المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 96] - البحر المحيط في التفسير - ط الفكر - جـ ١

[أبو حيان الأندلسي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الناشر

- ‌منهج التفسير:

- ‌عمل دار الفكر

- ‌[خطبة الكتاب]

- ‌سورة الفاتحة 1

- ‌[سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7]

- ‌سورة البقرة 2

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 6 الى 7]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 10]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 11 الى 16]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 19]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 20]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 25]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 29]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 33]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 34]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 35]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 36 الى 39]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 40 الى 43]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 44 الى 46]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 47 الى 49]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 50 الى 53]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 54 الى 57]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 61]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 62 الى 66]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 74]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 82]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 83 الى 86]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 96]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 103]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 104 الى 113]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 123]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 124 الى 131]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 132 الى 141]

الفصل: ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 96]

وَالْحِجَارَةُ. وَإِذَا كَانَ التَّخْفِيفُ قَدْ نُفِيَ، فَالرَّفْعُ أَوْلَى. وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؟.

[سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 96]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)

ص: 476

قَفَوْتُ الْأَثَرَ: اتَّبَعْتُهُ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَجِيءَ الْإِنْسَانُ تَابِعًا لِقَفَا الَّذِي اتَّبَعَهُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتَّى صَارَ لِمُطْلَقِ الِاتِّبَاعِ، وَإِنْ بَعُدَ زَمَانُ الْمَتْبُوعِ مِنْ زَمَانِ التَّابِعِ. وَقَالَ أُمَيَّةُ:

قَالَتْ لِأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ

وَكَيْفَ تَقْفُو وَلَا سَهْلٌ وَلَا جَدَدُ

الرُّسُلُ: جَمْعُ رَسُولٍ، وَلَا يَنْقَاسُ فُعُلٌ فِي فَعَوْلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. وَتَسْكِينُ عَيْنِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالتَّحْرِيكُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ. عِيسَى: اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ عَلَمٌ لَا يُصْرَفُ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ، وَوَزْنُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: فِعْلَى، وَالْيَاءُ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِبَنَاتِ الْأَرْبَعَةِ، بِمَنْزِلَةِ يَاءِ مِعْزَى، يَعْنِي بِالْيَاءِ الْأَلِفَ، سَمَّاهَا يَاءً لِكِتَابَتِهِمْ إِيَّاهَا يَاءً. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ، كَالَّتِي فِي ذِكْرَى، بِدَلَالَةِ صَرْفِهِمْ لَهُ فِي النَّكِرَةِ. وَذَهَبَ الحافظ أبو عمر، وعثمان بْنُ سَعِيدٍ الدَّانِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي الْقِرَاءَاتِ، وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الصَّيْرَفِيُّ وَغَيْرُهُ، إِلَى أَنَّ وَزْنَهُ فِعْلَلٌ، وَرَدَّ ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ البَاذَشِ بِأَنَّ الْيَاءَ وَالْوَاوَ لَا يَكُونَانِ أصلا في بنات الأربعة. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ أَعْجَمِيَّةٌ، وَكُلُّ أَعْجَمِيٍّ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ، فَالنَّحْوِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي التَّصْرِيفِ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ فِي الْعَرَبِيِّ، فَعِيسَى مِنْ هَذَا الْبَابِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَيْسِ: وَهُوَ بَيَاضٌ يُخَالِطُهُ شُقْرَةٌ، فَغَيْرُ مُصِيبٍ، لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ الْعَرَبِيَّ لَا يَدْخُلُ الْأَسْمَاءَ الْأَعْجَمِيَّةَ. مَرْيَمُ، بِاللِّسَانِ السِّرْيَانِيِّ، مَعْنَاهُ: الْخَادِمُ، وَسُمِّيَتْ بِهِ أُمُّ عِيسَى، فَصَارَ عَلَمًا، فَامْتَنَعَ الصَّرْفُ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ.

وَمَرْيَمُ، بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ: مِنَ النِّسَاءِ، كَالزِّيرِ: مِنَ الرِّجَالِ، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ وَالزِّيرُ: الَّذِي يُكْثِرُ خِلْطَةَ النِّسَاءِ وَزِيَارَتَهُنَّ، وَالْيَاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ، كَالرِّيحِ، إِذْ هُمَا مِنَ الزَّوْرِ وَالرُّوحِ، فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَانَيْنِ. وَوَزْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعَلٌ، لِأَنَّ فَعْيَلًا، بِفَتْحِ الْفَاءِ، لَمْ يَثْبُتْ فِي الْأَبْنِيَةِ، كَمَا ثَبَتَ نَحْوُ: عَثْيَرٍ وَعَلْبَبٍ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ أَثْبَتَ بَعْضُ النَّاسِ فَعْيَلًا، وَجَعَلَ مِنْهُ: ضَهْيَدًا، اسْمُ مَوْضِعٍ، وَمَدْيَنَ، إِذَا جَعَلْنَا مِيمَهُ أَصْلِيَّةً، وَضَهْيَاءَ مَقْصُورَةً مَصْرُوفَةً، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تَحِيضُ، وَقِيلَ: الَّتِي لَا ثَدْيَ لَهَا. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: ضَهْيَاةٌ وَضَهْيَاءَةٌ، بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ. قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ ضَأْهَأَتْ: أَيْ شَابَهَتْ، لِأَنَّهَا أَشْبَهَتِ الرَّجُلَ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: أَمَّا ضَهْيَدٌ وَعَثْيَرٌ فَمَصْنُوعَانِ، فَلَا يُجْعَلَانِ دَلِيلًا عَلَى إِثْبَاتِ فَعْيَلٍ. انْتَهَى. وَصِحَّةُ حَرْفِ الْعِلَّةِ فِي مَرْيَمَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ نَحْوُ: مَزْيَدٍ. الْبَيِّنُ: الْوَاضِحُ، بَانَ: وَضَحَ وَظَهَرَ. أَيَّدَ: فعل

ص: 477

تأييد، أَوْ أَيَّدَ: أَفْعَلَ إِئْيَادًا، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْأَيْدِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ. وَقَدْ أَبْدَلُوا فِي أَفْعَلَ مِنْ يَائِهِ جِيمًا، قَالُوا: أَجَدُّ، أَيْ قَوِيٌّ، كَمَا أَبْدَلُوا يَاءَ يَدٍ، قَالُوا: لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ جَدَى الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وَهُوَ إِبْدَالٌ لَا يطرد. والأصل في آية أءية، وَصُحِّحَتِ الْعَيْنُ كَمَا صُحِّحَتْ فِي أَغْيَلَتْ، وَهُوَ تَصْحِيحٌ شَاذٌّ إِلَّا فِي فِعْلِ التَّعَجُّبِ، فَتَقُولُ: مَا أَبْيَنَ! وَمَا أَطْوَلَ! وَرَآهُ أَبُو زَيْدٍ مَقِيسًا، وَلَوْ أُعِلَّ عَلَى حَدِّ أُقِّتَتْ وَأُحِّدَتْ، فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْعَيْنِ عَلَى الْفَاءِ، وَحُذِفَتِ الْعَيْنُ، لَوَجَبَ أَنْ تَنْقَلِبَ الْفَاءُ وَاوًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، كَمَا انْقَلَبَتْ فِي أَوَادِمَ جَمْعُ آدَمَ عَلَى أَفَاعِلَ، ثُمَّ تَنْقَلِبُ الْوَاوُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. فَلَمَّا أَدَّى الْقِيَاسُ إِلَى إِعْلَالِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ، رُفِضَ وَصُحِّحَتِ الْعَيْنُ. الرُّوحُ، مِنَ الْحَيَوَانِ: اسْمٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْحَيَاةُ، قَالَهُ الرَّاغِبُ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَفِي النَّفْسِ، أَهُمَا مِنَ الْمُشْتَرَكِ أَمْ مِنَ الْمُتَبَايِنِ؟

وَفِي مَاهِيَّةِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ، وقد صنف في ذلك. الْقُدُسُ: الطَّهَارَةُ، وَقِيلَ: الْبَرَكَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُقَدِّسُ لَكَ «1» ، الرَّسُولُ، فَعُولٌ بِمَعْنَى: الْمَفْعُولِ، أَيِ الْمُرْسَلُ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ: الْحَلُوبُ، وَالرَّكُوبُ، بِمَعْنَى: الْمَحْلُوبِ وَالْمَرْكُوبِ. تَهْوَى: تُحِبُّ وَتَخْتَارُ، مَاضِيهِ عَلَى فَعِلَ، وَمَصْدَرُهُ الْهَوَى. غُلْفٌ: جَمْعُ أَغْلَفَ، كَأَحْمَرَ وَحُمْرٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَفْقَهُ، أَوْ جَمْعُ غِلَافٍ، وَهُوَ الْغِشَاءُ، فَيَكُونُ أَصْلُهُ التَّثْقِيلَ، فَخُفِّفَ. اللَّعْنُ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، يُقَالُ: شَأْوٌ لَعِينٌ، أَيْ بَعِيدٌ، وَقَالَ الشَّمَّاخُ:

ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ

مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ

الْمَعْرِفَةُ: الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُفْرَدَاتِ، وَيَسْبِقُهُ الْجَهْلُ، بِخِلَافِ أَصْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّسَبِ، وَقَدْ لَا يَسْبِقُهُ الْجَهْلُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُوصَفِ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَعْرِفَةِ، وَوُصِفَ بِالْعِلْمِ.

بِئْسَ: فِعْلٌ جُعِلَ لِلذَّمِّ، وَأَصْلُهُ فَعِلَ، وَلَهُ وَلِنِعْمَ بَابٌ مَعْقُودٌ فِي النَّحْوِ. الْبَغْيُ: الظُّلْمُ، وَأَصْلُهُ الْفَسَادُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَغَى الْجُرْحُ: فَسَدَ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ شِدَّةُ الطَّلَبِ، وَمِنْهُ مَا نَبْغِي، وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:

أَنْشَدَ وَالْبَاغِي يُحِبُّ الْوِجْدَانْ

قَلَائِصًا مُخْتَلِفَاتِ الْأَلْوَانْ

وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الزَّانِيَةُ بَغِيًّا، لِشِدَّةِ طَلَبِهَا لِلزِّنَا، الْإِهَانَةُ: الْإِذْلَالُ، وَهَانَ هَوَانًا: لَمْ يُحْفَلْ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى الذُّلِّ، وَهُوَ كَوْنُ الْإِنْسَانِ لَا يُؤْبَهُ بِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. وَرَاءَ، مِنَ الظُّرُوفِ الْمُتَوَسِّطَةِ التَّصَرُّفِ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى: قُدَّامَ، وَبِمَعْنَى: خَلْفَ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فيه. الخالص:

(1) سورة البقرة: 2/ 30.

ص: 478

الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ، يُقَالُ: خَلَصَ يَخْلُصُ خُلُوصًا. تَمَنَّى: تَفَعَّلَ مِنَ الْمُنْيَةِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُشْتَهَى، وَقَدْ يَكُونُ الْمُتَمَنَّى بِاللِّسَانِ بِمَعْنَى: التِّلَاوَةِ، وَمِنْهُ: تَمَنَّى عَلَى زَيْدٍ مِنْهُ حَاجَةً، وَجَدَ: مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْإِصَابَةِ وَالْعِلْمِ وَالْغِنَى وَالْحَرَجِ، وَيَخْتَلِفُ بِالْمَصَادِرِ: كَالْوِجْدَانِ وَالْوَجْدِ وَالْمَوْجِدَةِ. الْحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ. الْوِدُّ: الْمَحَبَّةُ لِلشَّيْءِ وَالْإِيثَارُ لَهُ، وَفِعْلُهُ: وَدَّ وَهُوَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَلُ، وَحَكَى الْكِسَائِيُّ: وَدِدْتُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ كَسْرُ الْوَاوِ، إِذْ يَكُونُ فَعِلَ يَفْعَلُ، وَفَكُّ الْإِدْغَامِ فِي قَوْلِهِ:

مَا فِي قُلُوبِهِمْ لَنَا مِنْ مَوَدَّةٍ ضَرُورَةٌ. عَمَّرَ: التَّضْعِيفُ فِيهِ لِلنَّقْلِ، إِذْ هُوَ مِنْ عَمَّرَ الرَّجُلُ: أَيْ طَالَ عُمْرُهُ، وَعَمَّرَهُ اللَّهُ: أَطَالَ عُمْرَهُ، وَالْعُمْرُ: مُدَّةُ الْبَقَاءِ. الْأَلْفُ: عَشْرٌ مِنَ الْمِئِينَ، وَقَدْ يُتَجَاوَزُ فِيهِ فَيَدُلُّ عَلَى الشَّيْءِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ مِنَ الْأُلْفَةِ، إِذْ هُوَ مَا لَفَّ أَنْوَاعَ الْأَعْدَادِ، إِذِ الْعَشَرَاتُ مَا لَفَّ الْآحَادَ، وَالْمِئُونَ مَا لَفَّ الْعَشَرَاتِ، وَالْأَلْفُ مَا لَفَّ الْمِئِينَ. الزَّحْزَحَةُ: الْإِزَالَةُ وَالتَّنْحِيَةُ عَنِ الْمَقَرِّ.

بَصِيرٌ: فَعِيلٌ مِنْ بَصُرَ بِهِ إِذَا رَآهُ، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ، ثُمَّ يَتَجَوَّزُ بِهِ فَيُطْلَقُ عَلَى بَصَرِ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْعِلْمُ. بَصِيرٌ بِكَذَا: أَيْ عَالِمٌ بِهِ.

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ اللَّامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ، وَأَنْ تَكُونَ جَوَابَ قَسَمٍ. وَمُنَاسَبَةُ هَذَا لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ إِيتَاءَ مُوسَى الْكِتَابَ هُوَ نِعْمَةٌ لَهُمْ، إِذْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ وَشَرَائِعُهُمْ. ثُمَّ قَابَلُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالْكُفْرَانِ، وَذَلِكَ جَرَى عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ عَادَتِهِمْ، إِذْ قَدْ أُمِرُوا بِأَشْيَاءَ وَنُهُوا عَنْ أَشْيَاءَ، فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ، فَنَاسَبَ ذِكْرُ هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَبْلَهَا. وَالْإِيتَاءُ: الْإِعْطَاءُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ: الْإِنْزَالُ، لِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ آتَيْنَاهُ: أَفْهَمْنَاهُ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَنْبَاءِ وَالْقَصَصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ، فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ آتَيْنَا مُوسَى عِلْمَ الْكِتَابِ، أَوْ فَهْمَ الْكِتَابِ.

وَمُوسَى: هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْكِتَابُ هُنَا:

التَّوْرَاةُ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، إِذْ قُرِنَ بِمُوسَى وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَآتَيْنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ عِنْدَ السُّهَيْلِيِّ، وَمُوسَى هُوَ الثَّانِي عِنْدَهُ.

وَقَفَّيْنا: هَذِهِ الْيَاءُ أَصْلُهَا الْوَاوُ، إِلَّا أَنَّهَا مَتَى وَقَعَتْ رَابِعَةً أُبْدِلَتْ يَاءً، كَمَا تَقُولُ:

غَزَيْتُ مِنَ الْغَزْوِ. وَالتَّضْعِيفُ الَّذِي فِي قَفَّيْنَا لَيْسَ لِلتَّعْدِيَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ لِلتَّعْدِيَةِ لَكَانَ يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، لِأَنَّ قَفَوْتَ يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ. تَقُولُ: قَفَوْتُ زَيْدًا، أَيْ تَبِعْتُهُ، فَلَوْ جَاءَ عَلَى

ص: 479

التَّعْدِيَةِ لَكَانَ: وَقَفَّيْنَاهُ مِنْ بَعْدِهِ الرُّسُلَ، وَكَوْنُهُ لَمْ يجىء كَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ، يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً فِي الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ، وَيَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي جَاءَ مَحْذُوفًا. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ:

ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ «1» ، وَلَكِنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنَى جِئْنَا، كَأَنَّهُ قَالَ: وَجِئْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، يَقْفُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَمِنْ فِي: مِنْ بَعْدِهِ: لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ يُحْكَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَمُتْ حتى نبىء يُوشَعُ. بِالرُّسُلِ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَثَرِ مُوسَى رُسُلًا وَهُمْ: يُوشَعُ، وَشَمْوِيلُ، وَشَمْعُونُ، وَدَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَشَعْيَا، وَأَرْمَيَا، وَعُزَيْرٌ، وَحَزْقِيلُ، وَإِلْيَاسُ، وَالْيَسْعُ وَيُونُسُ، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ. والباء في بالرسل متعلقة بِقَفَّيْنَا، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ الْخَاصِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، لِمَا اسْتُفِيدَ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ بُعِثُوا مِنْ بَعْدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّقْفِيَةُ مَعْنَوِيَّةً، وَهِيَ كَوْنُهُمْ يَتَّبِعُونَهُ فِي الْعَمَلِ بِالتَّوْرَاةِ وَأَحْكَامِهَا، وَيُأْمَرُونَ بِاتِّبَاعِهَا وَالْبَقَاءِ عَلَى الْتِزَامِهَا.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: بِالرُّسُلِ بِضَمِّ السِّينِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ: بِتَسْكِينِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ، وَوَافَقَهُمَا أَبُو عَمْرٍو إِنْ أُضِيفَ إِلَى ضَمِيرِ جَمْعٍ نَحْوُ: رُسْلِهِمْ وَرُسْلِكُمْ وَرُسْلِنَا، اسْتُثْقِلَ تَوَالِي أَرْبَعِ مُتَحَرِّكَاتٍ، فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا.

وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ: أَضَافَ عِيسَى إِلَى أُمِّهِ رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ فِيمَا أَضَافُوهُ إِلَيْهِ.

الْبَيِّناتِ: وَهِيَ الْحُجَجُ الْوَاضِحَةُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَهَا عِيسَى عليه السلام، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. وَقِيلَ: الْإِنْجِيلُ. وَقِيلَ: الْحُجَجُ الَّتِي أَقَامَهَا اللَّهُ عَلَى الْيَهُودِ.

وَقِيلَ: إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَالْإِخْبَارُ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ: سَامُ بْنُ نُوحٍ، وَالْعَازِرُ، وَابْنُ الْعَجُوزِ، وَبِنْتُ الْعِشَارِ، وَمِنَ الطَّيْرِ: الْخُفَّاشُ، فَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ عِيسَى، بَلْ هُوَ صُورَةٌ، وَاللَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ. وَقِيلَ: كَانَ قَبْلَهُ، فَوَضَعَ عِيسَى عَلَى مِثَالِهِ.

قَالُوا: وَإِنَّمَا اخْتُصَّ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الطَّيْرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ أَشَدَّ خَلْقًا مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَحْمُ كُلُّهُ. وَأَجْمَلَ اللَّهُ ذِكْرَ الرُّسُلِ، وَفَصَّلَ ذِكْرَ عِيسَى، لِأَنَّ مَنْ قَبْلَهُ كَانُوا مُتَّبِعِينَ شَرِيعَةَ مُوسَى، وَأَمَّا عِيسَى فَنَسَخَ شَرْعُهُ كَثِيرًا مِنْ شَرْعِ مُوسَى.

وَأَيَّدْناهُ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ عَلَى وَزْنِ فَعَّلْنَاهُ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، وَالْأَعْرَجُ، وَحُمَيْدٌ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَحُسَيْنٌ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: أَأْيَدْنَاهُ، عَلَى وَزْنِ: أَفْعَلْنَاهُ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُفْرَدَاتِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَمَّا الْمَدُّ فَمَعْنَاهُ الْقُوَّةُ، وَأَمَّا الْقَصْرُ فَالتَّأْيِيدُ وَالنَّصْرُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا بِمَعْنَى قَوَّيْنَاهُ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْأَيْدِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ. بِرُوحِ الْقُدُسِ:

(1) سورة الحديد: 57/ 27.

ص: 480

قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ: بِضَمِّ الْقَافِ وَالدَّالِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ: وَابْنُ كَثِيرٍ: بِسُكُونِ الدَّالِ حَيْثُ وَقَعَ، وَفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهَا. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ: الْقُدُّوسُ، بِوَاوٍ. وَالرُّوحُ هُنَا: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ الَّذِي كَانَ بِهِ عِيسَى عليه السلام يُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوِ الْإِنْجِيلُ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ الْقُرْآنَ رُوحًا، قَالَ تَعَالَى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا «1» قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أَوْ الرُّوحُ الَّتِي نَفَخَهَا تَعَالَى فِي عِيسَى عليه السلام، أَوْ جِبْرِيلُ عليه السلام، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ، وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ.

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ «اهْجُ قُرَيْشًا وَرُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ»

، وَمَرَّةً

قَالَ لَهُ: «وَجِبْرِيلُ مَعَكَ» .

انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالُوا: وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ «2» . وَقَالَ حسان:

وجبريل رسول الله فِينَا

وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ

وَتَسْمِيَةُ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى جِسْمِهِ الرُّوحَانِيَّةُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْيَا بِهِ الدِّينُ، كَمَا يَحْيَا الْبَدَنُ بِالرُّوحِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِإِنْزَالِ الْوَحْيِ، أَوْ لِتَكْوِينِهِ رُوحًا مِنْ غَيْرِ وِلَادَةٍ. وَتَأْيِيدُ اللَّهِ عِيسَى بِجِبْرِيلَ عليهما السلام لِإِظْهَارِ حُجَّتِهِ وَأَمْرِ دِينِهِ، أَوْ لِدَفْعِ الْيَهُودِ عَنْهُ، إِذْ أَرَادُوا قَتْلَهُ، أَوْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ. وَاخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ: بِالرُّوحِ الْمُقَدَّسَةِ، قَالَ: كَمَا يُقَالُ حَاتِمُ الْجُودِ، وَرَجُلُ صِدْقٍ. وَوَصَفَهَا بالقدس كَمَا قَالَ: وَرُوحٌ مِنْهُ، فَوَصَفَهُ بِالِاخْتِصَاصِ وَالتَّقْرِيبِ لِلْكَرَامَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْقُدُسِ أَنَّهُ الطَّهَارَةُ أَوِ الْبَرَكَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: الْقُدُسُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْقُدُّوسِ. قَالُوا:

وَإِطْلَاقُ الرُّوحِ عَلَى جِبْرِيلَ وَعَلَى الْإِنْجِيلِ وَعَلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ، لِأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الرِّيحُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَخَارِقِ الْإِنْسَانِ فِي مَنَافِذِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مَا كَانَتْ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ كُلًّا مِنْهَا أُطْلِقَ الرُّوحُ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الرُّوحَ سَبَبٌ لِلْحَيَاةِ، فَجِبْرِيلُ هُوَ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ بِالْعُلُومِ، وَالْإِنْجِيلُ سَبَبٌ لِظُهُورِ الشَّرَائِعِ وَحَيَاتِهَا، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ سَبَبٌ لِأَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى تَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ. وَالْمُشَابَهَةُ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالرُّوحِ أَتَمُّ، وَلِأَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ فِيهِ أَظْهَرُ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ أَيَّدْنَاهُ: قَوَّيْنَاهُ وَأَعَنَّاهُ، وَإِسْنَادُهَا إِلَى جِبْرِيلَ حَقِيقَةٌ، وَإِلَى الْإِنْجِيلِ وَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ مَجَازٌ. وَلِأَنَّ اخْتِصَاصَ عِيسَى بِجِبْرِيلَ مِنْ آكَدِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ مَرْيَمَ بِوِلَادَتِهِ، وتولد

(1) سورة الشورى: 42/ 52.

(2)

سورة المائدة: 5/ 110.

ص: 481

عِيسَى بِنَفْخِهِ، وَرَبَّاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَكَانَ يَسِيرُ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ، وَكَانَ مَعَهُ حَيْثُ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ.

أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ: الْهَمْزَةُ أَصْلُهَا لِلِاسْتِفْهَامِ، وَهِيَ هُنَا لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ. وَالْفَاءُ لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَاعْتُنِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فَقُدِّمَ، وَالْأَصْلُ فَأَكُلَّمَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ قَبْلَهَا مَحْذُوفٌ، بَلْ يَكُونُ الْعَطْفُ عَلَى الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَقَدْ آتَيْنَا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، آتَيْنَاكُمْ مَا آتَيْنَاكُمْ. فَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ قَبْلَهَا مَحْذُوفٌ، أَيْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ مِنْ تَكْذِيبِ فَرِيقٍ وَقَتْلِ فَرِيقٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى كُلَّمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها «1» ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَالنَّاصِبُ لَهَا قوله: اسْتَكْبَرْتُمْ. وَالْخِطَابُ فِي جَاءَكُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِجَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ كَانُوا عَلَى طَبْعٍ وَاحِدٍ مِنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ، وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ، وَالشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ فِيمَا أَتَوْهُمْ بِهِ، أَوْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وَسِيَاقُ الْآيَاتِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ إِلَى مَنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من أَبْنَائِهِمْ، لِأَنَّهُمْ رَاضُونَ بِفِعْلِهِمْ، وَالرَّاضِي كَالْفَاعِلِ. وَقَدْ كَذَّبُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ، وَسَقَوْهُ السُّمَّ لِيَقْتُلُوهُ، وَسَحَرُوهُ. وَبِمَا:

مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جَاءَكُمْ، وَمَا مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَا تَهْوَاهُ. وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْهَوَى فِيمَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. وَأُسْنِدَ الْهَوَى إِلَى النَّفْسِ، وَلَمْ يُسْنَدْ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ، فَكَانَ يَكُونُ بِمَا لَا تَهْوَوْنَ إِشْعَارًا بِأَنَّ النَّفْسَ يُسْنَدُ إِلَيْهَا غَالِبًا الْأَفْعَالُ السَّيِّئَةُ، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ «2» ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ «3» ، قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ «4» . اسْتَكْبَرْتُمْ: اسْتَفْعَلَ هُنَا: بِمَعْنَى تَفَعَّلَ، وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي اسْتَفْعَلَ.

وَفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْكِبْرَ بِأَنَّهُ سَفَهُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ.

وَالْمَعْنَى قِيلَ: اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إِجَابَتِهِ احْتِقَارًا لِلرَّسُولِ. أَوِ اسْتِبْعَادًا لِلرِّسَالَةِ، وَفِي ذَلِكَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ طَبِيعَةِ الِاسْتِكْبَارِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّقَائِصِ وَنَتِيجَةُ الْإِعْجَابِ. وَهُوَ نَتِيجَةُ الْجَهْلِ بِالنَّفْسِ الْمُقَارِنِ لِلْجَهْلِ بِالْخَالِقِ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَتَكَرَّرُ مِنْهُمْ بِتَكَرُّرِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا اسْتِكْبَارٌ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِالتَّكَلُّفِ وَالتَّفَعُّلِ، لِذَلِكَ لَا أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ بِذَلِكَ كُبَرَاءَ عُظَمَاءَ، بَلْ يَتَفَعَّلُونَ ذَلِكَ وَلَا يُبَلِّغُونَ حَقِيقَتَهُ، لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ إِنَّمَا هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَمُحَالٌ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا غيره حقيقة.

(1) سورة البقرة: 2/ 25.

(2)

سورة يوسف: 12/ 53.

(3)

سورة المائدة: 5/ 30.

(4)

سورة يوسف: 12/ 18.

ص: 482

فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: اسْتَكْبَرْتُمْ، فَنَشَأَ عَنِ الِاسْتِكْبَارِ مُبَادَرَةُ فَرِيقٍ مِنَ الرُّسُلِ بِالتَّكْذِيبِ فَقَطْ، حَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِ، وَفَرِيقٍ بِالْقَتْلِ إِذَا قَدَرُوا عَلَى قَتْلِهِ. وَتَهَيَّأَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَيُضَمَّنُ أَنَّ مَنْ قَتَلُوهُ فَقَدْ كَذَّبُوهُ. وَاسْتَغْنَى عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ أَقْبَحَ أَفْعَالِهِمْ مَعَهُ، وَهُوَ قَتْلُهُ. وَأَجَازَ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّاغِبُ أَنْ يَكُونَ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَأَيَّدْناهُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَفَكُلَّمَا مَعَ مَا بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ. وَالْأَظْهَرُ فِي تَرْتِيبِ الْكَلَامِ الْأَوَّلُ، وَهَذَا أَيْضًا مُحْتَمَلٌ، وَأُخِّرَ الْعَامِلُ وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ ليتواخى رؤوس الْآيِ، وَثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَرِيقًا مِنْهُمْ كَذَّبْتُمْ، وَبَدَأَ بِالتَّكْذِيبِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، وَلِأَنَّهُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ: الْمُكَذَّبِ وَالْمَقْتُولِ.

وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ: وَأَتَى بِفِعْلِ الْقَتْلِ مُضَارِعًا، إِمَّا لكونه حكيت أنه الْحَالُ الْمَاضِيَةُ، إِنْ كَانَتْ أُرِيدَتْ فَاسْتُحْضِرَتْ فِي النُّفُوسِ، وَصُوِّرَ حَتَّى كَأَنَّهُ مُلْتَبِسٌ بِهِ مَشْرُوعٌ فِيهِ، وَلِمَا فيه من مناسبة رؤوس الْآيِ الَّتِي هِيَ فَوَاصِلُ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، لِأَنَّهُمْ يَرُومُونَ قَتْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِذَلِكَ سَحَرُوهُ وَسَمُّوهُ.

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي» .

وَكَانَ فِي ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ عَادَتَهُمْ قَتْلُ أَنْبِيَائِهِمْ، لِأَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الْمَكْتُوبَ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَقَدْ أُمِرُوا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالنَّصْرِ لَهُ، يَرُومُونَ قَتْلَهُ. فَكَيْفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَقَدُّمُ عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ؟ فَقَتْلُهُ عِنْدَهُمْ أَوْلَى.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: كَانُوا يَقْتُلُونَ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهُمْ آخِرَ النَّهَارِ. وَرُوِيَ سَبْعِينَ نَبِيًّا، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ نَقْلِهِمْ آخِرَ النَّهَارِ.

وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ: الضَّمِيرُ فِي قَالُوا عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالُوا ذَلِكَ بُهْتًا وَدَفْعًا لَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَجُ وَظَهَرَتْ لَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَأَعْجَزَتْهُمْ عَنْ مُدَافَعَةِ الْحَقِّ الْمُعْجِزَاتُ. نَزَلُوا عَنْ رُتْبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى رُتْبَةِ الْبَهِيمِيَّةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: غُلْفٌ، بِإِسْكَانِ اللَّامِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى سُكُونِ اللَّامِ، أَهُوَ سُكُونٌ أَصْلِيٌّ فَيَكُونُ جَمْعَ أَغْلَفَ؟ أَمْ هُوَ سُكُونُ تَخْفِيفٍ فَيَكُونُ جَمْعَ غِلَافٍ؟ وَأَصْلُهُ الضَّمُّ، كَحِمَارٍ وَحُمُرٍ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهُنَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّخْفِيفَ مِنَ التَّثْقِيلِ قَلَّمَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الشِّعْرِ. وَنَصَّ ابْنُ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّسْكِينُ فِي نَحْوِ: حُمُرٍ جَمْعَ حِمَارٍ، دُونَ ضَرُورَةٍ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَابْنُ هُرْمُزَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، غُلُفٌ: بِضَمِّ اللَّامِ، وَهِيَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ جَمْعُ غِلَافٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ جَمْعَ أَغْلَفَ،

ص: 483

لِأَنَّ تَثْقِيلَ فُعْلٍ الصَّحِيحِ الْعَيْنِ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي الشِّعْرِ. يُقَالُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ: جَعَلْتُ لَهُ غِلَافًا. فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ: غُلْفٌ بِالْإِسْكَانِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا مَسْتُورَةٌ عَنِ الْفَهْمِ وَالتَّمْيِيزِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَلَيْهَا طَابَعٌ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: ذَوَاتُ غُلْفٍ، أَيْ عَلَيْهَا غُلْفٌ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا الْمَوْعِظَةُ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: خُلِقَتْ غُلْفًا لَا تَتَدَبَّرُ وَلَا تَعْتَبِرُ. وَقِيلَ:

مَحْجُوبَةٌ عَنْ سَمَاعِ مَا تَقُولُ وَفَهْمِ مَا تَبَيَّنَ. وَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْبُهْتِ وَالْمُدَافَعَةِ، حَتَّى يُسْكِتُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنْهُمْ بِحَالِ قُلُوبِهِمْ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ ذَمُّ أَنْفُسِهِمْ بِمَا لَيْسَ فِيهَا، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَسْبَابُ الدَّفْعِ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ اللَّامِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، أَقَامُوا الْعِلْمَ مُقَامَ شَيْءٍ مُجَسَّدٍ، وَجَعَلُوا الْمَوَانِعَ الَّتِي تَمْنَعُهُمْ غُلْفًا لَهُ، لِيُسْتَدَلَّ بِالْمَحْسُوسِ عَلَى الْمَعْقُولِ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهَا أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَلَوْ كَانَ مَا تَقُولُهُ حَقًّا وَصِدْقًا لوعته، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ قُلُوبَنَا غُلْفٌ، أَيْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلَا تَسَعُ شَيْئًا، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ الْمُغَلَّفَ لَا يَسَعُ غِلَافُهُ غَيْرَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلْفٌ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ دِينِهِمْ وَشَرِيعَتِهِمْ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ دَوَامَ مِلَّتِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ لِصَلَابَتِهَا وَقُوَّتِهَا، تَمْنَعُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا غَيْرُ مَا فِيهَا، كَالْغِلَافِ الَّذِي يَصُونُ الْمُغَلَّفَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ مَا بِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى كَالْغِلَافِ الْخَالِي لَا شَيْءَ فِيهِ.

بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ: بَلْ: لِلْإِضْرَابِ، وَلَيْسَ إِضْرَابًا عَنِ اللَّفْظِ الْمَقُولِ، لِأَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَلَا يُضْرَبُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْإِضْرَابُ عَنِ النِّسْبَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُمْ: إِنَّ قُلُوبَهُمْ غُلْفٌ، لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مُتَمَكِّنَةً مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ، مَفْطُورَةً لِإِدْرَاكِ الصَّوَابِ، فَأَخْبَرُوا عَنْهَا بِمَا لَمْ تُخْلَقْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ لُعِنُوا بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَجَازَاهُمْ بِالطَّرْدِ الَّذِي هُوَ اللَّعْنُ الْمُتَسَبِّبُ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ. فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ: انْتِصَابُ قَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ فَإِيمَانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَعَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ: انْتِصَابُهُ عَلَى الْحَالِ، التَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ، أَيِ الْإِيمَانَ فِي حَالِ قِلَّتِهِ. وَجَوَّزُوا انْتِصَابَهُ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِزَمَانٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ فَزَمَانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ «1» . وَجَوَّزُوا أَيْضًا انْتِصَابَهُ بِيُؤْمِنُونَ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ فَقَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ لَمَّا أَسْقَطَ الْبَاءَ تَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَعْمَرٍ. وَجَوَّزُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ الضَّمِيرُ فِي يُؤْمِنُونَ، الْمَعْنَى: أَيْ فَجَمْعًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، أي المؤمن منهم

(1) سورة آل عمران: 3/ 70.

ص: 484

قَلِيلٌ، وَقَالَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّ الْقِلَّةَ إِمَّا لِلنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ، أَوْ لِلزَّمَانِ، أَوْ لِلْمُؤْمَنِ بِهِ، أَوْ لِلْفَاعِلِ. فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَصْدَرِ: تَكُونُ الْقِلَّةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَّصِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ حَقِيقَةً. وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ: تَكُونُ الْقِلَّةُ فِيهِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، صلى الله عليه وسلم، قَلِيلًا، وَهُوَ زَمَانُ الِاسْتِفْتَاحِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمَنِ بِهِ: تَكُونُ الْقِلَّةُ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا تَوْحِيدُ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، إِذْ هُمْ مُجَسِّمُونَ، وَقَدْ كَذَّبُوا بِالرَّسُولِ وَبِالتَّوْرَاةِ. وَبِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِلِ: تَكُونُ الْقِلَّةُ لِكَوْنِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالرَّسُولِ قَلِيلًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: الْمَعْنَى أَيْ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، يُقَالُ قَلَّ مَا يَفْعَلُ، أَيْ مَا يَفْعَلُ أَصْلًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنِ الْمَعْنَى فَمَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَقَالَ الَمَهْدَوِيُّ:

مَذْهَبُ قَتَادَةَ أَنَّ الْمَعْنَى: فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ، وَأَنْكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ وَقَالُوا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ رَفْعُ قَلِيلٌ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقِلَّةُ بِمَعْنَى الْعَدَمِ، وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ قَلِيلًا يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ صَحِيحٌ، لَكِنْ فِي غَيْرِ هَذَا التَّرْكِيبِ، أَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ، لِأَنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالْفِعْلِ الْمُثْبَتِ، فَصَارَ نَظِيرَ: قُمْتُ قَلِيلًا، أَيْ قِيَامًا قَلِيلًا. وَلَا يَذْهَبْ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّكَ إِذَا أَتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ، وَجَعَلْتَ قَلِيلًا مَنْصُوبًا نَعْتًا لِمَصْدَرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، يَكُونُ الْمَعْنَى فِي الْمُثْبَتِ الْوَاقِعِ عَلَى صِفَةِ أَوْ هَيْئَةِ انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْمُثْبَتِ رَأْسًا وَعَدَمِ وُقُوعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَإِنَّمَا الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِالْقِلَّةِ النَّفْيُ الْمَحْضُ فِي قَوْلِهِمْ: أَقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَلَّمَا يَقُومُ زَيْدٌ، وَقَلِيلٌ مِنَ الرِّجَالِ يَقُولُ ذَلِكَ، وَقَلِيلَةٌ مِنَ النِّسَاءِ تَقُولُ ذَلِكَ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَحَمْلُ الْقِلَّةِ هُنَا عَلَى النَّفْيِ الْمَحْضِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الَمَهْدَوِيُّ مِنْ مَذْهَبِ قَتَادَةَ، وَإِنْكَارِ النَّحْوِيِّينَ ذَلِكَ، وَقَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ كذلك للزم رفع قليل. فَقَوْلُ قَتَادَةَ صَحِيحٌ، وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ، لِأَنَّ قَتَادَةَ إِنَّمَا بَيَّنَ الْمَعْنَى وَشَرَحَهُ، وَلَمْ يُرِدْ شَرْحَ الْإِعْرَابِ فَيَلْزَمَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا انْتِصَابُ قَلِيلًا عِنْدَهُ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُؤْمِنُونَ، وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ: فَيُؤْمِنُونَ قَوْمًا قَلِيلًا، أَيْ فِي حَالَةِ قِلَّةٍ. وَهَذَا مَعْنَاهُ:

فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ. وَمَا فِي قَوْلِهِ: مَا يُؤْمِنُونَ، زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، دَخَلَتْ بَيْنَ الْمَعْمُولِ وَالْعَامِلِ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: رُوَيْدٌ مَا الشِّعْرُ، وَخُرِّجَ مَا أَنِفَ خَاطِبٌ بِدَمٍ. وَلَا يَجُوزُ فِي مَا أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ رَفْعُ قَلِيلٍ حَتَّى يَنْعَقِدَ مِنْهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. وَالْأَحْسَنُ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا هُوَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَإِيمَانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْفِعْلِ عَلَى مَصْدَرِهِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى الزَّمَانِ، وَعَلَى الْهَيْئَةِ، وَعَلَى الْمَفْعُولِ، وَعَلَى الْفَاعِلِ، وَلِمُوَافَقَتِهِ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. وَأَمَّا قَوْلُ الْعَرَبِ: مَرَرْنَا بِأَرْضٍ قَلِيلًا

ص: 485

مَا تُنْبِتُ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ أَرْضٍ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إِنْبَاتُهَا، أَيْ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وليست ما زائدة، وقليلا نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، إِذْ كَانَ التَّرْكِيبُ الْمُقَدَّرُ هَذَا لما صح أَنْ يُرَادَ بِالْقَلِيلِ النَّفْيُ الْمَحْضُ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: تُنْبِتُ قَلِيلًا، لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْإِنْبَاتِ رَأْسًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْنَا: ضَرَبْتُ ضَرْبًا قَلِيلًا، لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَا ضَرَبْتُ أَصْلًا.

وَلَمَّا جاءَهُمْ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ، وَنَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ كَانَتْ غَطَفَانُ تُقَاتِلُهُمْ وَتَهْزِمُهُمْ، أَوْ حِينَ كَانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ الْعَرَبِ أَذًى كَثِيرًا، أَوْ حِينَ حَارَبَهُمُ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَغَلَبَتْهُمْ. كِتابٌ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَإِسْنَادُ الْمَجِيءِ إِلَيْهِ مَجَازٌ. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وَوَصْفُهُ بمن عِنْدِ اللَّهِ جَدِيرٌ أَنْ يُقْبَلَ، وَيُتَّبَعَ مَا فِيهِ، وَيُعْمَلَ بِمَضْمُونِهِ، إِذْ هُوَ وَارِدٌ مِنْ عِنْدِ خَالِقِهِمْ وَإِلَهِهِمُ الَّذِي هُوَ نَاظِرٌ فِي مَصَالِحِهِمْ. مُصَدِّقٌ: صِفَةٌ ثَانِيَةٌ، وَقُدِّمَتِ الْأَوْلَى عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْوَصْفَ بِكَيْنُونَتِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ آكَدُ، وَوَصْفَهُ بالتصديق ناشىء عَنْ كَوْنِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. لَا يُقَالُ: إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِجَاءَهُمْ، فَلَا يَكُونَ صِفَةً لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ بِمَا هُوَ مَعْمُولٌ لِغَيْرِ أَحَدِهِمَا. وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ مُصَدِّقًا، وَبِهِ قَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَنَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ كِتَابٌ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً. وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ بِلَا شَرْطٍ، فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ، فَقَرُبَتْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ. لِما مَعَهُمْ: هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَتَصْدِيقُهُ إِمَّا بِكَوْنِهِمَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَوْ بِمَا اشْتَمَلَا عَلَيْهِ مَنْ ذِكْرِ بَعْثِ الرَّسُولِ وَنَعْتِهِ.

وَكانُوا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى جَاءَهُمْ، فَيَكُونَ جَوَابُ لَمَّا مُرَتَّبًا عَلَى الْمَجِيءِ وَالْكَوْنِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً، أَيْ وَقَدْ كَانُوا، فَيَكُونَ الْجَوَابُ مُرَتَّبًا عَلَى الْمَجِيءِ بِقَيْدٍ فِي مَفْعُولِهِ، وَهُمْ كَوْنُهُمْ يَسْتَفْتِحُونَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانُوا أليست مَعْطُوفَةً عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ لَمَّا، وَلَا حَالًا لِأَنَّهُ قَدَّرَ جَوَابَ لَمَّا مَحْذُوفًا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ يَسْتَفْتِحُونَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانُوا، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْجُمْلَةِ مِنْ قَوْلِهِ:

وَلَمَّا. مِنْ قَبْلُ: أَيْ مِنْ قَبْلِ الْمَجِيءِ، وَبُنِيَ لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ إِلَى مَعْرِفَةٍ.

يَسْتَفْتِحُونَ: أَيْ يَسْتَحْكِمُونَ، أَوْ يَسْتَعْلِمُونَ، أَوْ يَسْتَنْصِرُونَ، أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ.

يَقُولُونَ، إِذَا دَهَمَهُمُ الْعَدُوُّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ وَلَمَّا الْأُولَى، فَذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَالزَّجَّاجُ إِلَى أَنَّهُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَقَدَّرَهُ نَحْوَ: كَذَّبُوا بِهِ وَاسْتَهَانُوا بِمَجِيئِهِ،

ص: 486

وَقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: كَفَرُوا، فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ كَفَرُوا بِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ فِي ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا جاءَهُمْ، جَوَابُ لَمَّا الْأُولَى، وَكَفَرُوا، جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ. وَهُوَ عِنْدَهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ «1» .

قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ هُنَا لَيْسَتْ بِنَاسِقَةٍ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا. وَذَهَبَ الْمُبَّرِدُ إِلَى أَنَّ جَوَابَ لَمَّا الْأُولَى هُوَ: كَفَرُوا بِهِ، وَكُرِّرَ لَمَّا لِطُولِ الْكَلَامِ، وَيُقَيِّدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ وَتَأْكِيدًا لَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ كَانَ يَكُونُ أَحْسَنَ لَوْلَا أَنَّ الْفَاءَ تَمْنَعُ مِنَ التَّأْكِيدِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْفَرَّاءِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ لِسَانِهِمْ، لَمَّا جَاءَ زَيْدٌ، فَلَمَّا جَاءَ خَالِدٌ أَقْبَلَ جَعْفَرٌ، فَهُوَ تَرْكِيبٌ مَفْقُودٌ فِي لِسَانِهِمْ فَلَا نُثْبِتُهُ، وَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ كذبون، وَيَكُونُ التَّكْذِيبُ حَاصِلًا بِنَفْسِ مَجِيءِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ فِيهِ وَلَا رَوِيَّةٍ، بَلْ بَادَرُوا إِلَى تَكْذِيبِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ، أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إِذَا قَاتَلُوهُمْ، أَوْ يَفْتَحُونَ عَلَيْهِمْ وَيُعَرِّفُونَهُمْ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ قَدْ قَرُبَ وَقْتُ بَعْثِهِ، فَكَانُوا يُخْبِرُونَ بِذَلِكَ.

فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا: وَمَا سَبَقَ لَهُمْ تَعْرِيفُهُ لِلْمُشْرِكِينَ. كَفَرُوا بِهِ: سَتَرُوهُ وَجَحَدُوهُ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي ذَمِّهِمْ، إِذْ يَكُونُ الشَّيْءُ الْمَعْرُوفُ لَهُمْ، الْمُسْتَقِرُّ فِي قُلُوبِهِمْ وَقُلُوبِ مَنْ أَعْلَمُوهُمْ بِهِ كِيَانَهُ وَنَعْتَهُ يَعْمِدُونَ إِلَى سَتْرِهِ وَجَحْدِهِ، قَالَ تَعَالَى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا «2» . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّاغِبُ: مَا مُلَخَّصُهُ الِاسْتِفْتَاحُ، طَلَبُ الْفَتْحِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: إِلَهِيٌّ، وَهُوَ النُّصْرَةُ بِالْوُصُولِ إِلَى الْعُلُومِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الثَّوَابِ، وَمِنْهُ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ «3» ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ. وَدُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ النُّصْرَةُ بِالْوُصُولِ إِلَى اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَمِنْهُ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ «4» . فَمَعْنَى يَسْتَفْتِحُونَ: أَيْ يَعْلَمُونَ خَبَرَهُ مِنَ النَّاسِ مَرَّةً، وَيَسْتَنْبِطُونَ ذِكْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ مَرَّةً. وَقِيلَ: يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرِهِ الظَّفَرَ.

وَقِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّا نُنْصَرُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ. وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الِاسْتِفْتَاحِ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: مَا عَرَفُوا أَنَّهُ الْكِتَابُ، لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ مَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. فَإِنَّ مَا قَدْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ صِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: مَا عَرَفُوهُ مِنَ الْحَقِّ، فَيَنْدَرِجَ فِيهِ مَعْرِفَةُ نُبُوَّتِهِ وَشَرِيعَتِهِ وكتابه، وما تضمنه.

(1) سورة البقرة: 2/ 38.

(2)

سورة النمل: 27/ 14.

(3)

سورة الفتح: 48/ 1. [.....]

(4)

سورة الأنعام: 6/ 44.

ص: 487

فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ: لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ جَائِيًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوهُ وَسَتَرُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ عِرْفَانُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ اسْتِهَانَةً بِالْمُرْسِلِ وَالْمُرْسَلِ بِهِ. قَابَلَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِهَانَةِ وَالطَّرْدِ، وَأَضَافَ اللَّعْنَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، لِأَنَّ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَلْعُونُ حَقِيقَةً. قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ «1» ؟ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً «2» . ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِاللَّعْنَةِ حَتَّى جَعَلَهَا مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْهِمْ، كَأَنَّهُ شَيْءٌ جَاءَهُمْ مِنْ أَعْلَاهُمْ، فَجَلَّلَهُمْ بِهَا، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى عِلَّةِ اللَّعْنَةِ وَسَبَبِهَا، وَهِيَ الْكُفْرُ، كَمَا قَالَ قَبْلُ: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ، وَأَقَامَ الظَّاهِرَ مُقَامَ الْمُضْمَرِ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَتَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ، أَوْ تَكُونُ لِلْعُمُومِ، فَيَكُونُ هَؤُلَاءِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، وَيَكُونَ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا. وَنَعْنِي بِالْجِنْسِ الْعُمُومَ، وَتَخَيُّلُهُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعِلَّةِ عَلَى أَفْرَادِهِ لَيْسَ فِيهَا بَعْضُ الْأَفْرَادِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا هِيَ دَلَالَةٌ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَهِيَ دَلَالَةٌ مُتَسَاوِيَةٌ. وَإِذَا كَانَتْ دَلَالَةً مُتَسَاوِيَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ أَوَّلُ وَلَا أَسْبَقُ مِنْ شَيْءٍ.

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بِئْسَ، وَأَمَّا مَا فَاخْتُلِفَ فِيهَا، أَلَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ أَمْ لَا. فَذَهَبَ الْفَرَّاءُ إِلَى أَنَّهُ بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذَا، هَذَا نَقْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْهُ. وَقَالَ الَمَهْدَوِيُّ: قَالَ الْفَرَّاءُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَعَ بِئْسَ بِمَنْزِلَةِ كُلَّمَا، فَظَاهِرُ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ أَنَّ مَا لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ لَهَا مَوْضِعًا مِنَ الْإِعْرَابِ. وَاخْتُلِفَ، أَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ أَمْ رَفْعٌ؟ فَذَهَبَ الْأَخْفَشُ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَهَا نَصْبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الصِّفَةِ، وَفَاعِلُ بِئْسَ مُضْمَرٌ مُفَسَّرٌ بِمَا، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ هُوَ شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَأَنْ يَكْفُرُوا هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، وَبِهِ قَالَ الْفَارِسِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفًا، وَاشْتَرَوْا صِفَةً لَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَأَنْ يَكْفُرُوا بَدَلٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هُوَ أَنْ يَكْفُرُوا. وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، مِنْ أَنَّ مَا مَوْضِعُهَا نَصْبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَثَمَّ مَا أُخْرَى مَحْذُوفَةٌ مَوْصُولَةٌ هِيَ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. فَالْجُمْلَةُ بَعْدَ مَا الْمَحْذُوفَةِ صِلَةٌ لَهَا، فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الإعراب. وأن يَكْفُرُوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَدَلٌ، وَيَجُوزَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ

(1) سورة المائدة: 5/ 60.

(2)

سورة النساء: 4/ 52.

ص: 488

مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هُوَ كُفْرُهُمْ. فَتَلَخَّصَ فِي قَوْلِ النَّصْبِ فِي الْجُمْلَةِ بَعْدَ مَا أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَا هَذِهِ الَّتِي هِيَ تَمْيِيزٌ فَمَوْضِعُهَا نَصْبٌ، أَوْ صِلَةً لِمَا الْمَحْذُوفَةِ الْمَوْصُولَةِ فَلَا مَوْضِعَ لَهَا، أَوْ صِفَةً لِشَيْءٍ الْمَحْذُوفِ الْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ فَمَوْضِعُهَا رفع، وَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إِلَى أَنَّ مَوْضِعَهَا رَفْعٌ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلُ بِئْسَ، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: هِيَ مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ، وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلَى هَذَا مَحْذُوفٌ، أَيْ شَيْءٌ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. وَعُزِيَ هَذَا الْقَوْلُ، أَعْنِي أَنَّ مَا مَعْرِفَةٌ تَامَّةٌ لَا مَوْصُولَةٌ، إِلَى الْكِسَائِيِّ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ، فِيمَا نُقِلَ عَنْهُمَا: أَنَّ مَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي، وَاشْتَرَوْا: صِلَةٌ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْفَارِسِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَعَزَى ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى سِيبَوَيْهِ قَالَ: فَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: بِئْسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا، كَقَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زِيدٌ، وَمَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مَوْصُولَةٌ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ وَهْمٌ عَلَى سِيبَوَيْهِ. وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الَمَهْدَوِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ إِلَى أَنَّ مَا وبعدها فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلَى أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، التَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِرَاؤُهُمْ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مُعْتَرَضٌ، لِأَنَّ بِئْسَ لَا تَدْخُلُ عَلَى اسْمٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

وَمَا قَالَهُ لَا يَلْزَمُ إِلَّا إِذَا نُصَّ عَلَى أمر مَرْفُوعٌ بِبِئْسَ، أَمَّا إِذَا جَعَلَهُ الْمَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، وَجَعَلَ فَاعِلَ بِئْسَ مُضْمَرًا وَالتَّمْيِيزَ مَحْذُوفًا، لَفُهِمَ الْمَعْنَى. التَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِرَاءٌ اشْتِرَاؤُهُمْ، فَلَا يَلْزَمُ الِاعْتِرَاضُ، لَكِنْ يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي بِهِ عَلَى مَا، وَمَا الْمَصْدَرِيَّةُ لَا يَعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ، لِأَنَّهَا حَرْفٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، إِذِ الْأَخْفَشُ يَزْعُمُ أَنَّهَا اسْمٌ.

وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَذَاهِبِ تَصْحِيحًا وَإِبْطَالًا يُذْكَرُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ.

اشْتَرَوْا هُنَا: بِمَعْنَى بَاعُوا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ قَالَ: شَرَى وَاشْتَرَى: بِمَعْنَى بَاعَ، هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ إِنَّ الِاشْتِرَاءَ هُنَا عَلَى بَابِهِ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ، إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعِقَابِ، أَتَى بِأَعْمَالٍ يَظُنُّ أَنَّهَا تُخَلِّصُهُ، وَكَأَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ بِهَا. فَهَؤُلَاءِ الْيَهُودُ لَمَّا اعْتَقَدُوا فِيمَا أَتَوْا بِهِ أَنَّهُ يُخَلِّصُهُمْ، ظَنُّوا أَنَّهُمُ اشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إِلَى الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ مِنَ الْأَوَّلِ، يَعْنِي بِالْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى بَاعَ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَخَبِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المراد ليس اشتراؤهم أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَخْلُصُونَ مِنَ الْعِقَابِ، بَلْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ، لِكَوْنِهِ تَعَالَى جَعَلَ ذَلِكَ فِي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَاتَّضَحَ أَنَّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ أَوْلَى.

أَنْ يَكْفُرُوا: تَقَدَّمَ أَنَّ مَوْضِعَهُ رَفْعٌ، إِمَّا، عَلَى أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالذَّمِّ عِنْدَ مَنْ

ص: 489

جَعَلَ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ غَيْرَ تَامٍّ، وَفِيهِ الْأَعَارِيبُ الَّتِي فِي الْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ، إِذَا تَأَخَّرَ، أَهْوَ مُبْتَدَأٌ، وَالْجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلَى مَا تَقَرَّرَ قَبْلُ؟ وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي بِهِ، فَيَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ. بِما أَنْزَلَ اللَّهُ: هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ. وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُضْمَرٌ، بَلْ أَظْهَرَ مَوْصُولًا بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَنْزَلَ الْمُشْعِرُ بِأَنَّهُ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَنُسِبَ إِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ، لِيَحْصُلَ التَّوَافُقُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِهِ: كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، إِذْ كَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، وَالْكُفْرُ بِهِمَا كُفْرٌ بِالتَّوْرَاةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْجَمِيعُ مِنْ قُرْآنٍ وَإِنْجِيلٍ وَتَوْرَاةٍ، لِأَنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِهَا كُفْرٌ بِكُلِّهَا. بَغْياً: أَيْ حَسَدًا، إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ظُلْمًا، وَانْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ يَكْفُرُوا، أَيْ كُفْرُهُمْ لِأَجْلِ الْبَغْيِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُوَ عِلَّةُ اشْتَرَوْا، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ اشْتَرَوْا. وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: بَغَوْا بَغْيًا، وَحُذِفَ الْفِعْلُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.

أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ: أَنْ: مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَذَلِكَ الْمَصْدَرُ الْمُقَدَّرُ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ بَغَوْا لِتَنْزِيلِ اللَّهِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ بَغْيًا عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ حَسَدًا عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أَيْ عَلَى مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ مِنَ الْوَحْيِ، فَحُذِفَتْ عَلَى، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ الَّذِي فِي أَنَّ وَأَنْ، إِذَا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ مِنْهُمَا، أَهُمَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ أَمْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ؟ وَقِيلَ: أَنْ يُنَزِّلَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَا فِي قَوْلِهِ: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَيْ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ: جَمِيعَ الْمُضَارِعِ مُخَفَّفًا مِنْ أَنْزَلَ، إِلَّا مَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَشْدِيدِهِ، وَهُوَ فِي الْحِجْرِ، وَما نُنَزِّلُهُ «1» ، إِلَّا أَنَّ أَبَا عَمْرٍو شَدَّدَ عَلَى أَنْ نُنَزِّلَ آيَةً فِي الْأَنْعَامِ، وَابْنُ كَثِيرٍ شَدَّدَ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ «2» ، وحَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً «3» ، وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ الْمُضَارِعَ حَيْثُ وَقَعَ إِلَّا حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ فَخَفَّفَا، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ «4» ، فِي آخِرِ لُقْمَانَ، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ «5» ، فِي الشُّورَى. وَالْهَمْزَةُ

(1) سورة الحجر: 15/ 21.

(2)

سورة الإسراء: 17/ 82.

(3)

سورة الإسراء: 17/ 93.

(4)

سورة لقمان: 31/ 34.

(5)

سورة الشورى: 42/ 28.

ص: 490

وَالتَّشْدِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلتَّعْدِيَةِ. وَقَدْ ذَكَرُوا مُنَاسَبَاتٍ لِقِرَاءَاتِ الْقُرَّاءِ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ وَلَا تَصِحُّ.

مِنْ فَضْلِهِ: مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالْفَضْلُ هُنَا الْوَحْيُ وَالنُّبُوَّةُ. وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَكُونَ مِنْ زَائِدَةً عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ، فَيَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ، أَيْ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ فَضْلَهُ.

عَلى مَنْ يَشاءُ. عَلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِيُنَزِّلُ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ يَشَاءُ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، لِأَنَّهُمْ حَسَدُوهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ، وَكَانَ مِنَ الْعَرَبِ، وَعِزُّ النُّبُوَّةِ مِنْ يَعْقُوبَ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي إِسْحَاقَ، فَخُتِمَ فِي عِيسَى، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيٌّ غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فَخُتِمَتِ النُّبُوَّةُ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَعَدِمُوا العز والفضل. ومِنْ هُنَا مَوْصُولَةٌ، وَقِيلَ نَكِرَةٌ موصوفة. ويَشاءُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: صِلَةٌ، فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَصِفَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، فَهِيَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، وَالضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُولِ أَوِ الْمَوْصُوفِ مَحْذُوفٌ تقديره يشاؤه. مِنْ عِبادِهِ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ كَائِنًا مِنْ عِبَادِهِ، وَأَضَافَ الْعِبَادَ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ «1» ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا «2» .

فَباؤُ: أَيْ مَضَوْا، وَتَقَدَّمَ مَعْنَى باؤوا. بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ: أَيْ مُتَرَادِفٍ مُتَكَاثِرٍ، وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَشْدِيدِ الْحَالِ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ: غَضَبَانِ مُعَلَّلَانِ بِقِصَّتَيْنِ: الْغَضَبُ الْأَوَّلُ: لِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَالثَّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

أَوِ الْأَوَّلُ: كُفْرُهُمْ بِالْإِنْجِيلِ، وَالثَّانِي: كُفْرُهُمْ بِالْقُرْآنِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. أَوِ الْأَوَّلُ: كُفْرُهُمْ بِعِيسَى، وَالثَّانِي: كُفْرُهُمْ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، قَالَهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ، أَوِ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلُهُمْ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ كُفْرِهِمْ، وَالثَّانِي: كُفْرُهُمْ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْكَافِرِينَ لِلْعَهْدِ، وَأَقَامَ الْمُظْهَرَ مُقَامَ الْمُضْمَرِ إِشْعَارًا بِعِلَّةِ كَوْنِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ لَهُمْ، إِذْ لَوْ أَتَى، وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ، أَوْ تَكُونُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ، فَيَنْدَرِجُونَ فِي الْكَافِرِينَ. وَوَصَفَ الْعَذَابَ بِالْإِهَانَةِ، وَهِيَ الْإِذْلَالُ، قَالَ تَعَالَى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «3» .

وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ، فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ أَشْيَاءَ مُحَرَّمَةً فَقَالَ:«فَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» .

فَهَذَا الْعَذَابُ إِنَّمَا هُوَ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْخُلُودَ خُلُودًا لَا يَنْقَطِعُ، أَوْ لِشِدَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى تَكَبُّرِهِمْ عن اتباع

(1) سورة الزمر: 39/ 7.

(2)

سورة البقرة: 2/ 23.

(3)

سورة النور: 24/ 2.

ص: 491

الْحَقِّ. وَقَدِ احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ كَافِرٌ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَعْذِيبُهُ، وَاحْتَجَّ بِهَا الْمُرْجِئَةُ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُعَذَّبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: الْإِخْبَارُ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْيَهُودِ، وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ آبَاؤُهُمْ، لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَحَسَّنَ ذَلِكَ أَنَّ الرَّاضِيَ بِالشَّيْءِ كَفَاعِلِهِ، وَأَنَّهُمْ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ لَهُمْ وَمُعْتَقِدُونَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يَتَوَلَّوْنَهُمْ، فَهُمْ مِنْهُمْ. آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، الْجُمْهُورُ: إِنَّهُ الْقُرْآنُ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُطْلَقٌ فَبِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ. قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا: يُرِيدُونَ التَّوْرَاةَ، وَمَا جَاءَهُمْ مِنَ الرِّسَالَاتِ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ، وَحُذِفَ الْفَاعِلُ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُنْزِلُ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لِجَرَيَانِهِ فِي قَوْلِهِ: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، فَحُذِفَ إِيجَازًا إِذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَذُمُّوا عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْإِيمَانِ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، فَأَجَابُوا بِأَنْ آمَنُوا بِمُقَيَّدٍ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ عَامٌّ، فَلَمْ يُطَابِقْ إِيمَانُهُمُ الْأَمْرَ.

وَيَكْفُرُونَ: جُمْلَةٌ اسْتُؤْنِفَ بِهَا الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ، أَوْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، الْعَامِلُ فِيهَا قَالُوا:

أَيْ وَهُمْ يَكْفُرُونَ. بِما وَراءَهُ، أَيْ بِمَا سِوَاهُ، وَبِهِ فُسِّرَ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ»

، وفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ «2» ، أَيْ بِمَا بَعْدَهُ، قَالَهُ قَتَادَةُ، أَيْ وَيَكْفُرُونَ بِمَا بَعْدَ التَّوْرَاةِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، أَوْ بِمَا وَرَاءَهُ، أَيْ بِبَاطِنِ مَعَانِيهَا الَّتِي وَرَاءَ أَلْفَاظِهَا، وَيَكُونُ إِيمَانُهُمْ بِظَاهِرِ لَفْظِهَا. وَهُوَ الْحَقُّ، هُوَ: عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ، أَوْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالْإِنْجِيلِ، لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا. مُصَدِّقاً: حال مؤكدة، إِذْ تَصْدِيقُ الْقُرْآنِ لَازِمٌ لَا يَنْتَقِلُ. لِما مَعَهُمْ: هُوَ التَّوْرَاةُ، أَوِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، لِأَنَّهُمَا أُنْزِلَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْ مَا وَافَقَ التَّوْرَاةَ، لَمْ يُصَدِّقْ بِهَا. وَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، فَالْإِيمَانُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ مُتَنَاقِضٌ. قُلْ: أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ، وَقُلْ يَا مَنْ يُرِيدُ جِدَالَهُمْ. فَلِمَ: الْفَاءُ: جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، التَّقْدِيرُ: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ؟ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالتَّوْرَاةِ وَاسْتِحْلَالَ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَقَوْلُكُمْ: إِنَّكُمْ آمَنْتُمْ بِالتَّوْرَاةِ كَذِبٌ وَبُهْتٌ، لَا يُؤْمِنُ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ. وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ حُذِفَتْ أَلِفُهَا لِأَجْلِ لَامِ الْجَرِّ. وَيَقِفُ الْبَزِّيُّ بِالْهَاءِ فَيَقُولُ: فَلِمَهْ، وَغَيْرُهُ يَقِفُ: فَلِمَ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا الْوَقْفُ إلا للاختبار، أو

(1) سورة النساء: 4/ 24.

(2)

سورة المؤمنون: 23/ 7.

ص: 492

لِانْقِطَاعِ النَّفَسِ. وَجَاءَ يَقْتُلُونَ بِصُورَةِ الْمُضَارِعِ، وَالْمُرَادُ الْمَاضِي، إِذِ الْمَعْنَى: قُلْ فَلِمَ قَتَلْتُمْ، وَأَوْضَحَ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ، فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّمِ الْقَتْلِ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَفَائِدَةُ سَوْقِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي مَعْنَى الْمَاضِي الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَمِرٌّ.

أَلَا تَرَى أَنَّ حَاضِرِي محمد صلى الله عليه وسلم لَمَّا كَانُوا رَاضِينَ بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ، بَقِيَ لَهُمْ مِنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ جُزْءٌ، وَفِي إِضَافَةِ أَنْبِيَاءَ إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَنْ يُعَظَّمَ أَجَلَّ تَعْظِيمٍ، وَأَنْ يُنْصَرَ، لَا أَنْ يُقْتَلَ. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قِيلَ: إِنْ نَافِيَةٌ أَيْ مَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُجَامِعُ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ، أَيْ مَا اتَّصَفَ بِالْإِيمَانِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ. قِيلَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِنْ شَرْطِيَّةٌ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: فَلِمَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؟ وَيَكُونُ الشَّرْطُ وَجَوَابُهُ قَدْ كُرِّرَ مَرَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، لَكِنْ حُذِفَ الشَّرْطُ مِنَ الْأَوَّلِ وَأُبْقِيَ جَوَابُهُ وَهُوَ: فَلِمَ تَقْتُلُونَ؟ وَحُذِفَ الْجَوَابُ مِنَ الثَّانِي وَأُبْقِيَ شَرْطُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَإِنْ كُنْتُمْ: شَرْطٌ، وَالْجَوَابُ مُتَقَدِّمٌ. وَلَا يَتَمَشَّى قَوْلُهُ هَذَا إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَقَدُّمَ جَوَابِ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا أَبَا زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَالْمُبَرِّدَ مِنْهُمْ. وَمَعْنَى مُؤْمِنِينَ: أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، أَوْ مُتَحَقِّقِينَ بِالْإِيمَانِ صَادِقِينَ فِيهِ، أَوْ مُؤْمِنِينَ بِزَعْمِكُمْ. وَأَجْرَى هَذَا الْقَوْلَ مُجْرَى التَّهَكُّمِ بِهِمْ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ بَدَا مِنْهُ مَا لَا يُنَاسِبُهُ: فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ عَاقِلٌ، أَيْ بِزَعْمِكَ.

وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ: أَيْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَهِيَ الْوَاضِحَةُ الْمُعْجِزَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِهِ. وَقِيلَ: التِّسْعُ، وَهِيَ: الْعَصَا، وَالسُّنُونَ، وَالْيَدُ، وَالدَّمُ، وَالطُّوفَانُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَفَلْقُ الْبَحْرِ. وَهِيَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ «1» . ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ، وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمَلِ، وَإِنَّمَا كُرِّرَتْ هُنَا لِدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْعِجْلِ لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ؟ بَلْ فِيهَا أَنْ يُفْرَدَ اللَّهُ بِالْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ الْمَعَاصِي، فَكَرَّرَ عِبَادَةَ الْعِجْلِ تَنْبِيهًا عَلَى عَظِيمِ جُرْمِهِمْ. وَلِأَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ قَبْلُ، أَعْقَبَهُ تَعْدَادُ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ «2» ، وفَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ «3» . وَهُنَا أَعْقَبَهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ. ولأن في

(1) سورة الإسراء: 17/ 101. [.....]

(2)

سورة البقرة: 2/ 52.

(3)

سورة البقرة: 2/ 64.

ص: 493

قِصَّةِ الطُّورِ ذِكْرَ تَوَلِّيهِمْ عما أمروا به، من قَبُولِ التَّوْرَاةِ وَعَدَمِ رِضَاهُمْ بِأَحْكَامِهَا اخْتِيَارًا، حَتَّى أُلْجِئُوا إِلَى الْقَبُولِ اضْطِرَارًا، فَدَعْوَاهُمُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ. ثُمَّ فِي قِصَّةِ الطُّورِ تَذْيِيلٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ. وَالْعَرَبُ مَتَى أَرَادَتِ التَّنْبِيهَ عَلَى تَقْبِيحِ شَيْءٍ أَوْ تَعْظِيمِهِ، كَرَّرَتْهُ. وَفِي هَذَا التَّكْرَارِ أَيْضًا مِنَ الْفَائِدَةِ تِذْكَارُهُمْ بِتَعْدَادِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَنِقَمِهِ مِنْهُمْ، لِيَزْدَجِرَ الْأَخْلَافُ بِمَا حَلَّ بِالْأَسْلَافِ.

وَاسْمَعُوا أَيِ: اقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمْ،

كَقَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ

، أَوِ اسْمَعُوا مُتَدَبِّرِينَ لِمَا سَمِعْتُمْ، أَوِ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا «1» . لِأَنَّ فَائِدَةَ السَّمَاعِ الطَّاعَةُ، قَالَهُ الْمُفَضَّلُ. وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ قَرِيبٌ. قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: مَعْنَى اسْمَعُوا: افْهَمُوا.

وَقِيلَ: اعْمَلُوا، وَوَجَّهَهُ أَنَّ السَّمْعَ يُسْمَعُ بِهِ، ثُمَّ يُتَخَيَّلُ، ثُمَّ يُعْقَلُ، ثُمَّ يُعْمَلُ بِهِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِي عَمَلًا. وَلَمَّا كَانَ السَّمَاعُ مُبْتَدَأً، وَالْعَمَلُ غَايَةً، وَمَا بَيْنَهُمَا وَسَائِطَ، صَحَّ أَنْ يُرَادَ بَعْضُ الْوَسَائِطِ، وَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْغَايَةُ. قالُوا: هَذَا مِنَ الِالْتِفَاتِ، إِذْ لَوْ جَاءَ عَلَى الْخِطَابِ لَقَالَ: قُلْتُمْ سَمِعْنا وَعَصَيْنا: ظَاهِرُهُ أَنَّ كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ مَقُولَةٌ، وَنَطَقُوا بِذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي التَّعَنُّتِ وَالْعِصْيَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا إِذَا نَظَرُوا إِلَى الْجَبَلِ قَالُوا:

سَمِعْنا وَأَطَعْنا «2» ، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى الْكِتَابِ قَالُوا: سَمِعْنا وَعَصَيْنا. وَقِيلَ: الْقَوْلُ هُنَا مَجَازٌ، وَلَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا شَيْئًا مِمَّا أُمِرُوا بِهِ، جُعِلُوا كَالنَّاطِقِينَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: يُعَبَّرُ بِالْقَوْلِ لِلشَّيْءِ عَمَّا يُفْهَمُ بِهِ مِنْ حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُطْقٌ.

وَقِيلَ: الْمَعْنَى سَمِعْنَا بِآذَانِنَا وَعَصَيْنَا بِقُلُوبِنَا، وَهَذَا رَاجِعٌ لِمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، قَالَ: قَالُوا سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ طَابَقَ قَوْلُهُ جَوَابَهُمْ؟ قُلْتُ: طَابَقَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَالَ لَهُمُ اسْمَعُوا، وَلْيَكُنْ سَمَاعُكُمْ سَمَاعَ تَقَبُّلٍ وَطَاعَةٍ، فَقَالُوا سَمِعْنَا وَلَكِنْ لَا سَمَاعَ طَاعَةٍ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ، لِأَنَّا لَا نَصِيرُ إِلَى التَّأْوِيلِ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ. وَأُشْرِبُوا: عَطْفٌ عَلَى قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَالُوا، أَيْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا وَأُشْرِبْتُمْ، أَوْ عَطْفٌ مُسْتَأْنِفٌ لَا دَاخِلٌ فِي بَابِ الِالْتِفَاتِ، بَلْ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَنْهُمْ بِمَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، أَوِ الْوَاوُ لِلْحَالِ، أَيْ وَقَدْ أُشْرِبُوا وَالْعَامِلُ قَالُوا، وَلَا يَحْتَاجُ الْكُوفِيُّونَ إِلَى تَقْدِيرِ قَدْ فِي الْمَاضِي الْوَاقِعِ حَالًا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ. فِي قُلُوبِهِمُ: ذَكَرَ مكان الإشراب،

(1) سورة التغابن: 64/ 16.

(2)

سورة النساء: 4/ 46.

ص: 494

كَقَوْلِهِ: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ «1» . الْعِجْلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافَيْنِ، أَيْ حُبَّ عِبَادَةِ الْعِجْلِ مِنْ قَوْلِكَ: أَشْرَبْتُ زَيْدًا مَاءً، وَالْإِشْرَابُ مُخَالَطَةُ الْمَائِعِ الْجَامِدَ، وَتُوُسِّعَ فِيهِ حَتَّى صَارَ فِي اللَّوْنَيْنِ، قَالُوا: وَأَشْرَبْتُ الْبَيَاضَ حُمْرَةً، أَيْ خَلَطْتُهَا بِالْحُمْرَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ دَاخَلَهُمْ حُبُّ عِبَادَتِهِ، كَمَا دَاخَلَ الصَّبْغُ الثَّوْبَ، وَأَنْشَدُوا:

إِذَا مَا الْقَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ

فَلَا تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرَافَا

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُقَالُ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ كَذَا، أَيْ حَلَّ مَحَلَّ الشَّرَابِ وَمَازَجَهُ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ حُبِّ الْعِجْلِ بِالشُّرْبِ دُونَ الْأَكْلِ، لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يَتَغَلْغَلُ فِي الْأَعْضَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى بَاطِنِهَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ:

جَرَى حُبُّهَا مَجْرَى دَمِي فِي مَفَاصِلِي

فَأَصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بِهَا شُغْلُ

وَأَمَّا الطَّعَامُ فقالوا: هو مُجَاوِرٌ لَهَا، غَيْرُ مُتَغَلْغِلٍ فِيهَا، وَلَا يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ مِنْهُ إِلَّا يَسِيرٌ، وَقَالَ:

تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ فِي فُؤَادِي

فَبَادِيهِ مَعَ الْخَافِي يَسِيرُ

وَحَسُنَ حَذْفُ ذَيْنِكَ الْمُضَافَيْنِ، وَأُسْنِدَ الْإِشْرَابُ إِلَى ذَاتِ الْعِجْلِ مُبَالَغَةً كَأَنَّهُ بِصُورَتِهِ أُشْرِبُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَذْفِ. وَقِيلَ: مَعْنَى أُشْرِبُوا: أَيْ شَدَّ فِي قُلُوبِهِمْ حُبُّ الْعِجْلِ لِشَغَفِهِمْ بِهِ، مِنْ أَشْرَبْتُ الْبَعِيرَ: إِذَا شَدَدْتَ حَبْلًا فِي عُنُقِهِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الشُّرْبِ حَقِيقَةً، وَذَلِكَ أَنَّهُ نُقِلَ أَنَّ مُوسَى عليه السلام بَرَدَ الْعِجْلَ بِالْمِبْرَدِ وَرَمَاهُ فِي الْمَاءِ وَقَالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ. فَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْعِجْلَ خَرَجَتْ بُرَادَتُهُ عَلَى شَفَتَيْهِ، وَهَذَا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلِهِ: فِي قُلُوبِهِمُ.

وَرُوِيَ أَنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ لَهُمْ حُبُّ الْعِجْلِ أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْجُبْنُ.

وَبِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ: وَأُشْرِبُوا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِهِمْ، وَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: جَاءَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِفَرْطِ وُلُوعِهِمْ بِعِبَادَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ، أَوْ لِأَنَّ السَّامِرِيَّ وَإِبْلِيسَ وَشَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الشُّرْبُ مَادَّةً لِحَيَاةِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، نُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْمَحَبَّةِ، لِأَنَّهَا مَادَّةٌ لِجَمِيعِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنَ الْأَفْعَالِ. بِكُفْرِهِمْ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِ، أَيِ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ هُوَ كُفْرُهُمُ السَّابِقُ، قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ، يَعْنُونَ أَنْ يَكُونَ لِلْحَالِ، أَيْ مَصْحُوبًا بِكُفْرِهِمْ، فَيَكُونَ ذَلِكَ كُفْرًا عَلَى كفر.

(1) سورة النساء: 4/ 10.

ص: 495

قُلْ يَا مُحَمَّدُ، أَوْ قُلْ يَا مَنْ يُجَادِلُهُمْ. بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي بِئْسَ، وَفِي الْمَذَاهِبِ فِي مَا، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: بِهُو إِيمَانُكُمْ، بِضَمِّ الْهَاءِ وَوَصْلِهَا بِوَاوٍ، وَهِيَ لُغَةٌ، وَالضَّمُّ فِي الْأَصْلِ، لَكِنْ كُسِرَتْ فِي أَكْثَرِ اللُّغَاتِ لِأَجْلِ كَسْرَةِ الْبَاءِ، وَعَنَى بِإِيمَانِهِمُ الَّذِي زَعَمُوا فِي قَوْلِهِمْ: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وَأَضَافَ الْأَمْرُ إِلَى إِيمَانِهِمْ عَلَى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، كَمَا قَالَ أَصْحَابُ شُعَيْبٍ:

أصلواتك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ؟ وَقِيلَ: ثَمَّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صَاحِبُ إِيمَانِكُمْ، وَهُوَ إِبْلِيسُ. وَقِيلَ:

ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ التَّقْدِيرُ إِيمَانُكُمُ الْبَاطِلُ، وَأَضَافَ: الْإِيمَانَ إِلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ إِيمَانًا غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلِ الْإِيمَانُ، قَالَهُ بَعْضُ مُعَاصِرِينَا رحمهم الله. وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ بَعْدَ مَا، فَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً، فَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ قَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعِصْيَانُ وَعِبَادَةُ الْعِجْلِ، فَيَكُونُ يَأْمُرُكُمْ صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا شَيْءٌ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ، فَيَكُونُ يَأْمُرُكُمْ صِفَةً لِلْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ الْمَحْذُوفِ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ شَيْئًا مَا يَأْمُرُكُمْ، أَيِ الَّذِي يَأْمُرُكُمْ، فَيَكُونُ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ. وَالْمَخْصُوصُ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَا وَكَذَا. فَيَكُونُ مَا مَوْصُولَةً، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ، فَيَكُونُ مَا تَامَّةً. وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ لِمَا وَحْدَهَا مَوْضِعًا مِنَ الْإِعْرَابِ.

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قيل: إن نافية، وَقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَشْكِيكٌ فِي إِيمَانِهِمْ، وَقَدْحٌ فِي صِحَّةِ دَعْوَاهُمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَدْ يَأْتِي الشَّرْطُ، وَالشَّارِطُ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى أَحَدِ الْجِهَتَيْنِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَنْ عِيسَى عليه السلام: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ «1» ، وَقَدْ عَلِمَ عِيسَى عليه السلام أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَالْقَائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ أَقَامَ حُجَّةً لِقِيَاسٍ بَيِّنٍ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَهُوَ يُؤَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إِلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أَيْ إِنْ كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم به إيمانكم. وقيل تَقْدِيرُهُ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَا تَقْتُلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَلَا تُكَذِّبُوا الرُّسُلَ، وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ. وَتَقْدِيرُ الْحَذْفِ الْأَوَّلِ أَعْرَبُ وَأَقْوَى.

قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً: نَزَلَتْ فِيمَا حكاه ابن الجوزي عند ما قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الْجَنَّةَ إِلَّا لِإِسْرَائِيلَ وَبَنِيهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ:

(1) سورة المائدة: 5/ 116.

ص: 496

سَبَبُ نُزُولِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ قَوْلُهُمْ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً «1» ، ونَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ «2» ، ولَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ «3» ، الْآيَاتِ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ. وَالضَّمِيرُ فِي قُلْ، إِمَّا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَإِمَّا لِمَنْ يَنْبَغِي إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَفَسَّرُوا الدَّارَ الْآخِرَةَ بِالْجَنَّةِ، قَالُوا: وَذَلِكَ مَعْهُودٌ فِي إِطْلَاقِهَا عَلَى الْجَنَّةِ. قَالَ تَعَالَى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً «4» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا يُجْعَلُ لِهَؤُلَاءِ هُوَ الْجَنَّةُ، وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ «5» . وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْنَى، أَيْ نَعِيمُ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَحُظْوَتُهَا وَخَيْرُهَا، لِأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ هِيَ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا. وَسُمِّيَتْ آخِرَةً لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ هِيَ آخِرُ مَا يُسْكَنُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ «6» . وَمَعْنَى: عِنْدَ اللَّهِ، أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ فِي حُكْمِهِ هُمُ الْفاسِقُونَ «7» . وَقِيلَ:

الْمُرَادُ بِالْعِنْدِيَّةِ هُنَا: الْمَكَانَةُ وَالْمَرْتَبَةُ وَالشَّرَفُ، لَا الْمَكَانُ. وَمَعْنَى خَالِصَةً: أَيْ مُخْتَصَّةً بِكُمْ، لاحظ فِي نَعِيمِهَا لِغَيْرِكُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِعْرَابِ خَالِصَةً، فَقِيلَ: نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَلَمْ يَحْكِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ إِذْ ذَاكَ خَبَرُ كَانَتْ، وَيَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ هُوَ الْعَامِلَ فِي الْمَجْرُورِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ إِذْ ذَاكَ الْخَبَرَ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ مَعْنَى الْكَلَامِ بِهِ وَحْدَهُ. وَقَدْ وَهَمَ فِي ذَلِكَ الَمَهْدَوِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ، إِذْ قَالَا: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبُ خَالِصَةً عَلَى الْحَالِ، وَعِنْدَ اللَّهِ خَبَرُ كَانَ. وَقِيلَ: انْتِصَابُ خَالِصَةً عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، فَيَجُوزُ فِي لَكُمْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِكَانَتْ، لِأَنَّ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَرْفُ الْجَرِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يتعلق بخالصة. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَكُمْ، أَعْنِي نَحْوَ قَوْلِهِمْ: سَقْيًا لَكَ إِذْ تَقْدِيرُهُ:

لَكَ أَدْعُو.

مِنْ دُونِ النَّاسِ: مُتَعَلِّقٌ بِخَالِصَةٍ، وَدُونَ هُنَا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ لِلِاخْتِصَاصِ، وَقَطْعِ الشَّرِكَةِ. تَقُولُ: هَذَا وَلِيٌّ دُونَكَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ لَا حَقَّ فِيهِ لَكَ مَعِي وَلَا نَصِيبَ. وَفِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ يَأْتِي لِمَعْنَى الِانْتِقَاصِ فِي الْمَنْزِلَةِ أَوِ الْمَكَانِ أَوِ الْمِقْدَارِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ: الْجِنْسُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَقَوْلِهِ: خَالِصَةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ. وقيل:

(1) سورة البقرة: 2/ 111.

(2)

سورة المائدة: 5/ 18.

(3)

سورة البقرة: 2/ 80.

(4)

سورة القصص: 28/ 83.

(5)

سورة الأنعام: 6/ 32.

(6)

سورة النمل: 27/ 3.

(7)

سورة آل عمران: 3/ 82.

ص: 497

الْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالُوا، وَيُطْلَقُ النَّاسُ، وَيُرَادُ بِهِ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى مَجَازٍ وَتَنْزِيلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مَنْزِلَةَ الْجَمَاعَةِ. فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ: أَيْ سَلُوهُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْقَلْبِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَوْ تُمَنَّوْهُ بِقُلُوبِكُمْ وَاسْأَلُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، قَالَهُ قَوْمٌ. أَوْ فَسَلُوهُ بِقُلُوبِكُمْ عَلَى أَرْدَأِ الْحِزْبَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِنْهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَتُمَنَّوُا الْمَوْتَ، بِضَمِّ الْوَاوِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي مِثْلِ: اخْشَوُا الْقَوْمَ. وَيَجُوزُ الْكَسْرُ تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الْوَاوِ بِوَاوِ: وَلَوِ اسْتَطَعْنَا، كَمَا شَبَّهُوا وَاوَ لَوْ بِوَاوِ اخْشَوْا، فَضَمُّوا، فَقَالُوا: لَوِ اسْتَطَعْنَا. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ بِالْكَسْرِ، وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزْدَادَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، أَنَّهُ قَرَأَ: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَحَرَّكَهَا بِالْفَتْحِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ، لِأَنَّ الضَّمَّةَ وَالْكَسْرَةَ فِي الْوَاوِ يُثْقِلَانِ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي عمرو:

واختلاس ضَمَّةِ الْوَاوِ.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ لَكُمْ دُونَ غَيْرِكُمْ. وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أَيْ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ. وَعَلَّقَ تَمَنِّيَهُمْ عَلَى شَرْطٍ مَفْقُودٍ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ صَادِقِينَ، وَلَيْسُوا بِصَادِقِينَ فِي أَنَّ الْجَنَّةَ خَالِصَةٌ لَهُمْ دُونَ النَّاسِ، فَلَا يَقَعُ التَّمَنِّي: وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ التَّحَدِّي وَإِظْهَارُ كَذِبِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، اخْتَارَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهَا، وَأَنْ يَخْلُصَ مِنَ الْمَقَامِ فِي دَارِ الْأَكْدَارِ، وَأَنْ يَصِلَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ. كَمَا رُوِيَ عَمَّنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْجَنَّةِ، كَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَحُذَيْفَةَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ الْمَوْتَ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ كَانَتْ تَخْتَارُ الشَّهَادَةَ.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَيْتَنِي أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ» .

لِمَا عَلِمَ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ.

وَقَالَ، لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ مَنْ قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ:

«يَا لَيْتَنِي غُودِرْتُ مَعَهُمْ فِي لِحْفِ الْجَبَلِ» .

وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ، فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ. وَعَنْ عَمَّارٍ، لَمَّا كَانَ بِصِفِّينَ قَالَ: غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّةَ، مُحَمَّدًا وَصَحْبَهُ.

وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِغِلَالَةٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ: مَا هَذَا بِزِيِّ الْمُحَارِبِينَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَا يُبَالِي أَبُوكَ، أَعَلَى الْمَوْتِ سَقَطَ، أَمْ عَلَيْهِ سَقَطَ الْمَوْتُ.

وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يُنْشِدُ، وَهُوَ يُقَاتِلُ الرُّومَ:

يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا

طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا

وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا وَفِي قِصَّتَيْ قَتْلِ عُثْمَانَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا الشَّهَادَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ جَاءَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا لَهُ: نُقَاتِلُ عَنْكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: لَا، وَكَانَ لَهُ قَرِيبٌ مِنْ

ص: 498

أَلْفِ عَبْدٍ، فَشَهَرُوا سُيُوفَهُمْ لَمَّا هُجِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: من أعمد سَيْفَهُ فَهُوَ حُرٌّ. فَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ. وَأَمَّا سَعِيدٌ، فَإِنَّ الْمُوَكَّلِينَ بِهِ، لِمَا طَلَبَهُ الْحَجَّاجُ، لمَّا شَاهَدُوا مِنْ لِيَاذِ السِّبَاعِ بِهِ وَتَمَسُّحِهَا بِهِ، قَالُوا: لَا نَدْخُلُ فِي إِرَاقَةِ دَمِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ، قَالُوا لَهُ: طَلَبَكَ لِيَقْتُلَكَ، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَنَحْنُ نَكُونُ فداءك. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي الشَّهَادَةَ، وَقَدْ رَزَقَنِيهَا، وَاللَّهِ لَا بَرِحْتُ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم:«لَوْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إِنْسَانٍ بِرِيقِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ» .

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَأَنْ يُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ مَنْ تَمَنَّاهُ مِنْهُمْ مَاتَ. فَفَعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ، فَعَلِمَ الْيَهُودُ صِدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عَنْ تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللَّهِ.

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ: هَذَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ، وَنَظِيرُهُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبِ قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «1» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْجَنَّةَ خَالِصَةٌ لَهُ دُونَ النَّاسِ مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَمَنَّى الْمَوْتَ أَبَدًا، وَلِذَلِكَ كَانَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنَا لَنْ الَّذِي قَدِ ادُّعِيَ فِيهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي النَّفْيَ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: أَبَدًا، عَلَى زَعْمِ مَنِ ادَّعَى ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ. وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ بِمَعْنَى لَا، فَيَكُونُ أَبَدًا إِذْ ذَاكَ مُفِيدًا لِاسْتِغْرَاقِ الْأَزْمَانِ.

وَيَعْنِي بِالْأَبَدِ هُنَا: مَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ زَمَانِ أَعْمَارِهِمْ.

وَفِي الْمُنْتَخَبِ مَا نَصُّهُ: وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ، وَفِي الْجُمُعَةِ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ «2» ، لِأَنَّ دَعْوَاهُمْ هُنَا أَعْظَمُ مِنْ دَعْوَاهُمْ هُنَاكَ، لِأَنَّ السَّعَادَةَ الْقُصْوَى فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْوِلَايَةِ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُرَادُ لِحُصُولِ الْأُولَى، وَلَنْ أَبْلَغُ فِي النَّفْيِ مِنْ لا، فجعلها لنفي الْأَعْظَمَ. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الَمَهْدَوِيُّ فِي (كِتَابِ التَّحْصِيلِ) مِنْ تَأْلِيفِهِ: وَهَذِهِ الْمُعْجِزَةُ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ارْتَفَعَتْ بِوَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم. وَنَظِيرُ ذَلِكَ رَجُلٌ يَقُولُ لِقَوْمٍ حَدَّثَهُمْ بِحَدِيثٍ: دَلَالَةُ صِدْقِي، أَنْ أُحَرِّكَ يَدِي وَلَا يَقْدِرَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنْ يُحَرِّكَ يَدَهُ، فَيَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، وَلَا يُبْطِلَ دَلَالَتَهُ إِنْ حَرَّكُوا أَيْدِيَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ.

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ النَّازِلَةَ مِنْ مَوْتِ مَنْ تَمَنَّى الْمَوْتَ، إِنَّمَا كَانَتْ أَيَّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ دُعَائِهِ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، انتهى

(1) سورة البقرة: 2/ 24. [.....]

(2)

سورة الجمعة: 62/ 7.

ص: 499

كَلَامُهُ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ، أَعْنِي قَوْلَ الَمَهْدَوِيِّ وَابْنِ عَطِيَّةَ، مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ أَبَدًا ظَاهِرُهُ أَنْ يَسْتَغْرِقَ مدة أعمارهم، كما بيناه. وَهَلِ امْتِنَاعُهُمْ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، كَانَ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ عَرَضَ عَلَى قَوْمِهِ أَمْرًا وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ فَرَدُّوهُ تَكْذِيبًا لَهُ، فَإِنَّ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ؟ أَوْ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ؟ أَوْ لِصَرْفِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ فِي عَدَمِ مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ؟ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ. وَالَّذِي قَدَّمَتْهُ أَيْدِيِهِمْ: تَكْذِيبُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَقَتْلُهُمْ إِيَّاهُمْ، وَقَوْلُهُمْ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً «1» ، وَقَوْلُهُمْ: اجْعَلْ لَنا إِلهاً «2» ، وقولهم:

فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ «3» ، وَاعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْتِ، وَسَائِرُ الْكَبَائِرِ الَّتِي لَمْ تَصْدُرْ مِنْ أُمَّةٍ قَبْلَهُمْ وَلَا بَعْدَهُمْ. وَهَذَا التَّمَنِّي الَّذِي طُلِبَ مِنْهُمْ، وَنُفِيَ عَنْهُمْ، لَمْ يَقَعْ أَصْلًا مِنْهُمْ، إِذْ لَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَلَتَوَفَّرَتْ دَوَاعِي الْمُخَالِفِينَ لِلْإِسْلَامِ عَلَى نَقْلِهِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَقْوَالُ فِي تَفْسِيرِ التَّمَنِّي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْنِي بِهِ هُنَا الْعَمَلَ الْقَلْبِيَّ، لِأَنَّهُ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَلَا يُتَحَدَّى بِهِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْقَوْلَ اللِّسَانِيَّ كَقَوْلِكَ: لَيْتَ الْأَمْرَ يَكُونُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِقَائِلٍ ذَلِكَ: تَمَنَّى؟ وَتُسَمَّى لَيْتَ كَلِمَةَ تَمَنٍّ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَيْضًا أَنَّهُمْ قَالُوا: تَمَنَّيْنَا ذَلِكَ بِقُلُوبِنَا، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْإِخْبَارِ أَنَّهُمْ تَمَنَّوْا بِقُلُوبِهِمْ، كَوْنَهُمْ لَا يُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ قَاوَلُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَشْيَاءَ لَا يُصَدِّقُونَهُمْ فِيهَا، مِنَ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ، وَتَحْرِيفِ كِتَابِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ. وَأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِنِ ادِّعَاءِ بُنُوَّةٍ وَمَحَبَّةٍ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَا جَعَلَتْهُ الْيَهُودُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ، غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ، لَا يَزُولُ عَنْهُمْ خَوَّفُ الْخَاتِمَةِ. وَالْخَاطِئُ مِنْهُمْ مُفْتَقِرٌ إِلَى زَمَانٍ يَتَدَارَكُ فِيهِ تَكْفِيرَ خَطَئِهِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَمَنَّ الْمُؤْمِنُونَ الْمَوْتَ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ يَتَمَنَّوْنَهُ. وَذَكَرُوا فِي مَا مِنْ قَوْلِهِ:

بِما قَدَّمَتْ، أَنَّهَا تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَوْصُولٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَمَّا اجْتَرَحُوهُ مِنَ الْمَعَاصِي السَّابِقَةِ. وَنُسِبَ التَّقْدِيمُ لِلْيَدِ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى بِمَا قَدَّمُوهُ، إِذْ كَانَتِ الْيَدُ أَكْثَرَ الْجَوَارِحِ تَصَرُّفًا فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَكَثُرَ هَذَا الِاسْتِعْمَالُ فِي الْقُرْآنِ: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ «4» ، بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ «5» ، فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «6» . وقيل:

(1) سورة النساء: 4/ 153.

(2)

سورة الأعراف: 7/ 138.

(3)

سورة الماء: 5/ 24.

(4)

سورة الحج: 22/ 10.

(5)

سورة الأنفال: 8/ 51.

(6)

سورة الشورى: 42/ 30.

ص: 500

الْمُرَادُ الْيَدُ حَقِيقَةً هُنَا، وَالَّذِي قَدَّمَتْهُ أَيْدِيهِمْ هُوَ تَغْيِيرُ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ ذَلِكَ بِكِتَابَةِ أَيْدِيهِمْ.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: هَذِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَمَعْنَاهَا: التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ، وَعِلْمُ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِالظَّالِمِ وَغَيْرِ الظَّالِمِ. فَالِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِ الظَّالِمِ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْوَعِيدِ. وَقِيلَ:

مَعْنَاهُ مُجَازِيهِمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَكَنَّى بِالْعِلْمِ عَنِ الْجَزَاءِ، وَعُلِّقَ الْعِلْمُ بِالْوَصْفِ لِيَدُلَّ عَلَى الْعُلِّيَّةِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الظَّالِمِينَ لِلْعَهْدِ، فَتَخْتَصُّ بِالْيَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، أَوْ لِلْجِنْسِ، فَتَعُمُّ كُلَّ ظَالِمٍ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الظَّالِمِينَ، لِأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ تَجَاوُزُ مَا حَدَّ اللَّهُ، وَلَا شَيْءَ أَبْلَغُ فِي التَّعَدِّي مِنِ ادِّعَاءِ خُلُوصِ الْجَنَّةِ لِمَنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِشَيْءٍ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا، وَانْفِرَادِهِ بِذَلِكَ دُونَ النَّاسِ.

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ: الْخِطَابُ هُنَا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَوَجَدَ هُنَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَفْعُولَيْنِ: أَحَدُهُمَا الضَّمِيرُ، وَالثَّانِي أَحْرَصَ النَّاسِ. وَإِذَا تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَانَتْ بِمَعْنَى عَلِمَ الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى اثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ «1» . وَكَوُنُهَا هُنَا تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، هُوَ قَوْلُ مَنْ وَقَفْنَا عَلَى كَلَامِهِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجَدَ هُنَا بِمَعْنَى لَقِيَ وَأَصَابَ، وَيَكُونَ انْتِصَابُ أَحْرَصَ عَلَى الْحَالِ، لَكِنْ لَا يَتِمُّ هَذَا إِلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ إِضَافَةَ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ بِمَحْضَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَارِسِيِّ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ. أَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مَحْضَةٌ، وَلَا يُجِيزُ فِي الْحَالِ أَنْ تَأْتِيَ مَعْرِفَةً، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِي أَحْرَصَ النصب على الحال. وأحرص هُنَا هِيَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وَهِيَ مُؤَوَّلَةٌ. بِمَعْنَى مِنْ، وَقَدْ أُضِيفَ إِلَى مَعْرِفَةٍ، فَيَجُوزُ فِيهَا الْوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُفْرَدَ مُذَكَّرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى مُفْرَدٍ وَمُثَنَّى وَمَجْمُوعٍ، وَمُذَكَّرٍ وَمُؤَنَّثٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يُطَابِقَ مَا قَبْلَهَا. فَمِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَحْرَصَ النَّاسِ وَلَوْ جَاءَ عَلَى الْمُطَابَقَةِ، لَكَانَ أَحَارِصَ النَّاسِ، أَوْ أَحْرَصِي النَّاسِ. وَمِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي قَوْلُهُ: أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا، كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَصِيحٌ. وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ أَفْصَحُ مِنَ الْإِفْرَادِ.

وَذَهَبَ ابْنُ السَّرَّاجِ إِلَى تَعَيُّنِ الْإِفْرَادِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى مَعْرِفَةٍ، كَهَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ، فَشَرْطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْبَصْرِيُّونَ يُوسُفُ أَحْسَنُ إِخْوَتِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحْسَنُ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وَتَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِمَّا يُشْبِهُهُ، وَشَذَّ نحو قوله:

(1) سورة الأعراف: 7/ 102.

ص: 501

يَا رَبَّ مُوسَى أَظْلَمِي وَأَظْلَمَهُ يُرِيدُ: أَظْلَمْنَا حَيْثُ لم يضف أَظْلَمَ إِلَى مَا هُوَ بَعْضُهُ. وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي وَلَتَجِدَنَّهُمْ عَائِدٌ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ، أَوْ عَلَى جَمِيعِ الْيَهُودِ، أَوْ عَلَى عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ. وَأَتَى بِصِيغَةِ أَفْعَلَ مِنَ الْحِرْصِ مُبَالَغَةً فِي شِدَّةِ طَلَبِهِمْ لِلْبَقَاءِ وَدَوَامِ الْحَيَاةِ. وَالنَّاسُ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فَتَعُمُّ، أَوْ لِلْعَهْدِ. إِمَّا لِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ مَعْرُوفِينَ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْحِرْصُ عَلَى الْحَيَاةِ، أَوْ لِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمَجُوسَ، أَوْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا يُوقِنُونَ بِبَعْثٍ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ إِلَّا نَعِيمُ الدُّنْيَا، أَوْ بُؤْسُهَا، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ:

تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ فَانِ

مِنَ النَّشَوَاتِ وَالنِّسَا الْحِسَانِ

وَقَالَ آخَرُ:

إِذَا انْقَضَتِ الدُّنْيَا وَزَالَ نَعِيمُهَا

فَمَا لِيَ فِي شَيْءٍ سِوَى ذَاكَ مَطْمَعُ

عَلى حَياةٍ: قَدَّرُوا فِيهِ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ عَلَى طُولِ حَيَاةٍ، أَوْ عَلَى حَذْفِ صِفَةٍ، أَيْ عَلَى حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ. وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ حَذْفٌ لَصَحَّ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى مُطْلَقِ حَيَاةٍ، لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَحْرَصَ عَلَى مُطْلَقِ حَيَاةٍ، وَهُوَ تَحَقُّقُهَا بِأَدْنَى زَمَانٍ، فَلِأَنْ يَكُونَ أَحْرَصَ عَلَى حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ أَوْلَى، وَكَانُوا قَدْ ذُمُّوا بِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا عَلَى حَيَاةٍ، وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً. وَقَرَأَ أُبَيٌّ: عَلَى الْحَيَاةِ، بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَا مَعْنَاهُ:

قِرَاءَةُ التَّنْكِيرِ أَبْلَغُ مِنْ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ، لِأَنَّهُ أَرَادَ حَيَاةً مَخْصُوصَةً، وَهِيَ الْحَيَاةُ الْمُتَطَاوِلَةُ. انْتَهَى.

وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُضْطَرُّ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ.

وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا دَاخِلًا تَحْتَ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى، لِأَنَّ مَعْنَى أَحْرَصَ النَّاسِ: أَحْرَصُ مِنَ النَّاسِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ، أَيْ وَأَحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، فَحُذِفَ أَحْرَصُ لِدَلَالَةِ أَحْرَصَ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ. وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا: الْمَجُوسُ، لِعِبَادَتِهِمُ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ. وَقِيلَ: النَّارَ، أَوْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ لِعِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ وَاتِّخَاذِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، أَوْ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ، كَمَا قال تعالى: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً «1» .

وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَكُونُ: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا تَخْصِيصًا بَعْدَ تَعْمِيمٍ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ

(1) سورة النازعات: 79/ 11.

ص: 502

أَحْرَصَ النَّاسِ عَامٌّ، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ تَوْبِيخٍ لِلْيَهُودِ، إِذْ هُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يَرْجُونَ ثَوَابًا وَيَخَافُونَ عِقَابًا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَحْرَصُ مِمَّنْ لَا يَرْجُو ذَلِكَ وَلَا يُؤْمِنُ بِبَعْثٍ. وَإِنَّمَا كَانَ حِرْصُهُمْ أَبْلَغَ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْعِقَابِ، فَكَانُوا أَحَبَّ النَّاسِ فِي الْبُعْدِ مِنْهُ، لِأَنَّ مَنْ تَوَقَّعَ شَرًّا كَانَ أَنْفَرَ النَّاسِ عَنْهُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْحَيَاةُ سَبَبًا فِي تَبَاعُدِ الْعِقَابِ، كَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَيْهَا. وَعَلَى هَذَا الَّذِي تَقَرَّرَ مِنِ اتِّصَالٍ، وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مِنْ، لِأَنَّ أَحْرَصَ النَّاسِ جَرَى عَلَى الْيَهُودِ، فَلَوْ عَطَفْتَ بِغَيْرِ مِنْ لَكَانَ مَعْطُوفًا عَلَى النَّاسِ، فَيَكُونُ فِي الْمَعْنَى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، فَكَانَ أَفْعَلُ يُضَافُ إِلَى غَيْرِ مَا انْدَرَجَ تَحْتَهُ، لِأَنَّ الْيَهُودَ لَيْسُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ فُسِّرَ بِهِمُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا هُنَا، لَا إِذَا قُلْنَا: إِنِ الثَّوَانِيَ فِي الْعَطْفِ يَجُوزُ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ فِي الْأَوَائِلِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ:

وَلَتَجِدَنَّهُمْ، أَيْ وَلَتَجِدَنَّهُمْ وَطَائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ، فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. فَهُوَ مَعْنًى يَصِحُّ، لَكِنَّ اللَّفْظَ وَالتَّرْكِيبَ يَنْبُو عَنْهُ وَيُخْرِجُهُ عَنِ الْفَصَاحَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى أن يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَخُصُّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ بِالضَّرُورَةِ.

وَهَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِي: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لِعَطْفِ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ لِعَطْفِ الْجُمَلِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ مُنْقَطِعًا مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءَ، إِخْبَارٍ عَنْ قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوَدُّونَ طُولَ الْحَيَاةِ أَيْضًا. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالَّذِينَ أَشْرَكُوا: أَهُمُ الْمَجُوسُ؟ أَمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ؟ أَمْ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؟ وَأَمَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ، فَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُمُ الْمَجُوسُ، لِأَنَّ تَشْمِيتَهُمْ لِلْعَاطِسِ بِلُغَتِهِمْ مَعْنَاهُ: عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ تَشْبِيهٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بِهَذِهِ الْفِرْقَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا عَلَى هَذَا، أَيْ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، مُشَارٌ بِهِ إِلَى الْيَهُودِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.

فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، يَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الَّتِي اشْتَدَّ حِرْصُهَا عَلَى الْحَيَاةِ مَنْ يَوَدُّ لَوْ عُمِّرَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نِهَايَةً فِي تَمَنِّي طُولِ الْحَيَاةِ، وَيَكُونُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا مِنْ وُقُوعِ الظَّاهِرِ الْمُشْعِرِ بِالْعِلْيَةِ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ، إِذِ الْمَعْنَى: وَمِنْهُمْ قَوْمٌ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، وَيَوَدُّ أَحَدُهُمْ صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا قَوْمٌ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، وَهَذَا مِنَ الْمَوَاضِعِ

ص: 503

الَّتِي يَجُوزُ حَذْفُ الْمَوْصُوفِ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ «1» ، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ «2» ، وَكَقَوْلِ الْعَرَبِ: مِنَّا ظَعَنَ وَمِنَّا أَقَامَ، وَعَلَى أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِي وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لِعَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ، قَالُوا: وَيَكُونُ قَوْلُهُ:

يَوَدُّ أَحَدُهُمْ جُمْلَةً فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ وَادًّا أَحَدُهُمْ، قَالُوا: وَيَكُونُ حَالًا مِنَ الَّذِينَ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ أَحْرَصَ الْمَحْذُوفَ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أَشْرَكُوا، فَيَكُونُ الْعَامِلُ أَشْرَكُوا.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي وَلَتَجِدَنَّهُمْ، أَيْ وَلَتَجِدَنَّهُمُ الْأَحْرَصِينَ عَلَى الْحَيَاةِ وَادًّا أَحَدُهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ إِخْبَارٍ عَنْهُمْ يُبَيِّنُ حَالَ أَمْرِهِمْ فِي ازْدِيَادِ حِرْصِهِمْ عَلَى الْحَيَاةِ.

أَحَدُهُمْ: أَيُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ أَحَدٌ هُنَا هُوَ الَّذِي فِي قَوْلِهِمْ مَا قَامَ أَحَدٌ، لِأَنَّ هَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي النَّفْيِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَحَدًا هَذَا أُصُولُهُ هَمْزَةٌ وَحَاءٌ وَدَالٌ، وَأُصُولُ ذَلِكَ وَاوٌ وَحَاءٌ وَدَالٌ. فَالْهَمْزَةُ فِي أَحَدُهُمْ بَدَلٌ مِنْ وَاوٍ، وَلَا يُرَادُ بِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ أَيْ يَوَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ دُونَ سَائِرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَحَدُهُمْ هُنَا عَامٌّ عُمُومَ الْبَدَلِ، أَيْ هَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِوُدِّهِمْ أَنْ يُعَمَّرُوا أَلْفَ سَنَةٍ، هُوَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَدَلِ. فَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى حِرْصِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَشِدَّةِ تَعَلُّقِ قَلْبِهِ بِطُولِ الْحَيَاةِ، وَجَدْتَهُ لَوْ عُمِّرَ أَلْفَ سَنَةٍ. لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ: مَفْعُولُ الْوِدَادَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ طُولَ الْعُمْرِ. وَجَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لَسُرَّ بِذَلِكَ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ يَوَدُّ لِدَلَالَةِ لَوْ يُعَمَّرُ عَلَيْهِ، وَحُذِفَ جَوَابُ لَوْ لِدَلَالَةِ يَوَدُّ عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الْبَصْرِيِّينَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا إِلَى أَنَّ لَوْ هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنْ، فَلَا يَكُونُ لَهَا جَوَابٌ، وَيَنْسَبِكُ مِنْهَا مَصْدَرٌ هُوَ مَفْعُولُ يَوَدُّ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ تَعْمِيرَ أَلْفِ سَنَةٍ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ مَحَلُّ إِعْرَابٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ هُوَ مَذْكُورٌ فِي عِلْمِ النَّحْوِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ لَوْ يُعَمَّرُ بِيَوَدُّ أَحَدُهُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ حِكَايَةٌ لِوِدَادَتِهِمْ، وَلَوْ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي، وَكَانَ الْقِيَاسُ لَوْ أُعَمِّرُ، إِلَّا أَنَّهُ جَرَى عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ لِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ بَعْضُ إِبْهَامٍ، وَذَلِكَ أَنَّ يَوَدُّ فعلى قَلْبِيٌّ، وَلَيْسَ فِعْلًا قَوْلِيًّا، وَلَا مَعْنَاهُ مَعْنَى الْقَوْلِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ تقول هو حكاية

(1) سورة الصافات: 37/ 164.

(2)

سورة النساء: 4/ 159.

ص: 504

لِوِدَادَتِهِمْ؟ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَوَّغُ إِلَّا عَلَى تَجَوُّزٍ، وَذَلِكَ أَنْ يُجْرِيَ يَوَدُّ مُجْرَى يَقُولُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ يَنْشَأُ عَنِ الْأُمُورِ الْقَلْبِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ أَحَدُهُمْ عَنْ وِدَادَةٍ مِنْ نَفْسِهِ لَوْ أُعَمِّرُ أَلْفَ سَنَةٍ. وَلَا تَحْتَاجُ لَوْ، إِذَا كَانَتْ لِلتَّمَنِّي، إِلَى جُمْلَةٍ جَوَابِيَّةٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهَا مَعْنَى: يَا لَيْتَنِي أُعَمِّرُ، وَتَكُونُ إِذْ ذَاكَ الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ مَفْعُولٍ عَلَى طَرِيقِ الْحِكَايَةِ. فَتَلَخَّصَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي لَوْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَنْ تَكُونَ حَرْفًا لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وَأَنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي مَحْكِيَّةً. وَمَعْنَى أَلْفَ سَنَةٍ: الْعُمْرُ الطَّوِيلُ فِي أَبْنَاءِ جِنْسِهِ، فَيَكُونُ أَلْفَ سَنَةٍ كِنَايَةً عَنِ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أن يزيد أَلْفَ سَنَةٍ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَلْفَ سَنَةٍ، لِأَنَّ التَّمَنِّيَ يَقَعُ عَلَى الْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً أَوْ عَقْلًا، فَيَكُونُ هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ فِي ازْدِيَادِ الْحَيَاةِ يَتَعَلَّقُ تَمَنِّيهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَادَةً.

وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ: الضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ: وما هُوَ عَائِدٌ عَلَى أَحَدِهِمْ، وَهُوَ اسْمُ مَا، وَبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرُ مَا، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَذَلِكَ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذلك، وَأَنْ يُعَمَّرَ فَاعِلَ بِمُزَحْزِحِهِ، أَيْ وَمَا أَحَدُهُمْ مُزَحْزِحُهُ مِنَ الْعَذَابِ تَعْمِيرُهُ. وَجَوَّزُوا أَيْضًا فِي هَذَا الْوَجْهِ، أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى أَحَدُهُمْ، أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً، وَبِمُزَحْزِحِهِ خبر. وَأَنْ يُعَمَّرَ فَاعِلَ بِمُزَحْزِحِهِ، فَتَكُونَ مَا تَمِيمِيَّةً. وَهَذَا الْوَجْهُ، أَعْنِي أَنْ تَكُونَ مَا تَمِيمِيَّةً هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَأَجَازُوا أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرًا عَائِدًا عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: لَوْ يُعَمَّرُ، وَأَنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنْهُ، وَارْتِفَاعُ هُوَ عَلَى وَجْهَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ اسْمَ مَا أَوْ مُبْتَدَأً. وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّعْمِيرِ، وَأَنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنْهُ، وَلَا يَعُودُ هُوَ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَالَّذِي قَبْلَهُ، أَنَّ مُفَسِّرِ الضَّمِيرِ هُنَا هُوَ الْبَدَلُ، وَمُفَسِّرُهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هُوَ الْمَصْدَرُ الدَّالُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ فِي لَوْ يُعَمَّرُ. وَكَوْنُ الْبَدَلِ يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ فِيهِ خِلَافٌ، وَلَا خِلَافَ فِي تَفْسِيرِ الضَّمِيرِ بِالْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْفِعْلِ السَّابِقِ. فَهَذَا يُفَسِّرُهُ مَا قَبْلَهُ، وَذَاكَ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ.

وَهَذَا الَّذِي عَنَى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْهَمًا، وَأَنْ يُعَمَّرَ مُوَضِّحَهُ. يَعْنِي:

أَنْ يَكُونَ هُوَ لَا يَعُودُ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ، وَأَنْ يُعَمَّرَ بَدَلٌ مِنْهُ وَهُوَ مُفَسِّرٌ. وَأَجَازَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي الْحَلَبِيَّاتِ أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وَهَذَا مَيْلٌ مِنْهُ إِلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَهُوَ أَنَّ مُفَسِّرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالْمَجْهُولِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ جُمْلَةٍ إِذَا انْتَظَمَ إِسْنَادًا مَعْنَوِيًّا نَحْوَ: ظَنَنْتُهُ قَائِمًا زيد، وَمَا هُوَ بِقَائِمٍ زَيْدٌ، فَهُوَ مُبْتَدَأٌ ضَمِيرٌ مَجْهُولٌ عِنْدَهُمْ، وَبِقَائِمٍ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَزَيْدٌ فَاعِلٌ بِقَائِمٍ. وَكَانَ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ: مَا هُوَ يَقُومُ زَيْدٌ، وَلِذَلِكَ أَعْرَبُوا

ص: 505

في: ظننته قائما زيد، الْهَاءَ ضَمِيرَ الْمَجْهُولِ، وَهِيَ مَفْعُولُ ظَنَنْتُ، وَقَائِمًا الْمَفْعُولُ الثَّانِي، وَزَيْدٌ فَاعِلٌ بِقَائِمٍ. وَلَا يَجُوزُ فِي مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يُفَسَّرَ إِلَّا بِجُمْلَةٍ مُصَرَّحٍ بِجُزْأَيْهَا سَالِمَةٍ مِنْ حَرْفِ جَرٍّ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: هُوَ عِمَادٌ. انْتَهَى كَلَامُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِمَادَ فِي مَذْهَبِ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مَعَ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، فَإِذَا قُلْتَ: مَا زَيْدٌ هُوَ الْقَائِمُ، جَوَّزُوا أَنْ تَقُولَ: مَا هُوَ الْقَائِمُ زَيْدٌ.

فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ، وَمَا تَعْمِيرُهُ هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ. ثُمَّ قُدِّمَ الْخَبَرُ مَعَ الْعِمَادِ، فَجَاءَ: وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ، أَيْ تَعْمِيرَهُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، لِأَنَّ شَرْطَ الْفَصْلِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا. وَتَلَخَّصَ فِي هَذَا الضَّمِيرِ: أَهُوَ عَائِدٌ عَلَى أَحَدُهُمْ؟ أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ يُعَمَّرُ؟ أَوْ عَلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يُعَمَّرَ؟ أَوْ هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ؟ أَوْ عِمَادٌ؟ أَقْوَالٌ خَمْسَةٌ، أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ.

وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ يَعْمَلُونَ بِالْيَاءِ، عَلَى نَسَقِ الْكَلَامِ السَّابِقِ.

وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالْأَعْرَجُ وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ، عَلَى سَبِيلِ الالتفات والخروج من العيبة إِلَى الْخِطَابِ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ، وَأَتَى هُنَا بِصِفَةِ بَصِيرٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَنَزِّهًا عَنِ الْجَارِحَةِ، إِعْلَامًا بِأَنَّ عِلْمَهُ، بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ، عِلْمُ إِحَاطَةٍ وَإِدْرَاكٍ لِلْخَفِيَّاتِ.

وَمَا: فِي بِمَا، مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ يَعْمَلُونَهُ. وَجَوَّزُوا فِيهَا أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِعَمَلِهِمْ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ، وَإِنْ كَانَ عِلْمُهُ تَعَالَى مُحِيطًا بِأَعْمَالِهِمُ السَّالِفَةِ وَالْآتِيَةِ لِتَوَاخِي الْفَوَاصِلِ.

وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ الامتنان على بني إسرائيل وَتَذْكَارَهُمْ بِنِعَمِ اللَّهِ، إِذْ آتَى مُوسَى التَّوْرَاةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْهُدَى وَالنُّورِ، وَوَالَى بَعْدَهُ بِالرُّسُلِ لِتَجْدِيدِ دِينِ اللَّهِ وَشَرَائِعِهِ، وَآتَى عِيسَى الْأُمُورَ الْخَارِقَةَ، مِنْ إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، وَإِيجَادِ الْمَخْلُوقِ، وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَالْإِنْبَاءِ بِالْمُغَيَّبَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَيَّدَهُ بِمَنْ يُنْزِلُ الْوَحْيَ عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عليه السلام. ثُمَّ مَعَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ وَالنِّعَمِ كَانُوا أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ قَبُولِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكَانُوا بِحَيْثُ إِذَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا يُوَافِقُهُمْ، بَادَرُوا إِلَى تَكْذِيبِهِ، أَوْ قَتَلُوهُ، وَهُمْ غَيْرُ مُكْتَرِثِينَ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنَ الْجَرَائِمِ، حَتَّى حُكِيَ أَنَّهُمْ فِي أَثَرِ قَتْلِهِمُ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، تَقُومُ سُوقُ الْبَقْلِ بَيْنَهُمْ، الَّتِي هِيَ أَرْذَلُ الْأَسْوَاقِ، فَكَيْفَ بِالْأَسْوَاقِ الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا الْأَشْيَاءُ النَّفِيسَةُ؟ ثُمَّ نَعَى تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ بَاقُونَ عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ مِنْ تَكْذِيبِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كانوا قبل مجيئه يَذْكُرُونَ أَنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَحِينَ وَافَاهُمْ

ص: 506

مَا كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ، كَفَرُوا بِهِ، فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ. وَأَنَّ سَبَبَ طَرْدِهِمْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ كُفْرِهِمْ، وَأَنَّ إِيمَانَهُمْ كَانَ قَلِيلًا، إِذْ كَانُوا قَبْلَ مَجِيءِ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي كِتَابٌ. ثُمَّ أَخَذَ فِي ذِكْرِ ذَمِّهِمْ، أَنْ بَاعُوا أَنْفُسَهُمُ النَّفِيسَةَ بِمَا يَتَرَتَّبُ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنَ الْمَآكِلِ وَالرِّيَاسَاتِ الْمُنْقَضِيَةِ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ، وَأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ، لِأَنِ اخْتَصَّ اللَّهُ بِفَضْلِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، فَلَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِهِ وَلَا بِاخْتِيَارِهِ، فَبَاءُوا بِالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابَ الَّذِي يُذِلُّهُمْ وَيُهِينُهُمْ. إِذْ كَانَ امْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، إِنَّمَا هُوَ لِلتَّكَبُّرِ وَالْحَسَدِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْقَدَرِ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبُوا الْعَذَابَ الَّذِي فِيهِ صَغَارٌ لَهُمْ وَذِلَّةٌ وَإِهَانَةٌ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُمْ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِمُ الإيمان بما أنزل الله، أَجَابُوا أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالتَّوْرَاةِ، وَأَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِمَا سِوَاهَا. هَذَا وَالْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ، إِذْ كُلُّهَا حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَالْكُفْرُ بِبَعْضِهَا كُفْرٌ بِجَمِيعِهَا. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِكَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ:

نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَالتَّوْرَاةُ نَاطِقَةٌ بِاتِّبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ فِعْلُهُمْ. ثُمَّ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ، تَوْبِيخًا لَهُمْ، أَنَّ مُوسَى الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِهَا، قَدْ جَاءَهُمْ بِالْأَشْيَاءِ الْوَاضِحَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْخَارِقَةِ، مِنْ نَجَاتِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ، اتَّخَذُوا مِنْ بَعْدِ ذَهَابِهِ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ إِلَهًا مِنْ أَبْعَدِ الْحَيَوَانِ ذِهْنًا وَأَبْلَدِهَا، وَهُوَ الْعِجْلُ الْمَصْنُوعُ مِنْ حُلِيِّهِمْ، الْمُشَاهَدُ إِنْشَاؤُهُ وَعَمَلُهُ، وَمُوسَى لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، وَكِتَابُ اللَّهِ طَرِيٌّ نُزُولُهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَتَقَادَمْ عَهْدُهُ.

وَكَرَّرَ تَعَالَى ذِكْرَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ لِيَقْبَلُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأُمِرُوا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَجَابُوا بِالْعِصْيَانِ. هَذَا وَهُمْ مُلْجَئُونَ إِلَى الْإِيمَانِ، أَوْ كَالْمُلْجَئِينَ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمُزْعِجِ الْعَظِيمِ مِنْ رَفْعِ جَبَلٍ عَلَيْهِمْ لِيُشْدَخُوا بِهِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَأْتِيَ الْإِنْسَانُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَيَقْبَلَ مَا كُلِّفَ بِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ. وَتَأَبِّيهِمْ لِذَلِكَ، وَعَدَمُ قَبُولِهِمْ، سَبَبُهُ أَنَّ عِبَادَةَ الْعِجْلِ خَامَرَتْ قُلُوبَهُمْ وَمَازَجَتْهَا، حَتَّى لَمْ تَسْمَعْ قَبُولًا لِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ، وَالْقَلْبُ إِذَا امْتَلَأَ بِحُبِّ شَيْءٍ لَمْ يَسْمَعْ سِوَاهُ وَلَمْ يُصْغِ إِلَى مَلَامٍ، وَأَنْشَدُوا:

مَلَأْتَ بِبَعْضِ حُبِّكَ كُلَّ قَلْبِيَ

فَإِنْ تُرِدِ الزِّيَادَةَ هَاتِ قَلْبَا

ثُمَّ ذَمَّهُمْ تَعَالَى عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ إِيمَانُهُمْ، وَلَا إِيمَانَ لَهُمْ حَقِيقَةً، بَلْ نَسَبَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ وَاتِّخَاذِهِ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. ثُمَّ كَذَّبَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ هِيَ خَالِصَةٌ لَهُمْ، لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ سِوَاهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِتَمَنِّي الْمَوْتِ، لِأَنَّ مَنِ

ص: 507