الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشًا واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد نفد الماء عندهم، والحر شديد، ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئًا قال: فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا، وأنشأ سحابًا، فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا، وسقينا، واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا على، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، وفي رواية -يا أرحم الراحمين يا حكيم يا كريم يا أحد يا صمد يا حي يا قيوم ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت يا ربنا- ثم قال: أجيزوا باسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدو غيلة، فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، (1).
نعم لقد اعتصم العلاء الحضرمي رضي الله عنه بربه فدعاه واستغاث به فأنزل عليه الغيث ثم دعاه مرة ثانية فمشوا على البحر. إنه اعتصام عظيم برب عظيم كريم الذي إذا سئل أعطى وإذا دعي أجاب.
الموقف السابع:
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت رضي الله عنه الحديث بطوله في قصة خبيب بن عدي رضي الله عنه وفيه أن عاصمًا قال: لا أنزل في ذمة مشرك وكان قد عاهد الله أن لا يمس مشركًا ولا يمسه مشرك فأرسلت قريش ليؤتوا بشيء من جسده، وكان قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عز وجل عليه مثل الظلة من الدبر، فحمته من منهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئًا. لذلك يقال:"حمي الدبر"(2).
وهنا حفظ الله عبده عاصمًا رضي الله عنه وقد عاهد ربه واعتصم به أن لا يمسه مشرك أو هو يمس مشركا فنجاه الله ميتا أن يأخذوا من جسده شيئاً.
الفصل الرابع
الاعتصام بالله عند الصالحين من عباد الله تعالى:
الموقف الأول:
(1) حياة الصحابة 3/ 381.
(2)
حياة الصحابة 3/ 377 .............
1 -
بينما رجل جالس وهو يعبث بالحصى ويحذف بها، إذ رجعت حصاة منها فصارت في أذنه، فجهد بكل حيلة، فلم يقدر على إخراجها، فبقيت الحصاة في أذنه دهرًا تؤلمه، فبينما هو ذات يوم جالس، إذ سمع قارئاً يقرأ: "أم من يجيب المضطّر إذا دعاه ويكشف السوء
…
الآية"، فقال الرجل: يا رب أنت المجيب، وأنا المضطر، فاكشف ضر ما أنا فيه، فنزلت الحصاة من أذنه في الحال.
فهذا الرجل جعل اعتصامه بالله وسؤاله لله وبث ألمه لله ففرج الله عنه وكشف الله كربته.
الموقف الثاني:
2 -
لما أخذ أبو جعفر المنصور إسماعيل بن أمية، أمر به إلى السجن، فمر على حائط مكتوب عليه: يا وليي في نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا عدتي في كربتي، قال: فلم يزل يدعو بها حتى خلى سبيله، فمر على ذلك المكان فلم ير شيئًا مكتوبا عليه. (1)
لو تأملت هذا الدعاء لرأيت فيه الاعتصام بالله جل وعلا والتجرد عن كل ما سواه.
الموقف الثالث:
وأحزن عبيد الله الأسناني بأمر ضاق به ذرعا فأتي يحيى بن خالد الأزرق وكان مستجاب الدعوة فرآه مكروبًا فقال: ما شأنك؟ قلتُ دُفعت إلى كيت وكيت -من المصائب والأحزان فقال استعن بالله واصبر فقلت: ادع الله. فحرك شفتيه فانصرفت وقد آتاني الله فرجا (2).
هنا أمره بالاعتصام والصبر والاستعانة بالله جل وعلا.
الموقف الرابع:
دخل الحسن البصري على الحجاج بواسط، فرأى قصره فقال: الحمد لله! أن هؤلاء الملوك - يرون في أنفسهم عبراً، وإنا لنرى فيهم عبراً، يعمد أحدهم إلى قصره فيشيده، وفرس يتخذه، وقد صف به ذباب طمع وفراش نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت، فقد رأينا -يا عدو الله- ما صنعت، فماذا يا أفسق الفاسقين، ويا أفجر الفاجرين، أما أهل السماء فمقتوك. وأما أهل الأرض فلعنوك، ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء، ليبيننه للناس، ولا يكتمونه.
فتغيظ الحجاج عليه غيظًا شديدًا، وقال: يا أهل الشام، هذا عبيد أهل البصرة يدخل علي فيشتمني في وجهي فلا يكون له مغير ولا نكير، والله لأقتلنه.
(1) الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي البصري -21.
(2)
الفرج بعد الشدة - 48 .......
فمضى أهل الشام إلى الحسن، فحملوه إلى الحجاج، وعرف الحسن ما قاله، فكان طول طريقه يحرك شفتيه.
فلما دخل، وجد السيف والنطع بين يديه وهو متغيظ، فلما رآه كلمه بكلام غليظ، فرفق به الحسن، ووعظه.
فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرفعا، ثم لم يزل الحسن يمر في كلامه، حتي دعا الحجاج بالطعام، فأكلا، وبالوضوء فتوضأ، وصرفه مكرمًا.
وقال صالح بن مسمار: فقيل للحسن: بم كنت تحرك شفتيك؟ قال: قلت: يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي، ويا ربي عند كربتي ويا صاحبي في شدتي، ويا وليي في نعمتي، ويا إلهي، وإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى، ويا رب النبيين كلهم أجمعين،
قال صالح: فما دعونا بها في شدة إلا فرج عنا.
ويتضح هنا أن الحسن البصري رحمه الله كان من أولئك الذين يخافون الله وحده ويعتصمون به وحده ويستغيثون به وحده جل وعلا.
الموقف الخامس:
وعن أبي سلمة عبيد الله بن منصور قال: جرت على رجل شرة هاضته (1) فلج في الدعاء إلى الله تعالى ذات ليلة فهتف به هاتف: يا هذا قل يا سامع كل صوت ويا بارئ النفوس بعد الموت ويا من لا تغشاه الظلمات ويا من لا يشغله شئ عن شئ قال: فدعا بها ففرج عنه (2).
الموقف السادس:
عن إسحاق العدواني، قال: زحف إلينا ابن ادمهومرد عند مدينة الكرج في ثمانين فيلاً، فكادت تنقض الصفوف والخيول، فكرب لذلك محمد بن القاسم الثقفي، فنادى عمران بن النعمان أمير أهل حمص، وأمر الجنود، فنهضوا، فما استطاعوا، فلما أعيته الأمور، نادى مرارًا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فكف الفيلة بذلك، وسلط الله عليها الحر، فأنضجتها، ففزعت إلى الماء، فما استطاع سواقها، ولا أصحابها، حسبها، فكان الفتح من عند الله تعالى. (3).
وهنا اعتصم محمد بن قاسم رحمه الله بالله جل وعلا وفوض أمره إليه وأن استمداد القوة إنما من الله وحده وتجرد عن قوته وقوة جنوده إلى الله عز وجل فكان النصر العظيم.
الموقف السابع:
(1) كسرته.
(2)
الفرج بعد الشدة-53.
(3)
الفرج بعد الشدة-53.