الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خَلَقَهُنَّ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ يَعْلُقْ بِهِنَّ دَنَسٌ ذَاتِيٌّ وَلَا خَارِجِيٌّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ بَنِي آدَمَ، كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ: عَنْ عجائزكم الرمص العمص يَصِرْنَ شَوَابَّ، فَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الذَّاتِيَّةِ وَغَيْرِ الذَّاتِيَّةِ، وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ وَالطَّبَائِعِ الرَّدِيئَةِ، كَالْغَضَبِ وَالْحِدَّةِ وَالْحِقْدِ وَالْكَيْدِ المكر، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْخَنَا وَالتَّطَلُّعِ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْأَدْنَاسِ الذَّاتِيَّةِ، مِثْلَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْجَنَابَةِ وَالْبَوْلِ وَالتَّغَوُّطِ وغير ذلك من المقاذير الْحَادِثَةِ عَنِ الْأَعْرَاضِ الْمُنْقَلِبَةِ إِلَى فَسَادٍ: كَالْبَخْرِ وَالذَّفَرِ وَالصُّنَانِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، أَوْ إِلَى غَيْرِ فَسَادٍ: كَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ وَالْبُصَاقِ وَالنُّخَامَةِ.
وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، لَا طَمُحَاتٍ وَلَا مُرُجِاتٍ وَلَا يَغِرْنَ وَلَا يَعُزْنَ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: الْوَلَدُ. وَقَالَ يَمَانٌ: مِنَ الْإِثْمِ وَالْأَذَى، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: مُطَهَّرَةٌ لَكِنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُنَّ مُطَهَّرَاتٌ مِنْ كُلِّ مَا يَشِينُ، لِأَنَّ مَنْ طَهَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوَصَفَهُ بِالتَّطْهِيرِ كَانَ فِي غَايَةِ النَّظَافَةِ وَالْوَضَاءَةِ. ولما ذكر تعاليم سكن الْمُؤْمِنِينَ وَمَطْعَمَهُمْ وَمَنْكَحَهُمْ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَلَاذُ لَا تَبْلُغُ دَرَجَةَ الْكَمَالِ مَعَ تَوَقُّعِ خَوْفِ الزَّوَالِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ:
أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ
…
تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ ارْتِحَالًا
أَعْقَبَ ذَلِكَ تَعَالَى بِمَا يُزِيلُ تَنْغِيصَ التَّنَعُّمِ بِذِكْرِ الْخُلُودِ فِي دَارِ النَّعِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى:
وَهُمْ فِيها خالِدُونَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي الْخُلُودِ، وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ الْبَقَاءُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ أَبَدًا، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ الْبَقَاءُ الطَّوِيلُ، انْقَطَعَ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَأَنَّ كَوْنَ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعَذَابِ أَهْلِ النَّارِ سَرْمَدِيٌّ لَا يَنْقَطِعُ، لَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ لَفْظِ الْخُلُودِ بَلْ مِنْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثَ صِحَاحٍ مِنَ السُّنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً «1» ، وَقَالَ تَعَالَى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ «2» .
وَفِي الْحَدِيثِ: «يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ» .
وَفِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: «وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا» .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الآي والأحاديث.
[سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 29]
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)
(1) سورة التغابن: 64/ 9. [.....]
(2)
سورة الحجر: 15/ 48.
الحياء: تغير وإنكار يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيَذُمُّ، وَمَحَلُّهُ الْوَجْهُ، وَمَنْبَعُهُ مِنَ الْقَلْبِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَضِدُّهُ: الْقَحَةُ، وَالْحَيَاءُ، وَالِاسْتِحْيَاءُ، وَالِانْخِزَالُ، وَالِانْقِمَاعُ، وَالِانْقِلَاعُ، مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، فَتَنُوبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَنَابَ الْأُخْرَى.
أَنْ: حَرْفٌ ثُنَائِيُّ الْوَضْعِ يَنْسَبِكُ مِنْهُ مَعَ الْفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ مَصْدَرٌ، وَعَمَلُهُ فِي الْمُضَارِعِ النَّصْبَ، إِنْ كَانَ مُعْرَبًا، وَالْجَزْمُ بِهَا لُغَةٌ لِبَنِي صَبَاحٍ، وَتُوصَلُ أَيْضًا بِالْمَاضِي الْمُتَصَرِّفِ، وَذَكَرُوا أَنَّهَا تُوصَلُ بِالْأَمْرِ، وَإِذَا نَصَبَتِ الْمُضَارِعَ فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ. وَأَجَازَ بَعْضُهُمُ الْفَصْلَ بِالظَّرْفِ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ الْفَصْلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَعْمُولِهَا بِالشَّرْطِ. وَأَجَازُوا أَيْضًا إِلْغَاءَهَا وَتَسْلِيطُ الشَّرْطِ عَلَى مَا كَانَ يَكُونُ مَعْمُولًا لَهَا لَوْلَاهُ، وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ مَعْمُولِهَا عَلَيْهَا، وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ. وَأَحْكَامُ أَنْ الْمَوْصُولَةِ كَثِيرَةٌ، وَيَكُونُ أَيْضًا حَرْفَ تَفْسِيرٍ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَأْتِي تَفْسِيرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّفْسِيرِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ»
، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَكُونُ أَنْ أَيْضًا زَائِدَةً وَتُطَّرَدُ زِيَادَتُهَا بَعْدَ لَمَّا، وَلَا تُفِيدُ إِذْ ذَاكَ غَيْرَ التَّوْكِيدِ، خِلَافًا لِمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُفِيدُ اتِّصَالَ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ جَوَابًا بِالْفِعْلِ الَّذِي زِيدَتْ قَبْلَهُ، وَبَعْدَ الْقَسَمِ قَبْلَ لَوْ وَالْجَوَابِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا إِذْ ذَاكَ رَابِطَةٌ لِجُمْلَةِ الْقَسَمِ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ لَوْ وَالْجَوَابُ، وَلَا تَكُونُ أَنْ لِلْمُجَازَاةِ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ، وَلَا بِمَعْنَى إِنِ الْمَكْسُورَةِ الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ خِلَافًا لِلْفَارِسِيِّ، وَلَا لِلنَّفْيِ، وَلَا بِمَعْنَى إِذْ، وَلَا بِمَعْنَى لِئَلَّا خِلَافًا لِزَاعِمِي ذَلِكَ. وَأَمَّا أَنِ الْمُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَحَرْفٌ ثُلَاثِيُّ الْوَضْعِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَوَّلِ مَا يُذْكَرُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(1) سورة البقرة: 2/ 125.
وَالضَّرْبُ: إِمْسَاسُ جِسْمٍ بِجِسْمٍ بِعُنْفٍ وَيُكَنَّى بِهِ عَنِ السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الصُّنْعِ وَالِاعْتِمَالِ.
وَرُوِيَ اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ.
وَالْبَعُوضَةُ: وَاحِدُ الْبَعُوضِ، وَهِيَ طَائِرٌ صَغِيرٌ جِدًّا مَعْرُوفٌ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ عَلَى فُعُولٍ كَالْقُطُوعِ فَغُلِّبَتْ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْبَعْضِ بِمَعْنَى الْقَطْعِ. أَمَّا: حَرْفٌ، وَفِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَبَعْضُهُمْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِحَرْفِ تَفْصِيلٍ، وَبَعْضُهُمْ بِحَرْفِ إِخْبَارٍ، وَأَبْدَلَ بَنُو تَمِيمٍ الْمِيمَ الْأُولَى يَاءً فَقَالُوا: أَيَّمَا. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِ أَمَّا: أَنَّ الْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَزَيْدٌ ذَاهِبٌ، وَالَّذِي يَلِيهَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَتَلْزَمُ الْفَاءُ فِيمَا وَلِيَ الْجَزَاءُ الَّذِي وَلِيَهَا، إِلَّا إِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ دُعَاءً فَالْفَاءُ فِيمَا يَلِيهَا وَلَا يُفْصَلُ بِغَيْرِهَا مِنَ الْجُمَلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَاءِ، وَإِذَا فُصِلَ بِهَا فَلَا بُدَّ مِنَ الْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمْلَةِ بِمَعْمُولٍ يَلِي أَمَّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ أَمَّا وَبَيْنَ الْفَاءِ بِمَعْمُولِ خَبَرِ أَنَّ وِفَاقًا لِسِيبَوَيْهِ وَأَبِي عُثْمَانَ، وَخِلَافًا لِلْمُبَرِّدِ وَابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ، وَلَا بِمَعْمُولِ خَبَرِ لَيْتَ وَلَعَلَّ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ. وَمَسْأَلَةُ أَمَّا عِلْمًا، فَعَالِمٌ يَلْزَمُ أَهْلُ الْحِجَازِ فِيهِ النَّصْبَ وَتَخْتَارُهُ تَمِيمٌ، وَتَوْجِيهُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ. الْحَقُّ: الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَسُوغُ إِنْكَارُهُ. حَقَّ الْأَمْرُ ثَبَتَ وَوَجَبَ وَمِنْهُ: حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ «1» ، وَالْبَاطِلُ مُقَابِلُهُ، وَهُوَ الْمُضْمَحِلُّ الزَّائِلُ، مَاذَا: الْأَصْلُ فِي ذَا أَنَّهَا اسْمُ إِشَارَةٍ، فَمَتَى أُرِيدَ مَوْضُوعُهَا الْأَصْلِيُّ كَانَتْ مَاذَا جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَتَكُونُ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وَذَا خَبَرُهُ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَتِ الْعَرَبُ مَاذَا ثَلَاثَةَ اسْتِعْمَالَاتٍ غَيْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا وَذَا مَوْصُولًا بِدَلِيلِ وقوع الاسم جوابا لها مَرْفُوعًا فِي الْفَصِيحِ، وَبِدَلِيلِ رَفْعِ الْبَدَلِ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا تَسْأَلَانِ الْمَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ
…
أَنُحِبُّ فَيُقْضَى أَمْ ضَلَالٌ وَبَاطِلُ
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَاذَا كُلُّهَا اسْتِفْهَامًا، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ: إِنَّ ذَا لَغْوٌ وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الزِّيَادَةَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهَا رُكِّبَتْ مَعَ مَا وَصَارَتْ كُلُّهَا اسْتِفْهَامًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وقوع الاسم جوابا لها مَنْصُوبًا فِي الْفَصِيحِ، وَقَوْلُ الْعَرَبِ: عَمَّاذَا تَسْأَلُ بِإِثْبَاتِ أَلِفِ مَا، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا خُزْرَ تَغْلِبَ مَاذَا بَالُ نِسْوَتِكُمْ
…
لَا يَسْتَفِقْنَ إلى الديرين تحتانا
(1) سورة يونس: 10/ 33، وسورة غافر: 40/ 6.
وَلَا يَصِحُّ مَوْصُولِيَّةُ ذَا هُنَا، الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مَا مَعَ ذَا اسْمًا مَوْصُولًا، وَهُوَ قَلِيلٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:
دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سَأَتَّقِيهِ
…
وَلَكِنْ بِالْمَغِيبِ نَبِّئِينِي
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالْأَوَّلُ يَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهَا صِلَةٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ وَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَى مَاذَا: وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَتَسَلَّطُ عَلَى مَاذَا إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَسَلَّطَ. وَأَجَازَ الْفَارِسِيُّ أَنْ تَكُونَ مَاذَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَجَعَلَ مِنْهُ: دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ. الْإِرَادَةُ: طَلَبُ نَفْسِكَ الشَّيْءَ وَمَيْلُ قَلْبِكَ إِلَيْهِ، وهي نقيض الكرهة، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا مُضَافَةً إلى الله تعالى، إن شَاءَ اللَّهُ. الْفُسُوقُ: الْخُرُوجُ، فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ: خَرَجَتْ، وَالْفَاسِقُ شَرْعًا: الْخَارِجُ عَنِ الْحَقِّ، وَمُضَارِعُهُ جَاءَ عَلَى يَفْعَلُ وَيَفْعُلُ. النَّقْضُ: فَكُّ تَرْكِيبِ الشَّيْءِ وَرَدُّهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَنَقْضُ الْبِنَاءِ هَدْمُهُ، وَنَقْضُ الْمُبْرَمِ حَلُّهُ. وَالْعَهْدُ: الْمَوْثِقُ، وَعَهَدَ إِلَيْهِ فِي كَذَا: أَوْصَاهُ بِهِ وَوَثَّقَهُ عَلَيْهِ. وَالْعَهْدُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى سِتَّةِ مَحَامِلٍ: الْوَصِيَّةُ، وَالضَّمَانُ، وَالْأَمْرُ، وَالِالْتِقَاءُ، وَالرُّؤْيَةُ، وَالْمَنْزِلُ. وَالْمِيثَاقُ: الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ بِالْيَمِينِ. وَالْمِيثَاقُ وَالتَّوْثِقَةُ: كَالْمِيعَادِ بِمَعْنَى الوعد، والميلاد بمعنى الولادة. الْخَسَارُ: النُّقْصَانُ أَوِ الْهَلَاكُ، كَيْفَ: اسْمٌ، وَدُخُولُ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهَا شَاذٌّ، وَأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَلُ اسْتِفْهَامًا، وَالشَّرْطُ بِهَا قَلِيلٌ، وَالْجَزْمُ بِهَا غَيْرُ مَسْمُوعٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَلَا نُجِيزُهُ قِيَاسًا، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَقُطْرُبٍ، وَقَدْ ذُكِرَ خِلَافٌ فِيهَا: أَهِيَ ظَرْفٌ أَمِ اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ؟ وَالْأَوَّلُ عَزَوْهُ إِلَى سِيبَوَيْهِ، والثاني إلى الأخفش والسيرافي، وَالْبَدَلُ مِنْهَا وَالْجَوَابُ إِذَا كَانَتْ مَعَ فِعْلٍ مُسْتَغْنٍ مَنْصُوبَانِ، وَمَعَ مَا لَا يُسْتَغْنَى مَرْفُوعٌ إِنْ كَانَ مُبْتَدَأً، وَمَنْصُوبٌ إِنْ كَانَ نَاسِخًا. أَمْوَاتًا: جَمْعُ مَيِّتٍ، وَهُوَ أَيْضًا جُمَعُ مَيْتَةٍ، وَجَمْعُهُمَا عَلَى أَفْعَالٍ شُذُوذٍ، وَالْقِيَاسُ فِي فَيْعَلٍ إِذَا كُسِرَ فَعَائِلٍ. الِاسْتِوَاءُ: الِاعْتِدَالُ وَالِاسْتِقَامَةُ، اسْتَوَى الْعُودُ وَغَيْرُهُ: إِذَا اسْتَقَامَ وَاعْتَدَلَ، ثُمَّ قِيلَ: اسْتَوَى إِلَيْهِ كَالسَّهْمِ الْمُرْسَلِ، إِذَا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عَلَى شَيْءٍ، وَالتَّسْوِيَةُ: التَّقْوِيمُ وَالتَّعْدِيلُ.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا، الْآيَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ، وَالْفَرَّاءُ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْثَالَ فِي كِتَابِهِ بِالْعَنْكَبُوتِ، وَالذُّبَابِ، وَالتُّرَابِ، وَالْحِجَارَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحْقَرُ وَيُطْرَحُ.
قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَعَزُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ الْأَمْثَالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُحَقَّرَاتِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، قَالُوا: لَمَّا ضَرَبَ
اللَّهُ تَعَالَى الْمَثَلَ بِالْمُسْتَوْقِدِ وَالصَّيِّبِ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَعْظَمُ أَنْ يَضْرِبَ الْأَمْثَالَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لا بال لها، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ، إِذِ اشْتَمَلَتْ عَلَى نَقْضِ الْعَهْدِ، وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الْيَهُودِ، لِأَنَّ الْخِطَابَ بِوَفَاءِ الْعَهْدِ إِنَّمَا هُوَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعَلَى الْكَافِرِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «1» ، وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُنَافِقُونَ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا فِي إيذائه صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِقِينَ. وَقَدْ نَصَّ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هُنَا ذِكْرَ ثَلَاثِ طَوَائِفَ، وَكُلُّهُمْ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، قَالَهُ الْقَفَّالُ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هَذَا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، وَأَنَّ الْبَعُوضَةَ تَحْيَا مَا جَاعَتْ، فَإِذَا شَبِعَتْ وَامْتَلَأَتْ مَاتَتْ. كَذَلِكَ مَثَلُ أهل الدنيا إذا امتلأوا مِنْهَا كَانَ سَبَبًا لِهَلَاكِهِمْ، وَقِيلَ: ضَرَبَ ذَلِكَ تَعَالَى مَثَلًا لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَذْكُرَ مَا قَلَّ مِنْهَا أَوْ كثير لِيُجَازِيَ عَلَيْهَا ثَوَابًا أَوْ عقابا، وإلا ظهر فِي سَبَبِ النُّزُولِ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ. وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ ظَاهِرَةٌ، إِذْ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَثَلِ بِالْمُسْتَوْقِدِ وَالصَّيِّبِ، وَنَزَلَ التَّمْثِيلُ بِالْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْجَهَلَةُ وَأَهْلُ الْعِنَادِ، وَاسْتَغْرَبُوا مَا لَيْسَ بِمُسْتَغْرَبٍ وَلَا مُنْكَرٍ، إِذِ التَّمْثِيلُ يَكْشِفُ الْمَعْنَى وَيُوَضِّحُ الْمَطْلُوبَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي فَائِدَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا «2» ، وَالْعَاقِلُ إِذَا سَمِعَ التَّمْثِيلَ اسْتَبَانَ لَهُ بِهِ الْحَقُّ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ الْأَمْثَالَ بِالْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ وَالْأَجْنَاسِ وَالْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ، وَلِسَانُ الْعَرَبِ مَلْآنُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِنِّي لَأَلْقَى مِنْ ذَوِي الضِّغْنِ مِنْهُمُ
…
وَمَا أَصْبَحَتْ تَشْكُو مِنَ الْوَجْدِ سَاهِرَهُ
كَمَا لَقِيَتْ ذَاتُ الصَّفَا مِنْ حَلِيفِهَا
…
وَمَا انْفَكَّتِ الْأَمْثَالُ فِي النَّاسِ سَائِرَهُ
فَذَكَرَ قِصَّةَ ذَاتِ الصَّفَا، وَهِيَ حَيَّةٌ كَانَتْ قَدْ قُتِلَتْ قُرَابَةَ حَلِيفِهَا، فَتَوَاثَقَا بِاللَّهِ على أنها تدي ذَلِكَ الْقَتِيلِ وَلَا تُؤْذِيهَا، إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي ذَلِكَ الشِّعْرِ. وَالْأَمْثَالُ مَضْرُوبَةٌ فِي الْإِنْجِيلِ بِالْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ كَالنُّخَالَةِ وَالدُّودِ وَالزَّنَابِيرِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَرَأْتُ أَمْثَالًا فِي الزَّبُورِ. فَإِنْكَارُ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ جَهَالَةٌ مُفْرِطَةٌ أَوْ مُكَابَرَةٌ وَاضِحَةٌ، وَمَسَاقُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مُصَدَّرَةٌ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَى التَّوْكِيدِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: يَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ، وَالْمَاضِي: اسْتَحْيَا، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَاسْتَفْعَلَ هُنَا جَاءَ لِلْإِغْنَاءِ عَنِ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ: كَاسْتَنْكَفَ، واستأثر، واستبد، واستعبر،
(1) سورة الأحزاب: 33/ 12.
(2)
سورة البقرة: 2/ 17.
وَهُوَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي جَاءَ لَهَا اسْتَفْعَلَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «1» ، وَهَذَا هُنَا مِنَ الْحَيَاءِ. وَفِي كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنِ اسْتَحْيَا لَيْسَ مُغْنِيًا عَنِ الْمُجَرَّدِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمُجَرَّدِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي أَيْضًا الَّذِي جَاءَ لَهَا اسْتَفْعَلَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:
يُقَالُ حَيِيَ الرَّجُلُ كَمَا يُقَالُ: نَسِيَ وَخَشِيَ وَشَظِيَ الْفَرَسُ، إِذَا اعْتَلَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ جُعِلَ الْحَيِيُّ لِمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الِانْكِسَارِ، وَالتَّغَيُّرِ مُنْكَسِرُ الْقُوَّةِ مُنْتَقِضُ الْحَيَاةِ، كَمَا قَالُوا: فُلَانٌ هَلَكَ حَيَاءً مِنْ كَذَا، وَمَاتَ حَيَاءً، وَرَأَيْتُ الْهِلَالَ فِي وَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَيَاءِ، وَذَابَ حَيَاءً، وَجَمُدَ فِي مَكَانِهِ خَجَلًا، انْتَهَى كَلَامُهُ. فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقَالُ: مِنَ الْحَيَاءِ حَيِيَ الرَّجُلُ، فَيَكُونُ اسْتَحْيَا عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقًا لِلْمُجَرَّدِ، وَعَلَى مَا نَقَلْنَاهُ قَبْلُ يَكُونُ مُغْنِيًا عَنِ الْمُجَرَّدِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رِوَايَةِ شِبْلٍ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَيَعْقُوبُ: يَسْتَحِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، يُجْرُونَهَا مَجْرَى يَسْتَبِي. قَالَ الشَّاعِرُ:
أَلَا تَسْتَحِي مِنَّا مُلُوكٌ وَتَتَّقِي
…
مَحَارِمُنَا لَا يَبُوءُ الدَّمُ بِالدَّمِ
وَالْمَاضِي: اسْتَحَى، قَالَ الشَّاعِرُ:
إِذَا مَا استحين الْمَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ
…
كَرِعْنَ بست فِي إِنَاءٍ مِنَ الْوَرْدِ
وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي الْمَحْذُوفَةِ، فَقِيلَ لَامُ الْكَلِمَةِ، فَالْوَزْنُ يَسْتَفِعُ، فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الْعَيْنِ إِلَى الْفَاءِ وَسَكَنَتِ الْعَيْنُ فَصَارَتْ يَسْتَفِعُ. وَقِيلَ الْمَحْذُوفُ الْعَيْنُ، فَالْوَزْنُ يَسْتَيْفِلُ ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ اللَّامِ إِلَى الْفَاءِ وَسَكَنَتِ اللَّامُ فَصَارَتْ يَسْتَفِلُ. وَأَكْثَرُ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَحْذُوفَ هُوَ الْعَيْنُ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي (كِتَابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ) مِنْ تَأْلِيفِنَا، وَلَيْسَ هَذَا الْحَذْفُ مُخْتَصًّا بِالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، بَلْ يَكُونُ أَيْضًا فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، كَاسْمِ الْفَاعِلِ، وَاسْمِ الْمَفْعُولِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْفِعْلُ مِمَّا نَقَلُوا أَنَّهُ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، وَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفِ جَرٍّ، يُقَالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ. فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَضْرِبَ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ تَعَدَّى إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ تَعَدَّى إِلَيْهِ عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ. وَفِي ذَلِكَ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ «2» ، أَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَعْدَ حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ أَمْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؟.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ الْمَنْسُوبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى نَفْيُهُ، فَقِيلَ: المعنى
(1) سورة الفاتحة 1/ 5.
(2)
سورة البقرة: 2/ 25.
لَا يَتْرُكُ، فَعَبَّرَ بِالْحَيَاءِ عَنِ التَّرْكِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ التَّرْكَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْحَيَاءِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اسْتَحْيَا مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ تَرَكَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَخْشَى، وَسُمِّيَتِ الْخَشْيَةُ حَيَاءً لِأَنَّهَا مِنْ ثَمَرَاتِهِ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَخْشَى النَّاسَ «1» ، أن معناه تستحيي مِنَ النَّاسِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَمْتَنِعُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ هِيَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى التَّأْوِيلَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَوْضُوعُهَا فِي اللُّغَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ تَمُرَّ عَلَى مَا جَاءَتْ، وَنُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نَتَأَوَّلُهَا وَنَكِلُ عِلْمَهَا إِلَيْهِ تَعَالَى، لِأَنَّ صِفَاتَهُ تَعَالَى لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَاهِيَّتِهَا الْخَلْقُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَنَا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَفِيهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ، فَمَا صَحَّ فِي الْعَقْلِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نَسَبْنَاهُ إِلَيْهِ، وَمَا اسْتَحَالَ أَوَّلْنَاهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى، كَمَا نُؤَوِّلُ فِيمَا يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ، وَالْحَيَاءُ بِمَوْضُوعِ اللُّغَةِ لَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلِذَلِكَ أَوَّلَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقَدْ جَاءَ مَنْسُوبًا إِلَى اللَّهِ مُثْبَتًا فِيمَا
رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌ كَرِيمٌ يَسْتَحِي إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ الْعَبْدُ يَدَيْهِ أَنْ بردهما صِفْرًا حَتَّى يَضَعَ فِيهِمَا خَيْرًا»
، وَأُوِّلَ بِأَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ مِثْلُ تَرْكِهِ تَخْيِيبِ الْعَبْدِ مِنْ عَطَائِهِ لِكَرَمِهِ بِتَرْكِ مَنْ تَرَكَ رَدَّ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ حَيَاءً مِنْهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا فِي الِاسْتِحْيَاءِ، فَنُسِبَ إِلَى مَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ بِحَالٍ، كَالْبَيْتِ الَّذِي أَنْشَدْنَاهُ قَبْلُ وَهُوَ:
إذا ما استحين الْمَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ قَالَ أبو التمام:
هُوَ اللَّيْثُ لَيْثُ الْغَابِ بَأْسًا وَنَجْدَةً
…
وَإِنْ كَانَ أَحْيَا مِنْهُ وَجْهًا وَأَكْرَمَا
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَسْتَحْيِي عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، لِأَنَّهُ
رُوِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا: مَا يستحيي رَبُّ مُحَمَّدٍ أَنْ يَضْرِبَ الْأَمْثَالَ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ
وَمَجِيءُ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ مَا قُوبِلَ بِهِ، شَائِعٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «2» ، وَجَاءَ ذِكْرُ الِاسْتِحْيَاءِ مَنْفِيًّا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ إِثْبَاتُهُ بِمَوْضُوعِ اللُّغَةِ لَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُهُ، يَصِحُّ أَنْ ينفى
(1) سورة الأحزاب: 33/ 37.
(2)
سورة الشورى: 42/ 40.
عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِذَلِكَ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ «1» ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ «2» مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ «3» ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ «4» ؟ وَنَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ. فَالْإِخْبَارُ بِانْتِفَاءِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ الصِّدْقُ الْمَحْضُ، وَلَيْسَ انْتِفَاءُ الشَّيْءِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَجْوِيزِهِ عَلَى مَنْ نُفِيَ عَنْهُ، وَلَا صِحَّةُ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ. زَعَمَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ إِثْبَاتًا يَجِبُ أَنْ لَا يُطْلَقَ عَلَى طَرِيقِ النَّفْيِ، قَالَ: فِيمَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ بِصُورَةِ النَّفْيِ وَلَيْسَ بِنَفْيٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَكَثْرَةِ ذَلِكَ، أَعْنِي نَفْيَ الشَّيْءِ عَمَّا لَا يَصِحُّ إِثْبَاتُهُ، لَهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ، بِحَيْثُ لَا يُحْصَرُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ. وَيَضْرِبُ: قِيلَ مَعْنَاهُ: يُبَيِّنُ، وَقِيلَ: يَذْكُرُ، وَقِيلَ: يَضَعُ، مَنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وَضُرِبَ الْبَعْثُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، وَيَكُونُ يَضْرِبُ قَدْ تَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ، وَقِيلَ يَضْرِبُ: فِي مَعْنَى يَجْعَلُ وَيَصِيرُ، كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِنًا، وَضَرَبْتُ الْفِضَّةَ خَاتَمًا. فَعَلَى هَذَا يَتَعَدَّى لِاثْنَيْنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ ضَرَبَ لَا يَكُونُ مِنْ بَابِ ظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا، فَيَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، وَبُطْلَانُ هَذَا الْمَذْهَبِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ النَّحْوِ. وَمَا: إِذَا نَصَبْتَ بَعُوضَةً زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ صِفَةٌ لِلْمَثَلِ تزيد الكرة شَيَاعًا، كَمَا تَقُولُ: ائْتِنِي بِرَجُلٍ مَا، أَيْ: أَيُّ رَجُلٍ كَانَ. وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ، وَثَعْلَبٌ، وَالزَّجَّاجُ: أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً، وَيَنْتَصِبُ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ: مَثَلًا. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِنَصْبِ بَعُوضَةً. وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِ النَّصْبِ عَلَى وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَا، إِذَا جَعَلْنَا ما بدلا من مثل، وَمَثَلًا مَفْعُولٌ بِيَضْرِبُ، وَتَكُونُ مَا إِذْ ذَاكَ قَدْ وُصِفَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ الْمُتَنَكِّرِ لِإِبْهَامِ مَا، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بَعُوضَةً عَطْفُ بَيَانٍ، وَمَثَلًا مَفْعُولٌ بِيَضْرِبَ. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَثَلَ. الرَّابِعُ:
أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِيَضْرِبَ، وَانْتَصَبَ مَثَلًا حَالًا مِنَ النَّكِرَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا. وَالْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ مَفْعُولًا لِيَضْرِبَ ثَانِيًا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَثَلُ عَلَى أَنَّ يَضْرِبَ يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ. وَالسَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ مَفْعُولًا أَوَّلَ لِيَضْرِبَ، وَمَثَلًا الْمَفْعُولُ الثَّانِي. وَالسَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى تَقْدِيرِ إِسْقَاطِ الْجَارِّ، وَالْمَعْنَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، وَحَكَوْا لَهُ عِشْرُونَ مَا نَاقَةً فَجَمَلًا، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ، وَنَسَبَهُ الْمَهْدَوِيُّ لِلْكُوفِيِّينَ، وَنَسَبَهُ غَيْرُهُمَا لِلْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ، وَيَكُونُ: مَثَلًا مَفْعُولًا بِيَضْرِبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَنْكَرَ هَذَا النَّصْبَ، أَعْنِي نَصْبَ بَعُوضَةٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَبُو الْعَبَّاسِ. وَتَحْرِيرُ نَقْلِ هَذَا المذهب: أن الكوفيين
(1) سورة البقرة: 2/ 255.
(2)
سورة الإخلاص: 112/ 3.
(3)
سورة المؤمنون: 23/ 91.
(4)
سورة الأنعام: 6/ 14.
يَزْعُمُونَ أَنَّ مَا تَكُونُ جَزَاءً فِي الْأَصْلِ وَتُحَوُّلُ إِلَى لَفْظِ الَّذِي، فَيَنْتَصِبُ مَا بَعْدَهَا، سَوَاءٌ كَانَ نَكِرَةً أَمْ غَيْرَ نَكِرَةٍ، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ فَقَطْ، وَتَلْزَمُ وَلَا يَصْلُحُ مَكَانَهَا الْوَاوُ، وَلَا ثُمَّ، وَلَا أَوْ، وَلَا لَا، وَيَجْعَلُونَ النَّصْبَ فِي ذَلِكَ الِاسْمِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَهُوَ بَيْنَ. فَلَمَّا حَذَفَ بَيْنَ، قَامَ هَذَا مَقَامَهُ فِي الْإِعْرَابِ. وَيُقَدِّرُونَ الْفَاءَ بِإِلَى، وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. حَكَى الْكِسَائِيُّ عَنِ الْعَرَبِ: مُطِرْنَا مَا زُبَالَةٍ فَالثَّعْلَبِيَّةُ، وَمَا مَنْصُوبَةٌ بِمُطِرْنَا.
وَحَكَى الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ عَنِ الْعَرَبِ: هِيَ أحسن الناس ما قرنا، وَانْتِصَابُ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَتَقُولُ: هِيَ حَسَنَةٌ مَا قَرَنَهَا إِلَى قَدَمِهَا. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْشَدَنَا أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ:
يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْنًا إِلَى قَدَمٍ
…
وَلَا حِبَالِ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلِ
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا نَظَرَ إِلَى الْهِلَالِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا إِهْلَالُكَ إِلَى سِرَارِكَ، وَحَكَى الْفَرَّاءُ عَنِ الْعَرَبِ: الشَّنْقُ مَا خُمَّا فَعِشْرِينَ. وَالْمَعْنَى فِيمَا تَقَدَّمَ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، وَمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا تَسْقُطُ، فَخَطَأٌ أَنْ يَقُولَ: مُطِرْنَا زُبَالَةً فَالثَّعْلَبِيَّةُ. وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ لَا يَعْرِفُهُ الْبَصْرِيُّونَ، وَرَدُّهُ إِلَى قَوَاعِدِ الْبَصْرِيِّينَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا، وَالَّذِي نَخْتَارُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَعَارِيبِ أَنَّ ضَرَبَ يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَذَلِكَ الواحد هُوَ مَثَلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ضُرِبَ مَثَلٌ، وَلِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي التَّرْكِيبِ، وَصَالِحٌ لِأَنْ يَنْتَصِبَ بِيَضْرِبَ.
وَمَا: صِفَةٌ تَزِيدُ النَّكِرَةَ شَيَاعًا، لِأَنَّ زِيَادَتَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا تَنْقَاسُ. وَبَعُوضَةً: بَدَلٌ لِأَنَّ عَطْفَ الْبَيَانِ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي النَّكِرَاتِ، إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْفَارِسِيُّ، وَلِأَنَّ الصِّفَةَ بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ لَا تَنْقَاسُ. وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي عَبْلَةَ، وَرُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ، وَقُطْرُبٌ: بَعُوضَةٌ بِالرَّفْعِ، وَاتَّفَقَ الْمُعْرِبُونَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَكُونُ عَنْهُ خَبَرًا، فَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُوَ بَعُوضَةٌ، وَفِي هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ صِلَةٌ لِمَا، وَمَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي، وَحَذْفُ هَذَا الْعَائِدِ وَهَذَا الْإِعْرَابُ لَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي جَوَازِ حَذْفِ هَذَا الضَّمِيرِ طُولَ الصِّلَةِ. وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَإِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ فِي غَيْرِ أَيٍّ مِنَ الْمَوْصُولَاتِ، وَعَلَى مَذْهَبِهِمْ تَكُونُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ شَاذَّةٌ، وَيَكُونُ إِعْرَابُ مَا عَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ بَدَلًا، التَّقْدِيرُ: مَثَلًا الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَا زَائِدَةٌ أَوْ صِفَةٌ وَهُوَ بَعُوضَةٌ وَمَا بَعْدَهُ جُمْلَةٌ، كَالتَّفْسِيرِ لِمَا انْطَوَى عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ، وَقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَلْفُوظٌ بِهِ وَهُوَ مَا، عَلَى أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، لَمَّا اسْتَنْكَفُوا مِنْ تَمْثِيلِ اللَّهِ لِأَصْنَامِهِمْ بِالْمُحَقَّرَاتِ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ لِلْأَنْدَادِ مَا شَاءَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُحَقَّرَةِ بَلْهَ فَمَا فَوْقَهَا، كَمَا يُقَالُ، فُلَانٌ لَا يُبَالِي بِمَا وَهَبَ مَا دِينَارٌ وَدِينَارَانِ، وَالْمُخْتَارُ الْوَجْهُ الثَّانِي لِسُهُولَةِ تَخْرِيجِهِ، لِأَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ فَصِيحًا عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَالثَّانِي فِيهِ غَرَابَةٌ وَاسْتِبْعَادٌ عَنْ مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وما مِنْ قَوْلِهِ: فَمَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ بَعُوضَةً إِنْ نصبنا لما مَوْصُولَةٌ وَصِلَتُهَا الظَّرْفُ، أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَصِفَتُهَا الظَّرْفُ، وَالْمَوْصُوفَةُ أَرْجَحُ. وَإِنْ رَفَعْنَا بَعُوضَةً، وَكَانَتْ مَا مَوْصُولَةً فَعَطَفَ مَا الثَّانِيَةَ عَلَيْهَا أَوِ اسْتِفْهَامًا، فَذَلِكَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ، أَوْ كَانَتِ الْبَعُوضَةُ خَبَرًا لِهُوَ مَحْذُوفَةً، وَمَا زَائِدَةٌ، أَوْ صِفَةٌ فَعَطَفَ عَلَى الْبَعُوضَةِ، إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَمَا فَوْقَهَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْنِي فِي الْحَجْمِ كَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيَكُونُ ذِكْرُ الْبَعُوضَةِ تَنْبِيهًا عَلَى الصِّغَرِ، وَمَا فَوْقَهَا تَنْبِيهًا عَلَى الْكِبَرِ، وَبِهِ قَالَ أَيْضًا قَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى فَمَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ، أَيْ وَمَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي الصِّغَرِ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ أَنْذَلُ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَكَ: هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ أَبْلَغَ وَأَعْرَقَ فِي النَّذَالَةِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالْكِسَائِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَوْقَ مَنِ الْأَضْدَادِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ يُحْمَلُ عَلَى مَعَانِيهِ، يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْبَعُوضَةِ وَمَا هُوَ أَكْبَرُ.
وَقِيلَ: أَرَادَ مَا فَوْقَهَا وَمَا دُونَهَا، فَاكْتَفَى بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَنِ الْآخَرِ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهَا، كَمَا اكْتَفَى فِي قَوْلِهِ: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «1» عَنْ قَوْلِهِ: وَالْبَرْدَ، وَرُجِّحَ الْقَوْلُ بِالْفَوْقِيَّةِ فِي الصِّغَرِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّمْثِيلِ تَحْقِيرُ الْأَوْثَانِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَشَدَّ حَقَارَةً كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَكْمَلَ، وَبِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ التَّمْثِيلِ بِالشَّيْءِ الْحَقِيرِ، وَبِأَنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا كَانَ أَصْغَرُ كَانَ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِهِ أَصْعَبَ. فَإِذَا كَانَ فِي نِهَايَةِ الصِّغَرِ لَمْ يُحِطْ بِهِ إِلَّا عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَكَانَ التَّمْثِيلُ بِهِ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ الْحِكْمَةِ مِنَ التَّمْثِيلِ بِالْكَبِيرِ، وَالَّذِي نَخْتَارُهُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِجَرَيَانِ فَوْقَ عَلَى مَشْهُورِ مَا اسْتَقَرَّ فِيهَا فِي اللُّغَةِ، وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي أَسْنَدَ اللَّهُ إِلَيْهِ عَدَمُ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ أَجْلِهِ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَذِهِ الْمُصَغَّرَاتِ وَالْمُسْتَضْعَفَاتِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْبَعُوضَةَ قَدْ أَوْجَدَهَا عَلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْإِحْكَامِ وَحُسْنِ التَّأْلِيفِ وَالنِّظَامِ، وَأَظْهَرَ فِيهَا، مَعَ صِغَرِ حَجْمِهَا، مِنْ بَدَائِعِ الْحِكْمَةِ كَمِثْلِ مَا أَظْهَرَهُ فِي النيل الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْكِبَرِ وَعِظَمِ الْخِلْقَةِ. وَإِذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ اسْتَوْفَى نِصَابَ حُسْنِ الصَّنْعَةِ وَبَدَائِعِ التَّأْلِيفِ وَالصَّنْعَةِ، فَضَرْبُ المثل بالصغير
(1) سورة النحل: 16/ 81. [.....]
وَالْكَبِيرِ سِيَّانِ عِنْدَهُ إِذَا كَانَا فِي تَوْفِيَةِ الْحِكْمَةِ سَوَاءً. الثَّانِي: أَنَّ الْبَعُوضَةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَصْغَرِ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَصَّهَا بِالذِّكْرِ فِي الْقِلَّةِ، فلا يستحيي أَنْ يَضْرِبَ الْمَثَلَ فِي الشَّيْءِ الْكَبِيرِ بِالْكَبِيرِ وَالْحَقِيرِ بِالْحَقِيرِ، وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. الثَّالِثُ: أَنَّ فِي الْبَعُوضَةِ، مَعَ صِغَرِ حَجْمِهَا وَضَعْفِ بُنْيَانِهَا، مِنْ حُسْنِ التَّأْلِيفِ وَدَقِيقِ الصُّنْعِ، مِنِ اخْتِصَارِ الْخَصْرِ وَدِقَّةِ الْخُرْطُومِ وَلَطِيفِ تَكْوِينِ الْأَعْضَاءِ وَلِينِ الْبَشَرَةِ، مَا يُعْجِزُ أَنْ يُحَاطَ بِوَصْفِهِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَبْضَعُ بِشَوْكَةِ خُرْطُومِهَا، مَعَ لِينِهَا، جِلْدَ الْجَامُوسِ وَالْفِيلِ، وَتَهْتَدِي إِلَى مُرَاقِ الْبَشَرَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يَسْتَحْيِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَضْرِبَ بِهَا الْمَثَلَ، إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهَا وَلَا أَقَلَّ مِنْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ «1» . الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَثَلَ بِالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْعَنْكَبُوتِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، أَتَى بِهِ تَعَالَى فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ التَّمْثِيلِ، وَأَحْسَنُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّشْبِيهِ، لِأَنَّ الَّذِي جَعَلَهَا مَثَلًا لَهُمْ فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَقَارَةِ، وَضَعْفِ الْقُوَّةِ، وَخِسَّةِ الذَّاتِ وَالْفِعْلِ، فَلَوْ شَبَّهَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَا حَسُنَ مَوْقِعُ التَّشْبِيهِ، وَلَا عَذُبَ مَذَاقُ التَّمْثِيلِ، إِذِ الشَّيْءُ لَا يُشَبَّهُ إِلَّا بِمَا يُمَاثِلُهُ وَيُشَاكِلُهُ، وَمَنْ أَتَى بِالشَّيْءِ عَلَى وَجْهِهِ فَلَا يَسْتَحَيَا مِنْهُ. وَتَصْدِيرُ الْجُمْلَتَيْنِ بِأَمَّا الَّتِي مَعْنَاهَا الشَّرْطُ مُشْعِرٌ بِالتَّوْكِيدِ، إِذْ هِيَ أَبْلَغُ مِنْ: فَالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُونَ، إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا بَرَزَ فِي حَيِّزِ أَمَّا مِنَ الْخَبَرِ كَانَ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ، وَمَا مُفِيدُ ذَلِكَ وَمُثِيرُهُ إِلَّا تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ، وَالضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَثَلِ، وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَضْرِبُ كَأَنَّهُ قَالَ: فَيَعْلَمُونَ أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ. وَقِيلَ: هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ من لَا يَسْتَحْيِي، أَيْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ انْتِفَاءَ الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ ذكر الحق، وإلا ظهر الْأَوَّلُ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فَمَيَّزَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُنَا بِالْمَثَلِ. وَالتَّقْسِيمُ وَرَدَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَثَلِ، وَأَخْبَرَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعِلْمِ لِأَنَّهُ الْجَزْمُ الْمُطَابِقُ لِدَلِيلٍ، وَأَخْبَرَ عَنِ الْكَافِرِينَ بِالْقَوْلِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْجَارِي عَلَى اللِّسَانِ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَهُ الْجُمْلَةَ الِاسْتِفْهَامِيَّةَ الشَّامِلَةَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَالِاسْتِبْعَادِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَقْسَامِ مَاذَا، وَهِيَ هَاهُنَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي خَبَرٌ عَنْ مَا.
وَأَرَادَ صِلَةً لِذَا الْمَوْصُولَةِ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، إِذْ فِيهِ شُرُوطُ جَوَازِ الْحَذْفِ، وَالتَّقْدِيرُ ما الذي
(1) سورة الحج: 22/ 73.
أَرَادَهُ اللَّهُ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَاذَا كُلُّهَا اسْتِفْهَامًا، وَتَرْكِيبُ ذَا مَعَ مَا، وَتَكُونُ مَفْعُولًا بِإِرَادَةِ التَّقْدِيرِ، أَيْ شَيْءٌ أَرَادَهُ اللَّهُ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فَصِيحَانِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي مَاذَا فَقِيلَ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ اللَّهُ، وقيل: ما اسم وذا اسْمٌ آخَرُ بِمَعْنَى الَّذِي، فَمَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ وذا خبره. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَظَاهِرُهُ اخْتِلَافُ النَّحْوِيِّينَ فِي مَاذَا هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ هُمَا وَجْهَانِ سَائِغَانِ فَصِيحَانِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةَ خِلَافٍ عِنْدِ النَّحْوِيِّينَ، بَلْ كُلُّ مَنْ شَدَا طَرَفًا مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ يُجَوِّزُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَاذَا هُنَا، وَكَذَا كُلُّ مَنْ وَقَفْنَا عَلَى كَلَامِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْرِبِينَ ذَكَرُوا الْوَجْهَيْنِ فِي مَاذَا هُنَا. وَالْإِرَادَةُ بِالتَّفْسِيرِ اللُّغَوِيِّ، وَهِيَ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى الشَّيْءِ، يَسْتَحِيلُ نِسْبَتُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْإِرَادَةُ مَاهِيَّةٌ يَجِدُهَا الْعَاقِلُ مِنْ نَفْسِهِ وَيُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ الْبَدِيهِيَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَذَّتِهِ وَأَلَمِهِ. وَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: إِنَّهَا صِفَةٌ تَقْتَضِي رُجْحَانَ طَرَفَيِ الْجَائِزِ عَلَى الْآخَرِ فِي الْإِيقَاعِ، لَا فِي الْوُقُوعِ، وَاحْتَرَزَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْأَخِيرِ مِنَ الْقُدْرَةِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ أَزَلِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ بِذَاتِهِ، وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالنَّجَّارِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَبَعْضُ الرَّافِضَةِ نَفَوُا الصِّفَاتِ الَّتِي أَثْبَتَهَا أَهْلُ السُّنَّةِ، وَالْبَهْشَمِيَّةُ وَالْبَصْرِيُّونَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِحُدُوثِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي مَحَلٍّ، وَالْكَرَّامِيَّةُ تَقُولُ بِحُدُوثِهَا فِيهِ تَعَالَى، وَإِنَّهَا إِرَادَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَأَكْثَرُهُمْ زَعَمُوا مَعَ الْقَوْلِ بِالْحُدُوثِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِيهَا الْعَدَمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ عَدَمُهَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُبْحَثُ فِيهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ. وَانْتِصَابُ مَثَلًا عَلَى التَّمْيِيزِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، أَيْ مِنْ مَثَلٍ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ نَصْبَهُ عَلَى الْحَالِ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ، أَيْ مُتَمَثِّلًا بِهِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ اسْمُ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ: لِمَنْ حَمَلَ سِلَاحًا رَدِيئًا، مَاذَا أَرَدْتَ بِهَذَا سِلَاحًا، فَنَصْبُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: التَّمْيِيزُ وَالْحَالُ مِنِ اسْمِ الْإِشَارَةِ. وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ مُتَمَثِّلًا. وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ أَنَّ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْقَطْعِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُعْرَبَ بِإِعْرَابِ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَإِذَا لَمْ تُتْبِعْهُ فِي الْإِعْرَابِ وَقَطَعْتَهُ عَنْهُ نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ، وَجَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَعَالَيْنَ قُنْوَانًا مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا فَأَحْمَرُ عِنْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِ الْبُسْرِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَطَعْتَهُ عَنْ إِعْرَابِهِ نَصَبْتَهُ عَلَى الْقَطْعِ وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْبُسْرِ الْأَحْمَرِ، كَذَلِكَ قَالُوا: مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْمَثَلِ. فَلَمَّا لَمْ يُجَرَّ عَلَى إِعْرَابِ هَذَا، انْتَصَبَ مَثَلًا عَلَى الْقَطْعِ، وَإِذَا قُلْتَ: عَبْدُ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ عُرْيَانًا، وَيَجِيءُ زَيْدٌ رَاكِبًا، فَهَذَا وَنَحْوُهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ عِنْدَ الْكِسَائِيِّ. وَفَرَّقَ الْفَرَّاءُ فَزَعَمَ أَنَّ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلَهُ دَلِيلٌ
عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَنْصُوبُ عَلَى الْقَطْعِ، وَمَا لَا فَمَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، وَلَمْ يُثْبِتِ الْبَصْرِيُّونَ النَّصْبَ عَلَى الْقَطْعِ. وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى بُطْلَانِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ مَذْكُورٌ فِي مَبْسُوطَاتِ النَّحْوِ، وَالْمُخْتَارُ انْتِصَابُ مثل عَلَى التَّمْيِيزِ، وَجَاءَ عَلَى مَعْنَى التَّوْكِيدِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ أُشِيرَ إِلَيْهِ عُلِمَ أَنَّهُ مَثَلٌ، فَجَاءَ التَّمْيِيزُ بَعْدَهُ مُؤَكِّدًا لِلِاسْمِ الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ.
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً: جُمْلَتَانِ مُسْتَأْنَفَتَانِ جَارِيَتَانِ مَجْرَى الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ لِلْجُمْلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ الْمُصَدَّرَتَيْنِ بِإِمَّا، وَوَصَفَ تَعَالَى الْعَالِمِينَ بِأَنَّهُ الْحَقُّ، وَالسَّائِلِينَ عَنْهُ سُؤَالَ اسْتِهْزَاءٍ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ تَعَالَى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ «1» ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «2» وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ، فَالْمُهْتَدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ كَثِيرٌ، وَإِذَا وُصِفُوا بِالْقِلَّةِ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الضَّلَالِ، أَوْ تَكُونُ الْكَثْرَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْقِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْخَاصِ، فَسُمُّوا كَثِيرًا ذَهَابًا إِلَى الْحَقِيقَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الْكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلَادِ وَإِنْ
…
قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلُّوا وَإِنْ كَثُرُوا
وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً في موضع الصفة لمثل، وَكَانَ الْمَعْنَى: مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُفَرِّقُ بِهِ النَّاسَ إِلَى ضَلَالٍ وَإِلَى هِدَايَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ كَلَامِ الَّذِينَ كَفَرُوا. وَهَذَا الْوَجْهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْهُ هُوَ ضَرْبُ مَثَلٍ مَا، أَيُّ مَثَلٍ: كَانَ بَعُوضَةً، أَوْ مَا فَوْقَهَا، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا سَأَلُوا سُؤَالَ اسْتِهْزَاءٍ وَلَيْسُوا مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّ هَذَا الْمَثَلَ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، إِلَّا إِنْ ضُمِّنَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِكُمْ وَزَعْمِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَيُمْكُنُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ كَوْنُهُ إِخْبَارًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِسْنَادُ الضَّلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ كَمَا أَنَّ إِسْنَادَ الْهِدَايَةِ كَذَلِكَ، فَهُوَ خَالِقُ الضَّلَالِ وَالْهِدَايَةِ، وقد تؤول هُنَا الْإِضْلَالُ بِالْإِضْلَالِ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ، وَالْإِضْلَالُ عَنِ الدِّينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الدُّعَاءُ إِلَى تَقْبِيحِ الدِّينِ وَتَرْكِهِ، وَهُوَ الْإِضْلَالُ الْمُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَالْإِضْلَالُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ عَنِ اللَّهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالزَّمَخْشَرِيُّ عَلَى طَرِيقَتِهِ الِاعْتِزَالِيَّةِ يَقُولُ: إِسْنَادُ الضَّلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِسْنَادٌ إِلَى السَّبَبِ، لِأَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ فَضَلَّ بِهِ قَوْمٌ وَاهْتَدَى بِهِ قَوْمٌ تَسَبَّبَ لِضَلَالِهِمْ وَهُدَاهُمْ.
(1) سورة سبأ: 34/ 13.
(2)
سورة الشعراء: 26/ 227.
وَقِيلَ: يُضِلُّ بِمَعْنَى يُعَذِّبُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ «1» ، قَالَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَرَدَّ الْقَفَّالُ هَذَا وَقَالَ: بَلِ الْمُرَادُ فِي الشَّاهِدِ فِي ضَلَالٍ عَنِ الْحَقِّ وَجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا الَّذِي جَوَّزَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهُ إِلْبَاسٌ فِي التَّرْكِيبِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ إِمَّا أَنْ يَجْرِيَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ، أَوْ يَجْرِيَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ. وَأَمَّا أَنْ يَجْرِيَ بَعْضُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ إِلْبَاسًا فِي التَّرْكِيبِ، وَكِتَابُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْهُ.
وَقَرَأَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُضَلُّ بِهِ كَثِيرٌ وَيُهْدَى بِهِ كَثِيرٌ وَمَا يُضَلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقُونَ، فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، فِي الثَّلَاثَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ الظَّاهِرِ، مَفْتُوحَ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ: هَذِهِ قِرَاءَةُ الْقَدَرِيَّةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: يُضَلُّ بِضَمِّ الْيَاءِ فِي الْأَوَّلِ، وَمَا يَضِلُّ بِهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالْفَاسِقُونَ بِالْوَاوِ، وَكَذَا أَيْضًا فِي الْقِرَاءَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، وَهِيَ قِرَاءَاتٌ مُتَّجِهَةٌ إلى أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ عَائِدٌ عَلَى مَثَلًا، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ يَضْرِبُ الْمَثَلَ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: يُضِلُّ بِهِ، أَيْ بِالتَّكْذِيبِ فِي بِهِ مِنْ قَوْلِهِ:
وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، أَيْ بِالتَّصْدِيقِ. وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قُوَّةُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ.
وَمَعْنَى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ، أَيْ: وَمَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلضَّلَالَةِ إِلَّا عِنْدَ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْحَقِّ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَعْنَى يُضِلُّ وَيَهْدِي: الزِّيَادَةُ فِي الضَّلَالِ وَالْهُدَى، لَا أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ سَبَبٌ لِلضَّلَالَةِ وَالْهُدَى، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: نَزِيدُ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِهِ وَكَفَرَ ضَلَالًا عَلَى ضَلَالِهِ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ إِيمَانًا عَلَى إِيمَانِهِ. وَالْفَاسِقِينَ: مَفْعُولُ يُضِلُّ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، وَمَنَعَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ منصوبا على الاستثناء. ويكون مَفْعُولُ يُضِلُّ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وَمَا يُضِلُّ بِهِ أَحَدًا إِلَّا الْفَاسِقِينَ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْمَ بَعْدَ إِلَّا:
إِمَّا أَنْ يُفَرَّغَ لَهُ الْعَامِلُ، فَيَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْعَامِلِ نَحْوَ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ، وَمَا ضَرَبْتُ إِلَّا زَيْدًا، وَمَا مَرَرْتُ إِلَّا بِزَيْدٍ، إِذَا جَعَلْتَ زَيْدًا وَبِزَيْدٍ مَعْمُولًا لِلْعَامِلِ قَبْلَ لَا، أَوْ لَا يُفَرَّغُ. وَإِذَا لَمْ يُفَرَّغْ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ طَالِبًا مَرْفُوعًا، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا ذِكْرُهُ قَبْلَ إِلَّا، وَإِضْمَارُهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يُضْمَرُ، أَوْ مَنْصُوبًا، أَوْ مَجْرُورًا، فَيَجُوزُ حَذْفُهُ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ وَإِثْبَاتُهُ. فَإِنْ حذفته كان الاسم
(1) سورة القمر: 54/ 47.
الَّذِي بَعْدَ إِلَّا مَنْصُوبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَتَقُولُ: مَا ضَرَبْتُ إِلَّا زَيْدًا، تُرِيدُ ما ضربت أحدا إلا زَيْدًا، وَمَا مَرَرْتُ إِلَّا عَمْرًا، تُرِيدُ مَا ضَرَبَتْ أَحَدًا إِلَّا زَيْدًا، وَمَا مَرَرْتُ إِلَّا عَمْرًا، قَالَ الشَّاعِرُ:
نَجَا سَالِمٌ وَالنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ
…
وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا جَفْنَ سَيْفٍ وَمِئْزَرًا
يُرِيدُ وَلَمْ يَنْجُ بِشَيْءٍ إِلَّا جَفْنَ سَيْفٍ، وَإِنْ أثبته، ولم يحذفه، فَلَهُ أَحْكَامٌ مَذْكُورَةٌ.
فَعَلَى هَذَا الَّذِي قَدْ قَعَّدَهُ النَّحْوِيُّونَ يَجُوزُ فِي الْفَاسِقِينَ أن يكون معمولا ليضل، وَيَكُونَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَكُونَ مَعْمُولُ يُضِلُّ قَدْ حُذِفَ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَالْفَاسِقُ هُوَ الْخَارِجُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَتَارَةً يَكُونُ ذَلِكَ بِكُفْرٍ وَتَارَةً يَكُونُ بِعِصْيَانٍ غَيْرِ الْكُفْرِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْفَاسِقُ فِي الشَّرِيعَةِ: الْخَارِجُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، وَهُوَ النَّازِلُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، أَيْ بَيْنِ مَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ. وَقَالُوا: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ حَدَّ لَهُ هَذَا الْحَدَّ أَبُو حُذَيْفَةَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، رضي الله عنه وَعَنْ أَشْيَاعِهِ. وَكَوْنُهُ بَيْنَ بَيْنَ، أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤْمِنِ فِي أَنَّهُ يُنَاكَحُ، وَيُوَارَثُ، وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ كَالْكَافِرِ فِي الذَّمِّ، وَاللَّعْنِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَاعْتِقَادِ عَدَاوَتِهِ، وَأَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. وَمَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالزَّيْدِيَّةِ أَنَّ الصلاة لا تجزي خَلْفَهُ، وَيُقَالُ لِلْخُلَفَاءِ الْمَرَدَةِ مِنَ الْكُفَّارِ الْفَسَقَةِ، وَقَدْ جَاءَ الِاسْتِعْمَالَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ «1» ، يُرِيدُ اللَّمْزَ وَالتَّنَابُزَ، إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ «2» ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ، وَالَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا وَفَسَقَ بِمَعْصِيَةٍ دُونَ الْكُفْرِ، فَإِنَّهُ فَاسِقٌ بِفِسْقِهِ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِفِسْقِهِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَلَا بَلَغَ حَدَّ الْكُفْرِ. وَذَهَبَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَصَى وَأَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَدْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَنْ أَذْنَبَ بَعْدَ الْإِيمَانِ فَقَدْ أَشْرَكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ نِفَاقٌ، وَإِنَّ حُكْمَ الْقَاضِي بَعْدَ التَّصْدِيقِ أَنَّهُ مُنَافِقٌ. وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَذُكِرَ أَنَّ لِأَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سُمُّوا مُعْتَزِلَةً، فَإِنَّهُمُ اعْتَزَلُوا قَوْلَ الأمة فيها، فَإِنَّ الْأُمَّةَ كَانُوا عَلَى قَوْلَيْنِ، فَأَحْدَثُوا قَوْلًا ثَالِثًا فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً لِذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُقَرَّرَةٌ فِي أُصُولِ الدين.
(1) سورة الحجرات: 49/ 11.
(2)
سورة التوبة: 9/ 67.
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ: يَحْتَمِلُ النَّصْبَ وَالرَّفْعَ. فَالنَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الِاتِّبَاعِ، وَإِمَّا عَلَى الْقَطْعِ، أَيْ أَذُمُّ الَّذِينَ. وَالرَّفْعُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إِمَّا عَلَى الْقَطْعِ، أَيْ هُمُ الَّذِينَ، وَإِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونُ الْخَبَرُ الْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وَعَلَى هَذَا الْإِعْرَابِ تَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ كَأَنَّهَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَا قَبْلَهَا إِلَّا عَلَى بُعْدٍ، فَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا الْإِعْرَابِ الْأَعَارِيبُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَوْلَاهَا الْإِتْبَاعُ، وَتَكُونُ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةَ ذَمٍّ، وَهِيَ لَازِمَةٌ، إِذْ كُلُّ فَاسِقٍ يَنْقُضُ الْعَهْدَ وَيَقْطَعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْعَهْدِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَصِيَّةُ اللَّهِ إِلَى خَلْقِهِ، وَأَمْرُهُ لَهُمْ بِطَاعَتِهِ، وَنَهْيُهُ لَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ فِي كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلَةِ، وَنَقْضُهُمْ لَهُ تَرْكُهُمُ الْعَمَلَ بِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ الْعَهْدُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ «1» الْآيَةَ، وَنَقْضُهُمْ لَهُ كُفْرُ، بَعْضِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَبَعْضِهِمْ بِحُقُوقِ نِعْمَتِهِ. الثَّالِثُ: مَا أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِهِ وَالِاعْتِرَافِ بِنِعَمِهِ وَالتَّصْدِيقِ لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا بِهِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ «2» الْآيَةَ، وَنَقْضُهُمْ لَهُ نَبْذُهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَتَبْدِيلُ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ وَصْفِهِ صلى الله عليه وسلم.
الرَّابِعُ: مَا أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَمُتَّبِعِيهِمْ أَنْ لَا يَكْفُرُوا بِاللَّهِ وَلَا بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنْ يَنْصُرُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ «3» الْآيَةَ، وَنَقْضُهُمْ لَهُ إِنْكَارُهُمْ لِنُبُوَّتِهِ وَتَغْيِيرُهُمْ لِصِفَتِهِ. الْخَامِسُ: إِيمَانُهُمْ بِهِ صلى الله عليه وسلم وَرِسَالَتِهِ قَبْلَ بَعْثِهِ وَنَقْضُهُمْ لَهُ جَحْدُهُمْ لِنُبُوَّتِهِ وَلِصِفَتِهِ. السَّادِسُ: مَا جَعَلَهُ فِي عُقُولِهِمْ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، بِالنَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَصِدْقِهِ وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَنَقْضُهُمْ هُوَ تَرْكُهُمُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَتَقْلِيدُهُمْ لِآبَائِهِمْ. السَّابِعُ: الْأَمَانَةُ الْمَعْرُوضَةُ عَلَى السموات وَالْأَرْضِ الَّتِي حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، وَنَقْضُهُمْ تَرْكُهُمُ الْقِيَامَ بِحُقُوقِهَا. الثَّامِنُ: مَا أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَنَقْضُهُمْ عَوْدُهُمْ إِلَى مَا نُهُوا عَنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ. التَّاسِعُ: هُوَ الْإِيمَانُ وَالْتِزَامُ الشَّرَائِعِ، وَنَقْضُهُ كُفْرُهُ بَعْدَ الْإِيمَانِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ التِّسْعَةُ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ، وَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُخَاطَبَ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي وقع في
(1) سورة الأعراف: 7/ 172.
(2)
سورة آل عمران: 3/ 187.
(3)
سورة آل عمران: 3/ 81.
سَبَبِ النُّزُولِ، وَالْعُمُومِ هُوَ الظَّاهِرُ. فَكُلُّ مَنْ نَقَضَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَمُنَافِقٍ أَوْ مُشْرِكٍ أَوْ كِتَابِيٍّ تَنَاوَلَهُ هَذَا الذم، ومن مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَنْقُضُونَ، وَهِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ حَصَلَ عَقِيبَ تَوَثُّقِ الْعَهْدِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اكْتِرَاثِهِمْ بِالْعَهْدِ، فَأَثَرُ مَا اسْتَوْثَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ نَقَضُوهُ. وَقِيلَ: مِنْ زَائِدَةٌ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْمِيثَاقُ مَفْعُولٌ مِنَ الْوَثَاقَةِ، وَهُوَ الشَّدُّ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ بِالْيَمِينِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى هُنَا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَنَى بِهِ عَنِ الِالْتِزَامِ وَالْقَبُولِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ اسْمٌ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ شُيَيْمٍ:
أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي
…
وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرُّتَاعَا
أَرَادَ بَعْدَ إِعْطَائِكَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذُكِرَ، بَلْ قَدْ أَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّوْثِقَةِ، كَمَا أَنَّ الْمِيعَادَ بِمَعْنَى الْوَعْدِ، وَالْمِيلَادَ بِمَعْنَى الْوِلَادَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وَالْأَصْلُ فِي مِفْعَالٍ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا نَحْوَ: مِطْعَامٍ وَمِسْقَامٍ وَمِذْكَارٍ. وَقَدْ طَالَعْتُ كَلَامَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَاجِّ، وَكَلَامَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُمَا مِنْ أَوْعَبِ النَّاسِ لِأَبْنِيَةِ الْمَصَادِرِ، فَلَمْ يَذْكُرَا مِفْعَالًا فِي أَبْنِيَةِ الْمَصَادِرِ. وَالضَّمِيرُ فِي مِيثَاقِهِ عَائِدٌ عَلَى الْعَهْدِ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ، وَأُجِيزَ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ مِنْ تَوْثِيقِهِ عَلَيْهِمْ، أَوْ مِنْ بَعْدِ مَا وَثَّقَ بِهِ عَهْدَهُ عَلَى اخْتِلَافِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْمِيثَاقِ. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: إِنْ أَعَدْتَ الْهَاءَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ كَانَ الْمَصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ، وَإِنْ أَعَدْتَهَا إِلَى الْعَهْدِ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ عِنْدَهُ مَصْدَرٌ.
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ: وَمَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَطَعُوهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالْعِصْيَانِ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَفِيهِ ضَعْفٌ، إِذْ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ مِنْ مَكَانِ مَا. الثَّانِي: الْقَوْلُ: أَمَرَ اللَّهِ أَنْ يُوصَلَ بِالْعَمَلِ فَقَطَعُوا بَيْنَهُمَا، قَالُوا: وَلَمْ يَعْمَلُوا، يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ «1» . الثَّالِثُ: التَّصْدِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ، أُمِرُوا بِوَصْلِهِ فَقَطَعُوهُ بِتَكْذِيبِ بَعْضٍ وَتَصْدِيقِ بَعْضٍ. الرَّابِعُ: الرَّحِمُ وَالْقَرَابَةُ، قَالَهُ قَتَادَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ، لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ مِنَ الْعُمُومِ، وَلَا دَلِيلَ واضح على الخصوص.
(1) سورة الفتح: 48/ 11.
وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا تَكُونُ مَوْصُوفَةً خُصُوصًا هُنَا، إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: وَيَقْطَعُونَ شَيْئًا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يوصل، فَهُوَ مُطْلَقٌ وَلَا يَقَعَ الذَّمُّ الْبَلِيغُ وَالْحُكْمُ بِالْفِسْقِ وَالْخُسْرَانِ بِفِعْلٍ مُطْلَقٍ مَا، وَالْأَمْرُ هُوَ اسْتِدْعَاءُ الْأَعْلَى الْفِعْلَ مِنَ الْأَدْنَى، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَبَعْثهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ نُكْتَةٌ اعْتِزَالِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، قَالَ: وَبِهِ سُمِّيَ الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ وَاحِدُ الْأُمُورِ، لِأَنَّ الدَّاعِيَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ شُبِّهَ بِآمِرٍ يَأْمُرُهُ بِهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمْرٌ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِهِ بِالْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، كَمَا قِيلَ لَهُ: شَأْنٌ، وَالشَّأْنُ الطَّلَبُ وَالْقَصْدُ، يُقَالُ شَأَنْتُ شَأْنَهُ، أَيْ قَصَدْتُ قَصْدَهُ، وَأَمْرٌ يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، وَالْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ الْمَعْنَى، أَيْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأن يُوصَلَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي بِهِ تَقْدِيرُهُ بِهِ وَصْلُهُ، أَيْ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بوصله، نحو قال الشَّاعِرِ:
أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ
…
فَتُقَصِّرُ عَنْهَا حِقْبَةً وَتَبُوصُ
أَيْ أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى نَأْيُهَا.
وَأَجَازَ الَمَهْدَوِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَأَبُو الْبَقَاءِ أَنْ تَكُونَ أَنْ يُوصَلَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنْ مَا، أَيْ وَصْلُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَيَقْطَعُونَ وَصْلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ. وَأَجَازَ الَمَهْدَوِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ، وَقَدَّرَهُ الَمَهْدَوِيُّ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُوصَلَ، فَيَكُونُ الْحَامِلُ عَلَى الْقَطْعِ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُوصَلَ. وَحَكَى أَبُو الْبَقَاءِ وَجْهَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ وَقَدَّرَهُ لِئَلَّا، وَأَجَازَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ أَنْ يُوصَلَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَيْ هُوَ أَنْ يُوصَلَ. وَهَذِهِ الْأَعَارِيبُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، وَلَوْلَا شُهْرَةُ قَائِلِهَا لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهَا صَفْحًا. وَالْأَوَّلُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ وَسِوَاهُ مِنَ الْأَعَارِيبِ، بَعِيدٌ عَنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ بَلْهَ أَفْصَحِ الْكَلَامِ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ.
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: اسْتِدْعَاؤُهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَالتَّرْغِيبُ فِيهِ، وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَيْهِ. الثَّانِي: إِخَافَتُهُمُ السَّبِيلَ، وَقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ. الثَّالِثُ: نَقْضُ الْعَهْدِ. الرَّابِعُ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ تَعَدَّى ضَرَرُهَا إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وَيُجَوِّزُونَ فِي الْأَفْعَالِ، إِذْ هِيَ بِحَسَبَ شَهَوَاتِهِمْ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ الْقَوْلِ الرَّابِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا مَعْنَى فِي الْأَرْضِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى ذِكْرِ الْأَرْضِ، عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ «1» ، فَأَغْنَى عَنْ
(1) سورة البقرة: 2/ 11.
إِعَادَتِهِ هُنَا. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَبِيرَةُ نَوْعًا مِنَ الْبَدِيعِ يُسَمِّيهِ أَرْبَابُ الْبَيَانِ: بِالطِّبَاقِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَعُوضَةً فَما فَوْقَها، فَإِنَّهُمَا دَلِيلَانِ عَلَى الْحَقِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وَفِي قَوْلِهِ: يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. وَجَاءَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مُنَاسَبَةُ الطِّبَاقِ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ أَوَّلٍ مِنْهَا كَائِنٌ بَعْدَ مُقَابِلِهِ، فَالضَّلَالُ بَعْدَ الْهِدَايَةِ
لِقَوْلِهِ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ
، وَلِدُخُولِ أَوْلَادِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْجَنَّةَ إِذَا مَاتُوا قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَالنَّقْضُ بَعْدَ التَّوْثِقَةِ، وَالْقَطْعُ بَعْدَ الْوَصْلِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ تَنَاسَبَتْ فِي الطِّبَاقِ. وَفِي وَصْلِ الَّذِينَ بِالْمُضَارِعِ وَعَطْفِ الْمُضَارِعَيْنِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى تَجَدُّدِ النَّقْضِ وَالْقَطْعِ وَالْإِفْسَادِ، وَإِشْعَارٌ أَيْضًا بِالدَّيْمُومَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ، وَبِنَاءُ يُوصَلُ لِلْمَفْعُولِ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ بنائه للفاعل، لأنه يشتمل مَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَنْ يَصِلُوهُ أَوْ يَصِلَهُ غَيْرُهُمْ.
وَتَرْتِيبُ هَذِهِ الصِّلَاتِ فِي غَايَةٍ مِنَ الْحُسْنِ، لِأَنَّهُ قَدْ بَدَأَ أَوَّلًا بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَهُوَ أَخَصُّ هَذِهِ الثَّلَاثِ، ثُمَّ ثَنَّى بِقَطْعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ أَتَى ثَالِثًا بِالْإِفْسَادِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقَطْعِ، وَكُلُّهَا ثَمَرَاتُ الْفِسْقِ، وَأَتَى بِاسْمِ الْفَاعِلِ صِلَةً لِلْأَلِفِ وَاللَّامِ لِيَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِهِمْ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَكُونُ وَصْفُ الْفِسْقِ لَهُمْ ثَابِتًا، وَتَكُونُ النَّتَائِجُ عَنْهُ مُتَجَدِّدَةً مُتَكَرِّرَةً، فَيَكُونُ الذَّمُّ لَهُمْ أَبْلَغَ لِجَمْعِهِمْ بَيْنَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ وَتَجَدُّدِ فُرُوعِهِ وَنَتَائِجِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَوْصَافَ الْفَاسِقِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ، أَيْ: أُولَئِكَ الْجَامِعُونَ لِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ مِنَ النَّقْضِ وَالْقَطْعِ وَالْإِفْسَادِ.
هُمُ الْخاسِرُونَ: وَفُسِّرَ الْخَاسِرُونَ بَالنَّاقِصِينَ حُظُوظَهُمْ وَشَرَفَهُمْ، وَبِالْهَالِكِينَ، وَسَبَبُ خُسْرَانِهِمُ اسْتِبْدَالُهُمُ النَّقْضَ بِالْوَفَاءِ، وَالْقَطْعَ بِالْوَصْلِ، وَالْإِفْسَادَ بِالْإِصْلَاحِ، وَعِقَابَهَا بِالثَّوَابِ، وَقِيلَ: الْخَاسِرُونَ الْمَغْبُونُونَ بِفَوْتِ الْمَثُوبَةِ وَلُزُومِ الْعُقُوبَةِ وَقِيلَ: خَسِرُوا نَعِيمَ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: خَسِرُوا حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا، أَحْبَطُوهَا بِكُفْرِهِمْ. وَالْآيَةُ فِي الْيَهُودِ، وَلَهُمْ أَعْمَالٌ فِي شَرِيعَتِهِمْ وَفِي الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ فِي الظَّاهِرِ عَمَلَ الْمُخْلِصِينَ. قَالَ الْقَفَّالُ: الْخَاسِرُ اسْمٌ عَامٌّ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يُجْزَى عَلَيْهِ. كَيْفَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهَامٍ عَنْ حَالٍ، وَصَحِبَهُ مَعْنَى التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ، فَخَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهَامِ.
وَقِيلَ: صَحِبَهُ الْإِنْكَارُ وَالتَّعَجُّبُ، أَيْ إِنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ وَالتَّصَرُّفِ التَّامِّ وَالْمَرْجِعُ إِلَيْهِ آخِرًا فَيُثِيبُ وَيُعَاقِبُ، لَا يَلِيقُ أَنْ يُكْفَرَ بِهِ. وَالْإِنْكَارُ بِالْهَمْزَةِ إِنْكَارٌ لِذَاتِ
الْفِعْلِ، وَبِكَيْفَ إِنْكَارٌ لِحَالِهِ وَإِنْكَارُ حَالِهِ إِنْكَارٌ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ ذَاتَهُ لَا تَخْلُو مِنْ حَالٍ يَقَعُ فِيهَا، فَاسْتَلْزَمَ إِنْكَارُ الْحَالِ إِنْكَارَ الذَّاتِ ضَرُورَةً، وَهُوَ أَبْلَغُ، إِذْ يَصِيرُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ حَيْثُ قُصِدَ إِنْكَارُ الْحَالِ، وَالْمَقْصُودُ إِنْكَارُ وُقُوعِ ذَاتِ الْكُفْرِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ إِذَا أُنْكِرَ أَنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ حَالٌ يُوجَدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لَا يَنْفَكُّ مِنْ حَالٍ وَصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَمُحَالٌ أَنْ يُوجَدَ تَغَيُّرُ صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ، كَانَ إِنْكَارًا لِوُجُودِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الْبُرْهَانِيِّ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَهَذَا الْخِطَابُ فِيهِ الْتِفَاتٌ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَبْلُ كَانَ بِصُورَةِ الْغَيْبَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ:
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى آخِرِهِ؟ وَفَائِدَةُ هَذَا الِالْتِفَاتِ أَنَّ الْإِنْكَارَ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْمُخَاطَبِ كَانَ أَبْلَغَ مَنْ تُوَجُّهِهِ إِلَى الْغَائِبِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَصِلَهُ الْإِنْكَارُ، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا، فَإِنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ أَرْدَعُ لَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ. والناصب ل كَيْفَ تَكْفُرُونَ. وَأَتَى بِصِيغَةِ تَكْفُرُونَ مُضَارِعًا وَلَمْ يَأْتِ بِهِ مَاضِيًا وَإِنْ كَانَ الْكُفْرُ قَدْ وَقَعَ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الَّذِي أُنْكِرَ أَوْ تُعُجِّبَ مِنْهُ الدَّوَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمُضَارِعُ هُوَ الْمُشْعِرُ بِهِ وَلِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْكُفْرُ ثُمَّ آمَنَ، إِذْ لَوْ جَاءَ كَيْفَ كَفَرْتُمْ بِاللَّهِ لَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ مَنْ كفرتم آمَنَ كَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم. وَالْوَاوُ فِي قوله: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ: وَاوُ الْحَالِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ «1» ، وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ «2» .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ فَكَيْفَ صَحَّ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَهُوَ مَاضٍ؟ وَلَا يُقَالُ: جِئْتُ وقام الأسير، وَلَكِنْ: وَقَدْ قَامَ، إِلَّا أَنْ يُضْمَرَ قَدْ. قُلْتُ: لَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ عَلَى كُنْتُمْ أَمْوَاتًا وَحْدَهُ، وَلَكِنْ عَلَى جُمْلَةِ قَوْلِهِ: كُنْتُمْ أَمْوَاتًا إِلَى تَرْجِعُونَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَقِصَّتُكُمْ هَذِهِ وَحَالُكُمْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا نُطَفًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ فَجَعَلَكُمْ أَحْيَاءً؟ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ؟ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ يُحَاسِبُكُمْ؟ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِضْمَارِ قَدْ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ، أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ. وَالْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ عِنْدَنَا فِعْلِيَّةٌ. وَأَمَّا أَنْ نَتَكَلَّفَ وَنَجْعَلَ تِلْكَ الْجُمْلَةَ اسْمِيَّةً حَتَّى نَفِرَّ مِنْ إِضْمَارِ قَدْ، فَلَا نَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ جميع الجمل مندرجة في الْحَالِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ، بَعْضُ الْقِصَّةِ مَاضٍ وَبَعْضُهَا مُسْتَقْبَلٌ، وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ كِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ حَالًا حَتَّى يَكُونَ فِعْلًا حَاضِرًا وَقْتَ وُجُودِ مَا هُوَ حَالٌ عَنْهُ، فما الحاضر الذي
(1) سورة يوسف: 12/ 45.
(2)
سورة هود: 11/ 42.
وَقَعَ حَالًا؟ قُلْتُ: هُوَ الْعِلْمُ بِالْقِصَّةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ عَالِمُونَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَبِأَوَّلِهَا وَبِآخِرِهَا؟ انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْجُمَلِ مُنْدَرِجَةً فِي الْحَالِ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ قوله: وكنتم أمواتا فأحياكم، وَيَكُونَ الْمَعْنَى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَقَدْ خَلَقَكُمْ فَعَبَّرَ عَنِ الْخَلْقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، وَنَظِيرُهُ
قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»
أَيْ أَنَّ مَنْ أَوْجَدَكَ بَعْدَ العدم الصرف حر أَنْ لَا تَكْفُرَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا نِعْمَةَ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ الِاخْتِرَاعَ، ثُمَّ نِعْمَةِ الِاصْطِنَاعِ، وَقَدْ شَمِلَ النِّعْمَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ لِأَنَّ بِالْإِحْيَاءِ حَصَلَتَا. أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْجُمْلَةُ الْإِيجَادَ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْكَ بِالتَّرْبِيَةِ وَالنِّعَمِ إِلَى زَمَانِ أَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْكَ إِنْكَارُ الْكُفْرِ؟ وَلَمَّا كَانَ مَرْكُوزًا فِي الطِّبَاعِ وَمَخْلُوقًا فِي الْعُقُولِ أَنْ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهَ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «1» ، كَانَتْ حَالًا تَقْتَضِي أَنْ لَا تُجَامِعَ الْكُفْرَ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفِ. أَنَّ الْحَالَ هُوَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ.
وَعَلَى هَذَا الَّذِي شَرَحْنَاهُ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ جُمَلًا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مُسْتَأْنَفَةً لَا دَاخِلَةً تَحْتَ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ غَايَرَ فِيهَا بِحَرْفِ الْعَطْفِ وَبِصِيغَةِ الْفِعْلِ عَمَّا قَبْلَهَا مِنَ الْحَرْفِ وَالصِّيغَةِ. وَمَنْ جَعَلَ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الْجُمَلِ هُوَ الْحَالَ، جَعَلَ تَمَكُّنَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِالْإِحْيَاءِ الثَّانِي وَالرُّجُوعِ لِمَا نُصِبَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الدَّلَائِلِ الَّتِي تُوَصِّلُ إِلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ حُصُولِ الْعِلْمِ. فَحُصُولُهُ بِالْإِمَاتَتَيْنِ وَالْإِحْيَاءِ الْأَوَّلِ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلِمُوا ثُمَّ عَانَدُوا، وَفِي تَرْتِيبِ هَاتَيْنِ الْمَوْتَتَيْنِ وَالْحَيَاتَيْنِ اللَّاتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِهَا أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: الْعَدَمُ السَّابِقُ قَبْلَ الْخَلْقِ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ:
الْخَلْقُ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: الْمَعْهُودُ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَالْحَيَاةَ الثَّانِيَةَ: الْبَعْثُ لِلْقِيَامَةِ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: الْمَعْهُودُ فِي الدُّنْيَا، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ: هُوَ فِي الْقَبْرِ لِلْمَسْأَلَةِ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: فِي الْقَبْرِ بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ، وَالْإِحْيَاءَ الثَّانِيَ:
الْبَعْثُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو صَالِحٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: كَوْنُهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ: الْإِخْرَاجُ مِنْ بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: الْمَعْهُودُ، وَالْإِحْيَاءَ الثَّانِيَ:
الْبَعْثُ، قَالَهُ قَتَادَةُ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: هُوَ الَّذِي اعْتَقَبَ إِخْرَاجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ نَسَمًا كَالذَّرِّ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ: إِخْرَاجُهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: الْمَعْهُودُ، وَالْإِحْيَاءَ: الْبَعْثُ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. الْخَامِسُ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: مُفَارَقَةُ نطفة الرجل إلى
(1) سورة الزخرف: 43/ 9. [.....]
الرَّحِمِ فَهِيَ مَيِّتَةٌ إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فَيُحْيِيهَا بِالنَّفْخِ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: الْمَعْهُودُ، وَالْإِحْيَاءَ الثَّانِيَ: الْبَعْثُ. السَّادِسُ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ هُوَ الْخُمُولُ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ: الذِّكْرُ وَالشَّرَفُ بِهَذَا الدِّينِ وَالنَّبِيِّ الَّذِي جَاءَكُمْ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: الْمَعْهُودُ، وَالْإِحْيَاءَ الثَّانِيَ: الْبَعْثُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. السَّابِعُ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: كَوْنُ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ: نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ فَحَيِيتُمْ بِحَيَاتِهِ، وَالْمَوْتَ الثَّانِيَ: الْمَعْهُودُ، وَالْإِحْيَاءَ الثَّانِيَ: الْبَعْثُ.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَطِيَّةَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَقَالَ: هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ، لِأَنَّهُ لَا مَحِيدَ لِلْكُفَّارِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ فِي أَوَّلِ تَرْتِيبِهِ، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا، وَإِسْنَادَهُ آخِرًا الْإِمَاتَةَ إِلَيْهِ، مِمَّا يُقَوِّي ذَلِكَ الْقَوْلَ، وَإِذَا أَذْعَنَتْ نُفُوسُ الْكُفَّارِ لِكَوْنِهِمْ أَمْوَاتًا مَعْدُومِينَ ثُمَّ لِلْإِحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لِلْإِمَاتَةِ فِيهَا، قَوِيَ عَلَيْهِمْ لُزُومُ الْإِحْيَاءِ الْآخَرِ وَجَاءَ جَحْدُهُمْ لَهُ دَعْوَى لَا حُجَّةَ عَلَيْهَا. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ.
وَلِلْمَنْسُوبِينَ إِلَى عِلْمِ الْحَقَائِقِ أَقْوَالٌ تُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ: أَحَدُهَا: أَمْوَاتًا بِالشِّرْكِ فَأَحْيَاكُمْ بِالتَّوْحِيدِ. الثَّانِي: أَمْوَاتًا بِالْجَهْلِ فَأَحْيَاكُمْ بِالْعِلْمِ. الثَّالِثُ: أَمْوَاتًا بِالِاخْتِلَافِ فَأَحْيَاكُمْ بِالِائْتِلَافِ. الرَّابِعُ: أَمْوَاتًا بِحَيَاةِ نُفُوسِكُمْ وَإِمَاتَتُكُمْ بِإِمَاتَةِ نُفُوسِكُمْ وَإِحْيَاءِ قُلُوبِكُمْ.
الْخَامِسُ: أَمْوَاتًا عَنْهُ فَأَحْيَاكُمْ بِهِ، قَالَهُ الشِّبْلِيُّ. السَّادِسُ: أَمْوَاتًا بِالظَّوَاهِرِ فَأَحْيَاكُمْ بِمُكَاشَفَةِ السَّرَائِرِ، قَالَهُ ابْنُ عَطَاءٍ. السَّابِعُ: أَمْوَاتًا بِشُهُودِكُمْ فَأَحْيَاكُمْ بِمُشَاهَدَتِهِ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عَنْ شَوَاهِدِكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بِقِيَامِ الْحَقِّ عَنْهُ ثم إليه ترجعون من جَمِيعِ مَا لَكُمْ، قَالَهُ فَارِسٌ.
وَاخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ كَوْنُهُمْ نُطَفًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ فَجَعَلَهُمْ أَحْيَاءً، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ، ثُمَّ يُحْيِيهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ يُحَاسِبُهُمْ. وَجَوَّزَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِحْيَاءِ الثَّانِي: الْإِحْيَاءَ فِي الْقَبْرِ، وَبِالرُّجُوعِ: النُّشُورَ، وَأَنْ يُرَادَ بِالْإِحْيَاءِ الثَّانِي أَيْضًا النُّشُورُ، وَبِالرُّجُوعِ: الْمَصِيرُ إِلَى الْجَزَاءِ. وَهَذَا الَّذِي جَوَّزَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِحْيَاءُ فِي الْقَبْرِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَحْيَا لِلْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ، وَلَا لِأَنْ يُنَعَّمَ فِيهِ أَوْ يُعَذَّبَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبَهُ، لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَأَتْبَاعَهُمْ أَنْكَرُوا عَذَابَ الْقَبْرِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةُ أَثْبَتُوهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: يَحْيَا الْمَيِّتُ الْكَافِرُ فَيُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ، وَالْفَاسِقُ يَجُوزُ أَنْ يُعَذَّبَ فِي قَبْرِهِ، وَالْكَرَّامِيَّةُ تَقُولُ: يُعَذَّبُ وَهُوَ مَيِّتٌ. وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ قَدِ اسْتَفَاضَتْ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَاعْتِقَادُهُ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُنْتَخَبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: أَمْوَاتًا أَيْ تُرَابًا وَنُطَفًا، لِأَنَّ ابْتِدَاءَ خَلْقِ آدَمَ
مِنَ التُّرَابِ، وَخُلِقَ سَائِرُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ، إِلَّا عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، مِنَ النُّطَفِ. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْجَمَادِ مَجَازٌ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَنْ يَحُلُّهُ الْمَوْتُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِصِفَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فِي الْعَادَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمَادِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَتَفْسِيرُهُ الْأَمْوَاتَ بِالتُّرَابِ وَالنُّطَفِ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي التُّرَابِ، لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ مِنَ التُّرَابِ لَمْ يَتَّصِفْ بِالصِّفَةِ الَّتِي أُنْكِرَتْ أَوْ تُعُجِّبَ مِنْهَا وَقْتًا قَطُّ، فَكَيْفَ يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِهِ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً؟ وَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّ كَوْنَهُمْ أمواتا، مِنْ وَقْتِ اسْتِقْرَارِهِمْ نُطَفًا فِي الْأَرْحَامِ إِلَى تَمَامِ الْأَطْوَارِ بَعْدَهَا، وَأَنَّ الْحَيَاةَ الْأُولَى نَفْخُ الرُّوحِ بَعْدَ تِلْكَ الْأَطْوَارِ مِنَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَاكْتِسَاءِ الْعِظَامِ لَحْمًا.
وَالْإِمَاتَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الْمَعْهُودَةُ، وَالْإِحْيَاءُ هُوَ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَيَكُونُ الْإِحْيَاءُ الْأَوَّلُ وَالْمَوْتُ الْأَوَّلُ، وَالْإِحْيَاءُ الثَّانِي حَقِيقَةً، وَأَمَّا كَوْنُهُمْ أَمْوَاتًا، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْجَمَادَ يُوصَفُ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةً فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ حَقِيقَةً، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَجَازِ فَهُوَ مَجَازٌ سَائِغٌ قَرِيبٌ، لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَوْجُودٌ، فَقَرُبَ اتِّصَافُهُ بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُهُ مَعْدُومًا وَكَوْنُهُ فِي الصُّلْبِ. أَوْ حِينَ كَانَ آدَمُ طِينًا، فَإِنَّ الْمَجَازَ فِي ذَلِكَ بَعِيدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ عَدَمٌ صِرْفٌ، وَالْعَدَمُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ وُجُودٌ يَبْعُدُ فِيهِ أَنْ يُسَمَّى مَوْتًا، أَلَا تَرَى مَا أَطْلَقَ عليه في اللغة لَفْظُ الْمَوْتِ مِمَّا لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ كَيْفَ يَكُونُ مَوْجُودًا لَا عَدَمًا صِرْفًا؟ وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ «1» ، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ «2» ، إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى «3» ، وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ «4» ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: أَرْضٌ مَوَاتٌ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أن الموت الأول: هو الْخُمُولُ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ: هُوَ التَّنْوِيهُ وَالذِّكْرُ، فَمَجَازٌ بَعِيدٌ هُنَا، لِأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ الْقَرِيبِ كَانَ أَوْلَى.
وَقَدْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ أَكْثَرُ تِلْكَ الْأَقَاوِيلِ يَبْعُدُ فِيهَا التَّعْقِيبُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ:
فَأَحْيَاكُمْ، لِأَنَّ بَيْنَ ذَاكَ الْمَوْتِ وَالْإِحْيَاءِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ تَكُونُ الْفَاءُ دَالَّةً عَلَى مَعْنَاهَا مِنَ التَّعْقِيبِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَوْتَ الْأَوَّلَ: هُوَ الْمَعْهُودُ، وَالْإِحْيَاءَ الْأَوَّلَ هُوَ لِلْمَسْأَلَةِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْمَاضِي قَدْ وضع موضع المستقبل مجاز التحقق وُقُوعِهِ، أَيْ وَتَكُونُونَ أَمْوَاتًا فَيُحْيِيكُمْ، كَقَوْلِهِ: أَتى أَمْرُ اللَّهِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْمٌ عَلَى نَفْيِ عَذَابِ الْقَبْرِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ تَعَالَى مَوْتَتَيْنِ وَحَيَاتَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةً بَيْنَ إِحْيَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَإِحْيَائِهِمْ فِي الآخرة.
(1) سورة يس: 36/ 33.
(2)
سورة فصلت: 41/ 39.
(3)
سورة فصلت: 41/ 39.
(4)
سورة الأنبياء: 21/ 30.
قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ «1» ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ أَثْبَتُوا حَيَاةَ الذَّرِّ فِي صُلْبِ آدَمَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ هَذِهِ الْحَيَاةِ لِلْمَسْأَلَةِ عَدَمُهَا قَبْلُ، وَأَيْضًا، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هُوَ لِلْمَسْأَلَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَعَطَفَ بِثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرَاخِيَ فِي الزَّمَانِ.
وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَاصِلٌ عَقِبَ الْحَيَاةِ الَّتِي لِلْبَعْثِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحَيَاةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ لِلْمَسْأَلَةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ الموت مرتين هذا لِأَكْثَرِ النَّاسِ، وَأَمَّا بَعْضُهُمْ فَقَدْ أَمَاتَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ»
، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ «3» ، فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
«4» ، الْآيَاتِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَدَلِيلٌ عَلَى النَّشْرِ وَالْحَشْرِ. وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَنَّ الْهَاءَ عَائِدَةٌ عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى، لِأَنَّ الضَّمَائِرَ السَّابِقَةَ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ إِلَى جَزَائِهِ مِنْ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ. وَقِيلَ: عَائِدَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ. وَقِيلَ: عَائِدَةٌ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَلَّى اللَّهُ الْحُكْمَ بَيْنَكُمْ فِيهِ. وَقِيلَ:
عَائِدَةٌ عَلَى الْإِحْيَاءِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَأَحْيَاكُمْ. وَشَرْحُ هَذَا أَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ بَعْدَ الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْحَالِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا فِي ابْتِدَاءِ الْحَيَاةِ الْأُولَى، مِنْ كَوْنِكُمْ لَا تَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِكُمْ شَيْئًا. وَاسْتَدَلَّتِ الْمُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى فِي مَكَانٍ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تُرْجَعُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنْ رَجَعَ الْمُتَعَدِّي.
وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ، وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَالْفَيَّاضُ بْنُ غَزْوَانَ، وَسَلَّامٌ، وَيَعْقُوبُ: مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَجَعَ اللَّازِمِ، لِأَنَّ رَجَعَ يَكُونُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا. وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ أَفْصَحُ، لِأَنَّ الْإِسْنَادَ فِي الْأَفْعَالِ السَّابِقَةِ هُوَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، فَكَانَ سِيَاقُ هَذَا الْإِسْنَادِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي الرُّجُوعِ مُسْنَدًا إِلَيْهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يُفَوِّتُ تَنَاسُبَ الْفَوَاصِلِ وَالْمَقَاطِعِ، إِذْ كَانَ يَكُونُ التَّرْتِيبُ:
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ «5» ، فَحُذِفَ الْفَاعِلُ لِلْعِلْمِ بِهِ وَبُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ حَتَّى لَا يَفُوتَ
(1) سورة غافر: 40/ 11.
(2)
سورة البقرة: 2/ 259.
(3)
سورة البقرة: 2/ 243.
(4)
سورة البقرة: 2/ 260.
(5)
سورة الأنعام: 6/ 60.
التَّنَاسُبُ اللَّفْظِيُّ. وَقَدْ حَصَلَ التَّنَاسُبُ الْمَعْنَوِيُّ بِحَذْفِ الْفَاعِلِ، إِذْ هُوَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ. وَأَمَّا قِرَاءَةُ مُجَاهِدٍ، وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَفُوتُ التَّنَاسُبُ الْمَعْنَوِيُّ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ رُجُوعِ الشَّخْصِ إِلَى شَيْءٍ أَنَّ غَيْرَهُ رَجَعَهُ إِلَيْهِ، إِذْ قَدْ يَرْجِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ رَادٍّ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا إِظْهَارُ الْقُدْرَةِ وَالتَّصَرُّفِ التَّامِّ بِنِسْبَةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، وَالْإِحْيَاءِ وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ فَاعِلُ الْأَشْيَاءِ جَمِيعِهَا. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ مِنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ مَا يَزِيدُ الْمُسِيءَ خَشْيَةً وَيَرُدُّهُ عَنْ بَعْضِ مَا يَرْتَكِبُهُ، وَيَزِيدُ الْمُحْسِنَ رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَيَدْعُوهُ رَجَاؤُهُ إِلَى الِازْدِيَادِ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَمُنْكِرِي الْبَعْثِ، إِذْ هُوَ بِيَدِهِ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ وَالْبَعْثُ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا ظَاهِرَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لما ذكر أن مَنْ كَانَ مُنْشِئًا لَكُمْ بَعْدَ الْعَدَمِ وَمُفْنِيًا لَكُمْ بَعْدَ الْوُجُودِ وَمُوجِدًا لَكُمْ ثَانِيَةً، إِمَّا فِي جَنَّةٍ، وَإِمَّا إِلَى نَارٍ، كَانَ جَدِيرًا أَنْ يُعْبَدَ وَلَا يجحد، ويشرك وَلَا يُكْفَرَ. ثُمَّ أَخَذَ يُذَكِّرُهُمْ عَظِيمَ إِحْسَانِهِ وَجَزِيلَ امْتِنَانِهِ مِنْ خَلْقِ جَمِيعِ مَا فِي الْأَرْضِ لَهُمْ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَأَنَّ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالْعَالَمَ السُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ. وَلَفْظَةُ هُوَ مِنَ الْمُضْمَرَاتِ وُضِعَ لِلْمُفْرَدِ الْمُذَكَّرِ الْغَائِبِ، وَهُوَ كُلِّيٌّ فِي الْوَضْعِ كَسَائِرِ الْمُضْمَرَاتِ، جَرَى فِي النِّسْبَةِ الْمَخْصُوصَةِ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ، فَمَا مِنْ مُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ غَائِبٍ إِلَّا وَيَصِحُّ أَنْ يطلق عليه هو، لكن إِذَا أُسْنِدَ لِهَذَا الِاسْمِ شَيْءٌ تَعَيَّنَ. وَمَشْهُورُ لُغَاتِ الْعَرَبِ تَخْفِيفُ الْوَاوِ مَفْتُوحَةً، وَشَدَّدَتْهَا هَمْدَانُ، وَسَكَّنَتْهَا أَسَدٌ وَقَيْسٌ، وَحَذْفُ الْوَاوِ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ. وَلِهَؤُلَاءِ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى عِلْمِ الْحَقَائِقِ وَإِلَى التَّصَوُّفِ كَلَامٌ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَعْقُولِنَا، رَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ هُنَا لِيَقَعَ الذِّكْرُ فِيهِ.
قَالُوا: أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُظْهَرَاتٌ، وَمُضْمَرَاتٌ، وَمُسْتَتِرَاتٌ.
فَالْمُظْهَرَاتُ: أَسْمَاءُ ذَاتٍ، وَأَسْمَاءُ صِفَاتٍ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مُشْتَقَّةٌ، وَأَسْمَاءُ الذَّاتِ مُشْتَقَّةٌ وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَغَيْرُ الْمُشْتَقِّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ، وَالَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، بَلِ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ. وَأَمَّا الْمُضْمَرَاتُ فَأَرْبَعَةٌ: أَنَا فِي مِثْلِ: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا «1» ، وأنت فِي مِثْلِ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ «2» ، وهو فِي مِثْلِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ «3» ، ونحن فِي مِثْلِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ «4» . قَالُوا: فَإِذَا تَقَرَّرَ هذا فالله أعظم
(1) سورة النحل: 16/ 2.
(2)
سورة الأنبياء: 21/ 87.
(3)
سورة البقرة: 2/ 29.
(4)
سورة يوسف: 12/ 3.
أَسْمَائِهِ الْمُظْهَرَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الذَّاتِ، وَلَفْظَةُ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَائِهِ الْمُظْهَرَاتِ وَالْمُضْمَرَاتِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ذَاتِهِ، لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ الْمُشْتَقَّةَ كُلَّهَا لَفْظُهَا متضمن جواز الاشتراك لاجتماعها فِي الْوَصْفِ الْخَاصِّ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ حَقِيقَةً وَالْآخَرُ مَجَازًا مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ينبىء عَنْ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ الْمُبَرَّأَةِ عَنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَثْرَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ. فَلَفْظَةُ هُوَ تُوَصِّلُكَ إِلَى الْحَقِّ وَتَقْطَعُكَ عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنَّكَ لَا بُدَّ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ النَّظَرِ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ النَّظَرُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى الَّذِي يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَهَذَا الِاسْمُ لِأَجْلِ دَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ يَنْقَطِعُ مَعَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا سِوَاهُ، اخْتَارَهُ الْجِلَّةُ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ مَدَارًا لِذِكْرِهِمْ وَمَنَارًا لِكُلِّ أَمْرِهِمْ فَقَالُوا: يَا هُوَ، لِأَنَّ لَفْظَةَ هُوَ إِشَارَةٌ بِعَيْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْضُرَ هُنَاكَ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ، وَالْمُقَرَّبُونَ لَا يَخْطُرُ فِي عُقُولِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ مَوْجُودٌ آخَرُ سِوَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إِشَارَتُهُ، وَهُوَ اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِنْ حَرْفَيْنِ وَهُمَا:
الْهَاءُ وَالْوَاوُ، وَالْهَاءُ أَصْلٌ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِهَا فِي التَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ فِي هُمَا وَهُمْ، وَالْأَصْلُ حَرْفٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الْوَاحِدِ الْفَرْدِ. انْتَهَى مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرْنَاهُ فِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِمَا ذَكَرُوهُ وَمُعْتَقَدًا لِمَا خبروه. وَلَهُمْ فِي لَفْظَةِ أَنَا وَأَنْتَ وَهُوَ كَلَامٌ غَرِيبٌ جِدًّا بَعِيدٌ عَمَّا تَكَلَّمَ عَلَيْهَا بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، وَحَدِيثُ هَؤُلَاءِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى هَذِهِ الْعُلُومِ لَمْ يُفْتَحْ لِي فِيهِ بِبَارِقَةٍ، وَلَا أَلْمَمْتُ فِيهِ إِلَى الْآنِ بِغَادِيَةٍ وَلَا طَارِقَةٍ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُنَوِّرَ بَصَائِرَنَا بِأَنْوَارِ الْهِدَايَةِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا مَسَالِكَ الْغِوَايَةِ، وَأَنْ يُلْهِمَنَا إِلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا اتِّبَاعَ الْأَمْرَيْنِ النَّيِّرَيْنِ: السُّنَّةِ وَالْكِتَابِ.
ولكم: متعلق بخلق، وَاللَّامُ فِيهِ، قِيلَ: لِلسَّبَبِ، أَيْ لِأَجْلِكُمْ وَلِانْتِفَاعِكُمْ، وَقَدَّرَ بَعْضُهُمْ لِاعْتِبَارِكُمْ. وَقِيلَ: لِلتَّمْلِيكِ وَالْإِبَاحَةِ، فَيَكُونُ التَّمْلِيكُ خَاصًّا، وَهُوَ تَمْلِيكُ مَا يَنْتَفِعُ الْخَلْقُ بِهِ وَتَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لِلِاخْتِصَاصِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّمْلِيكِ، وَالْأَحْسَنُ حَمْلُهَا عَلَى السَّبَبِ فَيَكُونُ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ لِأَنَّهُ بِمَا فِي الْأَرْضِ يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ الدِّينِيُّ وَالدُّنْيَوِيُّ. فَالدِّينِيُّ: النَّظَرُ فِيهِ وَفِيمَا فِيهِ مِنْ عَجَائِبِ الصُّنْعِ وَلَطَائِفِ الْخَلْقِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ الصَّانِعِ وَحِكْمَتِهِ وَمِنَ التَّذْكِيرِ بِالْآخِرَةِ وَالْجَزَاءِ، وَأَمَّا الدُّنْيَوِيُّ: فَظَاهِرٌ، وَهُوَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَنْكَحِ وَالْمَرْكَبِ وَالْمَنَاظِرِ الْبَهِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: خَلَقَ لَكُمْ، مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا، وَإِذَا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ اللَّامُ لِغَيْرِ التَّمْلِيكِ وَالْإِبَاحَةِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْحَظْرِ، فَلَا يُقْدَمُ
عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِإِذْنٍ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الوقف لنا تَعَارَضَ عِنْدَهُمْ دَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ، وَدَلِيلُ الْقَائِلِينَ بِالْحَظْرِ قَالُوا بِالْوَقْفِ. وَحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ عَنِ ابْنِ الصَّائِغِ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَخْلُ الْعَقْلُ قَطُّ مِنَ السَّمْعِ، فَلَا نَازِلَةٌ إِلَّا وَفِيهَا سَمْعٌ، أَوْ لَهَا تَعَلُّقٌ بِهِ أَثَرٌ لَهَا حَالٌ تُسْتَصْحَبُ، وَإِذَا جَعَلْنَا اللَّامَ لِلسَّبَبِ، فَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ فَعَلَ شَيْئًا لِسَبَبٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا فَعَلَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَفَعَلَهُ لَسَبَبٍ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ السَّبَبِ وَانْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ: مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، جَمِيعُ مَا كَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَقَرًّا لَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ وَالْجِبَالِ، وَجَمِيعُ مَا كَانَ بِوَاسِطَةٍ مِنَ الْحِرَفِ وَالْأُمُورِ الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِ الطِّينِ، قَالَ: لِأَنَّهُ خَلَقَ لَنَا مَا فِي الْأَرْضِ دُونَ نَفْسِ الْأَرْضِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الِامْتِنَانِ بِجَعْلِ الْأَرْضِ لَنَا فِرَاشًا، وَهُنَا امْتَنَّ بِخَلْقِ مَا فِيهَا لَنَا وَانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَخْلُوقِ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّ لَفْظَةَ مَا فِي الْأَرْضِ عَامٌّ، وَمَعْنَى جَمِيعًا الْعُمُومُ. فَهُوَ مُرَادِفٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِلَفْظَةِ كُلُّ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا فِي الْأَرْضِ كُلُّهُ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي الزَّمَانِ، وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ مَعًا وَجَمِيعًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَعَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: مَا فِي الْأَرْضِ، الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا، فَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً «1» ، فَانْتَظَمَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا خَلَقَ اللَّهِ ذَلِكَ لَنَا.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنْ أَرَادَ بِالْأَرْضِ الْجِهَاتِ السُّفْلِيَّةَ دُونَ الْغَبْرَاءِ، كَمَا تُذْكَرُ السَّمَاءُ، وَيُرَادُ بِهَا الْجِهَاتُ الْعُلْوِيَّةُ، جَازَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْغَبْرَاءَ وَمَا فِيهَا وَاقِعَةٌ فِي الْجِهَاتِ السُّفْلِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَنْسُوبِينَ لِلْحَقَائِقِ: خَلَقَ لَكُمْ لِيَعُدَّ نِعَمَهُ عَلَيْكُمْ، فَتَقْتَضِي الشُّكْرَ مِنْ نَفْسِكَ لِتَطْلُبَ الْمَزِيدَ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَهَبَ لَكَ الْكُلَّ وَسَخَّرَهُ لَكَ لِتَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى سِعَةِ جُودِهِ وَتَسْكُنَ إِلَى مَا ضَمِنَهُ لَكَ مِنْ جَزِيلِ الْعَطَاءِ فِي الْمَعَادِ، وَلَا تَسْتَكْثِرَ كَثِيرَ بِرِّهِ عَلَى قَلِيلِ عَمَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدِ ابْتَدَأَكَ بِعَظِيمِ النِّعَمِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَقَبْلَ التَّوْحِيدِ. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: خَلَقَ لَكُمْ لِيَكُونَ الْكَوْنُ كُلُّهُ لَكَ وَتَكُونَ لِلَّهِ فَلَا تَشْتَغِلْ بِمَا لَكَ عَمَّا أَنْتَ لَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ: أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِهَا، فَإِنَّ الْخَلْقَ عَبَدَةُ النِّعَمِ لِاسْتِيلَاءِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ ظَهَرَ لِلْحَضْرَةِ أَسْقَطَ عَنْهُ الْمُنْعِمُ رُؤْيَةَ النِّعَمِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: أَعْلَى مَقَامَاتِ أَهْلِ الْحَقَائِقِ الِانْقِطَاعُ عَنِ العلائق ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ: وَالْعَطْفُ بِثُمَّ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ فِي الزَّمَانِ، وَلَا زَمَانَ إِذْ ذَاكَ، فَقِيلَ: أَشَارَ بِثُمَّ إِلَى التَّفَاوُتِ الْحَاصِلِ بَيْنَ خَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ في القدر، وقيل:
(1) سورة البقرة: 2/ 22. [.....]
لَمَّا كَانَ بَيْنَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ أَعْمَالٌ مِنْ جَعْلِ الرَّوَاسِي وَالْبَرَكَةِ فِيهَا وَتَقْدِيرِ الْأَقْوَاتِ عَطَفَ بِثُمَّ، إِذْ بَيْنَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَالِاسْتِوَاءِ تَرَاخٍ يَدُلُّ عَلَى ذلك: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ «1» ، الْآيَةَ. اسْتَوَى أَهْلُ الْحِجَازِ عَلَى الْفَتْحِ، ونجد على الإمالة.
وقرىء فِي السَّبْعَةِ بِهِمَا، وَفِي الِاسْتِوَاءِ هُنَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَقْبَلَ وَعَمَدَ إِلَى خَلْقِهَا وَقَصَدَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيدَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ خَلْقَ شَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: اسْتَوَى إِلَيْهِ كَالسَّهْمِ الْمُرْسَلِ، إِذَا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عَلَى شَيْءٍ، قَالَ مَعْنَاهُ الْفَرَّاءُ، وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبَيَّنَ مَا الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنْهُ. الثَّانِي: عَلَا وَارْتَفَعَ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَحْدِيدٍ، قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالتَّقْدِيرُ: عَلَا أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى عَلَى، أَيِ اسْتَوَى عَلَى السَّمَاءِ، أَيْ تَفَرَّدَ بِمِلْكِهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا كَالْأَرْضِ مِلْكًا لِخَلْقِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فلما علونا واستوينا عَلَيْهِمُ
…
تَرَكْنَاهُمْ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرِ
وَمَعْنَى هَذَا الِاسْتِيلَاءِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ
…
مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ
الرَّابِعُ: أَنَّ الْمَعْنَى تَحَوَّلَ أَمْرُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَاسْتَقَرَّ فِيهَا، وَالِاسْتِوَاءُ هُوَ الِاسْتِقْرَارُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ ثُمَّ اسْتَوَى أَمْرُهُ إِلَى السَّمَاءِ، أَيِ اسْتَقَرَّ لِأَنَّ أَوَامِرَهُ وَقَضَايَاهُ تَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْمَعْنَى اسْتَوَى بِخَلْقِهِ وَاخْتِرَاعِهِ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَهُ ابْنُ كَيْسَانَ، ويؤول الْمَعْنَى إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. السَّادِسُ:
أَنَّ الْمَعْنَى كَمُلَ صُنْعُهُ فِيهَا، كَمَا تَقُولُ: اسْتَوَى الْأَمْرُ، وَهَذَا يَنْبُو اللَّفْظُ عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
السَّابِعُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي اسْتَوَى عَائِدٌ عَلَى الدُّخَانِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «2» ، وَاخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَعَوْدُهُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَلَا يُفَسِّرُهُ سِيَاقُ الْكَلَامِ.
وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ كُلُّهَا فِرَارٌ عَمَّا تَقَرَّرَ فِي الْعُقُولِ مِنْ أَنَّ الله تعالى يستحيل أن يَتَّصِفَ بِالِانْتِقَالِ الْمَعْهُودِ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَحِلَّ فِيهِ حَادِثٌ أَوْ يَحِلَّ هُوَ فِي حَادِثٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الِاسْتِوَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَعْنَى التَّسْوِيَةِ: تعديل خلقهن وتقويمه وإحلاؤه مِنَ الْعِوَجِ وَالْفُطُورِ، أَوْ إِتْمَامُ خَلْقِهِنَّ وَتَكْمِيلُهُ مِنْ قولهم: درهم
(1) سورة فصلت: 41/ 9.
(2)
سورة فصلت: 41/ 11.
سَوَاءٌ، أَيْ وَازِنٌ كَامِلٌ تَامٌّ، أَوْ جَعْلُهُنَّ سَوَاءً مِنْ قَوْلِهِ: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ «1» أَوْ تَسْوِيَةُ سُطُوحِهَا بِالْإِمْلَاسِ. وَالضَّمِيرُ فِي فَسَوَّاهُنَّ عَائِدٌ عَلَى السَّمَاءِ عَلَى أَنَّهَا جَمْعُ سَمَاوَةٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيَصْدُقُ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْجَمْعِ، وَيَكُونُ مُرَادًا بِهِ هُنَا الْجَمْعُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَالضَّمِيرُ فِي فَسَوَّاهُنَّ ضمير مبهم. وسَبْعَ سَماواتٍ تَفْسِيرُهُ كَقَوْلِهِمْ: رُبَّهُ رَجُلًا، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّ هَذَا الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِهِ، فَهُوَ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ مُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ. وَهَذَا الَّذِي يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ: مِنْهُ مَا يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ، وَهُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوِ الْقِصَّةِ، وَشَرْطُهَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يُصَرَّحَ بِجُزْأَيْهَا، وَمِنْهُ مَا يُفَسَّرُ بِمُفْرِدٍ، أَيْ غَيْرِ جُمْلَةٍ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ بِنِعْمَ وَبِئْسَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا. وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِرُبَّ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ بِأَوَّلِ الْمُتَنَازِعَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْعُولُ خَبَرُهُ مُفَسِّرًا لَهُ، وَالضَّمِيرُ الَّذِي أبدل منه مفسره في إِثْبَاتِ هَذَا الْقِسْمِ الْأَخِيرِ خِلَافٌ، وَذَلِكَ نَحْوَ: ضَرَبْتُهُمْ قَوْمُكَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الضَّمَائِرِ الَّتِي سَرَدْنَاهَا، إِلَّا أَنْ تَخَيَّلَ فِيهِ أن يكون سبع سموات بَدَلًا مِنْهُ وَمُفَسِّرًا لَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَشْبِيهُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ بِرُبَّهُ رَجُلًا، وَأَنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ لَيْسَ عَائِدًا عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ، لَكِنَّ هَذَا يُضَعَّفُ بِكَوْنِ هَذَا التَّقْدِيرِ يَجْعَلُهُ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِمَا قَبْلَهُ ارْتِبَاطًا كُلِّيًّا، إِذْ يَكُونُ الْكَلَامُ قَدْ تَضَمَّنُ أَنَّهُ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ سوى سبع سموات عَقِيبَ اسْتِوَائِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِإِخْبَارَيْنِ:
أَحَدُهُمَا اسْتِوَاؤُهُ إِلَى السَّمَاءِ والآخر: تسويته سبع سموات.
وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّ الَّذِي اسْتَوَى إِلَيْهِ هُوَ بِعَيْنِهِ المستوي سبع سموات. وَقَدْ أَعْرَبَ بَعْضُهُمْ سَبْعَ سموات بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَهُوَ إِعْرَابٌ صَحِيحٌ، نَحْوَ: أَخُوكَ مَرَرْتُ بِهِ زَيْدٌ، وَأَجَازُوا فِي سبع سموات أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَسَوَّى منهن سبع سموات، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. أَمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَإِنَّ سَوَّى لَيْسَ مِنْ بَابِ اخْتَارَ، فَيَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ مِنْهُ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلِأَنَّهُ يدل على أن السموات كَثِيرَةٌ، فَسَوَّى مِنْهُنَّ سَبْعًا، وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، إِذِ المعلوم أن السموات سَبْعٌ. وَأَجَازُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثَانِيًا لِسَوَّى، وَيَكُونُ مَعْنَى سَوَّى: صَيَّرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّ تَعَدِّي سَوَّى لِوَاحِدٍ هُوَ الْمَعْلُومُ فِي اللُّغَةِ، فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ «2» ، قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ «3» . وَأَمَّا جَعْلُهَا
(1) سورة الشعراء: 26/ 98.
(2)
سورة الانفطار: 82/ 7.
(3)
سورة القيامة: 75/ 4.
بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ. وَأَجَازُوا أَيْضًا النَّصْبَ عَلَى الْحَالِ، فَتَلَخَّصَ فِي نصب سموات أَوْجُهُ الْبَدَلِ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ، وَمَفْعُولٌ ثَانٍ، وَحَالٌ، وَالْمُخْتَارُ الْبَدَلُ بِاعْتِبَارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْحَالُ، وَيَتَرَجَّحُ الْبَدَلُ بِعَدَمِ الِاشْتِقَاقِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَيِّهِمَا خُلِقَ قَبْلُ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: السَّمَاءُ خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَرْضُ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَكُلٌّ تَعَلَّقَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِظَوَاهِرِ آيَاتٍ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ خَلْقَ مَا فِي الْأَرْضِ لَنَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى تَسْوِيَةِ السَّمَاءِ سَبْعًا لَا غَيْرُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ جِرْمَ الْأَرْضِ خُلِقَ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَخُلِقَتِ السَّمَاءُ بَعْدَهَا، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ خلق السماء، وبهذا يحصل الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ بعضهم: وإنما خلق السموات سَبْعًا، لِأَنَّ السَّبْعَةَ وَالسَبْعِينَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَضَاعِيفِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، كَأَنَّهُ ضُوعِفَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ يُبَالِغُوا بِالسَّبْعَةِ وَالسَبْعِينَ مِنَ الْعَدَدِ، لِمَا فِي ذِكْرِهَا مِنْ دَلِيلِ الْمُضَاعَفَةِ. قَالَ تَعَالَى: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً «1» ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً «2» ، وَالسَّبْعَةُ تُذْكَرُ فِي جَلَائِلِ الْأُمُورِ: الأيام سبعة، والسموات سبع، والأرض سَبْعٌ، وَالنُّجُومُ الَّتِي هِيَ أَعْلَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا سَبْعَةٌ: زُحَلُ، وَالْمُشْتَرَى، وَعُطَارِدُ، وَالْمِرِّيخُ، وَالزُّهْرَةُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَالْبِحَارُ سبعة، وأبواب جهنم سبعة. وَتَسْكِينُ الْهَاءِ فِي هُوَ وَهِيَ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ وَاللَّامِ وَثُمَّ جَائِزٌ، وَقَلَّ بَعْدَ كَافِ الْجَرِّ وَهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَنَدُرَ بَعْدَ لَكِنْ، فِي قِرَاءَةِ أَبِي حَمْدُونَ، لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي، وَهُوَ تَشْبِيهٌ بِتَسْكِينِ سَبْعٍ وَكَرْشٍ، شُبِّهَ الْكَلِمَتَانِ بِالْكَلِمَةِ. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
: وَقَرَأَ بِتَسْكِينِ وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَقَالُونُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْهَاءِ عَلَى الْأَصْلِ. وَوَقَفَ يَعْقُوبُ عَلَى وَهُوَ بِالْهَاءِ نَحْوَ: وَهْوَهْ بِكُلِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: عَلِيمٌ، وَكَانَ الْقِيَاسُ التَّعَدِّي بِاللَّامِ حَالَةَ التَّقْدِيمِ، أَوْ بِنَفْسِهِ. وَأَمَّا حَالَةُ التَّأْخِيرِ فَبِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَمْثِلَةِ الْخَمْسَةِ الَّتِي لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَدْ حَدَثَ فِيهَا بِسَبَبِ الْمُبَالَغَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا لَيْسَ فِي فِعْلِهَا وَلَا فِي اسْمِ الْفَاعِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمَبْنِيَّ لِلْمُبَالَغَةِ الْمُتَعَدِّيَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِحَرْفِ جَرٍّ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفِ جَرٍّ تَعَدَّى الْمِثَالُ بِحَرْفِ الْجَرِّ نَحْوَ: زَيْدٌ صَبُورٌ عَلَى الْأَذَى زَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ صَبَرَ يَتَعَدَّى بِعَلَى، وَزَهَدَ يَتَعَدَّى بِفِي، وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يُفْهِمُ عِلْمًا وَجَهْلًا، أَوْ لَا. إِنْ كَانَ مِمَّا يُفْهِمُ عِلْمًا أَوْ جَهْلًا تَعَدَّى الْمِثَالُ بِالْبَاءِ نَحْوَ: زَيْدٌ عَلِيمٌ بِكَذَا، وَجَهُولٌ بِكَذَا، وَخَبِيرٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفْهِمُ عِلْمًا ولا جهلا
(1) سورة الحاقة: 69/ 32.
(2)
سورة التوبة: 9/ 80.
فَيَتَعَدَّى بِاللَّامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ «1» وَفِي تَعَدِّيهَا لِمَا بَعْدَهَا بِغَيْرِ الْحَرْفِ وَنَصْبِهَا لَهُ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ، وَإِنَّمَا خَالَفَتْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةُ الَّتِي لِلْمُبَالَغَةِ أَفْعَالَهَا الْمُتَعَدِّيَةَ بِنَفْسِهَا، لِأَنَّهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الْمُبَالَغَةِ أَشْبَهَتْ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ حُكْمُهُ هَكَذَا.
قَالَ تَعَالَى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ «2» ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَعْطَى لِفَارِهَةٍ حُلْوٌ مَرَاتِعُهَا وَقَالَ:
أَكِرُّ وَأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ فَإِنْ جَاءَ بَعْدَهُ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ «3» ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ الْقَوَانِسَا أُوِّلَ بِأَنَّهُ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ.
شَيْءٍ: قَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي مَدْلُولِ شَيْءٍ. فَمَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ كَانَ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِهِمَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ظَاهِرًا، وَمَنْ خَصَّهُ بِالْمَوْجُودِ فَقَطْ كَانَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعَالَى بِالْمَعْدُومِ مُسْتَفَادًا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ. عَلِيمٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَقَدْ وَصَفَ تَعَالَى نَفْسَهُ بِعَالِمٍ وَعَلِيمٍ وَعَلَّامٍ، وَهَذَانِ لِلْمُبَالَغَةِ. وَقَدْ أَدْخَلَتِ الْعَرَبُ الْهَاءَ لِتَأْكِيدِ الْمُبَالَغَةِ فِي عَلَّامَةٍ، وَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِهِ تَعَالَى. وَالْمُبَالَغَةُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَكْرِيرِ وُقُوعِ الْوَصْفِ سَوَاءٌ اتَّحَدَ مُتَعَلِّقُهُ أَمْ تَكَثَّرَ، وَإِمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَكْثِيرِ الْمُتَعَلِّقِ لَا تَكْثِيرِ الْوَصْفِ. وَمِنْ هَذَا الثَّانِي الْمُبَالَغَةُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا تَكْثِيرَ فِيهِ، فَلَمَّا تَعَلَّقَ عِلْمُهُ تَعَالَى بِالْجَمِيعِ كُلِّيِّهِ وَجُزْئِيِّهِ دَقِيقِهِ، وَجَلِيلِهِ مَعْدُومِهِ وَمَوْجُودِهِ، وَصَفَ نَفْسَهَ تَعَالَى بِالصِّفَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَنَاسَبَ مَقْطَعَ هَذِهِ الْآيَةِ بِالْوَصْفِ بِمُبَالَغَةِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنِ الْعِلْمِ الْكَامِلِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْعَلِيمُ مَنْ كَانَ عِلْمُهُ مِنْ ذَاتِهِ، وَالْعَالِمُ مَنْ كَانَ عِلْمُهُ مُتَعَدِّيًا مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ نفسه بالعالم، ولم
(1) سورة هود: 11/ 107.
(2)
سورة الإسراء: 17/ 54.
(3)
سورة الأنعام: 6/ 117.