وقوله: "داجن" يعني سمينة.
وقوله: "فذبحتها" بسكون الحاء، و"طحنت" بسكون التاء، يعني إن الذي ذبح هو جابر، والتي طحنت هي امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية.
وقوله: "سورا" بضم المهملة وسكون الواو بغير همز: قال ابن الأثير: أي طعامًا يدعو الناس إليه. قال: واللفظة فارسية.
وقوله: "فحي هلا بكم" كلمة استدعاء فيه حث، أي هلموا مسرعين.
وقوله: "واقدحي" أي: اغرفي.
وقوله: "إن برمتنا لتغط" بالغين المعجمة والطاء
حجر، وظاهر تصويب الحافظ أبي ذر له بالهمز؛ كما مر، "وقوله: داجن، يعني: سمينة" كما ورد صريحًا في رواية أحمد، قال الحافظ: الداجن التي تترك في البيت ولا تفلت للرعي، ومن شأنها أن تسمن.
وفي رواية أحمد: سمينة، "وقوله: فذبحتها، بسكون الحاء" وضم التاء، "وطحنت، بسكون التاء" الفوقية، قبلها نون، فحاء فطاء مفتوحات، "يعني: أن الذي ذبح هو جابر، والتي طحنت هي امرأته سهيلة" بلفظ التصغير، "بنت معوذ" صوابه كما في الفتح وغيره: بنت مسعود بن أوس بن مالك، بن سواد "الأنصارية" الظفرية، زوجة جابر وأم ولده عبد الله، ذكرها ابن حبيب في المبايعات؛ كما في الإصابة.
وقوله: "سورا" بضم المهملة وسكون الواو بغير همز، قال الحافظ: هو هنا الصنيع بالحبش، وقيل العرس بالفارسية، ويطلق أيضًا على البناء الذي يحيط بالمدينة، وأما الذي بالهمز، فهو البقية، "قال ابن الأثير، أي: طعامًا يدعو الناس إليه" زاد المصنف: أو الطعام مطلقًا، "قال: واللفظة فارسية" قال الطيبي: تظاهرت أحاديث صحيحة؛ أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بالألفاظ الفارسية، أي: كقوله للحسن: "كخ" ولعبد الرحمن: "مهيم"، أي: ما هذا، ولأم خالد: "سنا سنا"، يعني: حسنة، وهو يدل على جوازه، ذكره المصنف، ولعله صلى الله عليه وسلم عبر بها دون طعام، لعمومه في كل مأكول، بخلاف الطعام، فيخص بالحنطة عند أهل مكة، فقد يفهم بعض السامعين غير المراد، أو لبيان الجواز.
وقوله: "فحي" بالفتح مثقلا "هلا" بفتح الهاء، واللام مخففًا "بكم". وفي رواية:"أهلا بكم" بزيادة ألف، والصواب حذفها، قاله الحافظ. "كلمة استدعاء فيه"، أي: الاستدعاء، ولفظ الحافظ فيها: أي الكلمة والأمر سهل، "حث" على الإجابة، "أي: هلموا مسرعين، وقوله:"واقدحي"، أي: اغرفي" والمقدحة: المغرفة، "وقوله: وإن برمتنا لتغط بالغين المعجمة" المكسورة، "والطاء
المهملة، أي: تغلي ويسمع غطيطها.
وعن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه -أي أدارت بعض الخمار على رأسي مرتين كالعمائم- ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت به فوجدت
المهملة" المشددة، "أي: تغلي ويسمع غطيطها" صوتها بالغليان، كغطيط النائم.
"وعن أنس" بن مالك "قال: قال أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم سليم، والدة أنس "لأم سليم" قال الحافظ: اتفقت الطرق على أن الحديث المذكور من مسند أنس، وقد وافقه على ذلك أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مطولا عن أبيه، قال: دخلت المسجد، فعرفت، في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع
…
الحديث، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، "لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا؛ أعرف فيه الجوع" فيه العمل بالقرائن، وكأنه لم يسمع من صوته حين تكلم الفخامة المألوفة منه، فحمله على الجوع، ولأحمد عن أنس، أن أبا طلحة رآه طاويًا، وفي مسلم جئت وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت، فقالوا: من الجوع، فأخبرت أبا طلحة، فدخل على أم سليم، قال:"فهل عندك من شيء" يأكله النبي صلى الله عليه وسلم؟، "فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا" جمع قرص، بالضم: قطعة عجين مقطوع منه "من شعير" ولأحمد: عمدت أم سليم إلى نصف مد من شعير فطحنته. وللبخاري: عمدت إلى مد من شعير جشته، ثم عملته عصيدة، وفي لفظ خطيفة، وهي العصيدة وزنًا ومعنى، وفي مسلم وأحمد: أتي أبو طلحة بمدين من شعير، فأمر، فصنع طعامًا، قال الحافظ: ولا منافاة لاحتمال تعدد القصة، او أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويمكن الجمع بأن يكون الشعير في الأصل كان صاعًا، فردت بعضه لعيالهم وبعضه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على التعدد ما بين العصيدة والخبز المفتوت، الملتوت بالسمن من المغايرة، "ثم أخرجت خمارًا" بكسر الخاء المعجمة، أي: نصيفًا لها، "فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته" أي: أخفته "تحت يدي" بكسر الدال، أي: إبطي "ولاثتني بمثلثة، ففوقية ساكنة، فنون مكسورة: لفتني، "ببعضه" ببعض الخمار، "أي: أدارت بعض الخمار على رأسي مرتين، كالعمائم" وفي الفتح، أي: لفتني به يقال: لاث العمامة على رأسه، أي: عصبها، والمراد أنها لفت بعضه على بعض رأسه، وبعضه على إبطه، وللبخاري في الأطعمة، فلفت الخبز ببعضه، ودست الخبز تحت ثوبي وردتني ببعضه، يقال: دس الشيء يدسه دسًا، إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة، "ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت به، فوجدت
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال:"لطعام"؟ قلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه:"قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هلمي يا أم سليم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت، وعصرت أم سليم عكة
رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه" لفظ البخاري: فقمت عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"آرسلك" بهمزة ممدودة للاستفهام، كذا في الفتح "أبو طلحة"؟، قلت: نعم، قال:"لطعام"؟، أي: لأجله، "قلت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه" من صحبه: "قوموا" ، يأتي الجواب عما فيه من شبه التنافي، "فانطلق" وأصحابه، ولأبي نعيم، فقال للقوم: "انطلقوا" وهم ثمانون رجلا، "وانطلقت بين أيديهم" ولأبي نعيم: أخذ صلى الله عليه وسلم بيدي، فشده، ثم أقبل بأصحابه حتى إذا دنوا، أرسل يدي، فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء معه، "حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته" بمجيئهم.
وفي رواية: قال يا أنس فضحتنا، وللطبراني: فجعل يرميني بالحجارة، "فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم" أي: قدر ما يكفيهم، "فقالت: الله ورسوله أعلم" كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمدًا ليظهر الكرامة في تكثير الطعام، ودل ذلك على فضل أم سليم، ورجحان عقلها، "فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول" صلى الله عليه وسلم، وقال: إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى إنما هو قرص، فقال: "إن الله سيبارك فيه"؛ كما في روايات تأتي، "فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه" حتى دخل على أم سليم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلمي" كذا لأبي ذر عن الكشميهني، بالتحتية؛ وهي لغة تميم، وللأكثر: هلم، بفتح الميم مشددة مع خطاب المؤنثة، وهي لغة حجازية لا يؤنث ولا يجمع، ومنه: {وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} ، والمراد: الطلب، أي: هات "يا أم سليم ما عندك" ، "فأتت بذلك الخبز" الذي كانت أرسلته مع أنس، ويحتمل أنه لما أخبره أخذته منه؛ وأنه كان باقيًا معه، وخاطبها لأنها هي المتصرفة، "فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت" بضم الفاء، وشد الفوقية، أي: كسر، "وعصرت أم سليم عكة" بضم المهملة، وشد الكاف إناء من جلد مستدير، يجعل فيه السمن غالبًا والعسل، وفي رواية: فقال: "هل من سمن"؟، فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء، فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح صلى الله عليه وسلم به سبابته، ثم مسح القرص فانتفخ، وقال:
فأدمته، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال:"ائذن لعشرة، ثم لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. رواه البخاري ومسلم.
والمراد بالمسجد -هنا- الموضع الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه حين حاصره الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق.
وفي رواية: لمسلم أنه قال: ائذن لعشرة، بالدخول فدخلوا فقال: كلوا وسموا الله، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت وتركوا سؤرًا. أي بقية وهي بالهمزة.
وفي رواية للبخاري:
"بسم الله"، فلم يزل يصنع ذلك القرص والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، "فأدمته" أي: صيرت ما خرج من العكة إدامًا له، "ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما شاء الله أن يقول" في رواية أحمد: فقال "بسم الله"، وفي مسلم: فمسحها ودعا فيها بالبركة، ولأحمد: فجئت بها، ففتح رباطها، ثم قال:"بسم الله اللهم أعظم فيها البركة"، ثم قال:"ائذن لعشرة" بالدخول؛ لأنه أرفق، "ثم لعشرة" ثانية، "فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا" بالشك من الراوي، وعند أحمد ومسلم وغيرهما، حتى فعل ذلك بثمانين رجلا بالجزم، ولأحمد أيضًا: كانوا نيفًا وثمانين ولا منافاة، لأنه ألغى الكسر، وفي مسلم وفضلت فضلة، فأهدينا لجيراننا، ولأبي نعيم: حتى أهديت أم سليم لجيرانها، "رواه البخاري ومسلم" كلاهما في الأطعمة من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس والبخاري أيضًا في علامات النبوة، وروى بعضه في الصلاة، وأخرجه الترمذي في المناقب والنسائي في الوليمة، "والمراد بالمسجد هنا: الموضع الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه حين حاصره الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق" لا المسجد النبوي.
وفي رواية لمسلم، أنه قال:"ائذن لعشرة" بالدخول، فأذن لهم، "فدخلوا، فقال: "كلوا وسموا الله" فأكلوا" وفي رواية أحمد: فوضع يده وبسط القرص، وقال:"كلوا بسم الله" فأكلوا من حوالي القصعة حتى شبعوا، ثم قال لهم:"قوموا وليدخل عشرة مكانكم"، "حتى فعل ذلك بثمانين رجلا" فجزم بثمانين، "ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم" بعد ذلك "وأهل البيت، وتركوا سؤرًا، أي: بقية، وهو بالهمزة" الفضلة والبقية.
"وفي رواية للبخاري" في الأطعمة عن أنس: أن أمه عمدت إلى مد شعير جشته، منه خطيفة، وعصرت، عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته وهو في أصحابه، فدعوته، قال:
وقال: "أدخل عليّ عشرة"، حتى عد أربعين، ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء.
وفي رواية يعقوب: "أدخل عليّ ثمانية ثمانية"، فما زال حتى دخل عليه ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا. انتهى.
وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه، قال الحافظ ابن حجر، قال: وظاهره أنه عليه الصلاة والسلام دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الباب قال لهم: "اقعدوا"، ودخل. وفي رواية يعقوب عن أنس:
ومن معي، فقلت: أنه يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! إنما هو شيء صنعته أم سليم، فدخل وجيء به، "وقال:"أدخل" بفتح الهمزة، وكسر الخاء "عليّ عشرة" من الذين حضروا معه، فدخلوا معه، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال:"أدخل عليّ عشرة"، فدخلوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال:"أدخل علي عشرة"، "حتى عد أربعين" رجلا، "ثم أكل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام" قال أنس: "فجعلت أنظر" إلى القصعة "هل نقص منها شيء" من الطعام، إشارة إلى أنه لم ينقص شيء منها.
وفي رواية أحمد: حتى أكل منها أربعون رجلا، وبقيت كما هي، قال الحافظ: وهذا يدل على تعدد القصة.
"وفي رواية يعقوب بن عبد الله، بن أبي طلحة، عن أنس عند مسلم: "أدخل عليّ ثمانية ثمانية" بالتكرير، أي: ثمانية بعد ثمانية، "فما زال حتى دخل عليه ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي" أم سليم، "وأبا طلحة" زوجها، "فأكلنا حتى شبعنا، انتهى، وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها، أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه" فقال:"أدخلهم ثمانية ثمانية".
"قال الحافظ ابن حجر" في الفتح، "قال" فيه أيضًا:"وظاهره" أي: قوله: ائذن لعشرة فأذن لهم؛ "أنه عليه الصلاة والسلام دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى" عن أنس عند أحمد ومسلم، "ولفظه: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الباب قال لهم: "اقعدوا" ودخل.
"وفي رواية يعقوب" بن عبد الله بن أبي طلحة، ثقة، من صغار التابعين، "عن أنس" عند
فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، وفي رواية عمرو بن عبد الله عن أنس، فقال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال:"إن الله سيبارك فيه".
قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة -والله أعلم- لأنها كانت قصعة واحدة، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلوا عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا،
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "أرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال:"لطعام"؟ قلت: نعم، فقال لمن معه: قوموا: فظاهره: أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس؟!
فيجمع: بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس لأن يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فيأكله، فلما وصل به أنس
مسلم، "فقال أبو طلحة: يا رسول الله! إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى" فقال:"أدخل، فإن الله سيبارك فيما عندك".
"وفي رواية عمرو" بفتح العين، "بن عبد الله" بن أبي طلحة الأنصاري، التابعي، الصغير، ثقة، عابد، "عن أنس" عند مسلم، "فقال أبو طلحة: إنما هو قرص" تقدم التعبير بأقراص، فنزلها لقلتها منزلة القرص الواحد، فقال: "إن الله سيبارك فيه".
"قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة، والله أعلم" بالحكمة في ذلك؛ لأنها كانت قصعة واحدة لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلوا عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا" فهو أرفق بهم أو لضيق البيت؛ كما قال السيوطي، أو لهما معًا.
"وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "أرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال: "لطعام"؟، قلت: نعم، فقال لمن معه: "قوموا"، فظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن أبا طلحة استدعاه" طلب حضوره "إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده: "قوموا"، وأول الكلام يقتضي" اقتضاء صريحًا "أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس" وقوله: "فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس" سقطت هذه الجملة من غالب نسخ المصنف سهوًا منه أو نساخه، وهي ثابتة في الفتح الذي هو ناقل عنه، وبها يستقيم الكلام؛ "لأن يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فيأكله، فلما وصل به أنس،
ورأى كثرة الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم استحيى، وظهر له أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من طعامه.
ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي صلى الله عليه وسلم وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبي صلى الله عليه وسلم هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يأكل وحده.
ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس -عند أبي نعيم وأصله عند مسلم- قال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قام فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك، وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا
ورأى كثرة الناس حول النبي صلى الله عليه وسلم استحيى، وظهر له أن يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم معه وحده إلى المنزل، فيحصل مقصودهم من طعامه" وذلك من مزيد فطنته على صغر سنه، "ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله، عهد إليه" أي: أوصاه، "إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي صلى الله عليه وسلم وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبي صلى الله عليه وسلم هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره عليه الصلاة والسلام" على نفسه "وأنه لا يأكل وحده" زاد الحافظ عقب هذا: وجدت أكثر الروايات يقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي صلى الله عليه وسلم أدعوه، وقد جعل طعامًا.
وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس: أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي صلى الله عليه وسلم لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه.
وفي رواية يعقوب: فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من شيء؟ فقالت: عندي كسر من خبز، فإن جاءنا صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء أحد معه قل عنهم، وجميع ذلك عند مسلم، وفي رواية أحمد: أن أبا طلحة قال: أعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعو رسول الله.
"ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عند أبي نعيم، وأصله عند مسلم، قال لي أبو طلحة: يا أنس! اذهب، فقم قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قام، فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى قام على عتبة بابه" الذي يأوي إليه، "فقل له: إن أبي" فيه تجوز لأنه ربيبه، "يدعوك" ورواية يعقوب هذه ذكرها الحافظ، استدلالا على أن طلحة استدعاه مسقطًا لفظ وقع، بل قال عقب ما ذكرته عنه.
وفي رواية يعقوب، فذكرها، "وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله! إنما أرسلت أنسًا
يدعوك وحدك، ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال:"أدخل، فإن الله يبارك فيما عندك".
وإليك النظر، فقال:"هل من سمن"؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج.
يدعوك وحدك"، وهذا صريح أيضًا في أنه استدعاه لمنزله، "ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى" معك، فقال: "أدخل، فإن الله يبارك فيما عندك" وبقية الروايات التي استدل بها الحافظ هي.
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، عند أبي يعلى عن أنس، قال لي أبو طلحة: اذهب فادع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعند البخاري من رواية ابن سيرين في الأطعمة عن أنس: ثم بعثني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته، وهو في أصحابه، فدعوته.
وعند أحمد من رواية النضر بن أنس عن أبيه، قالت لي أم سليم: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل له: إن رأيت أن تغدى عندنا، فافعل.
وفي رواية، عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أنس عند البغوي، فقال أبو طلحة: اذهب يا بني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فادعه، فجئته، إن أبي يدعوك.
وفي رواية محمد بن كعب عند أبي نعيم، فقال: يا بني اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فادعه، ولا تدع معه غيره، ولا تفضحني، انتهى. ولم يتنزل الحافظ للجمع بين هذه الروايات وبين مقتضى أول الصحيحين لسهولته، وهو أنه أرسله يدعوه وحده، وأرسل معه الخبز، فإن جاء قدموه له، وإن شق عليه المجيء لمحاصرة الأحزاب، أعطاه الخبز سرًا.
وأما اختلاف الروايات في أنه أقراص، أو كسر من خبز، فكانت أقراصًا مكسورة، وقوله: اعجنيه وأصلحيه يحمل على تليينه بنحو ماء أو سمن ليسهل تناوله، كأنه كان يابسًا، كما هو شأن الكسر غالبًا، هذا ما ظهر لي، "وإليك النظر".
وفي رواية مبارك بن فضالة، بفتح الفاء، وتخفيف المعجمة، البصري، صدوق يدلس ويسوي، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح، روى له أبو داود، والترمي، وابن ماجه، أي: روايته عن بكر بن عبد الله، وثابت، عن أنس عند الإمام أحمد، "فقال صلى الله عليه وسلم" لما دخل وأتته أم سليم بذلك الخبز:"هل من سمن"؟، نأدم به الخير، "فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء" قليل من السمن، "فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج" لا ينافيه رواية الصحيحين السابقة بلفظ: وعصرت أم سليم عكة، فأدمته؛ لاحتمال أنها حين أتت بها عصرتها، ثم أخذاها
ثم مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم القرص فانتفخ، وقال:"بسم الله" ، فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع.
وفي رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: "بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة"، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين:"قال ما شاء الله أن يقول".
وفي رواية عن أنس عند أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويًا.
وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام فآجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به
…
الحديث.
منها وعصراها، استفراغًا لما بقي فيها، أو أنهما ابتدءا عصرها، ثم حاولت بعد عصرهما إخراج شيء منها، "ثم" بعد فراغ العصر ووصول السمن إلى الخبز، "مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم القرص" لا ينافيه أن الخبز فت وجعل عليه السمن، كما مر؛ لأن السمن لما وضع على الفت اجتمع؛ فصار كالقرص الواحد، فلذا عبر به، وتقدم أن أبا طلحة عبر عنها بقرص قبل فتها لقلتها، وهذا غير ذاك، "فانتفخ، وقال""بسم الله"، "فلم يزل يصنع ذلك" المسح والتسمية، "والقرص ينتفخ، حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، وفي رواية النضر بن أنس" بن مالك الأنصاري، البصري، التابعي، الوسط، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة بضع ومائة، أي: عن أبيه أنس في مسند أحمد، "فجئت بها" أي: العكة، "ففتح صلى الله عليه وسلم رباطها" بيده الميمونة، "ثم قال":"بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة"، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين" المتقدمة، ثم "قال ما شاء الله أن يقول" فالروايات تفسر بعضها.
"وفي رواية" بكر وثابت، "عن أنس، عند أحمد؛ أن أبا طلحة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويًا، فلذا قال: أعرف فيه الجوع.
"وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: أنا طلحة بلغه؛ أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام، فآجر نفسه" في عمل "بصاع من شعير، فعمل بقية يومه ذلك، ثم جاء به
…
الحديث" وهو مخالف للروايات السابقة واللاحقة؛ أنه سأل أم سليم، أعندها شيء؟، فأخبرته بالخبز، وأنه فت وجعل عليه سمن، والجمع بينهما؛ أنه تعدد مرتين، مرة سألها، فوجد الخبز، ففعل ما ذكر، وبعثه مع أنس قبل ذلك؛ لاحتمال أن لا يجيء فيعطيه له فجاء ومعه ثمانون أو أزيد، وأدخلهم عشرة عشرة، ومرة لم يسألها، بل آجر نفسه بالصاع، وأتى به إليها وقال:
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم وأبي يعلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقلب ظهر البطن. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضًا عن أنس قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقال من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته، فدخل على أم سليم فقال: هل من شيء
…
الحديث.
وفي رواية محمد بن كعب عن أنس عند أبي نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرًا.
أعجنيه وأصلحيه، فجعلته عصيدة، ودعاه فجاء ومعه أربعون، وأدخله ثمانية، وبهذا تتضح الروايات، وإليه أومأ الحافظ وإن لم يفصح به، فقال في رواية ابن سيرين عن أنس غير القصة التي رواها غيره، وقال قبل ذلك، كما قدمته عنه، يدل على التعدد ما بين العصيدة والخبز المفتوت، بالسمن من المغايرة انتهى. والله أعلم.
"وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة" وهو أخو إسحاق، روي حديث الباب "عند مسلم وأبي يعلى" عن أنس، "قال: رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقلب ظهر البطن" من الجوع، "وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضًا، عن أنس، قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم. وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه" لم عصب بطنه؟ "فقال: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، فأخبرته، فدخل على أم سليم، فقال: هل من شيء
…
الحديث".
"وفي رواية محمد بن كعب" بن مالك الأنصاري، السلمي، بالفتح المدني، التابعي، الوسط، ثقة، روى له مسلم وابن ماجه، "عن أنس عند أبي نعيم، قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم" بنت ملحان الأنصاري، اسمها سهلة، أو رملية، أو مليكة، أو أنيفة، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان، "فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجرًا" من الجوع، وفيه رد على دعوى ابن حبان؛ أنه لم يكن يجوع؛ لحديث: "أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، وأجيب بحمله على تعدد الحال، فكان أحيانًا يجوع إذا لم يواصل ليتأسى به أصحابه، ولا سيما من لا يجد مردًا، فيصبر على الجوع فيتضاعف أجره، كما مر مفصلا.
وعن أبي هريرة أنه قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم، فدعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيء يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال:"خذوا في أوعيتكم"، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله
"وعن أبي هريرة، أنه قال: لما كان" تامة، أي: وجد "غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة" وفي رواية: مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر ظهورهم، قالوا: يبلغنا الله عز وجل، فأذن، فعلم عمر، فجاء فقال: يا نبي الله! ماذا صنعت، أمرت الناس أن ينحروا الظهر، فعلى ماذا يركبون؟ قال:"فما ترى يابن الخطاب"؟ ، "فقال عمر: يا رسول الله! ادعهم" ألزمهم، وفي لفظ: أرى أن تأمرهم أن يأتوا "بفضل أزوادهم" أي: بقيتها، أو ما فضل منه أزوادهم التي لا تكفيهم في الأكلة الثانية والألم يستأذنوه في نحر الظهر، "ثم ادع الله لهم عليها بالبركة" النمو والزيادة فيها، فإن الله عودك في الدعاء خيرًا، "فقال: "نعم". فدعا بنطع" بكسر النون، وفتح الطاء، على أفصح لغاته، وفتح النون والطاء، وفتح النون، وإسكان الطاء: ما يتخذ من الأدم، وتقدم مرارًا، "فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف رة ويجيء الآخر بكسرة" وفي رواية: فجعل الناس يأتون بالحثية من الطعام، وفوق ذلك، أعلام من جاء بالصاع من التمر، فجعلها صلى الله عليه وسلم في ثوب، أي: فوق النطع، "حتى اجتمع على النطع شيء يسير" قال سلمة بن الأكوع: فحزرته، كربضة العنز، براء، موحدة، ومعجمة، أي: مقدار جثة عنز باركة على الأرض، أو هو تقدير لموضع من النطع بموضع ربوضها، "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة"، ثم قال:"خذوا في أوعيتكم" ، "فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه" مما اجتمع عنده.
وفي رواية لمسلم: حتى ملئوا.
"قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة" منه وفي رواية: فملأ كل إنسان وعاءه، ولم يبق في الجيش وعاء إلا ملئوه، حتى إن الرجل ليعقد قميصه، فيأخذ فيه، وبقي منه، فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"، مناسبتها لما قبلها من إظهار المعجزة، إعلامهم أن القصد منهم الثبوت عليها من غير
لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجز عن الجنة". رواه مسلم.
وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عروسًا بزينب، فعمدت أمي أم سليم إلى تمر وسمن وأقط فصنعت حيسًا، فجعلته في تور، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ضعه"، ثم قال:"اذهب فادع لي -فلانًا وفلانًا، رجالا سماهم- وادع لي من لقيت"، فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص
شك؛ كما أفاد بقوله: "لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجز" بالنصب، أي: يمنع "عن الجنة" حجز تأييد، وكذا رواية:"إلا حجبت عنه النار"، أي: حجب تأييد، فلا ينافي دخولها لبعض لتطهيره، ويحتمل أن عدم شكه قبل لقاء الله، ملاحظًا التوبة إلى الله والتمحيص من الذنوب، فلا يحجب عن الجنة ابتداء، بل يكون مع السابقين، وتحجب عنه النار من أول الأمر، "رواه مسلم" وأحمد، وأخرجه البخاري عن سلمة بن الأكوع بنحوه.
"وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عروسًا بزينب" بنت جحش الأسدية، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا إلى رسول الله هدية، فقلت لها: افعلي، "فعمدت" بفتح الميم "أمي أم سليم إلى تمر وسمن وأقط، فصنعت حيسًا" بفتح الحاء المهملة وإسكان الياء، وبالسين المهملة، وهو خلط المذكور، قال:
التمر والسمن جميعًا والإقط
…
الحيس إلا أنه لم يختلط
أي: لم يختلط فيما حضر الشاعر فيما عناه، فهو حيس بالقوة لا بالفعل، وقيل: الحيس تمر ينزع نواه، ويخلط بالسويق.
قال ابن قرقول: والأول أعرف، "فجعلته في تور" بفتح الفوقية، وإسكان الواو: إناء من صفر، أو حجارة.
وفي رواية البخاري: في برمة، أي: قدر، أو من حجر، "فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام".
وفي رواية البخاري: فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال صلى الله عليه وسلم:"ضعه" أي: التور، وفي رواية البخاري:"ضعها"، أي: البرمة، ثم قال:"اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا"، "رجالا سماهم" أي: عينهم بأسمائهم، "وادع لي من لقيت" بتاء الخطاب، تعميم بعد تخصيص، "فدعوت من سمى ومن لقيت".
وفي رواية البخاري: ففعلت الذي أمرني، "فرجعت، فإذا البيت غاص" بغين معجمة،
بأهله، قيل لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم:"اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لي:"يا أنس ارفع" فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. رواه البخاري ومسلم.
وصاد مهملة مشددة، بينهما ألف، أي: ممتلئ "بأهله، قيل لأنس: عددكم" معمول مقدم؛ لقوله: "كانوا" أي: عدد أي قدر كانوا، "قال: زهاء ثلاثمائة" أي: مقدارها، "فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده" كذا بالإفراد، وفي البخاري: يديه، قال المصنف بالتثنية، "على تلك الحيسة" التي أرسلتها أم سليم لتحصل البركة، "وتكلم بما شاء الله" أن يتكلم، وفي رواية: فوضعه قدامه، وغمس ث. لاث أصابع، ولا منافاة، فإنه وضع يديه جميعًا عليها حين الدعاء قبل الأكل، ثم لما أطعم القوم أكل معهم بأصابعه الثلاث على سنته، فلا ترد الرواية التي في المصنف إلى الأخرى، فيقال: أي بعض يده، كما توهم، "ثم جعل يدعو عشرة عشرة" من القوم الذين اجتمعوا "يأكلون منه" أي: الطعام المسمى حيسة، أو الضمير للتور، ويقول لهم: "اذكروا اسم الله" بأن تقولوا: بسم الله قبل الأكل، "وليأكل كل رجل مما يليه"، قال أنس "فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لي:"يا أنس ارفع" الإناء، وفي رواية:"لترفع" بلام الأمر والخطاب، والرواية الأولى أفصح، "فرفعت، فما أدري حين وضعت" بضم التاء للمتكلم، أي: حين وضعته، أو بتاء تأنيث ساكنة، "كان" الطعام أو التور، وفي رواية: كانت بالتأنيث، أي: الآنية "أكثر أم حين رفعت" بضم التاء وإسكانها، "رواه البخاري ومسلم" واللفظ لهما كلاهما في النكاح، وبقيته عندهما: فخرج من خرج، وبقي نفر يتحدثون، وجعلت أغتم، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات، وخرجت في أثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع، فدخل البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الآية، إلى قوله:{وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 35] الآية.
قال في الفتح: استشكل عياض ما وقع هنا؛ أن الوليمة بزينب كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم، فالمشهور في الروايات أنه أولم عليها بالخبز واللحم، ولم يقع في القصة تكثير ذلك الطعام، وإنما فيها أنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، فهذا وهم من راويه، وتركيب قصة على أخرى، وأجاب: بأن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم، فاكلوا كلهم من ذلك.
وقال القرطبي: لعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم أكلوا حتى شبعوا، وذهبوا ولم يرجعوا وبقي النفر الذين كانوا يتحدثون عنده حتى جاء أنس بالحيسة، فأمره أن يدعو ناسًا آخرين ومن
وعن جابر قال: إن أم مالك كانت تهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أعصرتيها"؟ قالت: نعم، قال:"لو تركتيها ما زل قائمًا". رواه مسلم.
لقي، فدخلوا فأكلوا أيضًا حتى شبعوا، واستمر أولئك النفر يتحدثون، انتهى، ولعل جواب عياض أقرب.
"وعن جابر، قال: إن أم مالك" الأنصارية، أوردها في الإصابة في الكنى ولم يسمها، بل ذكر هذا الحديث، "كانت تهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدم"، أي: ما يأتدمون، به وفي رواية: فيسألون السمن، "وليس عندهم شيء فتعمد" بكسر الميم: تقصد "إلى الذي كانت تهدي فيه" ذكره، باعتبار الوعاء "للنبي صلى الله عليه وسلم، فتجد فيه سمنًا، فما زال" استمر السمن الذي تجده "يقيم لها أدم بيتها" واحد البيوت، وفي نسخة: بنيها جمع ابن، والأولى أبلغ في المعجزة، "حتى عصرته" أي: الظرف أو الإناء المعبر عنه بعكة، أو المير للسمن باعتبار محله لكن في مسلم حتى عصرتها بالتأنيث، "فأتت النبي صلى الله عليه وسلم" فذكرت ذلك له؛ كما في مسلم. فقال:"أعصرتيها" استفهام إنكاري، ولا يخفى أن التاء فاعل، والياء للإشباع لا لغة، قال شيخنا في التقرير: وفي ظني أن في الرضى ما يفيد جواز دخولها على ضمير الغيبة المؤنث أو المذكر، كأخذتيه، قالت: نعم، فقال:"لو تركتيها ما زال" السمن "قائمًا"، "رواه مسلم" من طريق أبي الزبير عن جابر، وروى ابن أبي عاصم، وابن أبي خيثمة، عن أم مالك الأنصاري: أنها جاءت بعكة سمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بلالا بعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءة، فجاءت، فقالت: أنزل في شيء؟، قال:"وما ذاك"؟ قالت: رددت علي هديتي، فدعا بلالا فسأله، فقال: والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت، فقال:"هنيئًا لك هذه بركة يا أم مالك، هذه بركة عجل الله لك ثوابها"، ثم علمها أن تقول دبر كل صلاة: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا، وترجم في الإصابة أم مالك، وساق حديث مسلم، ثم ترجم ثانيًا وذكر هذا الحديث، ثم قال: وكلام ابن منده ظاهر في أنهما واحدة، ووقع لأم سليم قصة شبيهة بهذه.
أخرج الطبراني عن أنس عن أمه: كانت لي شاة، فجعلت من سمنها في عكة، فبعثت بها مع زينب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"افرغوا لها عكتها" ففرغت وجاءت بها، فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر سمنًا، فقالت: يا زينب ألست أمرتك أن تبلغي هذه العكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدم بها؟ قالت: قد فعلت، فإن لم تصدقيني فتعالي معي، فذهبت معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته،
وعنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه، فأطعمه شطر وسق من شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:"لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم"، رواه مسلم أيضًا.
والحكمة في ذهاب بركة السمن حين عصرت العكة، وإعدام الشعير حين كاله، أن عصرها وكيله مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم الله وفضله، فعوقب فاعله بزواله، قاله النووي.
فقال: "قد جاءت بها" فقلت: والذي بعث بالهدى ودين الحق إنها ممتلئة سمنًا تقطر، فقال:"أتعجبين يا أم سليم، إن الله أطعمك".
"وعنه" أي: جابر "أن رجلا" من أهل البادية لم يسم، "أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه" يطلب منه طعامًا له ولأهله لشدة حاجته، "فأطعمه" أي: أعطاه؛ لأن الإطعام يكون بمعنى الإعطاء كثيرًا، حتى إنه لكثرته يستعمل فيما لا يؤكل، كأطعمة السلطان بلدة، وهو مجاز مرسل، أو استعارة. "شطر" بفتح أوله، ولا يصح الكسر، أي: نصف "وسق" بفتح الواو وكسرها "من شعير" وقال النووي: الشطر هنا معناه شيء، كذا فسره الترمذي، "فما زال يأكل منه وامرأته" بالرفع، عطف على الضمير المستتر في يأكل بلا فصل بمؤكد، بل بقوله: منه، وهو فصيح، والأفصح الفصل؛ كقوله:{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} ، وقد يعطف بلا فاصل، وهو قليل؛ كقول علي: لو كنت، وأبو بكر، وعمر، "وضيفه" أي: من ينزل عليه يطلق على الواحد وغيره، "حتى كاله" غاية، أي: استمر أكلهم منه بلا نقص شيء منه إلى أن كاله فظهر نقصه بعد الكيل بما يأخذه منه، قال بعض: وهذا الرجل جد سعيد بن الحارث استعان بالنبي صلى الله عليه وسلم في إنكاحه فأنكحه امرأة، فالتمس صلى الله عليه وسلم ما سأله، فلم يجد، فبعث أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهنها عند يهودي في شطر وسق من شعير، فدفعه صلى الله عليه وسلم إليه، قال:"فأطعمنا منه"، وأكلنا منه سنة، ثم كلناه، فوجدناه كما أدخلناه، "فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه" دائمًا ما يكفيكم "ولقام بكم" مدة حياتكم من غير نقص، "رواه مسلم أيضًا" من طريق أبي الزبير عن جابر.
"والحكمة في ذهاب السمن حين عصرت" أم مالك "العكة وإعدام الشعير حين كاله" الرجل "أن عصرها، وكيله مضاد" كل منهما "للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم" جمع حكمة "الله وفضله، فعوقب فاعله بزواله، قاله النووي" على مسلم.
وعن أبي العلاء سمرة بن جندب قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شيء تعجب ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الترمذي والدارمي.
وعنه: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم ويقعد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الدارمي وابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي وصححوه، وأبو نعيم.
وقيل: إنما كان كذلك لإفشائه سرًا من أسرار الله ينبغي كتمه، وتقدم أن هذا ونحوه لا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم:"كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه"؛ لأنه فيمن يخشى الخيانة، أو كيلوا ما تخرجوه للنفقة منه لئلا يخرج أكثر من الحاجة، أو أقل، بشرط بقاء الباقي مجهولا، أو كيلوه عند الشراء، أو إدخاله المنزل.
"وعن أبي العلاء سمرة بن جندب" بضم الدال وفتحها ابن هلال الفزاري، حليف الأنصار، الصحابي المشهور، مات بالبصرة، سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة ستين.
قال في الإصابة: يكنى أبا سليمان. "قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نتداول من قصعة" بفتح القاف فيها لحم، "من غدوة حتى الليل" بالجر، ويجوز رفعه ونصبه، "يقوم عشرة ويقعد عشرة" تفسير للتداول، قيل: المعروف من حديث سمرة من غدوة إلى الظهر يقوم قوم ويقعد آخرون، "قلنا: فما كانت" أي: أي شيء كانت "تمد" أي: تزاد به، "قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء" والمراد من إحسان الله معجزة له صلى الله عليه وسلم؛ كما يدل عليه السياق، لا أن الزيادة تنزل من السماء حقيقة، كنزول مائدة بني إسرائيل بدعاء عيسى، "رواه الترمذي" وشيخه "الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن، "وعنه" أي: سمرة من وجه آخر، والحديث واحد. "أتى" بالبناء للمفعول، إذ لا يتعلق غرض ببيان الآتي. "النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لحم" مطبوخ، "فتعاقبوها"، أي: قعد عليها عشرة بعد عشرة؛ كما في رواية قبل، لأن كلا منهم أتى عقب سابقة بلا فاصل، "من غدوة حتى الليل" بالأوجه الثلاث، "يقوم قوم ويقعد آخرون تفسير للتعاقب وبين عدة القوم من الرواية قبله "فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ " حتى كفت تلك المدة الطويلة، "فقال: ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الدارمي" أيضًا، "وابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم، والبيهقي،
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة، وذكر الحديث أنه عجن صاع، وصنعت شاة فشوي سواد بطنها، قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا
وصححوه، وأبو نعيم" في الدلائل، وفي فتح الباري، روى أحمد، والترمذي، والنسائي عن سمرة، قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها ثريد، فأكل وأكل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب الظهر، يأكل قوم، ثم يقومون ويجيء قوم فيتعاقبونه، فقال رجل: هل كانت تمد بطعام؟ قال: أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء، قال بعض شيوخنا: يحتمل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها ما وقع في بيت أبي بكر، انتهى.
"وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر" الصديق، شقيق عائشة تأخر إسلامه إلى قبيل الفتح، وشهد اليمامة والفتوح، ومات سنة ثلاث وخمسين في طريق مكة فجأة، وقيل: بعد ذلك: "قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم" حال من اسم كان، والخبر "ثلاثين ومائة" أو هما خبران، أي: خبر بعد خبر، "وذكر الحديث" وهو: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هل مع أحد منكم طعام"؟. فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان، طويل جدًا بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بيعًا أم عطية"؟، أو قال:"أم هبة"؟ قال: لا بل بيع، فاشترى شاة، فصنعت وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين ومائة إلا وقد حز له النبي صلى الله عليه وسلم حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففاضت القصعتان، فحملنا على بعير، وكما قال: هذا لفظ البخاري في الهبة، ومشعان، بضم الميم، وسكون الشين المعجمة، فعين مهملة، فألف، فنون مشددة، وقوله: طويل جدًا، أي: فوق الطوال، ويحتمل أنه تفسير للمشعان.
وقال القزاز: المشعان: الجافي الثائر الرأس، وقال غيره: طويل شعر الرأس جدًا، البعيد العهد بالدهن أشعث، وقال عياض: ثائر الرأس متفرقه.
قال الحافظ: ولم أقف على اسمه، ولا على اسم صاحب الصاع، فقوله:"أنه" أي: وفيه أنه، "عجن صاع وصنعت" أي: ذبحت "شاة، فشوى سواد بطنها" كبدها خاصة أو حشوها، والأول أظهر، وخص لأنه أصل الحياة، "قال" عبد الرحمن:"وايم الله" بوصل الهمزة، قسم، "ما من الثلاثين ومائة" الذين كانوا معه عليه الصلاة والسلام "إلا وقد حز" بفتح الحاء المهملة، "له حزة" بفتح المهملة قطعة؛ كما ضبطه المصنف في الهبة.
وقال في الأطعمة: بضم الحاء قطعة "من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا" لفظ البخاري في الأطعمة، ولفظه في الهبة: فأكلوا "أجمعون" تأكيدًا للضمير الذي في أكلوا.
أجمعون وفضل في القصعتين فحملته على بعير. رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو أهل الصفة، فتتبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع. رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم.
وعن علي بن أبي طالب: قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق، فصنع لهم مدًا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي كما هو، ثم دعا بعس.
فشربوا حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه، رواه في الشفاء.
قال الحافظ: يحتمل أنهم اجتمعوا على القصعتين، فيكون فيه معجزة أخرى لكونهما وسعتا أيدي القوم، ويحتمل أنهم أكلوا كلهم في الجملة أعم من الاجتماع والافتراق، "وفضل في القصعتين فحملته" أي: ما فضل لفظ الأطعمة، وفي الهبة: فحملناها بضمير ودونه "على بعير" أو كما قال بالشك من الراوي، كما وقع في المحلين، "رواه البخاري" في الهبة والأطعمة تامًا، وفي البيوع مختصرًا، وكذا رواه مسلم في الأطعمة تامًا، قال الحافظ: وفيه معجزة ظاهرة، وآية باهرة من تكثير القدر اليسير من الصاع، ومن اللحم، حتى وسع الجمع المذكور وفضل منه، قال: ولم أر هذه القة إلا من حديث عبد الرحمن، وقد ورد تكثير الطعام في الجملة من أحاديث جماعة من الصحابة.
"وعن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو أهل الصفة" لطعام يأكلونه عنده، "فتتبعتهم حتى جمعتهم" لأنهم كان منهم من يذهب لنحو الاحتطاب، "فوضعت بين أيدينا صحفة" فيها طعام" فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت" لم تنقص شيئًا، "إلا أن فيها أثر الأصابع، رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم" الأصبهاني.
"وعن علي بن أبي طالب، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب" بمكة في ابتداء البعثة، "وكانوا أربعين" رجلا، "منهم قوم" اسم جمع للرجال، خاصة لقيامهم بالأمور، "يأكلون الجذعة" بفتح الجيم، والمعجمة، والمهملة من الإبل، كما ورد في أحاديث، وهي ما دخل في الخامسة، وقيل: الرابعة، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما أتى عليه ثمانية أشهر أو تسعة، والمراد: أقل ما يكفيهم الجذعة، كما يقال لمن دونهم أكلة رأس، "ويشربون الفرق" بفتح الفاء، وإسكان الراء، وبفتحهما: إناء يسع اثني عشر صاعًا بصاعه صلى الله عليه وسلم، وهو ستة عشر رطلا، وهو معروف بالمدينة، "فصنع لهم مدًا من طعام" أي: طبخه وسواه، "فأكلوا حتى شبعوا، وبقي كما هو" قبل الأكل، أي: لم ينقص؛ كأنه لم يؤكل منه شيء، "ثم دعا بعس"
بضم المهملة الأولى: قدح من خشب يروي الثلاثة والأربعة، أي: من لبن طلبه من أهله لهم، "فشربوا" منه "حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه" شيء، "رواه" أي: ذكره بلا إسناد "في الشفاء" وقد أخرجه أحمد والبيهقي بسند جيد مطولا عن علي