المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٧

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات

‌الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات

اعلم، نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وقد كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا ودام بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته.

ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه صلى الله عليه وسلم الممد

الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات

"الفصل الثاني فيما خصه الله تعالى به من المعجزات، وشرفه به على سائر" باقي "الأنبياء من الكرامات"، أي: الأمور الخارقة للعادة "والآيات البينات" والأول في معجزاته، كما قدم، أي: التي وقع نظير بعضها لغيره في الجملة، وأما هذا الثاني، فالقصد به ما زاد به على غيره.

"اعلم، نور الله قلبي وقلبك" جملة دعائية: صدر بها تنبيهًا على شرف ما هو شارع فيه، "وقدس" طهر "سري وسرك"، أي: طهر أفعالنا عما ينقصها، وهو عطف مباين، "إن الله قد خص نبينا صلى الله عليه وسلم بأشياء لم يعطها لنبي قبله"، أي: ولا رسول، ولا ملك، "وما خص نبي بشيء"، أي: ما أعطي نبي شيئًا لم يعطه أحد من أمته، أو من الأنبياء السابقين عليه، "إلا وقد كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثله" فلا يقال متى أعطي مثله لا يكون خصوصية، فجمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل، ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختص كل بنوع؛ "فإنه أوتي جوامع الكلم" كما قال ويأتي معناه، "وكان نبيًا وآدم بين الروح والجسد" كما مر، مشروحًا أوائل الكتاب، "وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا"، أي: موصوفًا بالنبوة "إلا في حال نبوته"، أي: بعد بعثته، "وزمان رسالته" بخلاف نبينا، فقد أفرغت عليه النبوة قبل خلق آدم، "ولما أعطي هذه المنزلة" التي لم يبلغها غيره، "علمنا أنه صلى الله عليه وسلم الممد" اسم فاعل من أمد،

ص: 74

لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري فلقد أحسن حيث قال:

وكل آي أتى الرسل الكرام بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

فإنه شمس فضل هم كواكبها

يظهرن أنوارها للناس في الظلم

قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد صلى الله عليه وسلم وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم" فإنه يعطي أن نوره صلى الله عليه وسلم لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شيء، وإنما كانت آيات كل واحد من نوره صلى الله عليه وسلم لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن -أي تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده عليه الصلاة والسلام كانوا يظهرون فضله.

بمعنى زاد "لكل إنسان كامل مبعوث" يعني أنه صلى الله عليه وسلم أفاض على جميع من تقدمه من الأنبياء والرسل أحوالا كثيرة، زيادة على ما عندهم من الفضائل، "ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري، فلقد أحسن، حيث قال" في الميمية المشهورة: "وكل آي" جمع آية "أتى الرسل الكرام بها" دالة على نبوتهم، "فإنما اتصلت من نوره" الكائن قبل ظهوره إلى الوجود الخارجي "بهم، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرن أنوارها للناس في الظلم".

"قال العلامة" محمد بن محمد "بن مرزوق" في شرحها: "يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل، فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد صلى الله عليه وسلم" الذي أوجده الله قبل وجوده في هذا العالم، "وما أحسن قوله:"فإنما اتصلت من نوره بهم، فإنه يعطي أن نوره صلى الله عليه وسلم لم يزل قائما به، ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم، وقد لا يبقى له منه شيء، وإنما كانت آيات كل واحد من نوره صلى الله عليه وسلم، لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن، أي: تلك الكواكب أنوار تلك الشمس للناس في الظلم، فالكواكب ليست مضيئة بالذات، وإنما هي مستمدة من الشمس، فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس" ومستند هذا الحدس والتخمين، كما هو معلوم في محل، "فكذلك الأنبياء قبل وجوده عليه الصلاة والسلام كانوا يظهرون فضله" بالصفات التي اشتملوا عليها، وأوصلوها إلى أممهم، فإنها وصلت إليهم من نوره عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك إخبارهم عنه بما اشتملت

ص: 75

فجميع ما ظهر على الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء.

وأول ما ظهر ذلك في آدم عليه السلام، حيث جعله الله تعالى خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد صلى الله عليه وسلم فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] ، ثم توالت الخلائف في الأرض

عليه كتبهم من كمالاته وفضائله، "فجميع ما ظهر على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار، فإنما هو من نوره الفائض الكثير الذي عم المشارق والمغارب، "ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء" فيكون ذلك كنور السراج إذا أوقد من نحو شمعة فنورها لم ينقص منه شيء، ونور السراج نشأ عن نورها مع بقاء نورها بمحله، لكن قد يشكل ما قدمه المصنف أول الكتاب، أن نوره صلى الله عليه وسلم قسم أجزاء، وأنه قسم الجزء الرابع إلى كذا وكذا، إلا أن يكون المراد بقوله: قسم زاد فيه، لا أنه قسم نفس النور الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الظاهر أنه حيث صور نوره بصورة روحانية مماثلة لصورته التي يصير عليها بعد لا يقسمه إليه وإلى غيره.

"وأول ما ظهر ذلك في آدم عليه السلام، حيث جعله الله تعالى خليفة" عنه في تنفيذ أوامره ونواهيه في الأرض، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوب، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمر بلا واسطة، "وأمده بالأسماء"، أي: أسماء المسميات "كلها" حتى القصعة والمغرفة؛ بأن ألقى علمها فيقلبه "من مقام جوامع الكلم التي لمحمد صلى الله عليه وسلم، فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} بالمعاصي {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يريقها بالقتل، كما فعل بنو الجان وكانوا فيها، فلما أفسدوا، أرسل الله إليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال، "ثم توالت الخلائف في الأرض" أي: تتابعت الرسل بعد آدم وجعل الكلا خلائف، لأن استخلفهم كلهم في عمارة الأرض، والمشهور أن خليفة الله إنما يطلق على آدم وداود لنص القرآن:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ} الآية، فأما غيرهما فلا، فقد قال رجل لأبي بكر الصديق: يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك، وقال رجل لعمر: يا خليفة الله! فقال: ويلك، وزجره، وقيل: يجوز إطلاق ذلك على غيرهما أيضًا لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ} الآية، ولأن الله جعل كلا خليفة، كما جعله سلطانًا، فقد سمع سلطان الله، وجنود الله، وحزب الله، لكن قال الماوردي: امتنع جمهور العلماء من ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، وفي المصباح:

ص: 76

إلى أن وصل إلى زمان وجود صورة جسم نبينا صلى الله عليه وسلم الشريف لأظهار حكم منزلته، فلما برز كان اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي صلى الله عليه وسلم مثلها.

فآدم عليه الصلاة والسلام أعطي أن الله خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي ومن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الخلق النبوي، مع أن المقصود -كما مر- من خلق آدم خلق نبينا في صلبه، فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة.

والخليفة بمعنى السلطان الأعظم، يجوز أن يكون فاعلا، لأنه خلف من قبله، أي: جاء بعده، ويجوز أن يكون مفعولا، لأن الله جعله خليفة، أو لأنه جاء بعد غيره "إلى أن وصل" حال الخلائف، وهو ما جاءوا به من الأحكام والشرائع، "إلى زمان وجود صورة: جسم نبينا صلى الله عليه وسلم الشريف" صفة لجسم أو نبينا، "لإظهار حكم منزلته" أي: مقدارها وشرفها عند الله، "فلما برز" ظهر "اندرج في نوره كل نور" لغلبته عليه، "وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء" علم "رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي صلى الله عليه وسلم مثلها" فجمع فيه ما فرق فيهم، وهذه خصوصية مع زيادته عليهم، ولما ذكر أن الله جمع له عليه السلام خصائص الأنبياء وزاده عليهم فضل بعض ذلك، وهو في غالبه تابع، لأن المنير في معراجه، فقال: "فآدم عليه الصلاة والسلام أعطي أن الله خلقه بيده" من أديم الأرض، أي: وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها، وعجنت بالمياه المختلفة وسواه، ونفخ فيه الروح، فصار حيوانًا حساسًا بعد أن كان جمادًا، "فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه" أي: ذاته، وفي إطلاق النفس على الله خلاف والأصح الجواز، "وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي، ومن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الخلق النبوي.

زاد ابن المنير: وهو بالحقيقة متولي كل خلق، لكن المراد تخصيص التشريف وهو أعلى، "مع أن المقصود، كما مر" من قوله تعالى لآدم: "لولاه ما خلقتك"، "من خلق آدم خلق نبينا في صلبه فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة" فلا شك في أنه أجل.

ص: 77

وأما سجود الملائكة لآدم، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان في جبهته، ولله در القائل:

تجليت جل الله في وجه آدم

فصلى له الأملاك حين توسل

وعن أبي عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهاني قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] ، أجمع من تشريف آدم عليه الصلاة والسلام بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى.

قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع

"وأما سجود الملائكة لآدم فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم، لأجل نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان في جبهته" ظاهرًا، "ولله در القائل: تجليت جل الله" جملة معترضة "في وجه، آدم، فصلى" سجد "له الأملاك حين توصل" وقال ابن المنير: نظيره إنجاد الملائكة للمصطفى، فإنه أنزلهم له جندًا وأعوانًا تحت لوائه، وأنصارًا في طاعته، والأسجاد والأنجاد متقاربان، وورد أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالملائكة، بل ورد أن الملائكة تصلي بصلاة آحاد أمته، ائتمامًا بهم، وسجودًا خلفهم، وهذا غاية الكرامة في هذا المعنى.

"وعن أبي عثمان الوعظ فيما حكاه الفاكهاني، قال" أبو عثمان "سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية، أتم وأجمع من تشريف آدم عليه الصلاة والسلام، بأمر الملائكة بالسجود له، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف" لاستحالته في حقه سبحانه، إذ السجود من صفات الأجسام، "فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ مع تشريف تختص به الملائكة" وهو السجود، "انتهى".

"قال بعضهم" وهو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: "وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع" والحاكم، والديلمي أيضًا من

ص: 78

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها" فكما أن آدم عليه الصلاة والسلام علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه -واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيري حيث قال:

لك ذات العلوم من عالم الغيـ

ـب ومنها لآدم الأسماء

ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم، والأسماء مقصودة لغيرها فهي دونها، ففضل العلم بحسب فضل معلومه.

وأما إدريس عليه الصلاة والسلام.

حديث أم حبيبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلت لي أمتي" وفي رواية: الدنيا بدل أمتي، "في الماء والطين وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها".

وروى الطبراني والضياء المقدسي، عن حذيفة بن أسيد بن خالد الغفاري، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة" بالضم أي: عندها، "أولها وآخرها"، فقيل: يا رسول الله عرض عليك من خلق، فكيف من لم يخلق؟ فقال:"صوروا لي في الطين، حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه"، "فكما أن آدم عليه الصلاة والسلام علم أسماء العلوم كلها، كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وزاد عليه: واصل الله صلاته وسلامه عليه بعلم ذواتها" متعلق بزاد، "ولله در الأبوصيري حيث قال" في الهمزية:"لك" لا لغيرك "ذات" نفس وحقيقة "العلوم" جمع علم، وهو هنا صفة ينجلي بها المذكور لمن قامت به انجلاء تامًا، والإدراك الجازم الذي لا يحتمل النقيض "من" فيض "عالم الغيب" الغائب، وهو ما لم يشاهد بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إليه تعالى، فالكل من عالم الشهادة، "ومنها" أي: العلوم بمعنى المعلومات "لآدم" أبي البشر "الأسماء" مبتدأ مؤخر خبره منها، جمع اسم، وهو هنا ما دل على معنى فيشمل الفعل والحروف أيضًا، "لا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء، لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم والأسماء مقصودة لغيرها" وهي المسميات، "فهي دونها، ففضل العالم بحسب فضل معلومه" فهو أفضل من آدم.

"وأما إدريس عليه الصلاة والسلام" قيل: سرياني، وقيل: عربي مشتق لكثرة درسه الصحف، واسمه خنوخ، بخاءين معجمتين بينهما نون، فواو، ويقال: أخنوخ، بألف أوله، ابن

ص: 79

فرفعه الله مكانًا عليًا، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره.

وأما نوح عليه الصلاة والسلام فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء. قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] .

وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: "أكرم الله تعالى نوحًا بأن أمسك سفينته على الماء وفضل محمد صلى الله عليه وسلم أعظم منه. روي أنه صلى الله عليه وسلم كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي

يارد بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم، وهو أبو جد نوح، كذا ذكر المؤرخون، قال المازري: فإن قام دليل على أنه أرسل، لم يصح قولهم لحديث الصحيحين:"ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"، وإن لم يقم جازمًا، قالوا: وحمل على أنه كان نبيًا ولم يرسل، وأجيب بأن حديث أبي ذر عند ابن حبان يدل على أن آدم وإدريس رسولان، فالمراد أول رسول بعثه الله بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة آدم وشيث وإدريس، فإنما هي رسالة تبليغ الإيمان وطاعة الله، لأنهم لم يكونوا كفارًا "فرفعه الله مكانًا عليًا" قيل: هو الجنة، وقيل: السماء الرابعة، كما ورد في حديث المعراج، وقيل: السادسة، واختلف في أنه في السماء ميت أو حي، وقيل: المراد شرف النبوة والزلفى عند الله، "فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره" لا رسول ولا ملك.

"وأما نوح عليه الصلاة والسلام" ابن لمك، بفتح اللام، وسكون الميم، وكاف، ابن متوشلخ، بفتح الميم، وضم الفوقية الثقيلة، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، وإسكان اللام، وآخره خاء معجمة، "فنجاه الله تعالى ومن آمن معه" وما آمن معه إلا قليل، قيل: كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال، ونصفهم نساء، وهم أصحاب السفينة، "من الغرق، ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء" لأنه رحمة، "قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الآية، لأن العذاب إذا نزل عم، ولم نعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها، هكذا في التفسير، ولا يلائمه سياق المصنف.

"وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: أكرم الله تعالى نوحًا؛ بأن أمسك سفينته على الماء، وفضل محمد صلى الله عليه وسلم أعظم منه، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان على شط ماء، وقعد عكرمة بن أبي

ص: 80

جهل فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه صلى الله عليه وسلم فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد له بالرسالة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يكفيك هذا"؟ ، فقال: حتى يرجع إلى مكانه. فلم أره لغيره والله أعلم بحاله.

وأما إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فكانت عليه نار نمرود بردًا وسلامًا، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه عليه الصلاة والسلام وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الجسد ومطلبها الروح والجسد.

جهل" المسلم في فتح مكة، "فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر، فليسبح" يعوم على الماء، "ولا يغرق، فأشار إليه عليه الصلاة والسلام، فانقلع الحجر من مكانه، وسبح حتى صار بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد له بالرسالة فقال النبي صلى الله عليه وسلم" لعكرمة:"يكفيك هذا"؟ ، "فقال: حتى يرجع إلى مكانه، فلم آره لغيره، والله أعلم بحاله" أي: الحديث هل هو وارد، أم لا؟

"وأما إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، فكانت عليه نار نمرود" بالدال مهملة، ومعجمة، وهو أصح لموافقته للقاعدة المنظومة في نحو قوله:

إن تلت الدال صحيحًا ساكنا

أهملها الفرس وإلا أعجموا

"بردًا وسلامًا" أي: ذات برد وسلام، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: ابردي بردًا غير ضار، ولو لم يقل سلامًا لمات من بردها، فذهبت حرارتها، وبقيت إضاءتها، ولم يحترق غير وثاقه، والقصة طويلة في التفاسير والتواريخ، "فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نظير ذلك إطفاء نار الحرب عنه عليه الصلاة والسلام"، أي: إبطال مكائدهم التي كانوا يديرونها لحربه بأن يوقع بينهم منازعة يكفون بها عنه شرهم، "وناهيك" أنهاك "بنار حطبها" أي: المستعان به فيها، بحيث يؤثر هلاك الأعداء، وهو "السيوف" فهي مستعملة في حقيقته والحطب مجاز عن الأسباب المؤثرة فيها، "ووهجها" بفتحتين حرها "الحتوف" جمع حتف وهو الهلاك، والمعنى: أن الأسباب المؤثرة هي السيوف والآثار المترتبة عليها، المشبهة لحرارة النار في التأثير هي الهلاك، "وموقدها" أي: السبب في وجودها "الحسد ومطلبها" مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول، أي: الأمر الذي أريد بتلك الحروب وبآثارها هو "الروح والجسد" والمعنى: أنهاك بنار موصوفة بما ذكر عن تطلب معجزة تقاوم نار الخليل غير هذه، أي: إنها

ص: 81

قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] فكم أرادوا أن يطفئوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد صلى الله عليه وسلم سروره وظهوره.

ويذكر أنه عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج مر على بحر النار الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب.

وروى النسائي أن محمد بن حاطب

غاية تنهاك عن تطلب غيرها.

"قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} الآية، قال البيضاوي: كلما أرادوا حرب الرسول وإثارة شر عليه، ردهم الله، بأن أوقع بينهم منازعة، كف بها عنه شرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غلبوا، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا، فسلط عليهم قطرس الرومي، ثم أفسدوا، فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا، فسلط عليهم المسلمين، وللحرب صلة أوقدوا أو صفة نارًا، انتهى. "فكم" للتكثير، أي: فكثيرًا "أرادوا أن يطفئوا النور"، وهو حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد أن القرآن، أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم "بالنار" أي: محاربتهم ومعاداتهم له صلى الله عليه وسلم، "وأبى الجبار إلا أن يتم نوره" يظهر شرعه وبراهين نبيه وإعلاء دينه، "وأن يخمد" بضم الياء من أخمد، أي: يسكن "شرورهم" ويبطلها، شبه إبطال شرورهم بإطفاء النار، واستعار له الإخماد ثم اشتق منه الفعل، وهو يخمد، فهو استعارة تبعية، أو شبه الشرور بعد إبطالها بنار أطفئ لهبها، ثم أثبت له الإخماد، فهو استعارة بالكناية وتخييلية، "ويحمد لمحمد صلى الله عليه وسلم سروره وظهروه، بالثناء على ما جاء به، وعلى ما حصل له من النصر على أعدائه، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33] الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حقية ما جاء به، وهذا النظير والسجع بعده جلبه المصنف من معراج ابن المنير، كغالب هذا المبحث، "ويذكر أنه عليه السلام ليلة المعراج مر على بحر النار" بأن سار مستعليًا عليه، حتى جاوزه "الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب" والله أعلم بصحته.

"وروى النسائي أن محمد بن حاطب" بن الحارث بن معمر بن حبيب الجمحي، الكوفي، صحابي صغير، ولد بالسفينة قبل أن يصلوا إلى الحبشة، وهو أول من سمي محمدًا في الإسلام، واختلف في أن كنيته أبو القاسم أو أبو إبراهيم، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي وعن

ص: 82

قال: كنت طفلا فانصب القدر علي واحترق جلدي كله، فحملني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل عليه الصلاة والسلام في جلدي ومسح بيده على المحترق وقال:"أذهب البأس رب الناس"، فصرت صحيحًا لا بأس بي.

أمه أم جميل، وعنه أولاده إبراهيم، وعمر، والحارث، وغيرهم ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين، "قال: كنت طفلا، فانصبت القدر" التي كانت أمه تطبخ فيها "على" أي: على ذراعي، "واحترق جلدي كله، فحملني أبي" فيه، إن أباه مات بأرض الحبشة، وقدمت بها جميل القرشية، العامرية، من السابقات المهاجرات إلى المدينة مع أهل السفينة، كما في الإصابة وغيرها، والذي في الروايات أن الآتي به "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" أمه، فإن كان لفظ أبي محفوظًا فلعله أراد به أباه من الرضاعة جعفر بن أبي طالب، فقد ذكر ابن أبي خيثمة، كما في الإصابة، أن أسماء بنت عميس أرضعت محمد بن حاطب مع ابنها عبد الله بن جعفر، وأرضعت أم محمد عبد الله بن جعفر، فنسب القدوم إليه تارة، وإلى أمه أخرى، "فتفل عليه الصلاة والسلام في جلدي، ومسح بيده على المحترق" أي: المواضع التي مستها النار، فأثرت فيها، ولا ينافيه قوله قبل: احترق جلدي كله، لجواز أن ما جاور ما مسته النار من جلده، صار إليه ألم مما مسته النار، فسماه محروقًا كله لوصول الألم إليه، وال:"أذهب البأس" بالموحدة، أي: الشدة، أي ما أصاب جلده من أثر النار عن هذا يا "رب الناس" والجملة دعائية، "فصرت صحيحًا لا بأس بي".

وأخرج الإمام أحمد والبخاري في التاريخ، والنسائي وغيرهم، عن محمد، بن حاطب عن أمه أم جميل، قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت لك طبيخًا، ففي الحطب، فخرجت أطلب الحطب، فتناولت القدرة، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! هذا ابن أخيك، وقد أصابه هذا الحرق من النار، فادع له، وفي رواية: فقلت: هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سمي بك، قالت: فمسح على رأسك، ودعا لك بالبركة، وجعل يتفل على يدك، وهو يقول:"أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"، قالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك، وقد خمدت نار فارس لنبينا، وكان لها ألف عام لم تخمد.

وروى ابن سعد عن عمرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان صلى الله عليه وسلم يمر به، ويمر يده على رأسه، فيقول:"يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار، كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية".

وروى أبو نعيم عن عباد بن عبد الصمد: أتينا أنس بن مالك، قال: يا جارية هلمي المائدة

ص: 83

وأما ما أعطيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا صلى الله عليه وسلم، وزاد بمقام المحبة، وقد روي في حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إذ قيل له: اتخذك الله خليلا فاشفع لنا

نتغدى، فأتت بها، ثم قال: هلمي المنديل، فأتت بمنديل وسخ، فقال: اسجري التنور، فأوقدته فأمر بالمنديل، فطرح فيه، فخرج أبيض كأنه اللبن، فقلنا: ما هذا؟، قال: هذا منديل كان صلى الله عليه وسلم يمسح به وجهه، فإذا اتسخ صنعنا به هكذا، لأن النار لا تأكل شيئًا مر على وجوه الأنبياء، وألقى غير واحد من أمته في النار، فلم تؤثر فيه.

روى ابن وهب عن ابن لهيعة؛ أن الأسود العنسي لما ادعى النبوة، غلب على صنعاء، أخذ ذؤيب بن كليب بتصغيرها، فألقاه في النار لتصديقه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلم تضره النار، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في أمتنا مثل إبراهيم الخليل، وسماه ابن الكلبي ذؤيب بن وهب، وقال في سياقه: طرحه في النار، فوجده حيًا، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مخضرم، أسلم في العهد النبوي، قال عبدان: إنه أول من أسلم من أهل اليمن، ولا أعلم له صحبة.

وروى ابن عساكر: أن الأسود بن قيس، بعث إلى أبي مسلم الخولاني، فأتاه، فقال:"أتشهد أني رسول الله؟ "، قال: ما أسمع، قال:"أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ "، قال: نعم فأتى بنار عظيمة، فألقاه فيها، فلم تضره، فقيل للأسود إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك، فأمر بالرحيل، فقدم المدينة، وقد قبض النبي صلى اله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، فقال أبو بكر: الحمد لله الذي ألبثني حتى أراني في أمة محمد من صنع به، كما صنع بإبراهيم.

"وأما ما أعطيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من مقام الخلة" بفتح الخاء وضمها: الصداقة، "فقد أعطيه نبينا صلى الله عليه وسلم، وزاد بمقام المحبة" فجمع له بينهما، روى أبو يعلى في حديث المعراج، فقال له ربه: اتخذتك خليلا وحبيبًا، وفي التوراة: محمد حبيب الله، وروى ابن ماجه وأبو نعيم مرفوعًا:"أن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين، والعباس بيننا، مؤمن بين خليلين".

وروى أبو نعيم عن كعب بن مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل وفاته بخمس: "إن الله اتخذ صاحبكم خليلا".

"وقد روي في حديث الشفاعة؛ أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إذا قيل له: اتخذك الله خليلا" أي: اصطفاك وخصك بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، "فاشفع لنا" في

ص: 84

قال: "إنما كنت خليلا من وراء وراء" اذهبوا إلى غيري إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها، أنا لها"، وهذا يدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان خليلا مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلا من وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفيه تنبيه ظاهر على أنه عليه الصلاة والسلام فاز برؤية الحق سبحانه وتعالى وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعيني رأسه، كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس.

والملخص من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة

فصل القضاء، "قال: إنما كنت خليلا من وراء وراء" ضبط بفتح الهمزة وضمها بلا تنوين، فيهما بناء، قال النووي: الفتح أشهر، ومعناه: لم أكن في التقرب والإدلال بمنزلة الحبيب، وقال صاحب التحرير: هذه كلمة تقال على وجه التواضع، قاله في البدور، وقيل: مراده أن الفضل الذي أعطيه كان بسفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله بلا واسطة، وكرر وراء إشارة إلى نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو من وراء محمد، حكاه المصنف فيما يأتي قائلا: وراء بفتح الهمزة بلا تنوين، ويجوز البناء على الضم للقطع عن الإضافة نحو من قبل ومن بعد، واختاره أبو البقاء.

قال الأخفش: يقال لقيته من وراء بالضم، ثم قال: ويجوز فيها النصب والتنوين جوازًا جيدًا، قاله أبو عبد الله الأبي. "اذهبوا إلى غيري" فيذهبون إلى موسى وعيسى إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول:"أنا لها أنا لها" بالتكرير، وصرفوا عن الإتيان له ابتداء، مع أنه صاحبها إذاعة لفضله على رءوس الخلائق، "وهذا يدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان خليلا مع رفع الحجاب" عنه، "وكشف الغطاء" له، "ولو كان خليلا من وراء وراء لاعتذر، كما اعتذر إبراهيم عليه الصلاة والسلام وفيه تنبيه ظاهر على أنه عليه الصلاة والسلام فاز برؤية الحق سبحانه وتعالى، وكشف له الغطاء" ليلة الإسراء، "حتى رأى الحق" رؤية بصرية "بعيني رأسه"على المذهب المشهور، وقال به ابن عباس نفيا لمن قال بعيني قلبه، وإذا جوزه العقل، وشهد به النقل لم يبق للاستبعاد موقع ولا للإنكار موضع، "كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس، والملخص من هذا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام" بقوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} الآية، "على وجه نطق إبراهيم؛ بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: إنما كنت خليلا من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على

ص: 85

والسلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: "إنما كنت خليلا من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد صلى الله عليه وسلم بالدليل والبرهان.

ومما أعطيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وانفراده في الأرض بعبادة الله وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كسرها بمحضر من أولي نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء فيها بالأنفاس من الفاس، وما عول على المعول، لا عرض في القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرًا بغير سر:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .

ومما أعطيه الخليل عليه الصلاة والسلام بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت

أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس لا المكان" لاستحالته عليه تعالى:"وذلك مقام محمد صلى الله عليه وسلم بالدليل والبرهان" وهذا ساقه كله ابن المنير في المعراج، والله المستعان.

"ومما أعطيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام انفراده في الأرض بعبادة الله، وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر" بفتح القاف، وسكون السين، وبالراء: القهر والغلبة، "أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كسرها بمحضر من أولي نصرها" وهم أذلاء لا يستطيعون نصرها "بقضيب ليس مما يكسر إلا" بمعنى، لكن "بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء" أي: اكتفاء "فيها بالأنفاس من الفاس وما عول على المعول" كما فعل إبراهيم حيث علقه في عنق كبيرهم الذي تركه لعلهم إليه يرجعون، "ولا عرض في القول" كتعريض إبراهيم بقوله: بل فعله كبيرهم هذا، "ولا تمرض من الصول" أي: لم يظهر مرضًا لأجل الصول على تلك الأصنام، كما فعل إبراهيم، حيث قال: إني سقيم، اعتذارًا عن عدم خروجه معهم إلى عيدهم، وجعل ذلك، وسيلة إلى كسر الأصنام في غيبتهم، "بل قال جهرًا بغير سر" زيادة إطناب، {َقُلْ} عند دخول مكة {جَاءَ الْحَقُّ} الإسلام، {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} بطل الكفر، {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} مضمحلا زائدًا، وقد دخلها صلى الله عليه وسلم وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت، رواه الشيخان، وتقدم بسطه في فتح مكة.

"ومما أعطيه الخليل عليه الصلاة والسلام بناء البيت الحرام" الذي بوأه الله له، "ولا خفاء أن البيت جسد" تشبيه بليغ، "وروحه الحجر الأسود، بل هو سويداء القلب، بل

ص: 86

جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء "أنه يمين الرب" كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فقالوا: هذا الأمين، فحكموه في ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: يرفع كل بطن بطرف، فرفعوه جميعًا، ثم أخذه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام.

وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حنين الجذع، وقد.

جاء أنه يمين الرب"، كما روى الديلمي عن أنس مرفوعًا: "الحجر يمين الله، فمن مسحه فقد بايع الله" "كناية عن استلامه، كما تستلم الأيمان" الأيمان، بالفتح: جمع يمين العضو المخصوص، "عند عقد العهود، والأيمان" بالفتح أيضًا بمعنى القسم، والمعنى: أنه يستلم باليد من أراد عهدًا أو يمينًا يمين صاحبه عند معاهدة غيره، واللف كما كان عادتهم، "وقد أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه" بسيل أو غيره، "ولم يبق إلا وضع الحجر" في محله، "تنافسوا على الفخر الفخم" العظيم القدر، "والمجد" العز والشرف "الضخم" العظيم فالفخم والضخم مختلفان مفهومًا: متحدان ما صدقا، "ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل" من باب بني شيبة، "فاتفق دخول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فقالوا: هذا الأمين" رضينا بحكمه، "فحكموه في ذلك، فأمر ببسط ثوب، ووضع" النبي صلى الله عليه وسلم "الحجر فيه" أي: الثوب بيده الكريمة، فعند ابن إسحاق فقالوا: هذا الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال:"هلم إلي ثوبًا" فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثم قال:"يرفع" وفي نسخة: ليرفع، أي: ليأخذ "كل بطن" من بطون قريش، "بطرف" في رواية:"لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب"، فرفعوه جميعًا، ثم لما بلغوا به موضعه، "أخذه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام" وكان سنه خمسًا وثلاثين سنة على الأشهر، وهذا الذي ذكره المصنف أيضًا لفظ ابن المنير.

وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام منقلب العصا حية" وتقدم ذكر ذلك قريبًا أول المعجزات وأعاد الشارح نقله هنا "غير ناطقة" لعل ذكره مع أنه لازم للحية، لبيان التفاضل بين المعجزتين، وهو أن العصا لم تنطق لموسى، بخلاف الجذع، فنطق للمصطفى بكلام حتى سمعه من يليه زيادة على الحنين، كما مر، "فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حنين الجذع، وقد

ص: 87

مرت قصته.

وحكى الإمام الرازي -في تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه عليه الصلاة والسلام بالحجر رأى على كتفيه ثعابين فانصرف مرعوبًا.

وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام أيضًا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى صلى الله عليه وسلم قتادة بن النعمان وقد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونًا وقال: "انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا، ومن خلفك عشرًا

مرت قصته" قريبًا.

"وحكى الإمام الرازي في تفسيره وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه عليه الصلاة والسلام بالحجر رأى على كتفيه" بالتثنية، أي: النبي عليه السلام، وفي نسخة: كتفه بالإفراد على إرادة الجنس "ثعابين، فانصرف مرعوبًا" كما انصرف فرعون مرعوبًا من العصا، ولما كان أشد الفراعنة رأى ثعبانين.

"وأما ما أعطي موسى عليه الصلاة والسلام أيضًا من اليد البيضاء" اليمنى، بمعنى الكف، كما قال تعالى:{وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] الآية، فأدخلها تحت جناحه، أي: جنبه الأيسر تحت الإبط، أو في جيبه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية من غير سوء، أي: برص، "وكان بياضها يغشى البصر" وغلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى آدم شديد الأدمة، أي: السمرة: "فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء، وبطون الأمهات، من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه" ثم منه إلى آمنة أمه، وكان بينا ظاهرًا في جباههم، "وأعطى صلى الله عليه وسلم قتادة بن النعان" الأوسي، البدري، "والحال أنه "قد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة" فعيلة بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال إنها بمعنى مفعولة، أي: ممطور فيها، لوجود الهاء، إذ لا يقال ممطورة فيها، قال الكرماني. "عرجونًا" أصل العذق الذي يعوج، وتقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابسًا، سمي بذلك لانعراجه وانعطافه، ونونه زائدة، وقال: "انطلق به، فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا" من الأذرع، "ومن خلفك عشرًا" من الأذرع، هذا هو المتبادر، ومثله لا ينظر فيه، وذلك أعظم من اليد، فإن خلق الضوء في العرجون

ص: 88

فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان"، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم.

وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها

على هذا الوجه أعظم من البياض الذي في اليد، "فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا، فاضربه حتى يخرج، فإنه الشيطان" على غير صورته الأصلية، فلا ينافيه قوله تعالى:{مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} الآية، قال البيضاوي: ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا، "فانطلق، فأضاء له العرجون حتى دخل بيته، ووجد السواد، وضربه حتى خرج، رواه أبو نعيم".

وأخرج أحمد عن أبي سعيد، قال: هاجت السماء، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فبرقت فرأى قتادة بن النعمان، فقال:"ما السري يا قتادة"؟ قال: يا رسول الله! إن شاهد العشاء قليل، فأحببت أن أشهدها، قال:"فإذا صليت فأت" فلما انصرف أعطاه عرجونًا، فقال:"خذ هذا، فسيضيء لك، فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلم، فإنه شيطان" وأخرج هذه القصة الطبراني، وقال: إنه كان في صورة قنفذ.

"وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس، قال: كان عباد" بفتح العين، وشد الموحدة "ابن بشر" بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، ووقع للقابسي بشير، بفتح أوله، وكسر ثانيه، وزيادة تحتية، وهو غلط نبه عليه في الفتح ابن وقش، بفتح الواو، والقاف، ومعجمة الأنصاري من قدماء الصحابة، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا، وأبلى يوم اليمامة بلاء حسنًا، فاستشهد بها، "وأسيد" بضم الهمزة، وفتح السين، "ابن حضير" بضم المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ابن سماك الأنصاري، الأشهلي، صحابي جليل، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين، روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم عن عائشة، قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلا، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضر، وعباد بن بشر. "عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة" ولعبد الرزاق، تحدثا عنده "حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها" إكرامًا لهما ببركة نبيهما، آية له صلى لله عليه وسلم، إذ خص بعض أتباعه

ص: 89

حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشي كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه، ورواه البخاري بنحوه في الصحيح.

وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير.

بهذه الكرامة عند الاحتياج إلى النور وإظهار السر، قوله صلى الله عليه وسلم:"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". رواه أبو داود وغيره وادخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتم من ذلك، "حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه" أي: مقصده الذي لا يحتاج بعد الوصول إلى ما يرشده، لكن الذي في فتح الباري والمصنف وغيرهما أهله بدل هديه، "ورواه البخاري بنحوه في الصحيح" من رواية قتادة عن أنس: أن رجلين خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نور بين أيديهما يضيء حتى تفرقا، فتفرق النور معهما لفظ المناقب، ولفظه في الصلاة وعلامات النبوة: ومعها مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله، قال البخاري في المناقب: وقال معمر عن ثابت عن أنس، أن أسيد بن حضير، ورجلا من الأنصار. وقال حماد: أخبرنا ثابت عن أنس، قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند الني صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ: رواية معمر، وصلها عبد الرزاق عنه ومن طريقه الإسماعيلي بلفظ فذكره أعني الحافظ مثل سياق المصنف، قال: ورواية حماد وصلها أحمد والحاكم بلفظ: إن أسيد بن حضير، وعبادًا كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطرق، أضاءت عصا الآخر.

"وأخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة" بحاء مهملة، ابن عمرو بن عويمر بن الحارث بن سعد "الأسلمي" المدني، كنيته أبو صالح، وقيل: أبو محمد، صحابي جليل، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، روى عنه أبو مراوح، مات سنة إحدى وستين، وله إحدى وسبعون، وقيل: ثمانون له في مسلم، والترمذي، والنسائي، وعلق له البخاري، "قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم" أي: ركابهم، "وما هلك" أي: أشرف على الهلاك "منهم" بسبب تفرقهم لما أصابهم من شدة الظلمة، وقد ساقه الشامي بلفظ: وما سقط من متاعهم، وعزاه لمن عزاه له المصنف، فلعلهما روايتان، "وإن أصابعي لتنير" بضم التاء من أنار، أي: تضيء.

ص: 90

ومما أعطيه موسى عليه السلام أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر -كما مر- فموسى تصرف في عالم الأرض وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تصرف في عالم السماء، والفرق بينهما واضح، وقال ابن المنير: وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا صلى الله عليه وسلم حتى جاوزه -يعني ليلة الإسراء- قال وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام.

ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام إجابة دعائه، أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك ما لا يحصى.

"ومما أعطيه موسى عليه السلام أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر، كما مر" فهو نظيره، بل أعظم، "فموسى تصرف في عالم الأرض" بضربه البحر بالعصا، كما أمره الله فانفلق، "وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تصرف في عالم السماء" لما سأل الله انشقاق القمر حين طلبوه منه تعنتًا، "والفرق بينهما واضح".

قال ابن المنير: فإذا عرضت الآيتين على العقول حق العرض، سمت آية السماء على آية الأرض، "وقال ابن المنير" في معراجه:"وذكر ابن حبيب" محمد الأخباري: "أن بين السماء والأرض بحرًا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط" بالدنيا، وهو الملح.

"قال" ابن المنير: "فعلى هذا" الذي ذكره ابن حبيب، إن صح "يكون ذلك البحر انفلق لنبينا صلى الله عليه وسلم حتى جاوزه" أي: قطعه وفارقه، "يعني: ليلة الإسراء" ومقتضى انفلق؛ أنه صار فرقتين، كما افترق لموسى فرقًا بينهما مسالك، "قال: وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام" لأن بحار الأرض قد يقع فيها زوال الماء في مواضع منها، بحيث تصير فرقًا يمشي في الأرض التي بينها والبحر بين السماء والأرض، لا مقر له من الأرض حتى يسلك فيه، بل هو على صفة الله أعلم بها.

"ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام إجابة دعائه" في نحو قوله: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي} الآية، قال الله تعالى:{قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} ، {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} الآية، "أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك" إجابة دعائه "ما لا يحصى، ومما أعطيه موسى عليه

ص: 91

ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام تفجير الماء له من الحجارة، أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها، ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل:

وكل معجزة للرسل قد سلفت

وافى بأعجب منها عند إظهار

فما العصا حية تسعى بأعجب من

شكوى البعير ولا من مشي أشجار

ولا انفجار معين الماء من حجر

أشد من سلسل من كفه جار

ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام الكلام، أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلي، وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا صلى الله عليه وسلم فوق السماوات العلى وفوق سدرة المنتهى، والمستوى، وحجب النور والرفوف، ومقام

الصلاة والسلام تفجير الماء له من الحجارة" كما قال تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} الآية، "أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ" في المعجزة؛ "لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها" بل قال تعالى:{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} الآية، "ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم" بل لم يقع لغير المصطفى، كما مر، "ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت، وافى" أتى "بأعجب منها عند إظهار" الله تعالى له، وتأييده بالمعجزات، "فما العصا حية" حال موطئة، "تسعى" صفتها "بأعجب" خبر ما، "من شكوى البعير، ولا من مشي أشجار"، بل هما أعجب، "ولا انفجار معين الماء من حجر" من إضافة الصفة للموصوف "أشد" أقوى في المعجزة "من سلسل من كفه" متعلق بقوله: "جار" بل هو أشد.

"ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام الكلام أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو" مجاز عن القرب المعنوي لإظهار منزلته عند ربه، "والتدلي" طلب زيادة القرب؛ كما قال بعضهم: فليس عطف تفسير، والمقصود كما في البيضاوي تمثيل ملكة الاتصال، وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس، "وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا صلى الله عليه وسلم فوق السماوات العلا وفوق سدرة المنتهى والمستوى" الذي سمع فيه صريف الأقلام، "وحجب النور" بالنسبة للمخلوق "والرفرف" أي: البساط، قاله المصنف، "ومقام

ص: 92

المناجاة لموسى عليه الصلاة والسلام بطور سيناء.

وأما ما أعطيه هارون عليه الصلاة والسلام من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال: "وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين".

وقد كانت فصاحه هارون غايتها في العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة

المناجاة لموسى عليه الصلاة والسلام بطور سيناء" جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين، ولا يخلو من أن يكون الطور اسمًا للجبل، وسيناء: اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كامرئ القيس، كما في البيضاوي.

"وأما ما أعطيه هارون عليه الصلاة والسلام من فصاحة اللسان" أي: القدرة على النطق بلا ركة، ولا تلعثم، ومن بلاغة الألفاظ التي يؤدي بها، لأنها التي تحسن المقابلة بينها وبين فصاحة المصطفى، فالمراد باللسان الجارحة واللغة معًا، لا الجارحة فقط بدليل قوله الآتي: فصاحة هارون غايتها في العبرانية، إذ العبرانية لغة لا آلة، "فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل" بل يعلمه كل أحد لما فيه من البلاغة المشاهدة لكل من سمعه، وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، "ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك؟ " أي: ما رأينا أحدًا هو أفصح منك، بل أنت أفصح من رأيناه على مفاد النفي عرفًا، وإن صدق لغة بالتساوي، وأما إشعاره بأن ثم أفصح منه، لكنهم لم يروه، فليس بمراد إذ يأباه سياقه في مقام المدح، "فقال: وما يمنعني" أي: شيء يمنعني من بلوغ الغاية القصوى في الفصاحة والتميز فيها عن سائر الخلق، بحيث لا يساويني، بل ولا يقاربني فيها أحد، "وإنما أنزل القرآن بلساني" أي: لغتي جملة حالية، قصد بها تحقيق ما انتهى إليه من الفصاحة "لسان" بدل مما قبله "عربي مبين" نعت له، وذكر السان نظرًا لكون اللغة لفظًا، "وقد كانت فصاحة هارون غايتها في" لغته "العبرانية" بكسر العين "والعربية أفصح منها" ومن غيرها، "وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ ".

"قال ابن المنير" في المعراج: "الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة" لأن حكم الفصاحة مطلقًا الظفر، وإقامة الحجة، وكبت الخصوم، وإفهامهم، وإفحامهم، وإظهار نقائص

ص: 93

ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته صلى الله عليه وسلم في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام:"أوتيت جوامع الكلم" أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة.

وأما ما أعطيه يوسف عليه الصلاة والسلام من شطر الحسن، فأعطي نبينا صلى الله عليه وسلم الحسن كله، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله

المتبوعين عند الاتباع، ودرء الشبهة، ودفع الشكوك، كما بسطه ابن المنير، قائلا:"ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز" لأن غيره لا يقاربه في الفصاحة، ولم يقصد به الإعجاز، وهذا مستأنف لبيان الواقع، ويحتمل أنه عطف علة على معلول، يعني أن فصاحته ليست معجزة، لأنها ما تحدى بها، ولم يثبت أن غير نبينا تحدى بذلك، لكن إنما يتم هذا لو كان التحدي شرطًا، مع أنه ليس بشرط، بل يكفي وقوعها بعد دعوى النبوة، سواء طلب المعارضة به أم لا، وإلا لزم أن أكثر الخوارق ليست معجزة، إذ لم يتحد بغير القرآن، كما مر، "وهل فصاحته" أي: نبينا "عليه السلام" ولفظ ابن المنير: واختلف الناس في فصاحته "في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة" أي: القرآن، "ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ " كذا في النسخ الصحيحة: هل بلا واو، بدل مفصل من مجمل قوله: أو لا، وهل فصاحته، فهو مساو لجعل ابن المنير قوله: هل بيانًا لقوله: اختلف، فما يوجد في بعض نسخ المصنف، وهل تحدى بزيادة واو فيه شيء، ويحتاج إلى تقدير خبر لقوله: أو لا هل فصاحته، أي: معجزة أم لا؟

"وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "أوتيت جوامع الكلم" أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه" ومزاياه، عنده "وخصائصه" فهو دليل القول؛ بأنه لم يتحد بها، "ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الأخبار بالمغيبات ونحوها معجزة" كالقرآن، ولا يضر اشتماله على بلاغات تزيد عليها؛ لأن الكلام، وإن بلغ أعلى طبقات البلاغة، أو قارب تتفاوت مراتبه.

"وأما ما أعطيه يوسف عليه الصلاة والسلام من شطر الحسن" أي: نصفه، "فأعطي نبينا صلى الله عليه وسلم الحسن كله" لكن مهابته منعت رؤيته على وجهه، ولذا قال القرطبي: لم يظهر لنا تمام حسنه، لأنه لو ظهر ما أطاقت الأعين رؤيته صلى الله عليه وسلم، "وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله

ص: 94

في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته من صفته عليه الصلاة والسلام تبين له من ذلك التفضيل لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل.

وأما ما أعطيه يوسف عليه الصلاة والسلام أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك ثلاثة منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، والثاني: منام صاحبي السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتي

تعالى في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته في صفته عليه الصلاة والسلام" فيما مر أول المقصد الثالث، "تبين له من ذلك التفصيل" بصاد مهملة التبيين "التفضيل" بمعجمة: فاعل تبين "لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل" بالجيم.

"وأما ما أعطيه يوسف عليه الصلاة والسلام أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك" في القرآن "ثلاثة منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا" هي الجريان، وطارق، والذيال، وذو الكتفين، وقابس، ورثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، أخرجه الحاكم في مستدركه مرفوعًا، كما في المبهمات، "والشمس والقمر" فعبرهم بأبويه وإخوته.

"والثاني: منام صاحبي السجن" وهما غلامان للملك، أحدهما ساقيه، والآخر صاحب طعامه، رأياه يعبر الرؤيا، فقالا: لنختبرنه، قال الساقي: إني أراني أعصر خمرًا، وقال صاحب الطعام: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، فأوله بأن الساقي يخرج بعد ثلاث، فيسقي سيده خمرًا على عادته، وأما الآخر فيخرج بعد ثلاث، فيصلب، فتأكل الطير من رأسه، فقالا: ما رأينا شيئًا، قال قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.

"والثالث: منام الملك" ملك مصر الريان بن الوليد: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر، أي: سبع سنبلات يابسات، قال: تزرعون سبع سنين دأبًا، أي: متتابعة، وهذا تأويل السبع السمان، والسنبلات الخضر، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، أي: مجدبات، وهي تأويل السبع العجاف واليابسات.

"وقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك ما لا يدخله الحصر" أي: يضبطه، هذا هو المراد لا الدخول الذي هو الظرف، "ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار، وجد من ذلك العجب العجاب" وإنما لم يوصف بعلم التعبير لاشتغاله بما هو أهم منه من بيان الشرع والجهاد وغير ذلك، ويوسف عليه السلام عبر للملك وقت الحاجة، ولصاحبي السجن، فوصف به "وستأتي

ص: 95

نبذة من ذلك إن شاء الله تعالى.

وأما ما أعطيه داود عليه الصلاة والسلام من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطي نبينا صلى الله عليه وسلم أن العود اليابس أخضر في يده وأورق، ومسح صلى الله عليه وسلم شاة أم معبدة الجرباء، فدرت.

وأما ما أعطيه سليمان عليه الصلاة والسلام من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي

نبذة" بضم النون "من ذلك إن شاء الله تعالى" في الفصل الثاني من المقصد الثامن.

"وأما ما أعطيه داود عليه الصلاة والسلام من تليين الحديد له" كما قال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} الآية، "فكان إذا مسح الحديد لان"، الله جعله في يده، كالعجين والشمع يمزقه كيف شاء من غير إحماء، ولا طرق بآلة أو بقوة، "فأعطي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ أن العود اليابس اخضر في يده وأورق، ومسح صلى الله عليه وسلم شاة أم معبدة الجرباء": صفة شاة "فدرت"، وقصتها في الهجرة مرت.

"وأما ما أعطيه سليمان عليه الصلاة والسلام من كلام الطير" أي: نطقه مصدر مضاف لفاعله، أي: أن سليمان علم منطق الطير المعتاد له، لا أن الطير نفسه خرج عن عادته، فنطق بالعربية، كما وقع لنبينا في الظبية والذئب، بل وفي الجماد وغيره، فإنه لم يرد نطق الطير لسليمان وإنما فهم سليمان من تصويته معنى، كما أشار إليه البيضاوي في قوله تعالى:{عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} الآية، إذ قال: ولعل سليمان مهما سمع صوته علم بقوته القدسية النخيل الذي صوته، والغرض الذي توخاه به، ومن ذلك ما حكي؛ أنه مر ببلبل يصوت ويرقص، فقال: يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، فلعل صوت البلبل كان عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة: شدة وتألم قلب، "وتسخير الشياطين"، كما قال:{وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} الآية، أي: من أن يفسدوا ما عملوا، لأنهم إذا فرغوا من العمل قبل الليل أفسدوه، إن لم يشتغلوا بغيره، وكما قال: والشياطين كل بناء وغواص وآخذت مقرنين في الأصفاد، أي: يبني الأبنية العجيبة، وغواص في البحر يستخرج اللؤلؤ، ومقرنين مشدودين في الأصفاد: القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم ليكفوا عن الشر "والريح" كما قال: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً} الآية، أي: لينه حيث أصاب، أي: أراد {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ، "والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وزيادة"

ص: 96

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وزيادة.

أما كلام الطير والوحش فنبينا صلى الله عليه وسلم كلمه الحجر، وسبح في كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة -كما تقدم في غزوة خيبر- وكذلك كلمه الظبي وشكا إليه البعير -كما مر- وروي أن طيرًا أفجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول:"أيكم فجع هذا بولده"، فقال رجل أنا، فقال:"اردد ولده". ذكره الرازي ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش -أي تدنو- من الأرض، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، الحديث

وبينه بقوله: "أما كلام الطير والوحش، فنبينا صلى الله عليه وسلم كلمه الحجر" بكلام فهمه المصطفى وغيره، "وسبح في كفه الحصى" حتى سمعه الحاضرون، "وهو جماد" فهو أبلغ إعجازًا، "وكلمة ذراع الشاة المسمومة، كما تقدم في غزوة خيبر" وهو قوي في الإعجاز، أبلغ من إحياء الإنسان الميت، لأنه جزء حيوان دون بقيته، فهو معجزة لو كان متصلا بالبدن، فكيف وقد أحياه وحده منفصلا عن بقيته مع موت البقية، وأيضًا فقد أعاد عليه الحياة مع الإدراك والعقل، ولم يكن يعقل في حياته، فصار جزؤه حيًا عاقلا، وأقدره الله على النطق والكلام، ولم يكن حيوانه يتكلم، وهذا أبلغ من إحياء الموتى لعيسى، وإحياء الطيور لإبرهيم، "وكذلك كلمه الظبي" والضب، وسمعه حاضروه، "وشكا إليه البعير، كما مر" قريبًا.

"وروي؛ أن طيرًا أفجع" أصيب "بولده، فجعل يرفرف" يبسط جناحيه، يريد أن يقع "على رأسه" صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: ويكلمه، فيقول:"أيكم، فجع هذا بولده"؟، فقال رجل: أنا، فقال:"اردد ولده"، ذكره الرازي" الإمام فخر الدين، "ورواه أبو داود" والحاكم، وصححه عن ابن مسعود، "بلفظ: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة" بضم الحاء المهملة، وشد الميم المفتوحة، وقد تخفف، وبالراء ضرب من الطير، كالعصفور، "معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش" بضم الراء وكسرها، "أي: تدنو من الأرض، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية الطيالسي والحاكم: فجاءت الحمرة ترف على رسول الله وأصحابه، فقال:"من فجع هذا بولدها؟ ردوا ولدها إليها" الحديث تتمته: ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال:"من حرق هذه"؟ قلنا: نحن، قال:"إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" ، وقرية النمل موضعه.

ص: 97

وقصة كلام الذئب مشهورة.

وأما الريح التي كانت غدوها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فد أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم البراق الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله.

وروى الطيالسي، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل رجل غيضة، فأخرج منها بيض حمرة، فجاءت الحمرة ترف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم:"أيكم فجع هذه"؟.

فقال رجل: أنا يا رسول الله، أخذت بيضها، وفي رواية الحاكم: أخذت فرخيها، فقال:"رده رحمة لها".

وروى الترمذي، وابن ماجه، عن عامر الرام: أن جماعة من الصحابة دخلوا غيضة، فأخذوا فرخ طائر، فجاء الطير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرف، فقال:"أيكم أخذ فرخ هذا؟ "، فأمره أن يرده فرده، وحكمة الأمر بالرد؛ أنها لما استجارت به أجارها، فوجب ردها، واحتمال كونهم محرمين بعيد مع قوله: رحمة لها، "وقصة كلام الذئب" بكلام الإنس العربي "مشهورة" وتقدمت قريبًا.

"وأما الريح التي كانت غدوها" سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال "شهر" أي: مسيرته، ورواحها" أي سيرها من الزوال إلى الغروب "شهر تحمله أين أراد من أقطار الأرض" قال الحسن: كان يغدو من دمشق، ويقيل باصطخر، وبينهما شهر للراكب المسرع، ثم يروح من اصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر، "فقد أعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم البراق" بضم الموحدة "الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من افرش إلى العرش" عرش الرحمن "في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات" لأن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة، فهي سبعة آلاف.

"وأما إلى المستوى وإلى الرفرف، فذلك ما لا يعلمه إلا الله" وفي الشامية أعطي البراق سارية، مسيرة خمسين ألف سنة في أقل من ثلث ليلة، انتهى، وهذا كله على أحد القولين: أن العروج إلى السماوات كان على البراق، والصحيح الذي تقرر من الأحاديث الصحيحة؛ كما قال السيوطي وغيره: إنه كان على المعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، ولذا قال ابن كثير: لما فرغ من أمر بيت المقدس، نصب له المعراج، وهو السلم، فصعد فيه إلى السماء، ولم يكن

ص: 98

وأيضًا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا صلى الله عليه وسلم زويت له الأرض -أي جمعت- حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض.

وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سواري المسجد. وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم.

الصعود على البراق، كما قد يتوهم بعض الناس بل كان البراق مربوطًا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة، "وأيضًا فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبنيا صلى الله عليه وسلم" لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه "زويت له الأرض" بالزاي المنقوطة، أي: جمعت "حتى رأى مشارقها ومغاربها" وما يبلغه ملك أمته منها، "وفرق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض" وهو المصطفى.

"وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين" في الأعمال الشاقة، كالبناء والغوص يعملون له ما يشاء من محاريب، وهي أبنية مرتفعة، يصعد إليها بدرج وتماثيل: جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء، أي: صورًا من نحاس وزجاج، ورخام ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته، وجفان: جمع جفنة، كالجوابي: جمع جابية، وهي حوض كبير يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها، وقدور راسيات ثابتات، لها قوائم لا تحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بسلالم.

"فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه، وربطه بسارية من سواري المسجد" النبوي، لكن الذي روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إن الشيطان عرض لي، فشد عليّ ليقطع الصلاة عليّ، فأمكنني الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} الآية، فرده الله خاسئًا"، وأخرجه مسلم والبخاري أيضًا بلفظ:"إن عفريتا من الجن تفلَّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة"، فذكره، وهذا ظاهر في أن المراد غير إبليس، كما قال الحافظ: وهو نص في أنه تمكن منه، لكنه لم يربطه مراعاة لسليمان، وذعته بذال معجمة، وعين مهملة خفيفة، وفوقية ثقيلة: خنقته خنقًا شديدًا، "وخير مما أوتيه سليمان من ذلك" التسخير "إيمان الجن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فسليمان استخدمه" ولم يؤمنوا به، "والنبي صلى الله عليه وسلم استسلمهم" ولا شيء أعلى من الإسلام.

ص: 99

وأما عد الجن من جنود سليمان في قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ} [النمل: 17] ، فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده عليه الصلاة والسلام باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد.

وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار وتوكيرها في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شيء بأيسر شيء.

وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا صلى الله عليه وسلم خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا، فاختار صلى الله عليه وسلم أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل:

يا خير عبد على كل الملوك ولي

وأما ما أعطيه عيسى عليه الصلاة والسلام من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء

"وأما عد الجن من جنود سليمان في قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [النمل: 17] الآية والطير في مسير له فهم له يوزعون، أي: يجمعون، ثم يساقون، "فخير منه عد الملائكة جبريل ومن معه من جملة أجناده عليه السلام، باعتبار الجهاد" وفي بدر العظمى، "وباعتبار تكثير السواد" في غيرها لإرهاب العدو "على طريقة الأجناد"، كما وقع في أحد والخندق وحنين؛ كما مر بيانه في محله.

"وأما عد الطير من جملة أجناده" في الآية الكريمة، "فأعجب منه حمامة الغار" أي: جنسها، فلا ينافي كونهما حمامتين، كما مر في الهجرة "وتوكيرها" أي: اتخاذها الوكر "في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية" من الأعداء، "وقد حصلت من أعظم شيء" وهم كفار قريش الذين خرجوا في طلبه، وجعلوا مائة ناقة لمن رده أو قتله "بأيسر شيء" وهو تعشيش الحمامة، "وأما ما أعطيه من الملك" بطلبه، "فنبينا صلى الله عليه وسلم خير" بلا طلب "بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا" أو بمعنى الواو؛ كقوله:

قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم

ما بين ملجم مهره أو سافع

لأن بين ظرف مبهم لا يبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدًا، أو ما يقوم مقام ذلك؛ كقوله: عوان بين ذلك، كما بين في موضعه"، "فاختار صلى الله عليه وسلم أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولي" أي: جعلت له الولاية عليهم، وكفى بذلك شرفًا.

وأما ما أعطيه عيسى عليه الصلاة والسلام من إبراء الأكمه" الذي ولد أعمي،

ص: 100

الموتى، فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه رد العين إلى مكانها بعدما سقطت فعادت أحسن ما كانت، وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي وفيه أنه صلى الله عليه وسلم أتى قبرها فقال:"يا فلانة"، فقالت: لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث، وقد مر. وروي أن امرأة معاذ بن عفراء -كانت برصاء- فشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازي، وأيضًا قد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس ما لا يتكلم.

"والأبرص" وخصا؛ لأنهما مرضا إعياء، وكان بعثه في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا بالدعاء، بشرط الإيمان، وقدمت ما كان يدعو به، "وإحياء الموتى" بإذن الله، فأحيا عازر صديقًا له، وابن العجوز، وابنه العاشر، فعاشوا، وولد لهم وسام بن نوح، ومات في الحال، وكان المصنف اقتصر على هذه الثلاثة لاشتهارها دون بقية معجزاته وإلا فصدر الآية:{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} ، وآخرها تأتي الإشارة إليه ومن معجزاته، المائدة وغير ذلك، "فأعطي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه رد العين" لقتادة "إلى مكانها بعدما سقطت" على وجنته، "فعادت أحسن ما كانت" فهذا أبلغ من إبراء الأكمه، لأن عينيه في مكانهما.

"وروي أن امرأة معاذ بن عفراء، وكانت برصاء، فشكت" الفاء زائدة في خبر أن عند من يجيزه، "ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح عليها بعصا" ولم يمسها بيده، لأنها أجنبية، ولم يمس أجنبية أبدًا، وإشارة لغيره؛ وإن كان هو سيد أهل اليقين إلى أنه لا ينبغي مس محل البرص ونحوه، مخافة أن يصاب به الماس، فيتوهم أنه أعداه، "فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازي، وأيضًا فقد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى؛ لأن هذا من جنس ما لا يتكلم" لم يقل من جنس ما لم تحله الحياة للخلاف في أن نطق الجماد هل هو بعد تصييره حيًا، أو مع بقائه على كونه جمادًا وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الموتى.

قال ابن كثير: حلول الحياة والإدراك والعقل في الحجر الذي كان يخاطبه صلى الله عليه وسلم أبلغ من حياة الحيوان في الجملة؛ لأنه كان محلا للحياة في وقت، بخلاف هذا لا حياة فيه بالكلية قبل ذلك، وكذلك تسليم الأحجار، والمدر، والشجر، وحنين الجذع، وجعل أبو نعيم نظير خلق الطين طيرًا، جعل العسيب سيفًا، كما تقدم.

ص: 101

وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أرني قبرها" وأتى قبرها فقال: "يا فلانة" فقالت: لبيك وسعديك

الحديث، وقد مر.

وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم،

"وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم" قال: "أرني قبرها"، وأتى قبرها فقال:"يا فلانة" باسمها الخاص فكنى عنه الراوي بفلانة لنحو نسيان، "فقالت: لبيك وسعديك

الحديث، وقد مر" جميع ذلك الذي من جملته بقية الحديث قريبًا، وحاصل ما ذكره أن المصطفى شارك عيسى في إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وزاد بتكليم الجماد له، وإياء الجزء من الحي بعد انفصاله، كرد العين والذراع المسمومة، ولم يعهد مثله، وترك المصنف من آيات عيسى عليه الصلاة والسلام المائدة؛ لقول ابن المنير: لا يلزمنا إثبات نظيرها لنبينا، لأنها كانت محنة لبني إسرائيل، لا نعمة، لأنهم لعنوا بسببها، كما جاء في تفسير قوله تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الآية، على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ إنهم أصحاب المائدة، كفروا بعدها فلعنوا، ولم تقبل منهم توبة أبدًا، قال: وعلى تقدير شائبة الكرامة في إجابة دعوة عيسى، فنظير ذلك لنبينا إجابته حين خفت أزواد القوم، فجمعها فكانت كربضة العنز، ولا جفاء أنه طعام أقل من عشرة، فدعا بالبركة، فملأ الناس، وهم زهاء ألف ونيف أوعيتهم، والطعام بحاله، فهذه مائدة نزلت من السماء وطعام مبارك، قال الله:{كُنْ} الآية، فكان بدون تهديد، ولا وعيد، ولا تشديد، ولا محنة، ولا فتنة، ولا سد باب التوبة، بتقدير كفران النعمة، بل كانت نعمة محض، انتهى.

وفي الشامية تقدم نظير ذلك لنبينا؛ أنه أتي بطعام من السماء في عدة أحاديث تقدمت، وروى البيهقي عن أبي هريرة، قال: أتى رجل أهله، فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم ارزقنا ما نعجن ونخبز، فإذا الجفنة ملأى خميرًا، والرحى تطحن، والتنور ملأى خنوب شواء، فجاء زوجها وسمع الرحى، فقامت إليه لتفتح له الباب، قال: ماذا كنت تطحنين؟ فأخبرته وإن رحاهما لتدور وتصب دقيقًا، فلم يبق في البيت وعاء إلا ملئ، فرفع الرحى، وكنس ما حولها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"ما فعلت بالرحى"؟ قال: رفعتها ونفضتها، فقال صلى الله عليه وسلم:"لو تركتموها ما زالت كما هي لكم حياتكم" وفي رواية: "لو تركتموها لدارت إلى يوم القيامة".

"وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم" كما قال تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} الآية، أي: بالمغيبات من

ص: 102

فقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك ما لا يحصى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي.

وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء، فقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك ليلة المعراج، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة في الحضرة المقدسة بالمشاهدات.

وبالجملة: فقد خص الله تعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتسليم.

وقد روى جابر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

أحوالكم التي لا تشكون فيها، فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد، "فقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك ما لا يحصى، ويأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي" في المقصد الثامن.

"وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء" حيًا، أو بعد أن مات قولان أصحهما الأول، وعليه فقال بعضهم: صار كالملائكة في زوال الشهوة، ونقل البغوي وغيره عن قتادة: أن عيسى قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل: أنا، فقتل، ومنع الله عيسى، ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش، فكان إنسيًّا، ملكيًّا، سماويًّا، أرضيًّا، ولذا قلت في جواب سؤال:

وقد صار عيسى بعد رفع إلى السما

كالأملاك لا يشرب ولا هو يأكل

كما قاله الحبر الإمام قتادة

فتنظير بعض فيه تقصير يجعل

"فقد أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك ليلة المعراج، وزاد في" الأول حذفها لظهور أن المراد، أنه شارك عيسى في العروج، وزاد علي "الترقي لمزيد الدرجات" التي ما وصل إليها نبي ولا ملك، ولفظة في تقتضي مشاركته في الترقي "وسماع المناجاة" كلام الله تعالى، "والحظوة" بضم الحاء وكسرها: المحبة ورفعة المنزلة "في الحضرة المقدسة بالمشاهدات" وهذا تفصيل بعض ما أوتيه في نظير ما أوتيه الأنبياء الذين ذكرهم، "وبالجملة فقد خص الله تعالى سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم" وتفصيل ذلك متعسر أو متعذر.

"وقد روى جابر" بن عبد الله، "عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال" في غزوة تبوك، كما في حديث

ص: 103

"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا

عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند الإمام أحمد:"أعطيت" بضم الهمزة "خمسًا" أي: خمس خصال، "لم يعطهن أحد" من الأنبياء "قبلي" قال الحافظ: ظاهر الحديث أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من آمن معه، وقد كان مرسلا إليهم؛ لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم، فعموم رسالته من أصل بعثته، فثبت اختصاصه بذلك، وفيه أجوبة أخرى تأتي قريبًا، "كان كل نبي يبعث إلى قومه" المبعوث إليهم "خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود" قال الحافظ: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس، والأسود الجن، وعلى الأول التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه مرسل إلى الجميع، انتهى، أي: بالأقرب، وهم الإنس عجمًا وعربًا على الأبعد وهم الجن، وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري في التيمم:"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، وكذا لفظه في الصلاة، لكنه قال: كافة بدل عامة، ولمسلم من حديث أبي هريرة:"وأرسلت إلى الخلق كافة"، وهي أصرح الروايات وأشملها، فهي حجة لمن ذهب إلى إرساله إلى الملائكة لظاهر قوله:{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} الآية، ويأتي بسطه، "وأحلت لي الغنائم" وللكشميهني: المغانم، بميم قبل الغين، وهي رواية مسلم، "ولم تحل لأحد قبلي".

قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن لهم فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة، يصرفها حيث شاء والأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا، ذكره الحافظ، "وجعلت لي الأرض مسجدًا" أي موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك، وفي رواية أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: وكان من قبلي، إنما يصلون في كنائسهم، وللبزار من حديث ابن عباس: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه، "وطهورًا" بفتح الطاء على المشهور، واحتج به أبو حنيفة ومالك على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض، وخصه الشافعي وأحمد بالتراب، لما في مسلم من حديث حذيفة: "وجعلت لنا الأرض

ص: 104

فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان ونصرت بالرعب مسيرة شهر

كلها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا" وتعقب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.

وأما رواية ابن خزيمة وغيره الحديث بلفظ: "وجعل ترابها"، وقوله في حديث علي:"وجعل التراب لي طهورًا" ، رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، فالنص على التراب في هاتين الروايتين لبيان أفضليته لا لأنه لا يجزئ غيره، وليس مخصصًا لعموم قوله:"وطهورًا"؛ لأن شرطه أن يكون منافيًا، ولذا قال القرطبي هو من باب النص على بعض أشخاص العموم؛ كقوله تعالى:{فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] الآية، انتهى.

واستدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره، إذ لو كان المراد الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سبق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر، وابن الجارود، بإسناد صحيح، عن أنس مرفوعًا:"جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا"، ومعنى طيبة طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل، "فأيما رجل" كائن "من أمتي أدركته الصلاة" جملة في موضع جر، صفة لرجل، وأي مبتدأ فيه معنى الشرط، وما زائدة للتعميم، ورجل مضاف إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي:"فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء، وجد من الأرض طهورًا ومسجدًا".

وعند أحمد: فعنده طهوره ومسجده، "فليصل حيث كان" خبر المبتدأ، أي: بعد أن يتيمم، أو حيث أدركته الصلاة، ولأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: فأينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت.

قال ابن التين: قيل: المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا لا طهورًا؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض ويصلي حيث أدركته في أماكن مخصوصة، كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ:"وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم"، وهذا نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، وللبزار، ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه، قاله الحافظ، وتبرعنا به هنا تبعًا للشيخ، مع أن المصنف ذكره قريبًا بعد ذلك، وعلى ظاهر ما رجحه يسقط عنهم وجوب الأداء، ويقضون إذا رجعوا، وبه جزم بعض شراح الرسالة القيروانية، ويؤيده ظاهر قوله:"حتى يبلغ محرابه"، فما قيل هل يسقط عنهم مطلقًا أو محل الحصر في الكنائس ونحوها في الحضر لا في السفر، ويكون محل خصوصيتنا الصلاة بأي محل، ولو بجوار المسجد مع سهولة الصلاة فيه، انظره فيه قصور، ويمنع الثاني أن القيد لا بد له من دليل، مع أن ظاهر قوله: حتى يبلغ محرابه خلافه، " ونصرت بالرعب" بضم الراء: الخوف، زاد أحمد عن أبي أمامة: يقذف في قلوب أعداي "مسيرة شهر" غيابه، لأنه لم يكن بين بلده

ص: 105

وأعطيت الشفاعة"، رواه البخاري. وفي رواية: "وبعثت إلى الناس كافة".

وزاد البخاري في روايته -في الصلاة- عن محمد بن سنان: من الأنبياء.

وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخرًا".

وبين أعدائه أكثر منه في ذلك الوقت، وهذه الخصوصية حاصلة له مطلقًا حتى لو كان وحده بلا عسكر، وفي حصولها لأمته بعده احتمال أصله خبر أحمد الرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا.

وعن ابن عباس: مسيرة شهرين، وعن السائب بن يزيد:"ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"، رواهما الطبراني، ورواية السائب مبينة لمعنى رواية ابن عباس. "وأعطيت الشفاعة" العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، كما جزم به النووي وغيره، قال للعهد، كما قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، ويأتي بسطه، "رواه البخاري" ومسلم واللفظ له، فلو عزاه لهما لاستقام، ولفظ البخاري في التيمم عن شيخه سعيد بن النضر: أنا هشيم، أنا سيار، حدثنا يزيد، أنا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، ومعلوم أن أل في النفي للاستغراق، فيساوي رواية كل نبي، لكن قد رأيت ما فيه من التقديم والتأخير، فما الحامل على العز، وللبخاري: والإتيان بلفظ مسلم وإن اتحد المعنى.

"وفي رواية" هي رواية البخاري في الصلاة: "وبعث إلى الناس كافة" بدل عامة، وهما بمعنى، "وزاد البخاري في روايته" هذا الحديث "في" باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" من كتاب "الصلاة عن" شيخه "محمد بن سنان" بكسر المهملة، وخفة النون الباهلي، البصري، العوقي، بفتح المهملة والواو بعدها قاف ثقة ثبت مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، أي: عن هشيم بهذا الإسناد بعد قوله: "لم يعطهن أحد "من الأنبياء" قبلي"، وساقه بلفظ التيمم لكنه عبر بكافة بدل عامة، وجعل وأعطيت الشفاعة ختام الحديث، قال الحافظ رحمه الله: مدار حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد، وله شاهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان، انتهى.

"وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي" أي: من اتصف بالنبوة، فدخل في ذلك الرسل، إذ لا يوجد رسول إلا وهو نبي، ويدل على المراد قوله: "وأحلت لي الغنائم، إذ الأنبياء لم يكن لهم غنائم"، "ولا أقوله فخرًا" بل تحدثا بالنعمة لقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ

ص: 106

وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا". وإسناده كما قال ابن كثير جيد.

وليس المراد حصر خصائصه عليه الصلاة والسلام في هذه الخمس المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة

رَبِّكَ فَحَدِّثْ} الآية، وفيه:"وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا" وإن فعل المعاصي، وفي رواية عمرو بن شعيب:"فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله".

قال الحافظ: فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة به في هذا الحديث إخراج من ليس له عمل إلا التوحيد، وهو مختص أيضًا بالشفاعة الأولى، أي في فصل القضاء، لكن جاء التنويه بذكر هذه، لأنها غاية المطلوب عن تلك، لاقتضائها الراحة المستمرة، وقد ثبتت هذه في رواية البخاري في التوحيد:"ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله"، ولا تعكر عليه رواية مسلم، فيقول:"وعزتي ليس ذاك لك وعزتي"

إلخ؛ لأن المراد أن لا يباشر الإخراج، كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة، "وإسناده كما قال ابن كثر جيد" أي: مقبول، "وليس المراد حصر خصائصه عليه الصلاة والسلام في هذه الخمس المذكورة" كما يعطيه المفهوم، "فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا" أي أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم:"فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم" أي: جمع المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة، وقيل: إيجاز الكلام في اتساع من المعنى، فالكلمة القليلة الحروف تتضمن كثيرًا من المعاني وأنواعًا من الكلام، "ونصرت بالرعب" يقذف في قلوب أعدائي مسيرة شهر، وللطبراني عن السائب بن يزيد:"ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"، "وجعلت لي الأرض مسجدًا" وطهورًا، بفتح الطاء، وفيه أن الأصل في الأرض الطهارة وأن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك، وأما حديث:"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فضعيف، أخرجه الدارقطني من حديث جابر، واستدل به صاحب المبسوط من الحنفية على إظهار كرامة الآدمي، قال: لأن الآدمي خلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلا منهما طهور، ففي ذلك بيان كرامته، قال في الفتح، "وأرسلت إلى الخلق كافة" إرسالة عامة محيطة بهم، لأنها

ص: 107

وختم بي النبيون" فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال.

ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي:"وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر.

إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذا أصرح الروايات وأشملها، فهي مؤيدة لمن ذهب إلى إرساله إلى الملائكة؛ كقوله تعالى:{لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} الآية، ويأتي بسطه في كلام المصنف، "وختم بي النبيون" أي: أغلق باب الوحي والرسالة، وسد لكمال الدين، وتصحيح الحجة، فلا نبي بعده، وعيسى إنما ينزل بتقرير شرعه.

قال الحافظ العراقي: وكذا الخضر وإلياس بناء على نبوة الخضر وبقائهما إلى الآن، فكل تابع لأحكام هذه الملة، "فذكر" أبو هريرة في حديثه "الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: "وأعطيت" الأولى حذف الواو، لأنها ليست في الحديث "جوامع الكلم وختم بي النبيون" فتحصل منه، ومن حديث جابر سبع خصال، ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة" بن اليمان مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث" من الخصال "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" قال الزين العراقي: المراد به التراص وإتمام الصوف الأول، فالأول في الصلاة، فهو من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم السابقة يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، "وذكر خصلة الأرض، كما تقدم"، "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا"، "قال: وذكر خصلة أخرى" أبهمها نسيانًا أو نحوه، "وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة، والنسائي" والإمام أحمد، وهي: "وأعطيت هذه الآيات في آخر سورة البقرة" {آَمَنَ الرَّسُولُ} الآية، "من كنز تحت العرش" قال العراقي: معناه أنها ادخرت له، وكنزت، فلم يؤتها أحد قبله، وكثير من آي القرآن منزل في الكتب السابقة باللفظ أو المعنى، وهذه لم يؤتها أحد، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤت غيره لكن في هذه خصوصية لهذه الأمة، وهي وضع الإصر الذي على من قبل، ولذا قال في بقية الرواية: "لم يعطها نبي قبلي" انتهى، وإليه يومئ قوله: "يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من

ص: 108

وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا.

ولأحمد من حديث عليّ: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة.

وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه".

الإصر" الأمر الذي يثقل حمله، كقتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وفرض موضع النجاسة، "وتحميل ما لا طاقة" قوة "لهم به" من التكاليف والبلاء، "ورفع الخطأ" ترك الصواب لا عن عمد، "والنسيان، فصارت الخصال تسعًا، ولأحمد من حديث عليّ" مرفوعًا:"وأعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي: أعطيت مفاتيح" جمع مفتاح بالكسر: اسم للآلة التي يفتح بها، وهو في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، قاله ابن الأثير، "الأرض" وفي رواية: خزائن الأرض، استعارة لوعد الله تعالى بفتح البلاد: جمع خزانة، ما يخزن فيه الأموال، وهي مخزونة عند أهل البلاد قبل فتحها، أو المراد خزائن العلم بأسره، ليخرج لهم بقدر ما يستحقونه فكل ما ظهر في العالم، فإنما يعطيه الذي بيده المفتاح، بإذن المفتاح كذا أوله بعضهم، وإجراؤه على ظاهره أولى؛ لحديث جابر عند أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبان وغيره مرفوعًا، "أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، عليه قطيفة من سندس"، "وسميت أحمد" فلم يسم به أحد قبله، حماية من الله لئلا يدخل لبس على ضعيف اليقين، أو شك في أنه هو المنعوت بأحمد في الكتب السالفة، "وجعلت أمتي خير الأمم" بنص:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية، وشرفها من شرفه، "وذكر خصلة التراب" فقال:"وجعل لي التراب طهورًا"، "فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة".

"وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء" بست، وبين ما فضل به بقوله: "غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر" أي: حيل بيني وبين الذنوب، فسترت عني، فلم آتها على أوجه محامله، ويأتي بسطه، "وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر" نهر في الجنة؛ كما صح عن مسلم، "وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه" وفي أنه حقيقي، وعند الله علم حقيقته، أو تصوير لعظمته وانفراده بالمقام

ص: 109

وذكر ثنتين مما تقدم.

وله من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم". قال: ونسيت الأخرى.

فينتظم بها سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع.

وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي خص به صلى الله عليه وسلم ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله صلى الله عليه وسلم اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله

الذي تحمده الخلائق قولان ويأتي، "وذكر ثنتين مما تقدم" من الخصال تمام الست، "وله" أي: البزار من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا، فأعانني الله عليه فأسلم" بفتح الميم، أي: آمن بي قطعًا، إذ هذا اللفظ لا يحتمل غير هذا، فأما الذي حكى فيه النووي وغيره روايتين الفتح والضم، فإنما هو حديث مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا:"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن"، قالوا: وإياك؟ قال: "وإياي إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" روي هذا بفتح الميم وضمها، وصحح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وهو المختار.

"قال" الراوي ابن عباس أو من دونه: "ونسيت الأخرى" وهي مبينة في رواية البيهقي في الدلائل عن ابن عمر مرفوعًا: "فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونًا لي وكان شيطان آدم كافرًا، وكانت زوجته عونًا عليه"، "فينتظم" يجتمع "بها" بهذه الأحاديث "سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع" للأحاديث.

"وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى؛ أن عدد الذي خص به صلى الله عليه وسلم" على الأنبياء "ستون خصلة، وطريق الجمع" بين مختلف هذه الأحاديث من ست، وخمس، وثلاث، وأربع، وثنتين، "أن يقال: لعله عليه السلام اطلع أولا على بعض ما اختص به" فأخبر به، "ثم اطلع على الباقي" فحدث به، إذ لا ينطق عن الهوى، وهذا عند من يحتج بمفهوم العدد، "ومن لا يرى مفهوم العدد حجة" وإن كان نصًا في مدلوله "يدفع هذا الإشكال من أصله" إذ الإخبار بعدد لا يخفي غيره، وهذا الذي ساقه المصنف بعد حديث جابر إلى هنا من فتح الباري.

ص: 110

وقد ذكر بعض العلماء أنه صلى الله عليه وسلم أوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية.

وقد اختلف في العلم بخصائصه عليه السلام، فقال الصيمري من الشافعية: منع أبو علي بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه.

وقال إمام الحرمين: قال المحققون ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه الحاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة.

وقال النووي في الروضة والتهذيب بعد نقله هذين الكلامين: وقال

"وقد ذكر بعض العلماء، أنه صلى الله عليه وسلم أوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية" وذكر النووي في مقدمة شرح مسلم؛ أن معجزاته تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في المدخل: بلغت ألفًا، وقال الزاهدي من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف هذا لفظ الفتح، وفي الأنموذج: وخص بأنه أكثر الأنبياء معجزات، فقد قيل: إنها تبلغ ألفًا، وقيل: ثلاثة آلاف سوى القرآن فإن فيه ستين ألف معجزة تقريبًا، قال الحليمي: وفيها مع كثرتها معنى آخر، وهو أنه ليس في شيء من معجزات غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات نبينا خاصة، انتهى، أي: كتكثير الطعام واللحم والتمر والماء، ونحو ذلك.

"وقد اختلف في العلم بخصائصه عليه السلام، فقال الصيمري" بفتح الصاد المهملة وسكون التحتية، وفتح الميم، وراء نسبة إلى صيمر: نهر بالبصرة عليه عدة قرى، وبلد بخوزستان، كما في اللب "من الشافعية: منع أبو علي بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى، فلا معنى للكلام فيه" لضياع الزمن بلا فائدة.

"وقال إمام الحرمين: قال المحققون: ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط" سير على غير هدى "غير مفيد" بل قد يؤدي إلى ضرر شديد، "فإنه لا يتعلق به حكم ناجز، تمس إليه الحاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم في، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه، فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة".

"وقال النووي في الروضة والتهذيب" للأسماء واللغات "بعد نقله هذين الكلامين، وقال

ص: 111

سائر الأصحاب لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل استحبابه، ولو قيل: وجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث الصحيح فعمل به أخذًا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأي فائدة أهم من هذه الفائدة، وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدريب ومعرفة الأدلة، وتحقيق الشيء على ما هو عليه. انتهى كلام النووي وقد تتبعت ما شرف الله به نبينا صلى الله عليه وسلم من الخصائص والآيات، وأكرمه به من

سائر" أي: باقي "الأصحاب" أي: المقلدين لمذهب الشافعي، لا خصوص من صحبه، "لا بأس به" أي يجوز الكلام في الخصائص والبحث عنها، "وهو الصحيح لما فيه من زيادة العلم" وبيان شرف المصطفى ورفيع منزلته عند ربه، "فهذا كلام الأصحاب والصواب الجزم بجواز ذلك" كما قالوا: "بل باستحبابه" لما فيه من بيان شرفه صلى الله عليه وسلم، وكرامته على ربه، حيث أباح له ما لم يوجبه على غيره، كالأمر بالمعروف بلا شرط، وجعل له كرامات وفضائل لم يؤتها غيره، "ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث الصحيح، فعمل به أخذًا بأصل التأسي" لأنا مأمورون باتباعه، "فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأي فائدة أهم من هذه الفائدة" وهي معرفة الخصائص، ولذا قال الشمس الحطاب المالكي: ذكرها إما مستحب أو واجب، وهو الظاهر.

"وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم" كتكليم الجماد، وسعي الشجر مما وجد لإظهار عظمته، وإثبات نبوته في زمنه، وقد ثبت ذلك في الأمة وتحقق، فلا فائدة تترتب عليها من اجتناب محرم ونحوه، "فقيل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله" حيث يذكر فيها، الأدلة لهم ولمخالفيهم والجواب عن أدلة المخالفين "للتدريب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشيء على ما هو عليه" وإلا فلا فائدة فيها إذ لا يبطل المذاهب المقررة، "انتهى كلام النووي" وهو وجيه. وقد تتبعت" طلبت شيئًا بعد شيء بلا عجلة، يقال: تتبع فلان أحوال فلان، أي: تطلبها شيئًا بعد شيء في مهلة "ما شرف الله به نبينا" أي: أعطاه شرفًا وتمييزًا "من الخصائص" على الأنبياء، كانشقاق القمر أو على الأمم، وإن شاركه الأنبياء "والآيات" عطف مرادف أو أعم؛ بأن يراد بها العلامات الدالة على نبوته، وإن شاركه فيها غيره في الجملة لما مر أنه لم يعط نبي معجزة، إلا وأعطي نبينا ما يوازيها ويزيد عليها. "وأكرمه به من

ص: 112

الفضائل والكرامات من كتب العلماء، كالخصائص لابن سبع، وخصائص الروضة للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن، وشرح البهجة لشيخ الإسلام زكريا بن أحمد الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ قطب الدين الخيضري، واستفدت منه كثيرًا في فصل المعجزات، مع ما رأيته أثناء مطالعتي لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد للعراقي وغير ذلك مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة.

وقد قسمها غير واحد من الأئمة أربعة أقسام:

الأول: ما اختص به صلى الله عليه وسلم من الواجبات، والحكمة في ذلك.

الفضائل" جمع فضيلة، وهي الفضل الخير، وهو خلاف النقص والنقيصة، كما في المصباح، وهذا شامل للمزايا القاصرة والمتعدية، فقول بعض الفضائل المزايا القاصرة، كقيام الليل والفواضل: جمع فاضلة وهي المزايا المتعدية، كالكرم مجرد اصطلاح، وإلا فاللغة تشمل الأمرين، "والكرامات" التي أكرم بها خارقه للعادة بخلاف الفضائل، فلا يلحظ فيها كونها خوارق: عادات "من كتب العلماء" صلة تتبعت "كالخصائص لابن سبع" بإسكان الباء، وقد تضم، "وخصائص الروضة للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن" العلامة سراج الدين، عمر أبو حفص، "وشرح البهجة" لابن الوردي، "لشيخ الإسلام زكريا بن أحمد الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ قطب الدين الخيضري، واستفدت منه كثيرًا" من الخصائص "في فصل المعجزات" إضافة بيانية أو من إضافة الصفة للموصوف، وحمله على مغايرة المضاف للمضاف إليه بعيد، كذا قرر شيخنا بناء على قراءة فضل، بضاد معجمة مع أنه بمهملة؛ لأن الخيضري عقد فصلا للمعجزات غير الخصائص، "مع ما رأيته" حال من المجرور بالحرف، وهو كتب العلماء، أي مصحوبًا بما رأيته "أثناء مطالعتي لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد" للنووي، "للعراقي" الشيخ ولي الدين، "وغير ذلك" عطف على فتح الباري "مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة" ذكرتها كلها، لكن في ضمن تقسيم غير واحد لأربعة أقسام، إذ كل كتاب من كتبهم وإن ذكر الأربعة، لكنه لم يستوعبها، كما استوعبتها مما تحصل لي، "وقد قسمها" أي الخصائص "غير واحد من الأئمة أربعة أقسام، الأول: ما اختص به صلى الله عليه وسلم من الواجبات" الثاني: ما اختص به من المحرمات، الثالث: المباحات، الرابع: الفضائل والكرامات، كما يأتي له، وختمها بخصائص أمته، وقد زاد عليه غيره في كل قسم كثيرًا، {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} ، "والحكمة في ذلك"

ص: 113

زيادة الزلفى والدرجات، فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم. قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه بواجبات عليه لعلمه بأنه أقوم بها منهم، وقيل ليجعل أجره بها أعظم.

الاختصاص بالوجوب "زيادة الزلفى" القرب المعنوي، "والدرجات" العلى، أي: الثمرات المترتبة، كالوسيلة، ثم لا ينافي ترتب ذلك على الواجبات؛ أنه أفرغ عليه جميع الكمالات من الأزل؛ لأنه لا يخالف توقفه على فعل واجب، علم الله أنه سيفعله، "فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء" أي فعل "ما افترض" أي أوجب الله "عليهم" لعدم وجود مثل الفرض لا مع وجوده، كما يفهمه الكلام بحسب الظاهر، لكنه من إثبات الشيء بدليله على نحو: مثلك لا يبخل وليس كمثله شيء، وحاصل المعنى: أن أعظم شيء يتقرب به فعل الفرض، فالمراد بالأداء اللغوي، وهو فعل الشيء مطلقًا، فشمل الواجب الذي لا وقت له محدود، لا الاصطلاحي، وهو فعل العبادة قبل خروج وقتها، وهو الزمن المعين لها شرعًا، ثم هذا تلميح بخبر البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إن الله تعالى قال: من عادى وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه". الحديث، قال إمام الحرمين في النهاية: قال بعض علمائنا: الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النفل، أي: المماثل لها بسبعين ضعفًا لحديث سلمان مرفوعًا: "في شهر رمضان من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان من أدى سبعين فريضة في غيره"، فقابل النفل فيه بالفرض في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فرضًا في غيره، فأشعر بأن الفرض يزيد على النفل بسبعين درجة من طريق الفحوى، انتهى، وتعقب بأن الحديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة، وعلق القول به على صحته، والظاهر أن ذلك من خصائص رمضان، ولذا قال النووي: استأنسوا له بحديث في شهر رمضان.

"قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه بواجبات عليه، لعلمه بأنه أقوم بها منهم" أي: أقدر على القيام بها من جميع الأمة.

قال ابن الجوزي: لما كانت الحمامة تزق فراخها لم تحضن غير بيضتين، لأنها لا تقوى على أكثر منها، ولما كانت الدجاجة لا تزق فراخها، كانت تحضن عشرين فأكثر، ولما كان صلى الله عليه وسلم أقوى الحاملين خص بواجبات لم تجب على غيره، انتهى.

"وقيل: ليجعل أجره بها" أي بفعلها "أعظم" ثوابًا من ثواب فعل نفسه، ولو كانت مندوبة له، فالمفضل عليه فعله لا بصفة الوجود، كما قرر شيخنا أو فعل أمته لا فعله لها بغير صفة الوجوب، كما جزم به في الشرح وفي الشامية، وقيل: ليجعل أجره بها أعظم من أجرهم، وقربه

ص: 114

فاختص صلى الله عليه وسلم بوجوب الضحى على المذهب، لكن قول عائشة في الصحيح: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح سبحة الضحى، يدل على ضعف أنها كانت واجبة عليه. قال الحافظ ابن حجر: ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. انتهى، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في ذكر صلاة الضحى من مقصد عبادته عليه السلام.

وهل كان الواجب عليه أقل الضحى أو أكثرها، أو أدنى الكمال؟ قال الحجازي؛ لا تقل فيه، لكن في مسند أحمد:"أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بهما".

ومنها الوتر وركعتا الفجر، كما رواه الحاكم في المستدرك وغيره، ولفظ أحمد والطبراني

بها أزيد من قربهم، انتهى، ثم هذا علم من قوله: "لن يتقرب

" إلخ، "فاختص صلى الله عليه وسلم بوجوب الضحى على المذهب" أي الراجح عند الشافعي، وجزم به صاحب المختصر من المالكية لكنه شاذ؛ كما قال ابن شاس في الجواهر، "لكن قول عائشة في الصحيح: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح" يصلي "سبحة الضحى" صلاته، سميت الصلاة تسبيحًا لاشتمالها عليه من تسمية الكل باسم البعض، "يدل على ضعف أنها كانت واجبة عليه" ومن ثم قال في الجواهر: إنما قال بوجوبها بعض من شذ.

"قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت ذلك" أي وجوبها عليه "في خبر صحيح" قال: وخبر أحمد: "أمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها" ضعيف، وصححه الحاكم فذهل، "انتهى" كلام الحافظ بما زدته، "وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في ذكر صلاة الضحى من مقصد عبادته عليه السلام" وهو التاسع، "وهل كان الواجب عليه أقل الضحى" وهو ركعتان "أو أكثرها" وهو ثمان، "أو أدنى الكمال" وهو أربعة.

"قال الحجازي: لا نقل فيه" أي لم يتعرضوا له، كما في الخادم، "لكن في مسند أحمد" عن ابن عباس مرفوعًا:"أمرت بركعتي الضحى" أمر إيجاب بدليل قوله: "ولم تؤمروا بهما" ففيه أن الواجب عليه أقل الضحى، لكنه حديث ضعيف، ود عارضه ما أخرجه أحمد أيضًا من حديث ابن عباس "أمرت بالوتر وركعتي الضحى ولم يكتب" وقد جمع العلماء بين نفي عائشة رؤيته؛ يصليها، وأثبات غيرها صلاتها؛ بأنه كان لا يداوم عليها، مخافة أن تفرض على أمته، فيعجزوا عنها، فلو كانت واجبة لداوم عليها، "ومنها الوتر وركعتا الفجر، كما رواه الحاكم في المستدرك، ورواه "غيره" من حديث ابن عباس، "ولفظ أحمد والطبراني" عن

ص: 115

"ثلاث عليّ فريضة وهن لكم تطوع، الوتر وركعتا الفجر وركعتا الضحى".

قال بعضهم: وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى الوتر على الراحلة. قال: ولو كان واجبًا لما جاز فعله على الراحلة.

وتعقب: بأن فعله على الراحلة من الخصائص أيضًا كما سيأتي فيما اختص به عليه السلام من المباحات، إن شاء الله تعالى. وأجيب بأنه يحتاج إلى دليل.

وهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثره؟ أم أدنى الكمال؟ قال الحجازي: لم أر فيه نقلا.

ومنها صلاة الليل

ابن عباس رفعه: "ثلاث" هن "علي فريضة" لازمة، ولفظ الحاكم فرائض، "وهن لكم تطوع، الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى".

قال الحافظ: يلزم من قال به بوجوب ركعتي الفجر عليه: ولم يقولوا به، وإن وقع في كلام بعض السلف والآدمي وابن الحاجب، فقد ورد ما يعارضه، وهذا الحديث ضعيف من جميع طرقه، وإن استدركه الحاكم، وقد أطلق الأئمة عليه الضعف، كأحمد، والبيهقي، وابن الصلاح، وابن الجوزي، والنووي وغيرهم، انتهى.

ولذا "قال بعضهم" معارضًا له: "وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى الوتر، على الراحلة قال: ولو كان واجبًا لما جاز فعله على الراحلة وتعقب بأن فعله على الراحلة من الخائص أيضًا كما سيأتي فيما اختص به عليه السلام من المباحات إن شاء الله تعالى، وأجيب بأنه" أي: جعل فعله على الراحلة من الخصائص، وإن جزم به النووي على مسلم "يحتاج إلى دليل" ولم يوجد، فهو في حقه سنة، ولذا ادعى البلقيني أنه لم يكن واجبًا عليه، خلافًا لما صححوه، ولا دليل لمن قال: كان واجبًا عليه في الحضر دون السفر، كذا قال "وهل كان الواجب عليه أقل الوتر" ركعة، "أم أكثره، أم أدنى الكمال" وهو ثلاثة.

"قال الحجازي: لم أر فيه نقلا" وقال الزركشي: الظاهر أن مرادهم الجنس، وقياسًا على الضحى، ونازعه شيخنا بالفرق بينهما، لأن الاقتصار على ركعة في الوتر خلا الأولى، أو مكروه، ولا كذلك الضحى، فيكون الواجب عليه في الوتر أدنى الكمال، "ومنها صلاة الليل" أي: التهجد، وعطفها على الوتر، للإشارة إلى مغايرتها له، وهو ما رجحه الرافعي والنووي هنا، ورجحا في صلاة التطوع اتحادهما، ونقله في المجموع عن الأم والمختصر، ورجح ما هنا بما ذكره الرافعي هناك من اعتبار وقوع التهجد بعد النوم، بخلاف الوتر، ومنع القمولي هذا الاعتبار، رده الزركشي بمنع كون المصلي قبل نومه متهجدًا.

ص: 116

قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] أي فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا ما صححه الرافعي ونقله النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه، كما نسخ في حق غيره.

ومنها السواك، واستدلوا له بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس.

وحجة من لم يجعله واجبًا عليه، ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما جاءني جبريل إلا أوصاني

"قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] الآية، أي: فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة" فالمراد بالنافلة المعنى اللغوي، فلا ينافي الوجوب لا مقابله، "أو فضيلة" إكرامًا "لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا": أي وجوب التهجد "ما صححه الرافعي، ونقله النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه، كما نسخ في حق غيره" قال في شرح البهجة: وهو الأصح، أو الصحيح، وفي مسلم عن عائشة ما يدل عليه، "ومنها: السواك، واستدلوا له" أي لوجوبه "بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي" صوابه إسقاطه، فهو ابن "حنظلة بن أبي عامر" الراهب، الأنصاري، له رؤية، وأبوه غسيل الملائكة، قتل يوم أحد وأم عبد الله جميلة بنت عبد الله بن أبي، استشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة، سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا" أي متوضئًا، "أو غير طاهر" وطاهره ولو نفلا، ورجحه الشيخ ولي الدين، لكن قال الحافظ: سياق الحديث يخصصه بالمفروضة، وكذا قال الزركشي ولا يخالفه، "فلما شق ذلك عليه، أمر بالسواك لكل صلاة" فرضًا، أو نفلا حضرًا، أو سفرًا، وهذا الحديث صححه ابن خزيمة وغيره، "ولكن "في إسناده محمد بن إسحاق" بن يسار، "وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس" وإن كان صدوقًا وعنعنة المدلس ليست مقبولة، ما لم يصرح بالسماع ونحوه، كما في الألفية وغيرها، فقال الشامي: إسناده، جيد وفيه اختلاف لا يضر فيه نظر، لأنه وإن لم يضر الاختلاف فيه على بعض رواته، فقد ضر تدليس ابن إسحاق فلا يكون إسناده جيدًا، "وحجة من لم يجعله واجبًا عليه، ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة" الباهلي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما جاءني جبريل إلا أوصاني

ص: 117

بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي". وإسناده ضعيف، وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة ابن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ"، وإسناده حسن، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله في شرح تقريب الأسانيد.

ومنها الأضحية، قال الله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث هن عليّ فرائض، وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر".

ومنها المشاورة، قال الله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [عمران: 159] ، فظاهره الإيجاب

بالسواك" وصية استحباب وترغيب فيه، "حتى خشيت أن يفرض عليّ وعلى أمتي" وهذا لو صح كان ظاهرًا في عدم الوجوب، "ولكن إسناده ضعيف" وقد رواه أحمد والطبراني، بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ: "إلا أمرني بالسواك حتى لقد خشيت أن أخفي مقدم فمي".

"وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة"، بمثلثة، "ابن الأسقع" بالقاف، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت" على لسان جبريل، أو بالإلهام، أو بالرؤيا "بالسواك" أمر ندب "حتى خشيت أن يكتب علي" أي: يفرض وإسناده حسن، وقال المنذري وغيره: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه، "والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله في شرح تقريب الأسانيد" للحافظ ولي الدين العراقي، لكن المعتمد عند المالكية والشافعية وجوبه عليه.

"ومنها: الأضحية" بضم الهمزة وكسرها، وشد الياء وخفتها، أي: التضحية، "قال الله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} الآية، أضحيتك، والأمر للوجوب، ولخبر الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، رفعه:"الأضحى عليّ فريضة وعليكم سنة" أي التضحية علي واجبة، سميت باسم الوقت الذي تشرع ذكاتها فيه، وهو ارتفاع النهار.

"وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث هن عليّ فرائض" وفي رواية: فريضة "وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر" مر هذا الحديث قريبًا، وإنه ضعيف من جميع طرقه خلافًا لاستدراك الحاكم.

"ومنها: المشاورة" لذوي الأحلام في غير الشرائع والأحكام، "قال الله تعالى:{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [عمران: 159] الآية، فظاهره الإيجاب" وهو المعتمد عند الشافعية.

ص: 118

ويقال إنه استحباب، استمالة للقلوب، ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقي في "معرفة السنن والآثار" عن النص: أن المشورة غير واجبة عليه، كما نبه عليه الحجازي وغيره.

واختلف في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته.

فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًا في اللفظ، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس:"وشاورهم في بعض الأمر".

وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو، ومكائد الحرب عند الغزو.

وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور في الأمر شق

والمالكية، "ويقال: إنه استحباب" وكان وجه صرف الأمر إليه غناه عنها، فإنما هي تطييب لقلوبهم ونحو ذلك "استمالة للقلوب" راجع للقولين، "ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقي في" كتاب "معرفة السنن والآثار عن النص" أي: نص الشافعي: "أن المشورة غير واجبة عليه" فقال: وصرف الشافعي الأمر إلى الندب، فقال: هو كقوله: "البكر تستأمر"، فإنه تطييب لخاطرها لا واجب، فالمشاورة لاستمالة قلوبهم واستخراج آرائهم واستعطافهم، انتهى، "كما نبه عليه الحجازي وغيره" ولكن المعتمد الوجوب، وهو ما صححه الرافعي والنووي.

"واختلف في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام بالمشاورة مع كمال عقله" إذ لم يخلق أعقل منه ولا مثله، كما مر. "وجزالة" بفتح الجيم والزاي "رأيه، وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته، فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًا في اللفظ، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد يدل عليه قراءة ابن عباس: "وشاورهم في بعض الأمر""، وهذا وإن عزاه لبعضهم لا يخالف فيه أحد، إذ ما فيه عهد من الله لا يشاور فيه.

"وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكائد الحرب عند الغزو" بأن يذكر لهم ما يتعلق به، فإن ذكروا خلافه، كالخروج له أو عدمه، وكان الصواب خلافه، بيته لهم وأرشدهم إليه، فإن عارضوه برأيهم أظهر لهم ما يترتب عليه حتى تستقر نفوسهم على حسن ما يختاره.

"وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب" رؤساؤهم، "إذا لم تشاور في الأمر شق

ص: 119

عليهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم.

وقال الحسن: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده.

وحكى القاضي أبو يعلى، في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين: أحدهما: في أمر الدنيا خاصة، والثاني: في أمر الدين والدنيا وهو الأصح، قاله المعافي بن زكريا في تفسيره.

والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد.

وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن الله جعلها رحمة لأمتي".

عليهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم" أي: أشد عطفًا، أي: إمالة لقلوبهم إلى رأيه صلى الله عليه وسلم "وأذهب لأضغانهم" أي: حقدهم، أي ما يقوم في نفوس القاصرين من عدم الميل إلى ما يشير عليهم به من أمر الحرب ونحوه، "وأطيب لنفوسهم".

"وقال الحسن" البصري: "قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن" أي يقتدي "به ومن بعده".

"وحكى القاضي أبو يعلى في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين، أحدهما: في أمر الدنيا خاصة، والثاني: في أمر الدين والدنيا وهو الأصح".

وقد كان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة، "قال المعافى بن زكريا" بن يحيى بن حميد الحافظ، العلامة المفسر، الثقة، النهرواني، كان على مذهب ابن جرير، ولذا يقال له الجريري "في تفسيره، والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد" فلا يرد أنه لا معنى للقول الأصح؛ لأنه لا يرجع إلى مشورتهم لو أشاروا بخلافه.

"وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما" بتخفيف الميم، "إن الله ورسوله لغنيان عنها" قال ابن مالك في شرح كافيته: يجوز كسر إن بعد أما، مقصودًا بها معنى ألا الاستفتاحية، فإن قصد بها معنى حقًا فتحت، "ولكن الله جعلها رحمة لأمتي" تطييبًا لنفوسهم وتسهيلا لاعتياد ذلك واتباعه.

ص: 120

وعند الترمذي الحكيم من حديث عائشة، رفعته:"إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض".

ومنها مصابرة العدو وإن كثر عددهم.

ومنها تغيير المنكر إذا رآه، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه تغيير، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه صلى الله عليه وسلم بالخوف بخلاف غيره.

"وعند الترمذي الحكيم" محمد بن علي، وكذا عند الديلمي بسند ضعيف "من حديث عائشة، رفعته: "إن الله أمرني بمداراة الناس" أي: بملاطفتهم وملاينتهم، ومن ذلك المشاورة والأمر للوجوب، "كما أمرني بإقامة الفرائض" وفي رواية بدله القرآن، أي أمرني بملاطفتهم قولا وفعلا والرفق بهم وتألفهم ليدخل من يدخل في الدين، وبقي المسلمون شر من قدر عليه الشقاء، ولذا قال حكيم: هذا أمر لا يصلحه إلا لين من غير ضعف، وشدة بلا عنف، وهذه هي المداراة.

أما المداهنة، وهي بدل الدين لصلاح الدنيا، فمحرمة، وأمره بالمداراة لا يعارض أمره بالإغلاظ على الكفار وبعثه بالسيف، لأن المداراة تكون أولا، فإن لم تفد، فالإغلاظ، فإن لم يفد فالسيف.

"ومنها: مصابرة العدو" أي قتال الكفار "وإن كثر عددهم" جدًا، قال بعض أصحابنا: ولو أهل الأرض، لأن الله وعده بالعصمة من الناس، ولأنه كما قال الرازي من العلم بأعلى مكان، كبقية الرسل، فيعلمون أنه لا يتعجل شيء عن وقته، ولا يتأخر شيء عن وقته بخلاف غيرهم من المكلفين، فليس لهم مثل هذا الإيمان، ولا مثل هذا اليقين.

قال الجلال البلقيني: وهو حسن إقناعي، زاد الأنموذج: وإذا بارز رجلا في الحرب لم يول عنه قبل قتله.

"ومنها: تغيير المنكر" وهو ما قبحه الشرع قولا أو فعلا ولو صغيرة، "إذا رآه" مطلقًا، ووجه الخصوصية أنه فرض عين عليه بخلاف غيره، فكفاية الجرجاني وغيره، ففي قوله:"لكن قد يقال كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه تغييره" شيء، لأنه كفائي، "فيقال" في دفع هذا الاستدراك:"المراد أنه لا يسقط عنه صلى الله عليه وسلم بالخوف" على نفسه أو عضوه أو ماله، فإن الله وعده بالعصمة، أي: يحفظ روحه، فلا يرد نحو شج رأسه على أنه قبل نزول الآية فالعصمة محققة له، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ، "بخلاف غيره" من الأمة، فيسقط عنه إظهار الإنكار للخوف على ما ذكر، زاد الأنموذج: ولا يسقط إذا كان المرتكب يزيده الإنكار إغراء، لئلا يتوهم

ص: 121

ومنها قضاء دين من مات مسلمًا معسرًا، روى مسلم حديث:"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته".

قال النووي: كان هذا القضاء واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم.

إباحته بخلاف سائر الأمم، ذكره السمعاني في القواطع، انتهى، وهذا هو المعتمد خلافًا للغزالي، فالحاصل أنه واجب عليه عينًا بلا شرط.

"ومنها: قضاء دين من مات مسلمًا معسرًا" لم يترك ما يوفي منه دينه، "روى مسلم" لا وجه لتخصيصه، بل البخاري، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه "حديث" أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى الذي عليه دين، فيسأل:"هل ترك لدينه قضاء"، فإن حدث أنه ترك قضاء صلى عليه، وإلا قال:"صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتح، قال:"أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" في كل شيء من أمر الدارين، لأنه الخليفة الأكبر الممد لكل موجب، فيجب أن يكون أحب من أنفسهم، وإن حكمه أنفذ عليهم من حكمها.

قال بعض الصوفية: وإنما كان كذلك، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة، فيجب عليهم إيثار الطاعة على شهوات نفوسهم، وإن شق عليهم، وأن يحيوه بأكثر من تحيتهم لأنفسهم، ومن محاسن أخلاقه السنية أنه لم يذكر ماله في ذلك من الحقوق، بل اقتصر على ما هو عليه، فقال:"فمن توفي" بالبناء للمجهول، أي: توفاه، الله، أي: مات من المؤمنين، "وعليه دين" بفتح الدال وفي رواية: فترك دينا "فعلي قضاؤه".

قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين، "ومن ترك مالا" أي: حقًّا، فالمال أغلبي إذ الحق يورث كالمال، "فلورثته" وفي رواية البخاري: فلترثه عصبته من كانوا، وهذا تفريع على الأولوية العامة له وعليه، لا تخصيص لها، كما فهمه القرطبي، فاعترض التعميم، بأنه النبي صلى الله عليه وسلم قد تولى تفسيرها، ولا عطر بعد عروس، بل أفاد فائدة حسنة، وهو أن مقتضى الأولوية مرعى في جانبه أيضًا، لكنه ترك ذكر ذلك تكرمًا، قال الداودي: المراد بالعصبة هنا الورثة لا من يرث بالتعصيب، وقيل: المراد قرابة الرجل، وهم من يلتقي مع الميت في أب ولو علا، وقال الكرماني: المراد العصبة بعد أصحاب الفروض، ويؤخذ حكمهم من ذكر العصبة بطريق الأولى، ويشير إلى ذلك قوله: من كانوا؛ فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس أو بالغير، قال: ويحتمل أن تكون من شرطية.

"قال النووي: كان هذا القضاء واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم".

قال ابن بطال: أي: مما يفيء الله عليه من المغانم والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين، انتهى، وهذا هو الراجع عند الشافعية، فإن لم

ص: 122

قيل: تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، قال: ومعنى الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم ومؤنتهم، انتهى.

يفعل، فالإثم عليه إن كان حق الميت في بيت المال يفي بقدر ما عليه من الدين، وإلا فبقسطه، والمرجح عند المالكية؛ أنه من ماله الخاص به عليه السلام، إذ حمله على مال المصالح لا تحصل به خصوصية.

قال ابن بطال: فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة، لأنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال، إلا إذا كان دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلا.

قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصصة وهو كمن له حق، وعليه حق وذلك أنهم إذا خلصوا من الصراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم، حتى إذا هذبوا ونفوا أذن لهم في دخول الجنة، فيحمل قوله: لا يحبس، أي: معذبًا مثلا، انتهى، "وقيل" لم يكن واجبًا، بل هو "تبرع منه والخلاف" المذكور "وجهان لأصحابنا وغيرهم" والأرجح الوجوب، "قال" أي النووي:"ومعنى الحديث أنه عليه الصلاة والسلام، قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليه في الحالين فإن كان عليه دين قضيته من عندي" مالي الخاص بي. أو مال المصالح، القولان "إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين، فليأتوا إليّ، فعليّ نفقتهم ومؤنتهم" هذا زائد على معنى الحديث أتى به من الحديث الآخر، "انتهى" كلام النووي.

قال الحافظ: قال العلماء: كان الذي فعله صلى الله عليه وسلم من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاتهم عليهم، وهل صلاته على المدين محرمة عليه أو جائزة وجهان.

قال النووي: الصواب الجزم بالجواز مع وجود الضامن؛ كما في حديث مسلم، وحكى القرطبي؛ أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينًا غير جائز، وأما من استدان لأمر جائز، فلا يمتنع، وفيه نظر إذ الحديث دال على التعميم، حيث قال:"من توفي وعليه دين" ولو كان الحال مختلفًا لبينه، نعم جاء عن ابن عباس؛ أنه صلى الله عليه وسلم لما امتنع من الصلاة على من عليه دين جاء جبريل، فقال: "إنما المظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف، فأما المتعفف ذو

ص: 123

وفي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح وجهان، لكن قال الإمام: من استدان وبقي معسرًا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل ففيه احتمال، والأولى: لا، والله أعلم.

ومنها تخيير نسائه صلى الله عليه وسلم في فراقه، وإمساكهن بعد أن اخترنه في أحد الوجهين، ووجوب ترك التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن، ثم نسخ ذلك، لتكون المنة له عليه السلام عليهن، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} [الأحزاب: 28] الآية.

العيال، فأنا ضامن له أؤدي عنه" فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعد ذلك: "من ترك ضياعًا" الحديث، وهو ضعيف، وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرًا، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك، وأنه السبب في قوله: "من ترك دينًا فعليّ".

"وفي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح" أي: مال بيت المال "وجهان" المعتمد عدم الوجوب مطلقًا عندهم، والراجح عند المالكية وجوبه من بيت المال على الأئمة إذا عجز عن الوفاء قبل الموت، وتداينه في غير معصية أو فيها وتاب منها.

قال الشهاب القرافي: وأحاديث الجنس عن الجنة منسوخة بما جعله الله على الأئمة من وجوب وفاء دين المسلم الميت بالقيد من بيت المال، قال: وإنما كانت قبل الفتوحات، "لكن قال الإمام: من استدان وبقي معسرًا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل، ففيه احتمال، والأولى لا" يقضي، "والله أعلم" بالحكم.

"ومنها: تخيير نسائه" مصدر مضاف لمفعوله، أي: أن المصطفى يخير نساءه "في فراقه" وفي بقائهن معه، "ومنها: إمساكهن" فرفع عطفًا على تخيير لا بالجر لفساده، إذ يصير المعنى يجب عليه التخيير في الفراق وفي الإمساك، "بعد أن اخترنه" مكافأة لهن، وهذا "في أحد الوجهين" والثاني: لم يحرم عليه الطلاق أصلا، بل له الفراق بعد اختيارهن البقاء وهو الأصح، كما قاله شيخ الإسلام وغيره، "ووجوب ترك التزوج عليهن" بعد أن اخترنه، "وترك التبدل" فهو بالخفض عطف على التزوج "بهن مكافأة لهن" قال تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} الآية، "ثم نسخ ذلك" بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ} الآية، "لتكون المنة له عليه السلام عليهن" بإمساكهن، وترك التزوج عليهن، "قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ} أي: إن كان أعظم همكن وأقصى طلبكن {الدُّنْيَا} ، أي: التمتع بها والنيل من نعيمها "وزينتها" الآية، المال والبنين "الآية" أي: جنسها، فيشملها والتي بعدها، إذ

ص: 124

واختلف في تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، وهذا هو قول الحسن وقتادة، والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، وهذا قول عائشة ومجاهد والشعبي ومقاتل.

واختلفوا في السبب الذي لأجله خير صلى الله عليه وسلم نساءه على أقوال:

أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على الدنيا، فاختار الآخرة وقال:"اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين". فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل.

كلاهما مراد ولما نزلت بدأ بعائشة، وقال:"إني ذاكر لك أمرًا، فلا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك"، فاختارته وقالت: يا رسول الله! لا تقل إني اخترتك، فقال:"إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، وإنما بعثني معلمًا ميسرًا" رواه الشيخان عن عائشة، ومعنتا، بكسر النون، أي: مشقًا على عباده ومتعنتًا، أي: طالبًا للعنت، وهو العسر والمشقة.

"واختلف في" صفة "تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، وبين "اختيار الآخرة فيمسكهن ولم يخبرهن في الطلاق، وهذا قول الحسن" البصري، وقتادة بن دعامة، وأكثر أهل العلم، كما قال البغوي وهو ظاهر القرآن، قال غير واحد: وهو الصحيح لقوله تعالى: {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ} [الأحزاب: 28] الآية، فلو اخترن الدنيا لم يقع عليه طلاق حتى يوقعه هو، "والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق" بأن فوضه إليهن، فلو أوقعنه لوقع، "وبين المقام معه" فلا يقع عليه، "وهذا قول عائشة، ومجاهد، والشعبي" عامر بن شراحبيل، "ومقاتل".

"واختلفوا في السبب الذي لأجله خير صلى الله عليه وسلم نساءه على أقوال: أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة" فيقدمه "على" نعيم "الدنيا، فاختار الآخرة، وقال" فيما رواه ابن ماجه وغيره: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتي مسكينًا واحشرني" اجمعني "في زمرة" بضم الزاي: جماعة "المساكين" أي: اجعلني منهم قال اليافعي: وناهيك بهذا شرفًا، ولو قال: واحشر المساكين في زمرتي لكفاهم شرفًا، قال البيهقي: ولم يسأل مسكنة ترجع إلى القلة، بل إلى الإخبات والتواضع، ولذا قال شيخ الإسلام زكريا: معناه طلب التواضع والخضوع، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين، وتقدم مزيد لهذا الفصل الثالث من المقصد الثالث، "فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل

ص: 125

اختياره. حكاه أبو القاسم النميري.

والثاني: لأنهن تغايرن عليه.

والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع، فكان أولهن أم سلمة سألته سترًا معلمًا، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوبًا مخططًا وهو البرد اليماني، وسألته أم حبيبة ثوبًا سحوليًا، وسألته كل واحدة شيئًا إلا عائشة. حكاه النقاش.

والرابع: أن أزواجه عليه السلام اجتمعن يومًا فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلي فأنزل الله آية التخيير، حكاه النقاش أيضًا، وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله.

اختياره" فليس أمره بذلك بمعنى قام بهن من طلب شيء ونحوه، بل لئلا يكون مكرها لهن على ما اختاره لنفسه، "حكاه أبو القاسم النميري" بضم النون، وفتح الميم، وسكون التحتية، وراء نسبة إلى نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، كما في اللباب.

"والثاني: لأنهم تغايرن عليه" قال قتادة: سبب الآية غيرة غارتها عائشة، وقال ابن زيد: وقع بين أزواجه تغاير ونحوه مما يتغير به مزاجه، فنزلت، حكاهما ابن عطية.

"والثالث: لأن أزواجه" الأولى حذف اللام فيه وفيما قبله "طالبنه" بالنفقة وشططن عليه في تكليفه منها فوق سعته، "وكان غير مستطيع، فكان أولهن أم سلمة سألته سترًا معلمًا" بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح اللام اسم مفعول من أعلمت الثواب، أي: جعلت له علمًا من طراز ونحوه، "وسألته ميمونة" بنت الحارث الهلالية "حلة يمانية، وسألته زينب" ابنة جحش الأسدية، لما تقدم في الزوجات، أن آية التخيير إنما نزلت وفي عصمته التسع التي توفي عنهن، فليس المراد زينب ابنة خزيمة لموتها عنده صلى الله عليه وسلم قبل نزول الآية، "ثوبًا مخططًا، وهو البرد اليماني، وسألته أم حبيبة" بنت أبي سفيان الأموية "ثوبًا سحوليًا" بسين وحاء مهملتين.

قال في المصباح: مثل رسول بلدة باليمن يجلب منها الثياب، وينسب إليها على لفظها، فيقال: أثواب سحولية، وبعضهم يقول: سحولية، بالضم نسبة إلى الجمع، وهو غلط؛ لأن النسبة إلى الجمع، أي وهو سحل بضمتين إذا لم يكن علمًا، وكان له واحد من لفظه ترد إلى الواحد بالاتفاق، "وسألته كل واحدة" من باقي التسع "شيئًا إلا عائشة، حكاه النقاش" في تفسيره.

"والرابع: أن أزواجه عليه السلام اجتمعن يومًا، فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلي؟ فأنزل الله آية التخيير، حكاه النقاش أيضًا، وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله،

ص: 126

وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة في الصبر على ما اختاره من خشونة العيش.

وفتح عليه قريظة" بالظاء المشالة، "والنضير ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم" بذال وخاء معجمتين: أموالهم المعدة لوقت الحاجة: جمع ذخيرة، "قعدن حوله، وقلن: يا رسول الله! بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة" أي: الحاجة "والضيق، وآلمن قلبه لمطالبتهن له بتوسعة الحال" مع أنه خلاف مراده، "وأن يعاملن بما تعامل به الملوك والأكابر أزواجهم" من الحلى والحلل وتوسيع العيش، "فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن، لئلا يكون لأحد منهن عليه منة في الصبر على ما اختاره من خشونة العيش".

وأخرج مسلم، وأحمد، والنسائي عن جابر: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فلم يؤذن له، ثم أذن لهما فدخلا، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد امراة عمر سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه، وقال:"هن حولي يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقول: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده!! فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال نساؤه: والله لا نسأله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ثم اعتزلهن شهرًا، ثم نزلت عليه هذه الآية:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} إلى قوله: {عَظِيمًا} ، الآية، فبدأ بعائشة، فقال:"إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجليني فيه حتى تستأمري أبويك". قالت: ما هو؟ فتلا عليها: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} الآية، قالت: أفيك أستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله.

وفي البخاري وغيره عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال:"ما أنا بداخل عليهن شهرًا" من شدة توجده حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون

ص: 127

فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين: أحدهما أن جعلهن أمهات المؤمنين تعظيمًا لحقهن وتأكيدًا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء بقوله:{لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32]، والثاني: أن حرم الله عليه طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} [الأحزاب: 52] الآية، فكان تحريم طلاقهن مستدامًا.

دخل على عائشة، قالت: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة في فتح الباري، فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير لقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، انتهى، "فلما اخترنه" كلهن على الصحيح الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما، وما يروى عند ابن إسحاق أن فاطمة بنت الضحاك الكلابية اختارت الدنيا، فكانت تلقط البعر، وتقول هي الشقية.

وعند ابن سعيد: أن العامرية اختارت قومها، فكانت تقول: هي الشقية، فضعفه ابن عبد البر، وتبعه بأن الآية إنما نزلت وفي عصمته التسع اللاتي توفى عنهن، وقد صرحت عائشة في الصحيحين بأنهن كلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وقد تقدم بسط ذلك في الزوجات، "وصبرن معه عوضهن" أي: قابلهن "الله على صبرهن بأمرين" الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض أثمانًا أو غير أثمان نحو: اشتريته بألف وكافأت إحسانه بضعف، فالمعنى جعل لهن عوضًا عن صبرهن أمرين، "أحدهما: أن جعلهن أمهات المؤمنين" في الاحترام والتعظيم لا في الخلوة بهن ومنه نكاح بناتهن وأخواتهن، كما أفاده قوله: "تعظيمًا لحقهن، وتأكيدًا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء" وهذا يصلح جعله أمرًا مستقلا، وإن أدمجه المصنف فيما قبله، "بقوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب: 32] ".

قال السبكي: ظاهر الآية أن أزواجه صلى الله عليه وسلم أفضل النساء مطلقًا حتى مريم، وظاهرها أيضًا تفضيلهن على بناته إلا أن يقال بدخولهن في اللفظ، لأنهن من نساء النبي، نقله عنه السيوطي في الإكليل وأقره، "والثاني، أن حرم عليه طلاقهن والاستبدل بهن، فقال تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} [الأحزاب: 25] ، فكان تحريم طلاقهن مستدامًا" في أحد الوجهين، والآخر أن له الفراق بعد اختيارهن البقاء معه، وهو الأصح، كما مر، وأما قوله تعالى:{مِنْ بَعْدُ} ، أي: من بعد التسع، ففيه خلاف، فقيل: إنها حظرت عليه النساء إلا التسع اللواتي كن عنده.

ص: 128

وأما تحريم التزويج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء، يعني اللاتي حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن عليه قوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب: 50] الآية.

وقال النووي في الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن صنيعهن بالجنة فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} . انتهى.

وإنما اختص صلى الله عليه وسلم بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك، لأن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التي هي أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررًا.

قال ابن عطية: وكأن الآية ليست متصلة بما قبلها، وقال أبي بن كعب وعكرمة، أي: من الأصناف التي سميت، ومن قال الإباحة كانت مطلقة، قال هنا معناه لا تحل لك اليهوديات، ولا النصرانيات، وهذا تأويل في بعد، وإن روي عن مجاهد، انتهى.

"وأما تحريم التزويج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء، يعني اللاتي حرمن عليه" ولذا تزوج، كما مر تفصيله في الزوجات، "وقيل: الناسخ لتحريمهن عليه قوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب: 50] ، وإن تقدم عليه التلاوة، وفي ابن عطية ذهب هبة الله إلى أن قوله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ} الآية، ناسخ لقوله {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} الآية، وقال: ليس في كتاب الله ناسخ تقدم المنسوخ إلا هذا، قال: وكلامه مضعف من جهات، انتهى.

"وقال النووي في الروضة: لما خيرهن فاخترنه، كافأهن الله عز وجل على حسن صنيعهن بالجنة، فقال: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ} يسر وهيأ {لِلْمُحْسِنَاتِ} المطيعات {مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} الآية، أي الجنة؛ كما قال، "انتهى، وإنما اختص صلى الله عليه وسلم بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك لأن الجمع بين عدد منهن يوغر" بضم التحتية، وكسر المعجمة وبالراء، أي: يهيج "صدورهن" بالغيظ والضغن والعداوة "بالغيرة" أي: بسببها "التي هي أعظم الآلام، وهو" أي: الألم "إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن" بالتخيير "خرج عن أن يكون" ما هن عليه "ضررًا" فلا يرد أن الأولى أن

ص: 129

فنزه عن ذلك منصبه العالي. وقيل له: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} .

ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها، قال النووي: وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب: على أنه كان يحرم عليه صلى الله عليه وسلم إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، ذكره في تهذيب الأسماء واللغات.

ومنها: أنه كان يلزمه أداء فرض الصلاة بلا خلل. قال الماوردي: قال العراقي في شرح المهذب: إنه كان معصومًا عن نقص الفرض، والمراد خلل لا يبطل الصلاة.

وقال بعضهم: كان يجب عليه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه أن يقول: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، ثم قال: هذه كلمة صدرت منه صلى الله عليه وسلم في أنعم حالة يسر بها،

يكون ضارًا لهن، "فنزه عن ذلك منصبه العالي" على كل منصب، "وقيل له:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} ، "ومنها إتمام كل تطوع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها".

"قال النووي: وهو ضعيف" لخبر مسلم؛ أنه قال لعائشة ذات يوم: "هل عندكم شيء"؟. قالت: أهدي لنا حيس، قال:"هاتيه"، فأكله، ثم قال:"لقد كنت أصبحت صائمًا" فلو وجب عليه لم يفطر بعد الشروع في الصوم، "وفرعه بعض الأصحاب على أنه كان يحرم عليه صلى الل علي وسلم إذا لبس لأمته" أي: درعه، تجمع على لأم مثل تمرة وتمر، وعلى لؤم كنقر على غير قياس، كأنه جمع لؤمة، قاله الجوهري. "أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، ذكره في تهذيب الأسماء واللغات" الواقعين في الشرح الكبير للرافعي على وجيز الغزالي، "ومنها: أنه كان لزمه أداء فرض الصلاة بلا خلل" يفسد كمالها، "قاله الماوردي" وإيضاحه ما "قال العراقي" أبو إسحاق إبراهيم بن منصور المصري، ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، وقيل له العراقي، لأنه سافر إلى بغداد، وأقام بها مدة يشتغل، ثم عاد إلى مصر، وتولى خطابة الجامع العتيق، مات سنة ست وتسعين "في شرح المهذب" وهو شرح حسن، قاله السيوطي؛ "إنه كان معصومًا عن نقص الفرض، انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصلاة" كترك خشوع، فأما المبطل، فلا يتوهم وقوعه منه، وألحق بالصلاة غيرها من عباداته، كالصوم.

"وقال بعضهم" من خصائصه؛ أنه كان يجب عليه صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه أن يقول: "لبيك إن العيش" المعتر الدائم "عيش الآخرة" لا عيش الدنيا لكدره، وكونه مع المنغصات الكثيرة، ثم هو فانٍ، وإن طال، {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} ، "ثم قال" هذا البعض:"هذه الكلمة صدرت منه صلى الله عليه وسلم في أنعم حالة يسر بها" ويحتمل أن الهاء ضمير عائد له عليه السلام، وهذا أنسب

ص: 130

وهو يوم حجه بعرفة، وفي أشد حالة وهو يوم الخندق، انتهى.

ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي، ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام، كما ذكره في زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع.

ومنها: أنه كان يغان

بقوله: "وهو يوم حجه بعرفة، وفي أشد حالة، وهو يوم الخندق، انتهى" ما قاله بعضهم، وهو وجه حكاه في الروضة، وأصلها كما في الأنموذج.

قال شارحه: والثاني لا يجب، وهو الأصح، لأنه رأى ما يعجبه يوم وقعة بدر التي أعز الله فيها الإسلام وأهله، والفتح الأعظم الذي هو فتح مكة، ولم ينقل أنه قاله مع توفر الدواعي على نقله، فلو وقع لنقل، انتهى.

"ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي" أي: عند تلقيه، "ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام" التي كلف بها، بل هو مخاطب بها في تلك الحالة، وهو آية كمال عقله فيها، وإن أخذه إنما هو بحسب الظاهر، لا الحقيقة، "كما ذكره" النووي "في زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع" والبيهقي وغيرهم، وحديث شأن الوحي في الصحيحين صريح في أنه صلى الله عليه وسلم كان يتنقل من حالته المعروفة إلى حالة تستلزم الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيوية حتى ينتهي الوحي ويفارقه الملك.

قال السراج البلقيني: وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي، ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقى الله فيه، وهو مشتمل على كثير من الأسرار، وقد وقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطلاع على كثير من الأسرار، وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد لذلك حديث:"رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" انتهى.

وتوقف شيخنا في عد هذا خصوصية، حيث كان عقله في تلك الحالة حاضرًا، لأنه لو حصل مثله لآحاد البشر، خرقًا للعادة، فاستغرق في مشاهدة الله مع حضور قلبه ومعرفة ما يرد عليه من نفع أو ضر لكان مكلفًا، اللهم إلا أن يقال عد خصوصية لكمال استغراقه حتى أن ما يدركه في تلك الحالة، كإدراكه في حالة نومه للمعاني والأحكام، لأنه لا ينام قلبه، وذلك بحسب ظاهر الحال يقتضي عدم التكليف، انتهى. فليتأمل.

"ومنها: أنه كان يغان" بغين معجمة من الغين، وهو الغطاء، قال النووي: بالنون والميم،

ص: 131

على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة. ذكره ابن القاص ونقله عنه ابن الملقن في كتاب الخصائص، ورواه مسلم وأبو داود من حديث الأغر المزني بلفظ: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله

بمعنى، والمراد هنا ما يغشى "على قلبه، فيستغفر الله سبعين مرة" رواه الترمذي عن أبي هريرة رفعه: "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" ورواه النسائي وابن حبان من حديث أنس بلفظ: "إني لأتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة"، وروى البخاري عن أبي هريرة رفعه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".

قال السيوطي رحمه الله: المختار أن هذا من المتشابه الذي لا يخاض في معناه، وقد سئل عنه الأصمعي، فقال: لو كان قلب غير النبي صلى الله عليه وسلم لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم أن الغين الغيم الرقيق، انتهى.

"ذكره ابن القاص، ونقله عنه ابن الملقن في كتاب الخصائص" وأقره، ولا يخفى أن ضمير منها لما وجب، عليه لكن في الجزم بعزوه لابني القاص والملقن نظر، إذ لم يصرحا بالوجوب، إنما قالا: وكان يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة، ولذا أشار السيوطي إلى التوقف من مراد ابن القاص، وتابعه، فقال بعد نقله: وعبارة أبي سعد في شرف المصطفى، ويستغفر الله في كل يوم سبعين مرة، ولا يدرى، وعبارة رزين وما وجب عليه أن يستغفر الله في كل يوم سبعين مرة، "ورواه مسلم" في الدعوات، "وأبو داود" في الصلاة "من حديث الأغر" بفتح الهمزة والغين المعجمة، وبالراء ابن عبد الله، ويقال ابن يسار "المزني" ويقال: الجهني من المهاجرين، ومال ابن الأثير إلى التفرقة بين المزني والجهني، وليس بشيء، لأن مخرج الحديث واحد، وقد أوضح البخاري العلة فيها، وأن مسعرًا تفرد بقوله الجهني، فأزال الإشكال.

قال ابن السكن: حدثنا محمد بن الحسن عن البخاري قال: كان مسعر يقول في روايته عن الأغر الجهني والمزني أصح، وجزم أبو نعيم وابن عبد البر؛ بأن المزني والجهني واحد كما بينه في الإصابة، فقوله في التقريب: ومنهم من فرق بينهما هو بفاء أوله، وقاف آخره، أي: جعلهما اثنين، إشارة لابن الأثير، وتصحفت في عبارة، بقاف أوله، ونون آخره من النساخ، فأحوجت الشارح إلى قوله: ولعل وجه من قرن بينهما، أنه كان من إحدى القبيلتين نسبًا، وحليفًا للأخرى، أو نحو ذلك، "بلفظ: أنه" أي: الشأن "ليغان على قلبي" نائب فاعل يغان، أي: ليغشى على قلبي، وقال الطيبي: اسم أن ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له، ومفسرة والفعل مسند إلى الظرف، ومحله رفع بالفاعلية، أي: المجازية، وهي النيابة، "وإني لأستغفر الله" أي أطلب منه الغفر، أي: الستر، هذا ظاهره، قال الحافظ: ويحتمل أن المراد هذا اللفظ بعينه،

ص: 132

في اليوم مائة مرة"، وهذا لفظ مسلم، وقال أبو داود "في كل يوم" قال الشيخ ولي الدين العراقي: والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى، وأن سبب الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة: "إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة"، وفي رواية له أيضًا: "فأستغفر الله". وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضًا. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية كلامًا برأسه غير متعلقة بما قبله، فيكون عليه السلام أخبر بأنه يغان على قلبه، وبأنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة. انتهى.

ويرجحه ما أخرجه النسائي بسند جيد، عن ابن عمر؛ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة، وله عن نافع، عن ابن عمران: كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة "في اليوم" الواحد من الأيام، ولم يرد يومًا معينًا "مائة مرة" لا يعارض رواية سبعين، لأن المراد الكثرة لا التحديد، ولا الغاية، فالمراد: أستغفره دائمًا أبدًا، وخص المائة لكمالها في العدد المركب من الآحاد والعشرات، حتى إن ما زاد عليها، كالتكرير لذلك، كما أشار إليه الحرالي؛ لكن قال في الفتح: والمطالع كل ما جاء في الحديث من التعبير بالسبعين، قيل هو على ظاهره وحصر عدده، وقيل المراد التكثير، والعرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة، قال في الفتح: وقوله في رواية البخاري: أكثر من سبعين، يحتمل أن يفسر برواية مائة، ووقع عند النسائي من رواية معمر عن الزهري بلفظ:"إني لأستغفر الله في اليوم خمسمائة مرة". لكن خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك، "هذا لفظ مسلم".

"وقال أبو داود: في كل يوم" بدل قوله في اليوم، ولا منافاة بينهما؛ لأن المراد باليوم ما صدقه، وهو يتحقق مع ذلك، كما يتحقق في بعض الأيام.

"قال الشيخ ولي الدين العراقي: والظاهر أن الجملة الثانية" أي قوله: وإني لأستغفر الله

إلخ، "مرتبة على الأولى" التي هي أنه ليغان على قلبي، وأن سبب الاستغفار الغين ويدل لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة:"إنه ليغان على قلبي" أي: ويدوم أثر ذلك "حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة" فيزول، وفي رواية له أيضًا:"فأستغفر الله" فصرح بفاء السببية، "وألفاظ الحديث المختلفة يفسر بعضها بعضًا" فتحمل الجملة الثانية على أنها مسببة عن الأولى، فتوافق الروايتين، "ويحتمل من حيث اللفظ" بقطع النظر عن الروايتين "أن تكون الجملة الثانية كلامًا برأسه، غير متعلقة بما قبله، فيكون عليه السلام أخبر بأنه يغان على قلبه، وأخبر "بأنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة" وليس الاستغفار مسببًا عن الغين، فأخبر

ص: 133

وقال أبو عبيد: أصل الغين في هذا، ما يغشى القلب ويغطيه، وأصله: من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها.

وقال غيره: الغين شيء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس.

قال القاضي عياض -بعد حكايته لذلك: فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهواها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان صلى الله عليه وسلم دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة.

بحصول الغين مع كثرة الاستغفار، فما الظن بمن ليس كذلك، والجملة حال مقدرة، "انتهى"، لكن الوجه الأول لقاعدة المحدثين أن خير ما فسرته بالوارد.

"وقال أبو عبيد" القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور، المصنف، الثقة، الفاضل، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين في غريب الحديث، "أصل الغين" أي: ما وضع له أولا "في هذا ما يغشى" بفتح الياء والشين الخفيفة، أو بضمها وكسر الشين مشددة والأول أظهر "القلب" أي: يعرض له أو يستره "ويغطيه" عطف تفسير، وهو استعارة لما يشغله، "وأصله" أي: ما وضع له أولا مأخوذ "من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها" فأطلق على ما يغشى لاشتراكهما في مجرد التغطية.

"وقال غيره: الغين شيء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية" أي لا يغطيه كله، "كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء" أي: في الجو "فلا يمنع ضوء الشمس" لرقته.

"قال القاضي عياض" في الشفاء: "بعد حكايته لذلك" المذكور عن أبي عبيدة وغيره، "فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه" أي: فتورها "وسهوها" أي: زوال صورتها عن الفكر، وبين ما غفل عنه من فتور وسهو، فقال "عن مداومة الذكر" أي ذكره الله بلسانه وقلبه، "ومشاهدة الحق" إن أريد به الله تعالى، فالمراد مشاهدته في مزايا مصنوعاته حتى كأنه يراه عيانًا، وإن أريد الحق الثابت المتيقن من العلوم الحقة والأمور اليقينية اللدنية، فهو واضح، ولما كان هذا لا يناسب مقامه صلى الله عليه وسلم، أشار إلى دفعه بما لم يتنبه له المعترض بالتعقب الآتي، فقال:"بما": أي بسبب ما "كان صلى الله عليه وسلم دفع إليه" بالبناء للمجهول، أي: فوض إليه وأعطيه "من مقاساة البشر" أي مكابدتهم، وتحمل مشاقهم "وسياسة الأمة" تدبيرهم وأمرهم بما يصلح شأنهم من ساسه يسوسه إذا قام عليه لإصلاح أموره، وهو لفظ عربي لا معرب،

ص: 134

ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحة النفس، وكلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو في كل هذا في طاعة ربه، وعبادة خالقه، لكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حالته عند خلوص قلبه وخلو همته، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع حاليه، رأى عليه السلام حال فترته عنها، وشغله بسواها غضًا.

كما توهم، وهي حكم مخصوص بما يكون بطريق القهر والضبط، "ومعاناة الأهل" أي: تحمل المشاق من جهتهم، أي: الاعتناء بأمورهم والتقييد بما فيه معاشرهم، "ومقاومة الولي" من يواليه ويتبعه، أي: القيام معه بالمناصرة والحفظ "والعدو" بدفع شره وحمله على الإسلام والتمسك بالحق "ومصلحة النفس" أي: نفسه في أمور معاشه، "وكلفه" بالبناء للمفعول، معطوف على دفع إليه "من أعباء" بفتح وإسكان، آخره همز: جمع عبء، بالكسر ويفتح، أي: أثقال حاصله في "أداء الرسالة" وهو ما يكون له في تبليغها ودعوة الخلق، "وحمل" بفتح أوله "الأمانة" أي: ما استودعه الله تعالى من أسراره وإعطاء كل ذي حق حقه، وليس المراد بها طاعة الله التي أوجبها عليه، كما قيل: كذا في النسيم، وحمل شيخنا على ما نفاه، فقال: أي ما كلفه من الأحكام الشرعية، سميت أمانة لوجوب أدائها، كما يجب أاء الوديعة مثلا لمالكها، انتهى، والمثبت أوجه، "وهو" صلى الله عليه وسلم "في كل هذا" المذكور "في طاعة ربه وعبادة خالقه" عطف أخص على أعم، وهذا دفع لتوهم أنه كان اللائق أن لا يشغله شيء عن ذكر ربه ومشاهدته؛ بأنه لم يشغله به لحظوظ نفسانية، ولا لأمور رئاسية، وإنما الله شغله بذلك، فما حصل ذلك إلا لخدمته التي أمره الله بها، ولما ورد عليه إن كان هذا طاعة وعبادة، فلم استغفر منه وجهه على طريق الاستدراك بقوله:"ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع" أعلى "الخلق عند الله مكانة" أي: رتبة ومنزلة، "وأعلاهم درجة" تمييز "وأتمهم" أكملهم "به" أي: الله "معرفة" فهو أعرف بالله ممن سواه، وآخر هذا، لأنه مرتب على ما قبله في المعقول والمحسوس، "وكانت حالته" أمره وشأنه "عند خلوص قلبه" لله، بحيث لا يمر به سواه، "وخلو همته وتفرده بربه" أي: جعل أمره منفردًا بالتوجه لجانبه الأعلى، فيكون قلبه معه وحده في خلوته، فإن ذاكر الله جليس الرحمن، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم "وإقباله بكليته" أي: ذاته كلها قلبًا وقالبًا "عليه، ومقامه هنالك" أي: إقامته مع الله وحده في حظيرة قدس قربه، وأشار بالبعد لعلو مقامه ثمة "أرفع" أي: أعلى "حاليه" أي حال اشتغاله بالظاهر، وحال كونه مع الله، وكل منهما رفيعة، لكن هذه أرفع، "رأى عليه السلام" شاهدًا، وعلم "حال فترته عنها وشغله بسواها" أي: اشتغاله بغيرها "غضًا بمعجمتين،

ص: 135

من عُليِّ حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبني على جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ، انتهى.

وتعقب: بأنه لا ترضى نسبته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة عليه بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقوله عليه السلام:"لست أنسى ولكن أنسي لأسن".

أي: نقصًا كناية عن التنزيل "من عُليِّ حاله" أي: حالة العلا، "وخفضًا": أي حطا وتنزيلا "من رفيع مقامه" بالنسبة للحالة الأخرى، وإن لم يكن كذلك في نفسه، لأنه في عبادة "فاستغفر الله من ذلك" لعده بالنسبة لمقامه الآخر كالذنب.

"قال" عياض: "وهذا" التفسير "أولى وجوه الحديث" التي ذكرت في توجيهه "وأشهرها: وإلى معنى ما أشرنا إليه، مال كثير من الناس، وحام حوله، فقارب ولم يرد" أي: لم يصل إليه استعارة من ورد الماء إذا أتاه ليستقي منه، وفيه إشارة إلى أن فيه شفاء العليل وثلج الصدور، وأن للنفس ظمأ إليه، وفيه بلاغة ظاهرة، "وقد قربنا غامض" أي أدنينا لمن قاربه خفي "معناه" الذي لم يتضح، "وكشفنا للمستفيد" طالب الفائدة العلمية من تجارته الرابحة "محياه" بضم الميم، وفتح الحاء، وشد الياء: وجهه الحسن شبهه بحسان مخدرة "وهو"، أي: هذا التفسير "مبني" أي: متفرع "على جواز الفترات والغفلات والسهو" على جمي الأنبياء عليهم السلام "في غير طريق البلاغ" فلا يجوز ذلك فيه لمنافاته له، وقد انتقد عليه بناؤه على هذا بأنه جعل أولا الثلاثة عبارة عن اشتغاله بأمر أمته وأهله ولا غفلة ولا فترة ولا سهو حقيقة، فكيف بناه على غير أساه، فهو كالغفلة عما قاله، "انتهى" كلام عياض. "وتعقب؛ بأنه لا ترضى نسبته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك" حتى قيل: لا ينبغي ذكره "لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة عليه بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة" وهو خلاف الإجماع من تفضيله عليهم، وقدمنا الجواب عنه؛ بأن هذا غفلة من المتعقب؛ لأنه أشار إلى دفع هذا الاعتراض بقوله: بما كان دفع إليه

إلخ، فلم يشتغل عن ذلك إلا لأمر الله له بهذا لما ترتب عليه من حكم وأحكام شرعية.

ولقوله عليه السلام: "لست أنسى" تعليل ثان لكونه لا ترضى نسبته إلى ذلك، لأنه نفى عنه النسيان هذا ظاهره، لكن يرد عليه قوله:"ولكن أُنسَّى" بالتشديد مبني للمجهول "لأسن" فإنه ظاهر في أن ذلك لم ينشأ عن غفلة، فالأولى جعله جوابًا عن التعقب، وكأنه قال: ورد لقوله

ص: 136

فهذه ليست فترة وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعي، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها، انتهى.

وقيل: الغين شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرره.

وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر الله لهم.

وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر.

عليه السلام بدليل قوله: "فهذه ليست فترة" وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعي" كما أشار إليه عياض، "فالأولى أن يحمل" الحديث "على ما جعله" عياض "علة فيه، وهو ما دفع" أي أوصل وفوض "إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل، وحمل كل" بفتح الكاف، وشد اللام "أعباء النبوة، وحمل أثقالها" عطف تفسير، "انتهى".

وحاصله: إن ترك التسبيح ونحوه إنما هو لحكم وترتيب أحكام شرعية عليها، وقد صرح في الشفاء بعد هذا المبحث بكثير لما ذكر سهوه في الصلاة بقوله: والسهو هنا في حقه سبب إفادة علم وتقرير شرع، كما قال:"إني لأنسى أو أُنسَّى لأسن". بل قد روي: "لست أنسى، ولكن أنسى لأسن"، وهذه الحالة زيادة له في التبليغ، وتمام النعمة عليه بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن، انتهى.

"وقيل: الغين شيء يعتري القلب" الصافي "مما يقع من حديث النفس" لا بالمعنى الأول، فهو من جملة الأجوبة، وقال شيخنا: ليس مقابلا للخلاف السابق في معناه، بل هو سبب لما يحصل للقلب مما يغشاه، وفيه أن المتبادر خلافه، وقد جعله النووي من جملة الأجوبة، ويدل على ذلك ما "قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر" في فتح الباري في كتاب الدعوات:"وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرره" جوابًا عن الحديث، "وقيل: كانت" الهيئة التي تعتري القلب "حالة يطلع فيها على أحوال أمته، فيستغفر الله لهم" أي يدعو بالمغفرة لما صدر منهم، أو سيصدر، فالغين خواطره فيما يتعلق بهم لاهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم واستغفاره، وإنما هو لهم، فلا إشكال أصلا.

"وقيل: هو" أي: الغين "السكينة" الوقار والتأني والطمأنينة في الأمور "التي تغشى قلبه" أي: تعرض له، "والاستغفار" عندها "لإظهار العبودية لله تعالى" والافتقار إليه، "والشكر

ص: 137

لما أولاه.

وقال شيخ الإسلام ابن العراقي أيضًا: هذه الجملة حالية، أخبر عليه السلام أنه يغان على قلبه من أن حالة الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابًا بينه وبينها، فيجتمع القلب حينئذ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبودية، قال: وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى ومراده قوله في "الشفاء": وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرًا لله تعالى، وملازمة لعبوديته.

لما أولاه" فالغين ليس نقصًا، بل صفة كمال، إذ هو خضوع وخشوع، والاستغفار عنه شكرًا لتلك النعمة.

"وقال شيخ الإسلام" الحافظ ولي الدين أحمد "بن" الحافظ عبد الرحيم "العراقي أيضًا: هذه الجملة حالية أخبر عليه السلام؛ أنه يغان على قلبه مع أن حالة الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي حال مقدرة؛ لأن الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين" فليست الجملة الثانية مسببة عن الأولى.

"قال" ابن العراقي: "وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى" كما هو الظاهر المؤيد بروايتي النسائي: فاستغفر وحتى أستغفر؛ كما مر، "فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا وحجابًا بينه وبينها، فيجتمع القلب حينئذ" أي حين يحصل له ذلك "على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبودية" وهذا قريب أو مساوٍ للسكينة التي حكاها أولا بقوله: وقيل هو السكينة

إلخ، كذا قيل قطعًا، وقد ذكر الأمرين في الشفاء؛ كما "قال: وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى" كلام الولي.

"ومراده قوله في الشفاء: وقد يحتمل الحديث أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام" لله، ومنه "تغشى قلبه" أي: تعرض له من تصور ذلك "فيستغفر حينئذ" أي حين غشيته هذه الحالة "شكرًا لله تعالى" على نعمة جليلة؛ أن عرفه عظمته وخشيته، وهو أعظم المعلومات، "وملازمة" مداومة "لعبوديته" إذ مقتضاها عده نفسه مقصرًا لا يفي بأداء خدمته فذلك يستغفره، وبقية قول الشفاء: كما قال صلى الله عليه وسلم من ملازمة العبادة: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".

ص: 138

قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا، وتكون الجملة الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذي تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود وهو الذي نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون "الغين" مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله صلى الله عليه وسلم، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على أمر الغشاء أمرًا محمودًا وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، وانتهى.

وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه "لطائف المتن" أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فسألته عن هذا الحديث "إنه ليغان على قلبي" فقال

"قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا" بالغ في الحسن، "وتكون الجملة الثانية مسببة عن الأولى لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين" لأنه كمال، "بل بمعنى أن الغين أصل محمود" أي: أمر يحمد عليه، "وهو الذي تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال" أبعدها عن الاعتراض والتكلفات "وأحسنها؛ لأن الغين حينئذ وصف محمود، وهو الذي نشأ عنه الاستغفار" فنشأ محمود عن محمود، "وعلى الأول" الذي هو الغفلات والفترات بالمعنى المتقدم "يكون الغين مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك" أي: الغفلة والسهو بالمعنى المار، "وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء" وهو في كل محل بما يناسبه، "فنحمله على غشاء يليق بحاله صلى الله عليه وسلم، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على أمر الغشاء" إضافة بيانية "أمرًا محمودًا، وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، انتهى" كلام ابن العراقي.

"وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله" ما يقوي هذا "في كتابه لطائف المتن" في مناقب الشيخ أبي العباس والشيخ أبي الحسن؛ "أن الشيخ أبا الحسن" علي بن عبد الله المغربي "الشاذلي" الشريف الهاشمي، من ذرية محمد بن الحنفية، مر بعض ترجمته شيخ الشاذلية، "قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فسألته عن هذا الحديث:"أنه ليغان على قلبي"، فقال

ص: 139

لي: يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار.

لي: يا مبارك ذلك غين الأنوار" الواردة عليه، "لا غين الأغيار" إذ لا يعتريه، ولذا قال المحاسبي: خوف المقربين من الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله.

وقال السهروردي: لا تعتقد أن الغين حالة نقص، بل هو كمال، أو تتمة كمال ثم مثل ذلك بجفن العين، حين يسيل ليدفع القذى عن العين، مثلا فإنه يمنعها من الرؤية، فهو صورة نقص من هذه الحيثية، وفي الحقيقة هو كمال هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها ووقاية عن ذلك، انتهى.

وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بأجوبة منها ما تقدم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشري لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر، كذا قال وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح من عصمتهم من الصغائر أيضًا، ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة لما أعطاهم الله من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير، انتهى.

ومحصل جوابه؛ أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الواجب له تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل، أو شرب، أو جماع، أو نوم، أو راحة، أو مخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه، ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها أن استغفاره تشريع لأمته أو من ذنوبهم، فهو كالشفاعة لهم، وقال الغزالي: كان صلى الله عليه وسلم دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها ذنبًا، فاستغفر من احال السابق، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقًا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك، إذ ليس فيها ما يدل على افتراق واجتماع. ا. هـ. وقد اقتصر المصنف في هذا القسم على ما ذكره وزاد عليه غيره فيه أكثر مما ذكر.

ص: 140