الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته صلى الله عليه وسلم
":
ومن ذلك تفجر الماء ببركته، وابتعاثه بمسه ودعوته.
روى مسلم في صحيحه عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي". قال: فجئناها، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض
تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته صلى الله عليه وسلم:
"ومن ذلك تفجر الماء" وفي نسخة: تفجير، فأطلق المصدر وأراد أثره وهو التفجر مجازًا إذ التفجير من فعل الله لا من الماء، فالمراد منه التفجر أو المراد بتفجيره شق محله الذي يخرج منه، أو المصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل، أي: تفجير الله الماء بمعنى إخراجه، "ببركته" أي: يمنه ووجوده في مكان أخرج منه الماء، "وابتعاثه" افتعال من البعث، وهو الإثارة والإخراج للماء حتى يجري، وفي نسخة: انبعاثه بالنون انفعال، وهما بمعنى واحد، يقال: بعثه، فابتعث، وانبعث "بمسه" لمحله "ودعوته" دعائه لله تعالى، وآخر هذا عن نبعه من أصابعه لقوة ذاك في المعجزة على هذا الاحتمال كونه اتفاقيًا.
"روى مسلم في صحيحه" في فضائل النبي من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن عامر بن واثلة، "عن معاذ" بن جبل:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك" التي بها لا ينصرف على المشهور لوزن الفعل كتقول، وقد يصرف على إرادة الموضع مكان بين المدينة والشام، "وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها" أي: قبلي، بدليل قوله:"فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي" بالمد: أجيء، "فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك" بكسر المعجمة، وفتح الراء، وألف، وكاف: سير النعل الذي على وجهه، شبهه به لضعفه وقلة جريه، وليس بمعنى أخدود في الأرض؛ كما توهم، "تبض" بفتح التاء وكسر الموحدة، وتشديد الضاد المعجمة، أي: تقطر وتسيل؛ كما رواه ابن مسلمة، وابن القاسم في الموطأ، ورواه يحيى وطائفة، بصاد مهملة، أي: تبرق، قاله الباجي، وبهما روى
بشيء من ماء، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل مسستما من مائها شيئًا"؟. قالا: نعم، فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول: ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل عليه السلام وجهه ويديه به ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال عليه الصلاة والسلام:"يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا"، أي بساتين وعمرانًا، وهذا أيضًا من معجزاته عليه الصلاة والسلام.
ورواه القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق مالك في.
أيضًا في مسلم، "بشيء من ماء" يشير إلى تقليله، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هل مسستما" بكسر السين الأولى على الأفصح، وتفتح "من مائها شيئًا"؟. "قالا: نعم" لأنهما لم يعلما نهيه أو حملاه على الكراهة أو نسياه إن كان مؤمنين، وقد روى أبو بشر الدولابي، أنهما كانا من المنافقين، "فسبهما" لمخالفتهما أمره ونفاقهما، أو حملهما النهي على الكراهة إن كانا مؤمنين، فإن كان لم يعلما أو نسيا فسبهما لكونهما تسببًا في فوات ما أراده من إظهار المعجزة، كما يسب الناسي والساعي، ويلامان إذا كان سببًا في فوات محروس عليه، قاله الباجي في شرح الموطأ.
"وقال لهما ما شاء الله أن يقول: ثم غرفوا من العين" بأيديهم "قليلا قليلا" بالتكرار، "حتى اجتمع" الماء الذي غرفوه "في شيء" من الأواني التي كانت معهم ولا قلب فيه، وإن أصله غرفوا في شيء حتى اجتمع ماء كثير؛ كما توهم، "ثم غسل عليه السلام وجهه ويديه" للبركة "به" أي: الماء، والذي في مسلم، وفي الموطأ فيه بدل به، وضميره قيل عائد على الشيء، أي: الإناء، والظاهر أنه للماء أيضًا، وعبر بفي لمشاكلة قوله:"ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير" نقل بالمعنى، ولفظ مسلم: فجرت العين بماء منهمر، وقال غزير: شك أبو علي، أي: راويه عن مالك. نعم لفظ الموطأ بماء كثير، كلفظ المصنف، لكنه لم يعزه له، "فاستقى الناس" شربوا وسقوا دوابهم، "ثم قال عليه الصلاة والسلام:"يا معاذ، يوشك" يقرب ويسرع من غير بطء "إن طالت بك حياة" أي: إن أطال الله عمرك، ورأيت هذا المكان، "أن ترى" بعينك فاعل يوشك، وإن بالفتح مصدرية، "ما" موصول، أي: الذي "هاهنا" هو إشارة للمكان، "قد ملئ" بالبناء للمفعول "جنانًا" نصب على التمييز، بكسر الجيم جمع بفتحها، "أي: بساتين وعمرانًا"، أي: يكثر ماؤه ويخصب أرضه، فيكون بساتين ذات ثمار وشجر كثيرة، "وهذا أيضًا من معجزاته عليه الصلاة والسلام" لأنه إخبار بغيب وقع، "ورواه" بمعنى: ذكره "القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق مالك" أي: ناسبًا له بلفظ: روى مالك "في
الموطأ، وزاد فقال: قال في حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ماء له حس كحس الصواعق.
وفي البخاري، في غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا.
الموطأ" عن معاذ، "وزاد" بعده، "فقال" عياض: "قال" معاذ "في حديث ابن إسحاق" في السيرة: "فانخرق" انفجر انفجارًا بشدة "من الماء، ماء له حس" صوت، "كحس الصواعق" جمع صاعقة: الصيحة، فهو تشبيه محسوس بمحسوس، قال التلمساني: وهي والصعقة: النار تسقط من السماء إلى الأرض في رعد شديد، وصيحة العذاب، وقطعة من النار تسقط إلى الأرض، انتهى، لكن هذا إنما ذكره ابن إسحاق في قصة أخرى بعد ارتحاله من تبوك، فقال: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، أي: تبوك، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، وكان في الطريق ماء يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال صلى الله عليه وسلم: "من سبقنا إلى ذلك الماء، فلا يستقي منه شيئًا حتى نأتيه"، فسبق إليه نفر من المنافقين، فاستقوا، فلما أتاه صلى الله عليه وسلم وقف عليه، فلم ير فيه شيئًا، فقال: "من سبقنا إلى هذا الماء"؟. فقيل: فلان وفلان، فقال: "أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه" ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الرسل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء أن يدعو، فانخرق من الماء ماء له حس، كحس الصواعق، فشرب الناس وأسقوا حاجتهم منه، فقال صلى الل عليه وسلم: "لئن بقيتم أو من بقي منكم، ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه" انتهى.
"وفي البخاري في غزوة الحديبية من حديث المسور"، بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو، وبالراء، "ابن مخرمة" بفتح الميم، وسكون المعجمة، بن نوفل، بن أهيب، بن عبد مناف، بن زهرة القرشي، الزهري، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين، "ومروان بن الحكم" بن أبي العاصي، بن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف القرشي، الأموي، لم تثبت له صحبة.
قال الحافظ: وهذا الحديث مرسل، فمروان لا صحبة له، والمسور لم يحضر القصة، وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن المسور ومروان أخبرا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمعا جميعًا، صحابة شهدوا هذه القصة، كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حنيف، "أنهم"، أي: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، "نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد" بفتحتين:"قليل الماء يتبرضه"، بتحتية، ففوقية، فموحدة، فراء ثقيلة، فضاد معجمة: يأخذه "الناس تبرضًا"
فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
والثمد -بالمثلثة والتحريك- الماء القليل.
نصب على أنه مفعول مطلق من باب النقل للتكلف، "فلم يلبثه الناس".
قال الحافظ: بضم أوله، وسكون اللام من الألبان، وقال ابن التيمي: بفتح أوله، وكسر الموحدة المنقلة، أي: لم يتركوه يلبث، أي: يقيم، انتهى.
وقال المصنف: بضم أوله، وفتح اللام، وشد الموحدة، وسكون المثلثة في الفرع، وأصله مصححًا عليه، "حتى نزحوه" بنون، فزاي، فحاء مهملة، أي: لم يبقوا منه شيئًا.
قال الحافظ: ووقع في شرح ابن التين، بفاء بدل الحاء، ومعناهما واحد، وهو أخذ الماء شيئًا بعد شيء حتى لا يبقى منه شيء، "وشكى" بالبناء للمفعول "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش" بالرفع نائب الفاعل، "فانتزع سهمًا من كنانته" بكسر الكاف: جعبته التي فيها النبل، "ثم أمرهم أن يجعلوه فيه" أي: الثمد.
روى ابن سعد من طريق أبي مروان، قال: حدثني أربعة عشر رجلا من الصحابة: أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب، وقيل: البراء بن عازب، وقيل: عباد بن خالد، حكاه الواقدي، ووقع في الاستيعاب: خالد بن عبادة.
قال في الفتح: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره، "فوالله ما زال يجيش" بفتح أوله، وكسر الجيم، وسكون التحتية ومعجمة، "لهم بالري" بكسر الراء، ويجوز فتحها "حتى صدروا عنه" أي: رجعوا بعد ورودهم.
زاد ابن سعد: حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر.
وعند ابن إسحاق: فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن، "والثمد بالمثلثة" المفتوحة "والتحريك" أي:"فتح الميم "الماء القليل".
وقال في الفتح أي: حفرة فيها ماء قليل، يقال: ماء مثمود، أي: قليل؛ فقوله: قليل الماء تأكيدًا لدفع توهم أن يراد لغة من يقول الثمد الماء الكثير، وقيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف، انتهى، وهذا أولى من تفسير المصنف بالماء القليل؛ لأنه يصير في قوله قليل الماء خزازة، لرجوع معناه إلى أنهم نزلوا على ماء قليل، أي: قليل الماء لكن تعقب بعض كلام الحافظ؛ بأنه إنما يتم إن ثبت لغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض الدماميني قوله تأكيد؛ بأنه لو اقتصر على قليل أمكن، أما مع إضافة إلى الماء فيشكل؛ كقولنا: هذا ماء قليل الماء نعم، قال الرازي: الثمد العين، وقال غيره: حفرة فيها ماء؛ فإن صح فلا إشكال.
وقوله: "يتبرضه الناس تبرضًا" -بالضاد المعجمة- أي يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشيء القليل.
وقوله: "ما زال يجيش" -بفتح المثناة التحتية، وبالجيم، آخره شين معجمة- أي: يفور ماؤه ويرتفع.
وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فتمضمض ودعا ومج في بئر الحديبية منه، فجاشت بالماء كذلك.
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: أنه توضأ في الدلو، ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته وألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفيرها، فجمع بين الأمرين.
وكذا رواه الواقدي من طريق أوس بن خولى.
"وقوله: يتبرضه الناس تبرضا، بالضاد المعجمة، أي: يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشيء القليل" قال الحافظ: البرض، بالفتح والسكون: اليسير من العطاء.
وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين، "وقوله: فما زال" أي: استمر "يجيش، بفتح المثناة التحتية، وبالجيم، آخره شين معجمة، أي: يفور ماؤه ويرتفع".
"وفي رواية" للبخاري عن البراء: "أنه صلى الله عليه وسلم توضأ، فتمضمض، ودعا، ومج في بئر الحديبية منه، فجاشت بالماء كذلك" ولم يذكر إلقاء السهم.
"وفي مغازي أبي الأسود" محمد بن عبد الرحمن الأسدي، المدني، يتيم عروة بن الثقات، "عن عروة" بن الزبير، أحد الفقهاء مرسلا:"أنه" صلى الله عليه وسلم "توضأ في الدلو، ومضمض فاه، ثم مج فيه" في الدلو، "وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته" جعبته، "وألقاه في البئر" أي: أمرهم بإلقائه؛ لرواية البخاري قبل. "ودعا الله تعالى، ففارت" بفاءين من الفوران: ارتفعت "حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفيرها" بالمعجمة والفاء: حافتها، "فجمع" في هذه الرواية "بين الأمرين" التوضؤ والمج منه، وإلقاء سهم من كنانته، ففي رواية البخاري اختصار، وفيه معجزات ظاهرة وبركة سلاحه، وما ينسب إليه صلى الله عليه وسلم، "وكذا رواه الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، الحافظ، المتروك مع سعة علمه، "من طريق أوس بن خولى" بفتح الخاء المعجمة، وفتح الواو، ضبطه العسكري في كتاب التصحيف؛ كما في التبصير الأنصاري الخزرجي، صحابي شهير.
وهذه القصة غير القصة السابقة في ذكر نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم مما رواه البخاري في المغازي من حديث جابر: عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه. الحديث.
فبين القصتين مغايرة، وجمع ابن حبان بينهما: بأن ذلك وقع في وقتين، انتهى.
فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من بين أصابعه ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها. انتهى.
وفي حديث البراء وسلمة بن الأكوع مما رواه البخاري في قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروي خمسين شاة، فنزحناها.
قال ابن سعد: مات قبل حصر عثمان، "وهذه القصة غير القصة السابقة" قريبًا "في ذكر نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم مما رواه البخاري" ومسلم، كلاهما "في المغازي من حديث جابر" قال:"عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة" فذكر الحديث، وفيه:"فجعل الماء يفور من بين أصابعه، الحديث" المتقدم قريبًا؛ "فبين القصتين مغايرة" ظاهرة؛ لأنه قال في حديث جابر: فجعل الماء يفور من بين أصابعه، وفي حديث البراء: أنه صب ماء وضوئه في البئر، "وجمع ابن حبان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين، انتهى" فالقصة متعددة؛ "فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء" له، "وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك" كشرب وسقي دواب، "ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من بين أصابعه ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم وشربوا، أمر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر" ظرف لصب، "فتكاثر الماء فيها" فتكون قصة واحدة، "انتهى" من فتح الباري وزاد: وفي حديث زيد بن خالد أنهم أصابهم مطر بالحديبية، فكان ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين، والله أعلم.
"وفي حديث البراء" بن عازب، "وسلمة بن الأكوع مما رواه البخاري" لو زاد مسلم لاستقام على التوزيع، فالبخاري روى حديث البراء، ومسلم حديث سلمة، "في قصة الحديبية، وهم أربعة عشر مائة، وبئرها لا تروى" بضم الفوقية "خمسين شاة" الشاة المعروفة، وروى إشاءة، بكسر الهمزة الأولى، وفتح الأخيرة، وهي السخلة الصغيرة، "فنزحناها" أخرجنا جميع
فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها، قال البراء: وأتي بدلو منها فبصق فدعا، وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم، وقال في رواية البراء: ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: "دعوها ساعة".
قوله: "على جباها" -بفتح الجيم والموحدة والقصر- ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيه من الماء.
وقوله:
مائها، "فلم نترك فيها قطرة، رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها، قال البراء: وأتى" بالبناء للمفعول "بدلو منها" أي: بماء مما نزحوه، "فبصق" بالصاد، وفي رواية بالسين وهما لغتان، أي: ألقى ريقه، "فدعا" الله سرًا بعد بصاقه، فجمع بينهما على رواية البراء، وليس هنا أداة شك، فلا يصح احتمال أنه شك من الراوي هل بصق أو دعا؛ لقوله:"وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق" بكسر الهمزتين، بيان للشك في الرواية؛ لأنه لا يلزم من وقوع الشك في رواية سلمة منه، أو ممن بعده وقوعه في رواية البراء، كما هو ظاهر "فيها" أي: البئر لا الدلو، كذا قيل، "فجاشت" البئر، أي: فار ماؤها وارتفع لفمها، "فأرووا أنفسهم" بشربهم "وركابهم" إبلهم لسقيهم منها، "وقال في رواية البراء: ثم مضمض ودعا" الله سرًا، "ثم صبه" الماء الذي توضأ وتمضمض به "فيها" أي: البئر، "ثم قال: "دعوها ساعة" مقدارا من الزمان، وفي رواية للبراء: فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا، ولفظ البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، وتمضمض، ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا ونحن وركابنا، ولفظه من طريق زهير: حدثنا أبو إسحاق: أنبأنا البراء أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأتى البئر وقعد على شفيرها، ثم قال:"ائتوني بدلو من مائها"، فأتي به، فبصق، ثم قال:"دعوها ساعة"، فأرووا أنفسهم وركابهم، حتى ارتحلوا، ولفظ مسلم عن سلمة: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشر مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد صلى الله عليه وسلم على جبا الركية، فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فسقينا واستقينا.
"قوله: على جباها، بفتح الجيم والموحدة والقصر: ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيها" عبارة غيره: ما جمع فيها "من الماء" وروى شفاها بمعجمة وهما بمعنى، "وقوله:
"وركابهم" أي الإبل التي يسار عليها.
وفي الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا -كان يسميه أبو رجاء.
وركابهم، أي: الإبل التي يسار عليها. وفي الصحيحين" البخاري في التيمم وعلامات النبوة، ومسلم في الصلاة من حديث عوف: حدثنا أبو رجاء، "عن عمران بن حصين" بن عبيد، بن خلف الخزاعي، أسلم عام خيبر، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول أهل البصرة عنه: كان يرى الحفظة، وتكلمه حتى اكتوى، روي له مائة وثمانون حديثًا في البخاري اثنا عشر، مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، "قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر" اختلف في أنه الحديبية، ففي مسلم عن ابن مسعود: أقبل صلى الله عليه وسلم من الحديبية ليلا، فنزل، فقال: "من يكلؤنا"؟، فقال بلال: أنا
…
الحديث، أو بطريق مكة؛ كما في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا، أو بطريق تبوك؛ كما رواه عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلا، والبيهقي عن عقبة بن عامر، أو في جيش الأمراء؛ كما في أبي داود، وتعقبه أبو عمر؛ بأنها مؤتة، ولم يشهدها النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال؛ لكن يحتمل أن المراد بها غيرها، ذكره الحافظ، وقول المصنف: أو عند رجوعهم من خيبر، كما في مسلم، لا وجه له؛ إذ في قصة عمران قال: أول من استيقظ أبو بكر، ورواية مسلم: أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح تفسير السفر المبهم هنا بما في مسلم، ولذا لم يذكر الحافظ هنا، وإنما ذكره استدلالا على تعدد الواقعة، أي: نومهم عن صلاة الصبح، كما مر بيانه في آخر المقصد الثالث، "فاشتكى" حذف من الحديث ما لم يتعلق به غرضه هنا، وهو: وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر، ثم فلان، ثم فلان، يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلا جليدًا، فكبر ورفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال:"لا ضير أو لا تضير ارتحلوا" فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انتقل من صلاته إذا هو برجل لم يصل، فقال:"ما منعك أن تصلي"؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال:"عليك بالصعيد، فإنه يكفيك"، ثم سار فاشتكى "إليه الناس من العطش" أي: ما أصابهم من الشدة الحاصلة بسببه، "فنزل عليه السلام، فدعا فلانًا كان يسميه أبو رجاء" بفتح الراء، وخفة الجيم والمد، عمران بن ملحان، بكسر الميم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة العطاري، ويقال: اسم أبيه تيم، وقيل غير ذلك في اسم أبيه مخضرم، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وهو ثقة معمر،
ونسيه عوف -ودعا عليا، وقال:"اذهبا فابتغيا الماء". فانطلقنا فتلقينا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء، فجاءوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستنزلوها عن بعيرها
مات سنة خمسمائة وله مائة وعشرون سنة، روى له الستة، "ونسيه عوف" بالفاء الأعرابي، العبدي، البصري، ثقة، رمي بالقدر وبالتشيع، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة، وله ست وثمانون.
قال الحافظ: وفلان الذي نسيه هو عمران بن حصين، بدليل قوله عند مسلم: ثم عجلني النبي صلى الله عليه وسلم في ركب بين يديه نطلب الماء، ودلت هذه الرواية على أنه كان هو وعلي فقط؛ لأنهما خوطبا بلفظ التثنية، ويحتمل أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية لهما، فيتجه إطلاق لفظ ركب وخصا بالخطاب؛ لأنهما المقصودان بالإرسال. "ودعا عليا" هو ابن أبي طالب، وقال:"اذهبا فابتغيا" بموحدة، ففوقية من الابتغاء، وللأصيلي: فابغيا من الثلاثي وهمزته للوصل، ولأحمد فابغيانا، "الماء" والمراد: الطلب، يقال: ابتغا الشيء طلبه، وابغ الشيء، أي: تطلبه لي، وفيه الجري على العادة في طلب الماء وغيره، وأن التسبب في ذلك لا يقدح في التوكل، "فانطلقنا، فتلقينا امرأة"، وفي علامات النبوة من رواية سلم، بفتح فسكون عن أبي رجاء عن عمران فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها "بين مزادتين" بفتح الميم والزاي: قرية كبيرة فيها جلد من غيرها، وتسمى أيضًا السطيحة، "أو سطيحتين" بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين، تثنية سطيحة بمعنى المزادة، أو وعاء من جلدين، سطح أحدهما على الآخر، قال الحافظ: وأو هنا شك من عوف لخلو رواية سلم عن أبي رجاء عنها، أي: حيث جزم بقوله بين مزادتين، قال: والمراد بهما الرواية، زاد المصنف: أو القربة الكبيرة سميت بذلك، لأنه يزاد فيها جلد آخر من غيرها، انتهى.
وظاهر حديث الصحيحين هذا؛ أنهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان الحديث، فوجداها وأتيا بها، قال شارحه: ولم يسم أحد هذه المرأة إلا أنها أسلمت، ولا المكان "من ماء" على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ فقالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، فقالا لها: انطلقي إذن، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله، قالت: الذي يقال الصابئ، قالا: هو الذي تعنين فانطلقي، هكذا في الصحيح قبل قوله:"فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم" وحدثاه الحديث؛ كما في الرواية، أي: الذي كان بينهما وبينها، "فاستنزلوها عن بعيرها" أي: طلبوا منها النزول عنه، وجمع باعتبار من تبع عليًا وعمران ممن يعينهما، قال بعض الشراح المتقدمين: إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها، لأنها كانت حربية، وعلى فرض أن يكون لها عهد، فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض وإلا فنفس الشارع
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواهمما، وأطلق العزالى، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة.
تفدي بكل شيء، نقله الحافظ، "ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء ففرغ" من التفريغ، وفي رواية: فافرغ من الأفراغ، "فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين" أي: أفرغ الماء من أفواههما، وجمع موضع التثنية على حد، فقد صغت قلوبكما إذ ليس لكل مزادة سوى فم واحد، زاد الطبراني: فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين.
قال الحافظ: وبهذه الزيادة تتضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وإن البركة إنما حصلت بمشاركة ريقه الطاهر المبارك للماء، وفي الشفاء: فجعل في إناء من مزادتيها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، "وأوكأ"، أي: ربط "أفواههما وأطلق" أي: فتح "العزالي" بفتح المهملة والزاي، وكسر اللام، ويجوز فتحها: جمع عزلى، بإسكان الزاي، قال الخليل: هي مصب الماء من الرواية، ولكل مزادة عزلا، وإن من أسفلها، قال الحافظ؛ فالجمع في العزالي على بابه، لأنهما مزادتان، فلهما أربع عزالى.
وقال بعض: جمع، وليس للقربة إلا فهم واحد، قيل: لأنها كانت تتعدد في قربهم عزلا، وإن من أسفل وعزلا، وإن من فوق وما كان من أسفل يخص باسم العزلى، والأحسن أن الجمع قد يطلق على ما فوق الواحد وليس على حد، فقد صغت قلوبكما لاختصاصه بما إذا كان المضاف مثنى "ونودي في الناس أسقوا" بهمزة قطع مفتوحة من أسق، أو بهمزة وصل مكسورة من سقى؛ كما في الفتح وغيره، أي: اسقوا غيركم، كالدواب، "واستقوا" أنتم، "فسقى من سقى" ولابن عساكر: فسقى من شاء، "واستقى من شاء" فرق بينه وبين سقى؛ أنه لنفسه، وسقى لغيره من ماشية ودواب واستقى، قيل: بمعنى سقي، وقيل: إنما يقال سقيته لنفسه وأسقيته لماشيته، ذكره المصنف، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال:"اذهب فأفرغه عليك"، هكذا في الصحيح قبل قوله:"وهي" أي: والحال أن المرأة "قائمة تنظر إلى ما يفعل" بالبناء للمجهول "بمائها، وايم الله" قال الحافظ: بفتح الهمزة وكسرها، والميم مفتوحة، ولم يجئ كذلك غيرها، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: ايم الله قسمي، وفيها لغات جمع منها النووي في تهذيبه سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، وسيكون لنا عودة لبيانها في كتاب الإيمان، ويستفاد منه جواز التوكيد باليمين، وإن لم يتعين، "لقد أقلع" بضم الهمزة، أي:"عنها"، "وأنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة" بكسر الميم،
منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اجمعوا لها". فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا.
وسكون اللام، بعدها همزة مفتوحة، ثم تاء تأنيث، أي: امتلأ.
وفي رواية البيهقي: أنها أملأ "منها حين ابتدأ فيها" والمراد أنهم يظنون أن الباقي فيها من الماء أكثر مما كان أولا، وهذا من عظيم آياته وباهر دلائل نبوته، حيث توضؤوا واستقوا، واغتسل الجنب، بل في علامات النبوة من طريق سلم، بفتح المهملة أوله، تليها لام ساكنة، فميم، ابن زرير، بفتح الزاي المنقوطة أوله، وراءين بلا نقط، بينهما تحتية ساكنة؛ كما ضبطه النووي، والحافظ، والمصنف وغيرهم؛ أنهم ملئوا كل قربة وإداوة كانتا معهم بما سقط من العزالى، وبقيت المزادتان مملوءتين، بل ظن الصحابة أنه كان أكثر مما كان أولا، "فقال النبي صلى الله عليه وسلم" لأصحابه:"اجمعوا لها" تطييبًا لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن السير إلى قومها وما نالها من خوف أخذ مائها، لا أنه عوض عما أخذ من الماء، قاله المصنف، وقال الحافظ: وفيه جواز أخذ المحتاج برضا المطلوب منه أو بغير رضاه إن تعين، وفيه جواز المعاطاة في مثل هذه من الهبات والإباحات من غير لفظ من المعطى والآخذ، "فجمعوا لها من بين عجوة" تمر، أجود تمر المدينة، وفي رواية: ما بين، كما في المصنف، واقتصر الحافظ على من بين، فلا معنى لترجي زيادة بين من المصنف بعد ثوبتها رواية، "ودقيقة وسويقة" بفتح أولهما، وفي رواية: كريمة بضمهما مصغرًا مثقلا؛ كما قال الحافظ وغيره، وعطف سويقة على دقيقة خاص على عام، "حتى جمعوا لها طعامًا" كثيرًا؛ كما عند أحمد، وفيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحنطة والذرة، خلافًا لمن أبى ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى طعامًا غير العجوة وما بعدها، قال الحافظ، أي: ما يعد طعامًا عرفا بحيث ينتفع به ويدخر ليؤكل في أوقات متفرقة، وهو كناية عن كثرة ما جمعوه لها، بدليل زيادة أحمد: كثيرًا، "فجعلوه" أي: ما جمعوه، ولأبي ذر: فجعلوها، أي: الأنواع المجموعة "في ثوب" من عندهم على ظاهره، لكن في الشفاء، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملئوا ثوبها، فظاهره: أن المراد في ثوبها "وحملوها على بعيرها" الذي كانت راكبة عليه، "ووضعوا الثوب" بما فيه "بين يديها" أي: قدامها على البعير، "قال لها" صلى الله عليه وسلم؛ كما في رواية الإسماعيلي، وللأصيلي: قالوا لها، أي: الصحابة بأمره صلى الله عليه وسلم "تعلمين" قال الحافظ: بفتح أوله وثانيه، وتشديد اللام، أي: اعلمي، وقال المصنف: بفتح التاء، وسكون العين، وتخفيف اللام، أي: اعلمي "ما رزئنا" بفتح الراء، وكسر الزاي، ويجوز فتحها، وبعدها همزة ساكنة، أي: نقصنا "من مالك شيئًا" قال الحافظ: ظاهره أن جميع
ولكن الله هو الذي أسقانا، فأتت أهلها فقالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس كلهم أو إنه لرسول الله حقًا، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء يدعونكم عمدًا فهل لكم في الإسلام. الحديث.
وعن أبي قتادة.
ما أخذوه مما زاده الله وأوجده وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهنا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله:"ولكن الله هو الذي أسقانا" بالهمز، ولابن عساكر: سقانا، ويحتمل أن المعنى: ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا، وفيه إشارة إلى أن الذي أعطاها ليس على سبيل العوض من مائها، بل على سبيل التكرم والتفضل، وجواز استعمال أواني المشركين ما لم تتيقن فيها النجاسة، "فأتت أهلها" وقد احتبست عنهم، فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ هذا أسقطه من الحديث قبل قوله: "فقالت" حبسني "العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا" حكت لهم ما فعل، "فوالله إنه لأسحر الناس كلهم" لفظ البخاري: إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض، "أو إنه لرسول الله حقًا" هذا منها ليس بإيمان الشك، لكنها أخذت في النظر، فأعقبها الحق فآمنت بعد ذلك، وأسقط من الحديث: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبوا الصرم الذي هي منه، "فقالت" المرأة "يومًا لقومها: ما" موصول "أرى" بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي اعتقد "أن" بالفتح مثقلا، "هؤلاء يدعونكم" من الإغارة "عمدًا" لا جهلا، ولا نسيانًا، ولا خوفًا نكم، بل مراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه الغاية في مراعاة الصحبة القليلة، فكان هذا القول سبب رغبتهم في الإسلام؛ كذا رواه أبو ذر بلفظ أن الثقيلة، ورواه الأكثرون: ما أرى هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، بفتح همزة أرى وإسقاط أن، ووجهها بما ذكر ابن مالك، ولابن عساكر: ما أرى، بضم الهمزة، أي: أظن أن بكسر الهمزة، وللأصيلي وابن عساكر: ما أدري بدال بعد الألف أن بالفتح والتشديد في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إياكم عمدًا لماذا هو، "فهل لكم" رغبة "في الإسلام الحديث" بقيته في الصحيحين: فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام، وما كان يزيد الكتاب بهذة البقية، وللناس فيما يعشقون، والله أعلم.
"وعن أبي قتادة" الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن ربعي، بكسر الراء، وسكون الموحدة الأنصاري، السلمي، بفتحتين المدهني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنة
يقال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء غدًا إن شاء الله". فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهارّ الليل -أي ابيض- فمال عن الطريق فوضع رأسه ثم قال:"احفظوا علينا صلاتنا".
أربع وخمسين على الأصح الأشهر، "قال: خطبنا" وعظنا "رسول الله صلى الله عليه وسلم" في سفر؛ كما دل عليه السياق، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: أن ذلك كان حين قفل من غزوة خيبر، "فقال" في خطبته: "إنكم تسيرون عشيتكم" أي: بقية يومكم، فالعشية كالعشي: آخر النهار؛ كما في القاموس، وفي المصباح: ما بين الزوال إلى الغروب، "وليلتكم" التي تلبه "وتأتون الماء غدًا إن شاء الله تعالى" تبركًا، وامتثالا للآية، "فانطلق الناس لا يلوي" لا يعطف "أحد على أحد" لاشتغال كل منهم بنفسه، "فبينا" بلا ميم "رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهار" بالموحدة، وتشديد الراء "الليل، أي: ابيض" كذا فسره المصنف، والذي للسيوطي، أي: انتصف، وفي مقدمة الفتح، قيل: انتصف أو ذهب معظمه، إذ بهرة كل شيء أكثره وفي القاموس: ابهار الليل: انتصف، أو تراكمت ظلمته، أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه، فلم يذكروا تفسيره بالبياض؛ كما فعل المصنف، بل في الصحاح والقاموس؛ إنما ذكرا البياض صفة للقمر لا لليل، ولفظ القاموس: بهر القمر، كمنع غلب ضوءه ضوء الكواكب.
ولفظ مسلم: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى ابهار الليل، وأنا إلى جنبه، فنعس، فمال على راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى ابهار الليل مال عن راحلته، فدعمته من غير أن أوقظه، حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينحفل، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه، فقال:"من هذا"؟، قلت: أبو قتادة، قال:"متى كان هذا مسيرك مني"؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال:"حفظك الله بما حفظت به نبيه"، ثم قال:"هل ترانا نخفي على الناس"، ثم قال:"هل ترى من أحد"؟. قلت: هذا راكب، ثم قلت: هذا راكب آخر حتى اجتمعنا، فكنا سبعة ركب، قال:"فمال" رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: عدل "عن الطريق" فحذف المصنف هذا من الحديث لعدم غرضه فيه، إذ غرضه منه إنما هو تكثير الماء، لكن صار سياقه يقتضي أن عدوله ونومه كان عند انتصاف الليل، مع أنه إنما كان عند السحر، "فوضع رأسه" أي: نام، ثم قال:"احفظوا علينا صلاتنا" بأن تنبهونا قبل خروج وقتها، وفي البخاري عن أبي قتادة ذكر سبب نزوله سؤال بعض القوم ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:"أخاف أن تناموا عن الصلاة" فقال بلال: أنا أوقظكم.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وقال لبلال:"اكلأنا الليل"، فصلى بلال ما قدر له ونام صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، فلما قارب الفجر استند بلال إلى راحلته، مواجه الفجر، فغلبت بلالا
فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره، ثم قال:"اركبوا". فركبنا فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءًا
عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، "فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم" مثله عن أبي هريرة عند مسلم أيضًا، وفي حديث عمر: أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم حتى أيقظه عمر بالتكبير، ولذا رجح القاضي عياض أن نومهم عن صلاة الصبح وقع مرتين لما في الحديثين من المغايرات التي يتعسر معها الجمع، خلافًا للأصيلي في أن القصة واحدة، وأيضًا في حديث أبي قتادة أن العمرين لم يكونا مع المصطفى، وفي حديث عمران: أنهما معه، وأيضًا فالذي كلأ الفجر، في قصة أبي قتادة بلال، وأما في قصة عمران، فروى الطبراني شبيهًا بقصته، وفيه: أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخبر، بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة.
وفي ابن حبان عن ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر، وأيضًا مما يدل على التعدد اختلاف مواطنها؛ كما قدمنا، "والشمس في ظهره" كناية عن كمال ظهورها، وأسقط من الحديث عند مسلم، قال: فقمنا فزعين، قال أبو عمر: يحتمل أن يكون تأسفًا على ما فاتهم من وقت الصلاة، ففيه أن ذلك لم يكن من عادته منذ بعث، قال: ولا معنى لقول الأصيلي فزعين، خوفًا أن يكون اتبعهم عدو، فيجدهم بتلك الحال من النوم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يتبعه عدو في انصرافه من خيبر، بل انصرف ظافرًا غانمًا، "ثم قال:"اركبوا" زاد في رواية أبي هريرة: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان".
قال عياض: وهذا أظهر الأقوال في تعليله، أو لاشتغالهم بأحوال الصلاة، أو تحرزًا من العدو، أو ليستيقظ النائم وينشط الكسلان.
قال ابن رشيق: وقد علله صلى الله عليه وسلم بهذا ولا يعلمه إلا هو، أي: فهو خاص به سواء كان في ذلك الوادي، أو في غيره "فركبنا فسرنا" غير بعيد، "حتى إذا ارتفعت الشمس نزل" أي: علت في الارتفاع وزاد ارتفاعها، وإلا فقوله: والشمس في ظهره دليل ارتفاعها، إذ لا تكون كذلك حتى ترتفع، وفي حديث أبي هريرة، حتى ضربتهم الشمس، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة، ففيه رد على من زعم أن علة تأخيره كون ذلك كان وقت كراهة؛ كما في الفتح، "ثم دعا بميضأة" بكسر الميم، وهمزة بعد الضاد: إناء يتوضأ به كالركوة؛ كذا في الديباج.
وقال غيره: بكسر الميم والقصر، وياؤها منقلبة عن واو، لأنها آلة الوضوء، فوزنها مفعلة، وقد تمد، فوزنها مفعالة، "كانت معي فيها شيء من ماء" قال:"فتوضأ منها وضوءًا" دون
قال: وبقي شيء من ماء، ثم قال:"احفظ علينا ميضأتك"، فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين اشتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشنا، فقال:"لا هلك عليكم"
وضوء؛ كما هو لفظ الحديث، ومعناه: وضوءًا كامل الفروض دون وضوء تام بالفرائض والسنن، كاقتصاره على الوضوء مرة، ونحو ذلك.
"قال: وبقي شيء من ماء" وظاهره: أنه لم يتوضأ منها أحد غيره، وفي رواية عن أنس: كان صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال لأبي قتادة:"أمعكم ماء"؟، قلت: نعم في ميضاءة فيها شيء من ماء، قال:"ائت بها" فأتيته بها، فقال لأصحابه:"تعالوا مسوا منها"، فتوضئوا، وجعل يصب عليهم وبقيت جرعة، "ثم قال" صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة:"احفظ علينا ميضأتك، فسيكون لها نبأ" خبر عظيم في أمر مائها وكفايته القوم وما يظهر بها من المعجزة العظيمة، "ثم أذن بلال بالصلاة" ولأحمد من حديث ذي مخبر: فأمر بلالًا فأذن، واستدل به على مشروعية الأذان للفوائت، "فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين" هما ركعتا الفجر، "ثم صلى الغداة" الصبح، ولأحمد: فصلى الركعتين قبل الصبح، وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة، فصلى الصبح.
زاد الطبراني من حديث عمران، فقلنا: يا رسول الله! أنعيدها من الغدو لوقتها؟، قال:"نهانا الله عن الرياء، ويقبله منا" وفي رواية ابن عبد البر: "لا ينهاكم الله عن الرياء ويقبله منكم"، واختصر المصنف سياق أبي قتادة، ولفظه في مسلم: ثم صلى الغداة، فصنع ما كان يصنع كل يوم، قال:"وركب" رسول الله صلى الله عليه وسلم "وركبنا معه" فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا، ثم قال:"أما لكم فيّ أسوة"، ثم قال:"إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها". ثم قال: "ما ترون الناس صنعوا"؟، قال: ثم أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، قال:"فانتهينا إلى الناس" لأنه صلى الله عليه وسلم لما عدل عن الطريق مع طائفة نام وسار بقية الجيش، ولم يعملوا بنومه، وفيهم الشيخان، كما رأيت، "حين اشتد" بمعجمة قبل الفوقية، "النهار، وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشنا" هكذا في مسلم بلا واو، بيان لهلاكهم، ويقع في نسخ المصنف: وعطشنا بالواو، فإن ثبت رواية، فهي عطف علة على معلول، فقال:"لا هلك عليكم" بضم الهاء، وسكون اللام: اسم من هلك وحذف من الحديث، ثم قال:"أطلقوا إليّ غمري"، وهو بضم
ودعا بالميضأة فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم:"أحسنوا الملء كلكم سيروى"، قال: ففعلوا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صب فقال لي:"اشرب"، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، فقال:"إن ساقي القوم آخرهم"، قال: فشربت وشرب، الحديث رواه مسلم.
المعجمة: وفتح الميم وبالراء، يعني: قدحي، فحللته فأتيته به، قال:"ودعا بالميضأة فجعل" صلى الله عليه وسلم "يصب" في قدحه، "وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد" بفتح الياء، وإسكان العين "أن رأي الناس" أي: لم يتأخروا زمنًا عن رويتهم "ماء" بالتنويم "في الميضأة، فتكابوا" أي: ازدحموا، وفي رواية أحمد: فازدحم الناس "عليها" بمجرد رؤية الماء لشدة عطشهم، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحسنوا الملء" بفتح الميم وكسرها، وسكون اللام والهمز، أي: لأوانيكم، فلا تزدحموا على الأخذ "كلكم سيروى" ولأحمد: كلكم سيصدر عن ري، "قال: ففعلوا" أي: تركوا الازدحام، "فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب" في قدحه "وأسقيهم" ولأحمد: فشرب القوم، وسقوا دوابهم وركابهم، وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة، "حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صب، فقال لي:"اشرب"، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، قال:"إن ساقي القوم آخرهم". "قال: فشربت وشرب" رسول الله صلى الله عليه وسلم، "الحديث"، بقيته: وأتى الناس الماء جامين رواء، قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع، إذ قال عمران: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة، قال: قلت: فأنت أعلم بالحديث، قال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدث، فأنت أعلم بحديثكم، قال: فحدثت القوم، فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته، "رواه مسلم" في الصلاة من حديث ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وحذف المصنف منه كثيرًا، كما رأيت واحتج بآخره من قال باتحاده مع قصة عمران؛ لأنه صدق عبد الله في تحديثه، وأجيب: بأن عمران حضر القصتين، فحدث بإحداهما، وصدق عبد الله لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى.
قال في الشفاء: وذكر الطبري، يعني ابن جرير، حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ممدًا لأهل مؤتة عندما بلغه قتل الأمراء، وذكر حديثًا طويلا فيه معجزات وآيات وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء غدًا، وذكر حديث الميضأة، قال: والقوم زهاء ثلاثمائة، انتهى.
وعن أنس قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى
"وعن أنس، قال: أصابت الناس سنة" بفتح السين المهملة، أي: شدة وجهد من الجدب "على عهد" أي: زمن "رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة" خطبة الجمعة على المنبر، "قام أعرابي" من سكان البادية لا يعرف اسمه، قال المصنف.
وقال الحافظ: لم أقف على تسميته في حديث أنس، وروى أحمد عن كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر المبهم بأنه كعب.
وروى البيهقي ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن الفزاري، ولكن رواه ابن ماجه من طريق شرحبيل بن السمط، أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب حدثنا عن رسول الله، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم استسق، فرفع يديه، ففي هذا أنه غير كعب، "فقال: يا رسول الله" فيه أنه كان مسلمًا، فانتفى زعم أنه أبو سفيان بن حرب؛ لأنه حين سؤاله لذلك لم يكن أسلم، فهي واقعة أخرى؛ كما في الفتح. "هلك المال" الحيوانات لفقد ما ترعاه، فليس المراد الصامت.
وفي رواية: هلكت المواشي، وأخرى: الكراع، بضم الكاف، يطلق على الخيل وغيرها، "وجاع العيال" لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر، "فادع الله لنا" أن يغيثنا، "فرفع يديه" زاد في رواية: حذاء وجهه، ولابن خزيمة عن أنس: حتى رأيت بياض إبطيه.
وزاد النسائي: ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون، "وما نرى في السماء قزعة" بقاف وزاي، وعين مهملة مفتوحات: قطعة من سحاب متفرق، أو رقيقه الذي إذا مر تحت السحب الكثيرة كان كأنه ظل، قال ابن سيده: القزع قطع من السحاب رقاق.
زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف، قال أنس:"فوالذي نفسي بيده ما وضعها" أي: يديه، وللكشميهني: ما وضعهما، أي: يديه "حتى ثار" بمثلثة، أي: هاج وانتشر "السحاب أمثال الجبال" لكثرته، "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر" ينحدر، أي: ينزل ويقطر "على لحيته" الشريفة، "فمطرنا" بضم الميم وكسر الطاء، أي: حصل لنا المطر "يومنا" نصب على الظرفية، أي: في يومنا "ذلك، ومن الغد" من للتبعيض، أو بمعنى في، "ومن بعد الغد" والذي يليه "حتى الجمعة الأخرى" بالجر في الفرع، وأصله: على أن حتى جارة، ويجوز النصب عطفًا
وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا فرفع يديه فقال:"اللهم حوالينا ولا علينا"
على سابقه المنصوب، والرفع على أن مدخولها مبتدأ خبر محذوف، قاله المصنف.
وفي رواية: فمطرنا من جمعة إلى جمعة، وفي أخرى: فدامت جمعة، وفي أخرى: فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، وأخرى فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، أي: من كثرة المطر وأخرى حتى سالت مثاعب المدينة، بمثلثة، وآخره موحدة جمع مثعب مسيل الماء، وفي مسلم: فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله، ولابن خزيمة: حتى أهم الشاب القريب الدار: الرجوع إلى أهله، "وقام" بالواو، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، فقام بالفاء، "ذلك الأعرابي" الذي طلب الدعاء "أو غيره" وفي رواية: ثم دخل رجل في الجمعة المقبلة، فظاهره أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وقد قال شريك: سألت أنسا أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير، فالقاعدة أغلبية؛ لأن أنسا من أهل اللسان قد تردد، ومقتضى رواية أو غيره أنه كان يشك فيه.
وفي رواية للبخاري: فأتى الرجل، فقال. وفي أبي عوانة: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، قاله الحافظ، "فقال: يا رسول الله، تهدم البناء" وفي رواية: البيوت، "وغرق المال" وفي رواية: هلكت الأموال، وانقطعت السبل، واحتبس الركبان، "فادع الله لنا" وفي رواية: فادع الله يمسكها، أي: الأمطار، أو السحابة، أو السماء، والعرب تطلق على المطر سماء، وفي رواية: ن يمسك الماء عنًا، ولأحمد: أن يرفعها عنًا.
وفي رواية للبخاري: فادع ربك أن يحسبها عنا، فضحك. وفي رواية: فتبسم لسرعة ملال ابن آدم، "فرفع يديه" بالتثنية، وفي رواية: يده على إرادة الجنس، فقال:"اللهم حوالينا" بفتح اللام، أي: أنزل أو أمطر حوالينا، والمراد: أصرف المطر عن الأبنية والدور، "ولا" تنزله "علينا" قال الحافظ: فيه بيان المراد بقوله: حوالينا؛ لأنها تشمل الطرق التي حولهم، فأخرجه بقوله:"ولا علينا".
قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستقيًا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليس الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة، إذا كانوا يكرهون ذلك آنفًا، انتهى.
فما يشير ئإلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. وفي رواية قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الإكام والظراب وبطون الأودية،
"فما يشير" بيده "إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت" انكشفت أو تدورت، كما يدور جيب القميص، وهذا لفظ البخاري في الجمعة، وشرحه المصنف بما ذكرت، ورواه في الاستسقاء، بلفظ: إلا تفرجت.
قال المصنف بفتح الفوقية، والفاء، وتشديد الراء، وبالجيم، أي: تقطع السحاب، وزال عنها امتثالا لأمره، "وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة" بقاف مفتوحة، فنون، فألف، فتاء تأنيث، مرفوع على البدل من الوادي غير منصرف للتأنيث والعلمية، إذ هو اسم لواد معين من أودية المدينة بناحية أحد به مزارع، ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، وقرأت بخط الرضى الشاطبي الفقهاء يقرءونه بالنصب والتنوين يتوهمونه قناة من القنوات وليس كذلك، انتهى.
وهذا ذكره بعض الشراح، وقال: هو على التشبيه، أي: سال مثل القناة، قال الحافظ: أي: جرى فيه المطر "شهرًا ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود، وفي رواية" للشيخين من وجه آخر عن أنس، "قال" صلى الله عليه وسلم:"اللهم حوالينا ولا علينا" وفي بعض الروايات: حولينا بلا ألف، وهما بمعنى، وهو في موضع نصب على الظرف أو مفعول به، والمراد بحوالي المدينة: مواضع النبات والزرع، لا نفس المدينة وبيوتها، ولا ما حواليها من الطرق، وإلا لم يزل شكواهم بذلك ولم يطلب رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرورة وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، بل سأل إبقاءه في موضع الحاجة؛ لأن الجبال والصحاري ما دام المطر فيها كثرت فائدتها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه، وغير ذلك من المصالح، وفيه قوة إدراكه صلى الله عليه وسلم للخير عن سرعة البديهة، ولذا بين المراد بحوالينا بقوله:"اللهم على الإكام" بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع أكمة بفتحات.
قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع، وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعلبي: الأكمة أعلى من الرابية، "والظراب" بكسر المعجمة، وآخره موحدة: جمع ظرب، بكسر الراء، وقد تسكن.
قال القزاز: الجبل المنبسط ليس بالعالي، وقال الجوهري: للرابية الصغيرة، "وبطون الأودية" والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولم يسمع أفعله جمع فاعل إلا أودية: جمع واد، وفيه نظر.
ومنابت الشجر". فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس. رواه البخاري ومسلم.
و"الجوبة" -بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة- الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أي حتى صار الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة.
و"الجود" -بفتح الجيم وإسكان الواو -المطر الواسع الغزير.
وعن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثنا عن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا.
وزاد مالك في روايته: ورءوس الجبال: ذكره الحافظ، "ومنابت الشجر"، "فأقلعت" بفتح الهمزة من الإقلاع، أي: كفت وأمسكت السحابة الماطرة عن المدينة، وفي رواية: فما هو إلا أن تكلم صلى الله عليه وسلم بذلك تمزق السحاب حتى ما يرى منه شيئًا في المدينة، "وخرجنا نمشي في الشمس، رواه" أي: المذكور من الروايتين "البخاري ومسلم" في مواضع من كتاب الصلاة وغيرها.
"والجوبة، بفتح الجيم والموحدة، بينهما واو ساكنة: الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أي: حتى صار الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة" قال الحافظ: والمراد به هنا الفرجة في السحاب، وقال الخطابي: المراد بالجوبة هنا الترس، وضبطها الزين بن المنير تبعًا لغيره، بنون بدل الموحدة، ثم فسره بالشمس إذ ظهرت في خلل السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صحف. "والجود بفتح الجيم وإسكان الواو: المطر الواسع الغزير"، وزاد الحافظ: وهذا يدل على أن المطر استمر فيما سوى المدينة، فيشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: هلكت الأموال وانقطعت السبل لم يرتفع الإهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوب، ويمكن الجواب؛ بأن المراد أن المطر استمر حول المدينة من الإكام والظراب وبطون الأودية، لا في الطريق المسلوكة ووقع المطر في بقعة دون بقعة كثير، ولو كانت تجاورها، إذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تسكنها وترعى فيها بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيول الإشكال، انتهى.
"وعن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: حدثنا عن ساعة العسرة" غزوة تبوك، سميت بذلك لوقوعها مع عسر شديد؛ كما أفاده عمر، "فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ" حر "شديد، فنزلنا منزلا" لما ارتحل من الحجر، كما رواه ابن أبي حاتم، ولا ينافيه قول ابن إسحاق بعد ذكر نزوله بالحجر: فلما أصبح الناس شكوا له صلى الله عليه وسلم فقد الماء
أصابنا عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، قال:"أتحبون ذلك"؟. قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت، فملئوا ما معهم من آنية، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر، قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل، وشيخه ابن بشران ثقة، ودعلج ثقة
فدعا، فأرسل الله سحابة حتى ارتووا وحملوا حاجتهم؛ لحمل قوله: فلما أصبح، أي: بعد أن سار منزلا بعد الحجر، كما جمعت بينهما في الغزوة بذلك، "أصابنا عطش" لفقد الماء، "حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع" من العطش "حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصره فرثه" ما في كرشه "فيشربه" أي: ما ينزل منه مع تغيره وقلته، وكانوا يفعلون ذلك في ضرورتهم، "ويجعل ما بقي" مما عصره "على كبده ليخف عنه بعض الحرارة ببردة ما يمس كبده من الماء، "فقال أبو بكر" الصديق؛ "يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا" بالإجابة السريعة، "فادع الله لنا" أن يسقينا، قال: "أتحبون ذلك" ، "قال: نعم، فرفع يديه" نحو السماء؛ كما في الرواية، "فلم يرجعهما" بفتح الياء من رجع المتعدي، نحو: فلا ترجعون إلى الكفار لا من رجع اللازم، أي: فلم يرد يديه بعد رفعهما في دعائه من الرفع المذكور، "حتى قالت اسماء" أي: غيمت وظهر فيها سحاب من قولهم، قال كذا إذا تهيأ له واستعد؛ كما في القاموس أي: امتلأت سحابًا، أو رعدت، فسمع دوي رعدها، أو رن سحابها وحن رعدها، وروي: قامت بالميم، أي: اعتدلت واستوت بالسحاب، أو توجهت بالخير، أو انتصب سحابها وارتفع، أو حان وقت مطرها وحضر، "فانسكبت" أي: انسكب ماؤها، فالإسناد مجازي، وتفسيبر بعض قالت: باللام بأمطرت لا يناسب ما بعده، وكون السماء بمعنى المطر بعيد هنا، وكذا كونه استخدامًا، "فملئوا ما معهم من آنية: "ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها تجاوز العسكر، وهذه معجزة أخرى.
"قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل" النبوية، وكذا الإمام أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبزار، "وشيخه، أي: البيهقي فيه "ابن بشران" الحافظ، أبو حفص، عمر بن بشران، بن محمد، بن بشران السكري، "ثقة قال الخطيب: حدثنا عنه البرقاني، قال: كان ثقة، حافظًا، عارفًا، كثير الحديث، بقي إلى سنة سبع وستين وثلاثمائة، "ودعلج" كجعفر، ابن أحمد بن دعلج، الإمام الحافظ، الفقيه، محدث بغداد، أبو محمد، السجزي، "ثقة"، سمع البغوي وغيره، وعنه الدارقطني والحاكم، وكان من أوعية العلم وبحور الرواية، صنف المسند الكبير،
وابن خزيمة أحد الأئمة، ويونس احتج به مسلم في صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخاري ومسلم، وعتبة فيه مقال، انتهى.
وقد رواه القاضي عياض في الشفاء مختصرًا وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه.
وروى صاحب كتاب "مصباح الظلام" عن عمرو بن شعيب: أن أبا طالب قال: كنت مع ابن أخي -يعني النبي صلى الله عليه وسلم بذي المجاز، فأدركني العطش، فشكوت إليه فقلت: يابن أخي عطشت، وما قلت له ذلك وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع، فثنى وركه ثم نزل
ومات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وخلف ثلاثمائة ألف دينار، "وابن خزيمة" محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة النيسابوري، "أحد الأئمة" المعروف عند أهل الحديث بإمام الأئمة حدث عنه الشيخان خارج صحيحيهما، "ويونس" بن يزيد الأعلى، "احتج به مسلم في صحيحه، وابن وهب" عبد الله المصري، الفقيه، الحافظ العابد، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة، "وعمرو بن الحارث" ابن يعقوب الأنصاري، مولاهم المصري، ثقة، فقيه حافظ مات قبل الخمسين ومائة ونافع بن جبير" بن مطعم القرشي النوفلي التابعي فاضل، مات سنة تسع وتسعين، "احتج بهم، أي: بكل واحد من الثلاثة "البخاري ومسلم" وباقي الأئمة الستة، "وعتبة بن حميد الضبي أبو معاذ، أبو معاوية البصري، "فيه مقال" فقال أحمد: ضعيف ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وثقه ابن حبان وغيره، وفي التقريب: صدوق له أوهام، "انتهى، وقد رواه" أي: ذكره بلا إسناد "القاضي عياض في الشفاء مختصرًا، وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه، وروى صاحب كتاب مصباح الظلام" في المستغيثين الأنام.
"عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، صدوق، مات سنة ثماني عشرة ومائة، روى له أصحاب السنن، "أن أبا طالب، قال: كنت مع ابن أخي، يعني النبي صلى الله عليه وسلم بذي المجاز" بفتح الميم والجيم، وألف، وزاي معجمة: اسم سوق كان بقرب عرفة، كانوا يجتمعون فيه في الجاهلية، "فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يابن أخي، عطشت وما قلت له ذلك، وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع" بكسر الجيم، وقال أبو عبيدة: اللائق فتحها منعطف الوادي ووسطه، أو منقطعه أو منحناه، أو لا يسمى جزعًا حتى تكون له سعة تنبت الشجر، أو هو مكان بالوادي لا شجر فيه، وربما كان رملا، قاله في القاموس؛ فالمعنى هنا: لا أرى عنده الأوسط الوادي، أو منقطعه دون ماء فيه، ويصح تفسيره بباقي المعاني المذكورة، وأبعد من قال: إلا الجزع تأسفًا على حال الناس، "فثنى وركه ثم نزل" عن الدابة التي كانا