الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الدَّالُّ عَلَى صِدْقِ مُوسَى عليه السلام، وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ مِثْلَ هذ الْإِحْيَاءِ يُحْيِي الْمَوْتَى، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحْيَاءَيْنِ فِي مُطْلَقِ الْإِحْيَاءِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ يُرِيهِمْ آيَاتِهِ، لِيَنْتِجَ عَنْ تِلْكَ الْإِرَاءَةِ كَوْنُهُمْ يَصِيرُونَ مِنْ أُولِي الْعَقْلِ، النَّاظِرِينَ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، الْمُفَكِّرِينَ فِي الْمَعَادِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ عَلَى مُشَاهَدَتِهِمْ هَذَا الْخَارِقَ الْعَظِيمَ، وَرُؤْيَتِهِمُ الْآيَاتِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَأَثَّرُوا لِذَلِكَ، بَلْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ عَكْسُ مُقْتَضَاهُ مِنَ الْقَسْوَةِ الشَّدِيدَةِ، حَتَّى شَبَّهَ قُلُوبَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْحِجَارَةِ. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ لِذِكْرِ الْحِجَارَةِ بِالتَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرَهُ، عَلَى أَنَّ الْحِجَارَةَ تَفْضُلُ قُلُوبَهُمْ فِي كَوْنِ بَعْضِهَا يَتَأَثَّرُ تَأْثِيرًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ يَتَحَرَّكُ وَيَتَدَهْدَهُ، وَكَوْنِ بَعْضِهَا يَتَشَقَّقُ فَيَتَأَثَّرُ تَأْثِيرًا قَلِيلًا، فَيَنْبُعُ مِنْهُ الْمَاءُ، وَكَوْنِ بَعْضِهَا خُلِقَ مُنْفَرِجًا تَجْرِي مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَقُلُوبُهُمْ عَلَى سَجِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، لَا تَقْبَلُ مَوْعِظَةً، وَلَا تَتَأَثَّرُ لِذِكْرَى، وَلَا تَنْبَعِثُ لِطَاعَةٍ. ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفُلُ عَمَّا اجْتَرَحُوهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا، بَلْ يُجَازِيهِمْ بِذَلِكَ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى. وَكَانَ افْتِتَاحُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ، وَاخْتِتَامُهَا بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفُلُ. فَهُوَ الْعَالِمُ بِمَنِ امْتَثَلَ، وَبِمَنْ أَهْمَلَ، فَيُجَازِي مُمْتَثِلَ أَمْرِهِ بِجَزِيلِ ثَوَابِهِ، وَمُهْمِلَ أَمْرِهِ بِشَدِيدِ عقابه.
[سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 82]
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَاّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82)
الطَّمَعُ: تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإِدْرَاكِ مَطْلُوبٍ، تَعَلُّقًا قَوِيًّا، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الرَّجَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْدُثُ إِلَّا عَنْ قُوَّةِ رَغْبَةٍ وَشِدَّةِ إِرَادَةٍ، وَإِذَا اشْتَدَّ صَارَ طَمَعًا، وَإِذَا ضَعُفَ كَانَ رَغْبَةً وَرَجَاءً. يُقَالُ: طَمِعَ يَطْمَعُ طَمَعًا وَطَمَاعَةً وَطَمَاعِيَةً مُخَفَّفًا، كَطَوَاعِيَةٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:
طَمَاعِيَةٌ أَنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غَافِرُهْ وَاسْمُ الْفَاعِلِ: طَمِعٌ وَطَامِعٌ، وَيُعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، وَيُقَالُ: طَامَعَهُ مُطَامَعَةً، وَيُقَالُ: طَمُعَ بِضَمِّ الميم، كثر طعمه، وَضِدُّ الطَّمَعِ: الْيَأْسُ، قَالَ كُثَيِّرٌ:
لَا خَيْرَ فِي الْحُبِّ وَقْفًا لَا يُحَرِّكُهُ
…
عَوَارِضُ الْيَأْسِ أَوْ يَرْتَاجُهُ الطَّمَعُ
وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مِطْمَاعٌ، أَيْ تَطْمَعُ وَلَا تُمَكَّنُ، وَقَدْ تَوَسَّعَ فِي الطَّمَعِ فَسُمِّيَ بِهِ رِزْقُ الْجُنْدِ، يُقَالُ: أَمَرَ لَهُمُ الْأَمِيرُ بِأَطْمَاعِهِمْ، أَيْ أَرْزَاقِهِمْ، وَهُوَ مِنْ وَضْعِ الْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الْمَفْعُولِ. الْكَلَامُ: هُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى نِسْبَةٍ إِسْنَادِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ لِذَاتِهَا، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْكَلِمَةِ، وَيُعَبَّرُ بِهِ أَيْضًا عَنِ الْخَطِّ وَالْإِشَارَةِ، وَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَالِ الشَّيْءِ. وَهَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِالذِّهْنِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْكَلَامِ؟ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَتَقَالِيبُهُ السِّتُّ مَوْضُوعَةٌ، وَتَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ: كَلَمَ، كَمَلَ، لَكَمَ، لَمَكَ، مَلَكَ، مَكَلَ. التَّحْرِيفُ:
إِمَالَةُ الشَّيْءِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالْحَرْفُ: الْحَدُّ الْمَائِلُ. التَّحْدِيثُ: الْإِخْبَارُ عَنْ حَادِثٍ، وَيُقَالُ مِنْهُ يَحْدُثُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحُدُوثِ، وَأَصْلُ فِعْلِهِ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ، وَإِلَى آخَرَ بِعَنْ، وَإِلَى ثَالِثٍ بِالْبَاءِ، فَيُقَالُ: حَدَّثْتُ زَيْدًا عَنْ بَكْرٍ بِكَذَا، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يُضَمَّنُ مَعْنَى أَعْلَمَ الْمَنْقُولَةِ مِنْ عَلِمَ المتعدية إلى اثنين، فَيَتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَهِيَ مِنْ إِلْحَاقِ غَيْرِ سِيبَوَيْهِ بِأَعْلَمَ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مِمَّا يَتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَةٍ غَيْرِ: أَعْلَمَ، وَأَرَى وَنَبَّأَ، وَأَمَّا حَدَّثَ فَقَدْ أَنْشَدُوا بَيْتَ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
أَوْ مَنَعْتُمْ مَا تُسْأَلُونَ فَمَنْ
…
حَدَّثْتُمُوهُ لَهُ عَلَيْنَا الْعَلَاءُ
وَجَعَلُوا حَدَّثَ فِيهِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حَدَّثْتُمُوا عَنْهُ.
وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ حَالٌ. كَمَا خَرَّجَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَهُ: وَنُبِّئْتُ عَبْدَ اللَّهِ، أَيْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ نُبِّئْتُ مَعْنَى: أُعْلِمْتُ، لَكِنْ رَجَحَ عِنْدَهُ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَى التَّضْمِينِ.
وَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يُخَرَّجَ بيت الحرث عَلَى أَنْ يَكُونَ مِمَّا حُذِفَ مِنْهُ الْحَرْفُ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ تَعَدِّي حَدَثٍ إِلَى ثَلَاثَةٍ بِنَفْسِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لا يذهب إِلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ. الْفَتْحُ: الْقَضَاءُ بِلُغَةِ الْيَمَنِ، وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ «1» . وَالْأَذْكَارُ: فَتْحٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَالظَّفَرُ: فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ «2» . قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَبِمَعْنَى الْقَصَصِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ:
وَبِمَعْنَى التَّبْيِينِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَبِمَعْنَى الْمَنِّ. وَأَصْلُ الْفَتْحِ: خَرْقُ الشَّيْءِ، وَالسَّدُّ ضِدُّهُ.
الْمُحَاجَّةُ: مِنَ الِاحْتِجَاجِ، وَهُوَ الْقَصْدُ لِلْغَلَبَةِ، حَاجَّهُ: قَصَدَ أَنْ يَغْلِبَ. وَالْحُجَّةُ: الْكَلَامُ الْمُسْتَقِيمُ، مَأْخُوذٌ مِنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ.
أَسَرَّ الشَّيْءَ: أَخْفَاهُ، وَأَعْلَنَهُ: أَظْهَرُهُ. الْأُمِّيُّ: الَّذِي لَا يَقْرَأُ فِي كِتَابٍ وَلَا يَكْتُبُ، نُسِبَ إِلَى الْأُمِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُغْلِ النِّسَاءِ أَنْ يَكْتُبْنَ أَوْ يَقْرَأْنَ فِي كِتَابٍ، أَوْ لِأَنَّهُ بِحَالِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهَا، أَوْ نُسِبَ إِلَى الْأُمَّةِ، وَهِيَ الْقَامَةُ وَالْخِلْقَةُ، أَوْ إِلَى الْأَمَةِ، إِذْ هِيَ سَاذِجَةٌ قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ الْمَعَارِفَ. الْأَمَانِيُّ: جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وَهِيَ أُفْعُولَةٌ، أَصْلُهُ: أُمْنُويَةٌ، اجْتَمَعَتْ يَاءٌ وَوَاوٌ وَسُبِقَتْ إِحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتِ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَهِيَ مِنْ مَنَّى، إِذَا قَدَّرَ، لِأَنَّ الْمُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ فِي نَفْسِهِ وَيُحْزِرُ مَا يَتَمَنَّاهُ، أَوْ مِنْ تَمَنَّى: أَيْ كَذَبَ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِابْنٍ دَأَبَ فِي شَيْءٍ حَدَثَ بِهِ: أَهَذَا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أَمْ تَمَنَّيْتَهُ؟ أَيِ اخْتَلَقْتَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ: مَا تَمَنَّيْتُ وَلَا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، أَوْ مِنْ تَمَنَّى إِذَا تَلَا، قَالَ تَعَالَى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «3» ، أَيْ إِذَا تَلَا وَقَرَأَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ
…
وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَقَادِرِ
وَالتِّلَاوَةُ وَالْكَذِبُ رَاجِعَانِ لِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، فَالتَّقْدِيرُ أَصْلُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَا تَقُولَنْ لِشَيْءٍ سَوْفَ أَفْعَلُهُ
…
حَتَّى تَبَيَّنَ مَا يَمْنِي لَكَ الْمَانِي
أَيْ يُقَدِّرُ، وَجَمْعُهَا بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ لِأَنَّهُ أَفَاعِيلُ. وَإِذَا جُمِعَ عَلَى أَفَاعِلَ خُفِّفَتِ الْيَاءُ، وَالْأَصْلُ التَّشْدِيدُ، لِأَنَّ الْيَاءَ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ هِيَ الْوَاوُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُفْرَدِ الَّتِي انْقَلَبَتْ فِيهِ يَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّ جَمْعَ أُمْلُودٍ أَمَالِيدُ؟ وَيْلٌ: الْوَيْلُ مَصْدَرٌ لَا فِعْلَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ. وَأَلَ مَصْنُوعٌ، ولم يجىء مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ الَّتِي فَاؤُهَا وَاوٌ وَعَيْنُهَا يَاءٌ إِلَّا: وَيْلٌ، وَوَيْحٌ، وَوَيْسٌ، وَوَيْبٌ، وَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. وَيُقَالُ: وَيْلَهُ، وَيُجْمَعُ على ويلات. قال:
(1) سورة سبأ: 34/ 26.
(2)
سورة الأنفال: 8/ 19.
(3)
سورة الحج: 22/ 25.
فَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي وَإِذَا أُضِيفَ وَيْلٌ، فَالْأَحْسَنُ فِيهِ النَّصْبُ، قَالَ تَعَالَى: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً «1» . وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهُ إِذَا أُضِيفَ لَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا النَّصْبُ، وَإِذَا أَفْرَدْتَهُ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، قَالَ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ، قَالَ:
فَوَيْلًا لِتَيْمٍ مِنْ سَرَابِيلِهَا الْخُضْرِ وَالْوَيْلُ: مَعْنَاهُ الْفَضِيحَةُ وَالْحَسْرَةُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: الْوَيْلُ: شِدَّةُ الشَّرِّ، وَقَالَ الْمُفَضَّلُ وَابْنُ عَرَفَةَ: الْوَيْلُ: الْحُزْنُ، يُقَالُ: تَوَيَّلَ الرَّجُلُ: دَعَا بِالْوَيْلِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحُزْنِ وَالْمَكْرُوهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوَيْلُ: الْهَلَكَةُ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ دَعَا بِالْوَيْلِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ، وَقَدْ يَكُونُ تَرَحُّمًا، وَمِنْهُ:
وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ الْأَيْدِي: جَمْعُ يَدٍ، وَيَدٌ مِمَّا حُذِفَ مِنْهُ اللَّامُ، وَوَزْنُهُ فَعْلٌ، وَقَدْ صُرِّحَ بِالْأَصْلِ.
قَالُوا: يَدْيٌ، وَقَدْ أَبْدَلُوا مِنَ الْيَاءِ الْأُولَى هَمْزَةً، قَالُوا: قَطَعَ اللَّهُ أَدْيَهُ، وَأَبْدَلُوا مِنْهَا أَيْضًا جِيمًا، قَالُوا: لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ جَدَ الدَّهْرِ، يُرِيدُونَ يَدَ الدَّهْرِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَارِحَةِ، مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا. وَأَمَّا الْأَيَادِي فَجَمْعُ الْجَمْعِ، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْأَيَادِي فِي النِّعَمِ، وَالْأَصْلُ:
الْأَيْدِي، اسْتَثْقَلْنَا الضَّمَّةَ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ، فَسَكَنَتِ الْيَاءُ، وَقَبْلَهَا ضَمَّةٌ، فَانْقَلَبَتْ واوا، فصار الأيد. وَكَمَا قِيلَ فِي مُيْقِنٍ مُوقِنٌ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي لِسَانِهِمْ وَاوٌ سَاكِنَةٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ فِي اسْمٍ، وَإِذَا أَدَّى الْقِيَاسُ إِلَى ذَلِكَ، قُلِبَتْ تِلْكَ الْوَاوُ يَاءً وَتِلْكَ الضَّمَّةُ قَبْلَهَا كَسْرَةٌ، فَصَارَ الْأَيْدِي. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْيَدِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْها «2» . الْكَسْبُ:
أَصْلُهُ اجْتِلَابُ النَّفْعِ، وَقَدْ جَاءَ فِي اجْتِلَابِ الضُّرِّ، وَمِنْهُ: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، وَالْفِعْلُ مِنْهُ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا إِلَى وَاحِدٍ، تَقُولُ: كَسَبْتُ مَالًا، وَإِلَى اثْنَيْنِ تَقُولُ: كَسَّبْتُ زَيْدًا مَالًا. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ: كَسَبَ هُوَ نَفْسُهُ وَأَكْسَبَ غَيْرَهُ، وَأَنْشَدَ:
فَأَكْسَبَنِي مَالًا وَأَكْسَبْتُهُ حَمْدَا الْمَسُّ: الْإِصَابَةُ، وَالْمَسُّ: الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عَلَى نِهَايَةِ الْقُرْبِ، وَاللَّمْسُ: مِثْلُهُ لَكِنْ مَعَ الْإِحْسَاسِ، وَقَدْ يَجِيءُ الْمَسُّ مَعَ الْإِحْسَاسِ. وَحَقِيقَةُ الْمَسِّ واللمس باليد. ونقل
(1) سورة طه: 20/ 61.
(2)
سورة البقرة: 2/ 66.
مِنَ الْإِحْسَاسِ إِلَى الْمَعَانِي مِثْلَ: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ «1» يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «2» ، وَمِنْهُ سُمِّي الْجُنُونُ مَسًّا، وَقِيلَ: الْمَسُّ وَاللَّمْسُ وَالْجَسُّ مُتَقَارِبٌ، إِلَّا أَنَّ الْجَسَّ عَامٌّ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَالْمَسَّ فِيمَا يَخْفَى وَيَدِقُّ، كَنَبْضِ الْعُرُوقِ، وَالْمَسُّ وَاللَّمْسُ بِظَاهِرِ الْبَشْرَةِ، وَالْمَسُّ كِنَايَةٌ عَنِ النِّكَاحِ وَعَنِ الْجُنُونِ. الْمَعْدُودُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ عَدَّ، بِمَعْنَى حَسَبَ، وَالْعَدَدُ هُوَ الْحِسَابُ. الْإِخْلَافُ: عَدَمُ الْإِيفَاءِ بِالشَّيْءِ الْمَوْعُودِ. بَلَى: حَرْفُ جَوَابٍ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ نَفْيٍ فِي اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهَا: رَدُّهُ، سَوَاءٌ كَانَ مَقْرُونًا بِهِ أَدَاةُ الِاسْتِفْهَامِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقَدْ وَقَعَ جَوَابًا لِلِاسْتِفْهَامِ فِي مِثْلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ زَيْدٌ مُقَاوَمَتِي؟ إِذَا كَانَ مُنْكِرًا لِمُقَاوَمَةِ زَيْدٍ لَهُ، لِمَا كَانَ مَعْنَاهُ النَّفْيَ، وَمِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ جَوَابًا لِلِاسْتِفْهَامِ قَوْلُ الْحُجَافِ بْنِ حَكِيمٍ:
بَلْ سَوْفَ نُبْكِيهِمْ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ
…
وَنُبْكِي نُمَيْرًا بِالرِّمَاحِ الْخَوَاطِرِ
وَقَعَتْ جَوَابًا لِلَّذِي قَالَ لَهُ، وَهُوَ الْأَخْطَلُ:
أَلَا فَاسْأَلِ الْحُجَافَ هَلْ هُوَ ثَائِرٌ
…
بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ نُمَيْرِ بْنِ عَامِرِ
وَبَلَى عِنْدَنَا ثُلَاثِيُّ الْوَضْعِ، وَلَيْسَ أَصْلُهُ بَلْ، فَزِيدَتْ عَلَيْهَا الْأَلْفُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ.
السَّيِّئَةُ: فَيْعِلَةٌ مِنْ سَاءَ يَسُوءُ مَسَاءَةً، إِذَا حَزِنَ، وَهِيَ تَأْنِيثُ السيّء، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْ كَصَيِّبٍ «3» ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ: ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ لِلْيَهُودِ، وَبَيْنَهُمْ جِوَارٌ وَرَضَاعَةٌ، وَكَانُوا يَوَدُّونَ لَوْ أَسْلَمُوا.
وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنُونَ يَوَدُّونَ إِسْلَامَ مَنْ بِحَضْرَتِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْيَهُودِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَشَرِيعَةٍ، وَكَانُوا يَغْضَبُونَ لَهُمْ وَيَلْطُفُونَ بِهِمْ طَمَعًا فِي إِسْلَامِهِمْ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَبْنَاءِ السَبْعِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ مُوسَى عليه السلام فِي الطُّورِ، فَسَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ، فَلَمْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَهُ، وَحَرَّفُوا الْقَوْلَ فِي أَخْبَارِهِمْ لِقَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَافْعَلُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَفْعَلُوا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ التَّوْرَاةَ، فَيَجْعَلُونَ الْحَلَالَ حَرَامًا، وَالْحَرَامَ حَلَالًا، اتِّبَاعًا لِأَهْوَائِهِمْ.
وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ الْمَدِينَةِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» .
قال كعب بن
(1) سورة ص: 38/ 41.
(2)
سورة البقرة: 2/ 275.
(3)
سورة البقرة: 2/ 19.
الْأَشْرَفِ وَوَهَبُ بْنُ يَهُوذَا وَأَشْبَاهُهُمَا: اذْهَبُوا وَتَجَسَّسُوا أَخْبَارَ مَنْ آمَنَ، وَقُولُوا لَهُمْ آمَنَّا، وَاكْفُرُوا إِذَا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، لَكِنْ لَيْسَ إِلَيْنَا، وَإِنَّمَا هُوَ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، فَلَمَّا خَلَوْا، قَالَ بَعْضُهُمْ: أَتُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وَقَدْ كُنَّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ؟ فَهَذَا هُوَ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِهِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْوَحْيَ، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ.
وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي اليهود الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم الَّذِينَ يَصِحُّ فِيهِمُ الطَّمَعُ أَنْ يُؤْمِنُوا، لِأَنَّ الطَّمَعَ إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالضَّمِيرُ فِي أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ لِلْيَهُودِ. وَالْمَعْنَى: اسْتِبْعَادُ إِيمَانِ الْيَهُودِ، إِذْ قَدْ تقدّم لأسلافهم أفاعيل، وجزى أَبْنَاؤُهُمْ عَلَيْهَا. فَبَعِيدٌ صُدُورُ الْإِيمَانِ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ قِيلَ:
كَيْفَ يَلْزَمُ مِنْ إِقْدَامِ بَعْضِهِمْ عَلَى التَّحْرِيفِ حُصُولُ الْيَأْسِ مِنْ إِيمَانِ الْبَاقِينَ؟ قِيلَ: قَالَ الْقَفَّالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلَاءِ وَهُمْ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ دِينَهُمْ وَيَتَعَلَّمُونَهُ مِنْ قَوْمٍ يُحَرِّفُونَ عِنَادًا؟ فَإِنَّمَا يُعَلِّمُونَهُمْ مَا حَرَّفُوهُ وَغَيَّرُوهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَالْمُقَلِّدُونَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى الْحَقِّ. وَقِيلَ: إِيَاسُهُمْ مِنْ إِيمَانِ فِرْقَةٍ بِأَعْيَانِهِمْ.
وَالْهَمْزَةُ فِي أَفَتَطْمَعُونَ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَفِيهَا مَعْنَى التَّقْرِيرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ طَمِعْتُمْ فِي إِيمَانِ هَؤُلَاءِ وَحَالُهُمْ مَا ذُكِرَ. وَقِيلَ: فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ النَّكِيرِ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي إِيمَانِ مَنْ شَوَاهِدُ امْتِنَاعِهِ قَائِمَةٌ. وَاسْتُبْعِدَ إِيمَانُهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِمُوسَى، مَعَ مَا شَاهَدُوا مِنَ الْخَوَارِقِ عَلَى يَدَيْهِ، وَلِأَنَّهُمْ مَا اعْتَرَفُوا بِالْحَقِّ، مَعَ عِلْمِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
وَالْخِطَابُ فِي أَفَتَطْمَعُونَ، لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً. خَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ، أَوْ لِلْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ، أَوْ لِلْأَنْصَارِ، قَالَهُ النَّقَّاشُ، أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَالْفَاءُ بَعْدَ الْهَمْزَةِ أَصْلُهَا التَّقْدِيمُ عَلَيْهَا، وَالتَّقْدِيرُ: فَأَتَطْمَعُونَ، فَالْفَاءُ لِلْعَطْفِ، لَكِنَّهُ اعْتَنَى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا. وَالزَّمَخْشَرِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، وَيُقِرُّ الْفَاءَ عَلَى حَالِهَا، حَتَّى تُعْطَفَ الْجُمْلَةُ بَعْدَهَا عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَحْذُوفَةِ قَبْلَهَا، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَمَحْجُوجٌ بِمَوَاضِعَ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ فِيهَا، نَحْوَ قَوْلِهِ: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ «1» ، أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «2» ، أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ «3» . أَنْ يُؤْمِنُوا مَعْمُولٌ لِتَطْمَعُونَ عَلَى إِسْقَاطِ حرف
(1) سورة الزخرف: 43/ 18.
(2)
سورة الرعد: 13/ 19.
(3)
سورة الرعد: 13/ 33.
الْجَرِّ، التَّقْدِيرُ: فِي أَنْ يُؤْمِنُوا، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَفِي مَوْضِعِ جَرٍّ، عَلَى مَذْهَبِ الْخَلِيلِ وَالْكِسَائِيِّ. وَلَكُمْ: مُتَعَلِّقٌ بِيُؤْمِنُوا، عَلَى أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى الْبَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَامُ السَّبَبِ أَيْ أَنْ يُؤْمِنُوا لِأَجْلِ دَعْوَتِكُمْ لَهُمْ.
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ، الفريق: قيل: هم الْأَحْبَارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ فِي صِفَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ. وَقِيلَ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْوَحْيَ، إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فيحرفونه، قصدا أَنْ يُدْخِلُوا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَيَحْصُلَ التَّضَادُّ فِي أَحْكَامِهِ. وَقِيلَ: كُلُّ مَنْ حَرَّفَ حُكْمًا، أَوْ غَيَّرَهُ، كَفِعْلِهِمْ فِي آيَةِ الرَّجْمِ وَنَحْوِهَا. وَقِيلَ: هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسَى عليه السلام كَلَامَ اللَّهِ، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أُنْكِرَ أَنْ يَكُونُوا سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنْكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: التِّرْمِذِيُّ، صَاحِبُ النَّوَادِرِ، وَقَالَ: إِنَّمَا خُصَّ مُوسَى عليه السلام بِالْكَلَامِ وَحْدَهُ. وَكَلَامُ اللَّهِ الَّذِي حَرَّفُوهُ، قِيلَ: هُوَ التَّوْرَاةُ، حَرَّفُوهَا بِتَبْدِيلِ أَلْفَاظٍ مِنْ تِلْقَائِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: بالتأول، مَعَ بَقَاءِ لَفْظِ التَّوْرَاةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي سَمِعُوهُ عَلَى الطُّورِ. وَقِيلَ: مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: كَلِمَ اللَّهِ، جَمْعُ كَلِمَةٍ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْكَلِمَةِ: الْكَلَامُ، فَتَكُونُ الْقِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَدْ يُرَادُ الْمُفْرَدَاتُ، فَيُحَرِّفُونَ الْمُفْرَدَاتِ، فَتَتَغَيَّرُ الْمُرَكَّبَاتُ، وَإِسْنَادُهَا بِتَغَيُّرِ الْمُفْرَدَاتِ.
ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ: التَّحْرِيفُ الَّذِي وَقَعَ، قِيلَ: فِي صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّهُمْ وَصَفُوهُ بِغَيْرِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا تَقُومَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ. وَقِيلَ: فِي صِفَتِهِ، وَفِي آيَةِ الرَّجْمِ. مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا ضَبَطُوهُ وَفَهِمُوهُ، وَلَمْ تَشْتَبِهْ عَلَيْهِمْ صِحَّتُهُ.
وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ مِنْ بَعْدِ عَقْلِهِمْ إِيَّاهُ، وَالضَّمِيرُ فِي عَقَلُوهُ عَائِدٌ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَا مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَيْهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَهُمْ يَعْلَمُونَ: ومتعلق العلم محذوف، أي أَنَّهُمْ قَدْ حَرَّفُوهُ، أَوْ مَا فِي تَحْرِيفِهِ مِنَ الْعِقَابِ، أَوْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوْ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ كَاذِبُونَ. وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ، وَفِي قَوْلِهِ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَاوُ الْحَالِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي الْحَالِ قَوْلَهُ:
أَفَتَطْمَعُونَ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: أَنْ يُؤْمِنُوا. فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى: أَفَيَكُونُ مِنْكُمْ طَمَعٌ فِي إِيمَانِ الْيَهُودِ؟ وَأَسْلَافِهِمْ مَنْ عَادَتُهُمْ تَحْرِيفُ كَلَامِ اللَّهِ، وَهُمْ سَالِكُو سُنَنِهِمْ وَمُتَّبِعُوهُمْ فِي تَضْلِيلِهِمْ، فَيَكُونُ الْحَالُ قَيْدًا فِي الطَّمَعِ الْمُسْتَبْعَدِ، أَيْ يُسْتَبْعَدُ الطَّمَعُ فِي
إِيمَانِ هَؤُلَاءِ وَصِفَتُهُمْ هَذِهِ. وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمَعْنَى اسْتِبْعَادُ الطَّمَعِ فِي أَنْ يَقَعَ مِنْ هَؤُلَاءِ إِيمَانٌ، وَقَدْ كَانَ أَسْلَافُهُمْ عَلَى مَا نَصَّ مِنْ تَحْرِيفِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَالُ قَيْدًا فِي إِيمَانِهِمْ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا، أَعْنِي مِنْ: أَفَتَطْمَعُونَ، وَمِنْ يُؤْمِنُوا، مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الْحَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَإِنَّمَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَقْتَضِيهِ صِنَاعَةُ الْإِعْرَابِ. وَبَيَانُ التَّقْيِيدِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: أَتَطْمَعُ أَنْ يَتْبَعَكَ زَيْدٌ؟ وَهُوَ مُتَّبِعٌ طَرِيقَةَ أَبِيهِ، فَاسْتِبْعَادُ الطَّمَعِ مُقَيَّدٌ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَمُتَعَلِّقُ الطَّمَعِ، الَّذِي هُوَ الِاتِّبَاعُ الْمَفْرُوضُ وُقُوعُهُ، مقيد بهذه الحال. فمحصوله أَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْحَالِ لَا يُجَامِعُ الِاتِّبَاعَ، وَلَا يُنَاسِبُ الطَّمَعَ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ يُنَاسِبُ الطَّمَعَ وَيُتَوَقَّعُ الِاتِّبَاعُ، مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْحَالِ. وَأَمَّا الْعَامِلُ فِي قَوْلِهِ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، فَقَوْلُهُ: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ، أَيْ يَقَعُ التَّحْرِيفُ مِنْهُمْ بَعْدَ تَعَقُّلِهِ وَتَفَهُّمِهِ، عَالِمِينَ بِمَا فِي تَحْرِيفِهِ مِنْ شَدِيدِ الْعِقَابِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُمْ يُقْدِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ. وَالْإِنْكَارُ عَلَى الْعَالِمِ أَشَدُّ مِنَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَاهِلِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْعَالِمِ دَوَاعِيَ الطَّاعَةِ، لِمَا عَلِمَ مِنْ ثَوَابِهَا، وَتَوَانِيَ الْمَعْصِيَةِ لِمَا عَلِمَ مِنْ عِقَابِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي قَوْلِهِ:
وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قَوْلُهُ: عَقَلُوهُ، وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يُحَرِّفُونَهُ.
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا: قَرَأَ ابْنُ السميفع: لَاقَوْا، قَالُوا: عَلَى التَّكْثِيرِ.
وَلَا يَظْهَرُ التَّكْثِيرُ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ فَاعَلَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ. فَمَعْنَى لَاقَوْا، وَمَعْنَى لَقُوا وَاحِدٌ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ مُفْرَدَاتِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُنْبِئَةً عَنْ نَوْعٍ مِنْ قَبَائِحِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَاشِفَةً عَمَّا أَكَنُّوهُ مِنَ النِّفَاقِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلَى قَوْلِهِ: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ الْآيَةَ، أَيْ كَيْفَ يُطْمَعُ فِي إِيمَانِهِمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَسْلَافِهِمْ مَنْ يُحَرِّفُ كَلَامَ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ سَالِكُو طَرِيقَتِهِمْ، وَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مُنَافِقُونَ، يُظْهِرُونَ مُوَافَقَتَكُمْ إِذَا لَقُوكُمْ، وَأَنَّهُمْ مِنْكُمْ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ كُفَّارٌ. فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، مِنِ اقْتِدَائِهِمْ بِأَسْلَافِهِمُ الضُّلَّالِ، وَمُنَافِقَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَا يُطْمَعُ فِي إِيمَانِهِمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا هُنَا هُمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَهُ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُؤْمِنُونَ هُنَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ آمَنُوا وَأَخْلَصُوا فِي إِيمَانِهِمْ، وَالضَّمِيرُ فِي لَقُوا لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بَاقِينَ عَلَى دِينِهِمْ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَسْلَمُوا ثُمَّ نَافَقُوا، أَوْ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ وَيَتَجَسَّسُوا أَخْبَارَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالُوا: ادْخُلُوا الْمَدِينَةَ وَأَظْهِرُوا الْإِيمَانَ، فَإِنَّهُ نَهَى أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أَيْ: وَإِذَا انْفَرَدَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يُنَافِقُوا إِلَى مَنْ نَافَقَ. وَإِلَى، قِيلَ: بِمَعْنَى مَعَ، أَيْ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، وَالْأَجْوَدُ أن يضمن خَلَا مَعْنَى فِعْلٍ يُعَدَّى بِإِلَى، أَيِ انْضَوَى إِلَى بَعْضٍ، أَوِ اسْتَكَانَ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لِأَنَّ تَضْمِينَ الْأَفْعَالِ أَوْلَى مِنْ تَضْمِينِ الْحُرُوفِ. قالُوا: أَيْ ذَلِكَ الْبَعْضُ الْخَالِي بِبَعْضِهِمْ.
أَتُحَدِّثُونَهُمْ: أَيْ قَالُوا عَاتِبِينَ عَلَيْهِمْ، أَتُحَدِّثُونَ الْمُؤْمِنِينَ؟ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ: وَمَا مَوْصُولَةٌ، وَالضَّمِيرُ الْعَائِدُ عَلَيْهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِمَا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. وَقَدْ جَوَّزُوا فِي مَا أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أَيْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. وَالْأَوْلَى الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَالَّذِي حَدَّثُوا بِهِ هُوَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ، أَوْ مَا عَذَّبَ بِهِ أَسْلَافَهُمْ، قَالَهُ السُّدِّيُّ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: «يَا إِخْوَةَ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ» .
فَقَالَ الْأَحْبَارُ لِأَتْبَاعِهِمْ: مَا عَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ عِنْدِكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا إِذَا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ قَالُوا: فِي التَّوْرَاةِ كَذَا وَكَذَا، فَكَرِهَ ذَلِكَ أَحْبَارُهُمْ، وَنَهَوْا فِي الْخُلْوَةِ عَنْهُ. فَعَلَى مَا قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ يَكُونُ الْفَتْحُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ وَالْإِذْكَارِ، أَيْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَعْلَمَكُمُ اللَّهُ مِنْ صِفَةِ نَبِيِّهِمْ؟ وَرَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَلَى قَوْلِ السُّدِّيِّ: يَكُونُ بمعنى الحكم وَالْقَضَاءِ، أَيْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَسْلَافِكُمْ وَقَضَاهُ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ؟ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ يَكُونُ بِمَعْنَى: الْإِنْزَالِ، أَيْ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي التَّوْرَاةِ؟ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَعْنَى بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَعْنَى الْإِنْزَالِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وصفته، وَشَرِيعَتِهِ، وَمَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَأَخْذِ الْعُهُودِ عَلَى أَنْبِيَائِكُمْ بِتَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَمِنْ تَأْوِيلِ كِتَابِكُمْ.
لِيُحَاجُّوكُمْ: هَذِهِ لَامُ كَيْ، وَالنَّصْبُ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَهَا، وَهِيَ جَائِزَةُ الْإِضْمَارِ، إِلَّا إِنْ جَاءَ بَعْدَهَا لَا، فَيَجِبُ إِظْهَارُهَا. وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ، فَهِيَ لَامُ جَرٍّ، وَتُسَمَّى لَامَ كَيْ، بِمَعْنَى أَنَّهَا لِلسَّبَبِ، كَمَا أَنَّ كَيْ لِلسَّبَبِ. وَلَا يَعْنُونَ أَنَّ النَّصْبَ بَعْدَهَا بِإِضْمَارِ كَيْ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ التَّصْرِيحُ بَعْدَهَا بِكَيْ، فَتَقُولَ: لِكَيْ أُكْرِمَكَ، لِأَنَّ الَّذِي يُضْمَرُ إِنَّمَا هُوَ: أَنْ لَا: كَيْ، وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ كَيْسَانَ وَالسِّيرَافِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّامِ كَيْ، أَوْ أَنْ. وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ النَّصْبَ بَعْدَ هَذِهِ اللَّامِ إِنَّمَا هُوَ بِهَا نَفْسِهَا، وَأَنَّ مَا يَظْهَرُ بَعْدَهَا مِنْ كَيْ وَأَنْ، إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ. وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي مَبْسُوطَاتِ النَّحْوِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْرِبِينَ إِلَى أَنَّ اللَّامَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: فَتَحَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ،
لِأَنَّ الْمُحَاجَّةَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِلْفَتْحِ، إِنَّمَا الْمُحَاجَّةُ نَاشِئَةٌ عَنِ التَّحْدِيثِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لَامَ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ لَهَا هَذَا الْمَعْنَى، فَيُمْكِنَ أَنْ يَصِيرَ الْمَعْنَى: إِنَّ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ حَدَّثُوا بِهِ، فَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ حَاجُّوهُمْ بِهِ، فَصَارَ نَظِيرَ: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً «1» . لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِهَذَا الْأَمْرِ، إِنَّمَا آلَ أَمْرُهُ إِلَى ذَلِكَ. وَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ لَامَ الصَّيْرُورَةِ، جَعَلَهَا لَامَ كَيْ، عَلَى تَجَوُّزٍ، لِأَنَّ النَّاشِئَ عَنْ شَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ، كَالْعِلَّةِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ، وَبَيْنَ: بِمَا فَتَحَ، إِلَّا أَنَّ جَعْلَهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْأَوَّلِ أَقْرَبُ وَسَاطَةً، كَأَنَّهُ قَالَ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ فَيُحَاجُّوكُمْ. وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ أَبْعَدَ، إِذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِهِ، فَحَدَّثْتُمُوهُمْ بِهِ، فَحَاجُّوكُمْ. فَالْأَوْلَى جَعْلُهُ لِأَقْرَبِ وَسَاطَةٍ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ عَائِدٌ إِلَى مَا مِنْ قَوْلِهِ: بِما فَتَحَ اللَّهُ، وَبِهَذَا يَبْعُدُ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ، لِأَنَّ المصدرية لا يعود عليها ضَمِيرٌ.
عِنْدَ رَبِّكُمْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: لِيُحَاجُّوكُمْ، وَالْمَعْنَى: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ. فَكَنَّى بِقَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكُمْ عَنِ اجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ «2» . وَقِيلَ: مَعْنَى عِنْدَ رَبِّكُمْ: فِي رَبِّكُمْ، أَيْ فَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهِ جَعَلَ عِنْدَ بِمَعْنَى فِي. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ جَعَلَ الْمُحَاجَّةَ فِي كِتَابِكُمْ مُحَاجَّةً عِنْدَ اللَّهِ، أَلَا تُرَاكَ تَقُولُ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَذَا، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَا، بِمَعْنًى وَاحِدٍ؟ وَقِيلَ: هُوَ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ، وَهُوَ بَعْثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَخْذُ مِيثَاقِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي الْفَضْلِ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ عَلَيْهِمْ هُوَ بِمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا.
انْتَهَى. وَالْأَوْلَى حَمْلُ اللفظ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، إِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَقَدْ أمكن بحمل قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكُمْ عَلَى بَعْضِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَأَمَّا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الذَّاهِبُ، فيبعد جِدًّا، لِأَنَّ لِيُحَاجُّوكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ، وَعِنْدَ رَبِّكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَتَكُونُ قَدْ فَصَلْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَبَيْنَ الْعَامِلِ فِيهِ الَّذِي هُوَ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، بِقَوْلِهِ: لِيُحَاجُّوكُمْ، وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمَا، إِذْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ:
أَتُحَدِّثُونَهُمْ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَجِيءَ هَذَا التَّرْكِيبُ هَكَذَا فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، فَكَيْفَ يَجِيءُ فِي كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ؟.
أَفَلا تَعْقِلُونَ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا يَكُونُ حُجَّةً
(1) سورة القصص: 28/ 8.
(2)
سورة الزمر: 39/ 31.
لَهُمْ عَلَيْكُمْ؟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فَلَا تُحَدِّثُونَهُمْ بِذَلِكَ؟ وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، مِنِ اتِّبَاعِ أَسْلَافِهِمُ الْمُحَرِّفِينَ كَلَامَ اللَّهِ، وَالتَّقْلِيدِ لَهُمْ فِيمَا حَرَّفُوهُ، وَتَظَاهُرِهِمْ بِالنِّفَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَعَى عَلَيْهِمُ ارْتِكَابَهُ؟.
أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ: هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ، أَيْ إِذَا كَانَ عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطًا بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِمْ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهُمْ أَنْ يُنَافِقُوا وَيَتَظَاهَرُوا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُمْ خِلَافَهُ، فَلَا يُجَامِعُ حَالَةَ نِفَاقِهِمْ بِحَالَةِ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، وَالْأَوْلَى حَمْلُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ عَلَى الْعُمُومِ، إِذْ هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. وَقِيلَ الَّذِي أَسَرُّوهُ الْكُفْرُ، وَالَّذِي أَعْلَنُوهُ الْإِيمَانُ. وَقِيلَ: الْعَدَاوَةُ وَالصَّدَاقَةُ. وَقِيلَ: قَوْلُهُمْ لِشَيَاطِينِهِمْ إِنَّا مَعَكُمْ، وَقَوْلُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ آمَنَّا. وَقِيلَ: صِفَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَتَغْيِيرُ صِفَتِهِ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى، حَتَّى لَا تَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ. وَقَرَأَ ابْنُ محيصن: أو لا تَعْلَمُونَ بِالتَّاءِ، قَالُوا: فَيَكُونُ ذَلِكَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُمْ عَلَى جَهْلِهِمْ بِعَالِمِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لَهُمْ، وَفَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى سَمَاعِ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ خِطَابِهِمْ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ إِلَى الْغَيْبَةِ، إِهْمَالًا لَهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِالْتِفَاتِ، وَيَكُونُ حِكْمَتُهُ فِي الْحَالَتَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ مِثْلَ أَفَلا تَعْقِلُونَ، أَوَلا يَعْلَمُونَ، أَنَّ الْفَاءَ وَالْوَاوَ فِيهِمَا لِلْعَطْفِ، وَأَنَّ أَصْلَهُمَا أَنْ يَكُونَا أَوَّلَ الْكَلَامِ، لَكِنَّهُ اعْتَنَى بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، فَقُدِّمَتْ. وَذَكَرْنَا طَرِيقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي ذَلِكَ، فَأَغْنَى عَنْ إعادته. وأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا سَدَّتْ فِيهِ أَنَّ مَسَدَّ الْمُفْرَدِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ كَعَرَفَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا سَدَّتْ فِيهِ أَنَّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّ يَعْلَمُونَ مُتَعَدٍّ إِلَى اثْنَيْنِ، كَظَنَنْتُ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ. وَأَمَّا الْأَخْفَشُ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ عِنْدَهُ مَسَدَّ مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَيَجْعَلُ الثَّانِيَ مَحْذُوفًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا ذِكْرُ هَذَا الْخِلَافِ، وَالْعَائِدُ عَلَى مَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُسِرُّونَهُ وَيُعْلِنُونَهُ. وَظَاهِرُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ أَنَّهُ تَقْرِيرٌ لَهُمْ أَنَّهُمْ عَالِمُونَ بِذَلِكَ، أَيْ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْعَلَانِيَةَ، أَيْ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ، فَلَا يُنَاسِبُهُمُ النِّفَاقُ وَالتَّكْذِيبُ بِمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ. وَقِيلَ:
ذَلِكَ تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَحَثٌّ عَلَى التَّفَكُّرِ، فَيَعْلَمُونَ بِالتَّفَكُّرِ ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ، وَفِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَزِمَهُمُ الِاعْتِرَافُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْصِيَةَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَا، أَقْبَحُ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُغْضِي عَنِ الْمُنَافِقِينَ، مَعَ
أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهُ عَلَى نِفَاقِهِمْ، وَذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يُؤْمِنُوا، فَأَغْضَى عَنْهُمْ، حَتَّى قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ، وَأَهْلَكَ مَنْ أَهْلَكَ. وَاخْتُلِفَ، هَلْ هَذَا الْحُكْمُ بَاقٍ، أَوْ نُسِخَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نُسِخَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ صلى الله عليه وسلم، تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ. وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَغْنَى عَنْهُمْ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْلِيفِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ بَاقٍ إِلَى الْآنَ، لِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَيَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَةِ الْأَنْصَارِ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ. وَفِي قَوْلِهِ: يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ، حُجَّةٌ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، بَلْ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ.
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ: ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: فِي الْمَجُوسِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طالب.
وَقِيلَ: فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: فِي نَصَارَى الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يُحْسِنُونَ الْكِتَابَةَ.
وَقِيلَ: فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، رُفِعَ كِتَابُهُمْ لِذُنُوبٍ ارْتَكَبُوهَا، فَصَارُوا أُمِّيِّينَ. وَقِيلَ: فِي قَوْمٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بِكِتَابٍ وَلَا بِرَسُولٍ، فَكَتَبُوا كِتَابَهُمْ وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَسُمُّوا: أُمِّيِّينَ، لِجُحُودِهِمُ الْكِتَابَ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ، لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ مَعَ الْيَهُودِ، فَالضَّمِيرُ لَهُمْ.
وَمُنَاسَبَةُ ارْتِبَاطِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَمْرَ الْفِرْقَةِ الضَّالَّةِ الَّتِي حَرَّفَتْ كِتَابَ اللَّهِ، وَهُمْ قَدْ عَقَلُوهُ وَعَلِمُوا بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ أَمْرَ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ، الْمُنَافِقِينَ، وَأَمْرَ الثَّالِثَةِ:
الْمُجَادِلَةِ، أَخَذَ يُبَيِّنُ أَمْرَ الْفِرْقَةِ الرَّابِعَةِ، وَهِيَ: الْعَامَّةُ الَّتِي طَرِيقُهَا التَّقْلِيدُ، وَقَبُولُ مَا يُقَالُ لَهُمْ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ الْمَذْكُورُونَ، فَالْآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلَى عَامَّتِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ، أَيْ أَنَّهُمْ لَا يُطْمَعُ فِي إِيمَانِهِمْ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: أُمِيُّونَ، بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأُمِّيَّ هُوَ الَّذِي لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ فِي كِتَابٍ، أَيْ لَا يُحْسِنُونَ الْكُتُبَ، فَيُطَالِعُوا التَّوْرَاةَ وَيَتَحَقَّقُوا ما فيها. ولا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ: جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، وَالْكِتَابُ هُوَ التَّوْرَاةُ.
إِلَّا أَمانِيَّ: اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ الْأَمَانِيَّ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْكِتَابِ، وَلَا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْعَامِلُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا أَمَانِيَّ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا؟ وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ يَجُوزُ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِتْبَاعُ عَلَى الْبَدَلِ بِشَرْطِ التَّأَخُّرِ، وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. فَنَصْبُ أَمَانِيَّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَالْمَعْنَى: إِلَّا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمَانِيِّهِمْ، وَأَمَانِيُّهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ وَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِخَطَايَاهُمْ، وَأَنَّ آبَاءَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ
يَشْفَعُونَ لَهُمْ، أَوْ مَا يُمَنِّيهِمْ أَحْبَارُهُمْ مِنْ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُمْ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، أَوْ لَا يعلمون إلا أكاذيب مختلفة سَمِعُوهَا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَنَقَلُوهَا عَلَى التَّقْلِيدِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ، وَاخْتَارَهُ الْفَرَّاءُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا تِلَاوَةً، أَيْ لَا يَعْلَمُونَ فِقْهَ الْكِتَابِ، إِنَّمَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مَا يَسْمَعُونَهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلَى تَمَنِّي الْقَلْبِ أَوْلَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ «1» . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَمَانِيُّ، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَالْأَعْرَجُ وَابْنُ جمار، عَنْ نَافِعٍ وَهَارُونَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو:
أَمَانِيَ بِالتَّخْفِيفِ، جَمْعُهُ عَلَى أَفَاعِلَ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِحَرْفِ الْمَدِّ الَّذِي فِي الْمُفْرَدِ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ وَاحِدُهُ مُشَدَّدٌ، فَلَكَ فِيهِ التَّشْدِيدُ والتخفيف مثل: أثافي، وَأَغَانِيُّ، وَأَمَانِيُّ، وَنَحْوِهِ. قَالَ الْأَخْفَشُ هَذَا، كَمَا يُقَالُ فِي جَمْعِ مِفْتَاحٍ مَفَاتِيحُ وَمَفَاتِحُ، وَقَالَ النَّحَّاسُ: الْحَذْفُ فِي الْمُعْتَلِّ أَكْثَرُ، كَمَا قَالَ:
وَهَلْ رَجَعَ التَّسْلِيمَ أَوْ يَكْشِفُ الْعَمَى
…
ثَلَاثُ الْأَثَافِي وَالرُّسُومُ الْبَلَاقِعُ
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، إِنْ هُنَا: هِيَ النَّافِيَةُ، بِمَعْنَى مَا، وَهُمْ: مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَإِلَّا يَظُنُّونَ: فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ. وَإِذَا كَانَتْ إِنْ نَافِيَةً، فَدَخَلَتْ عَلَى الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ مَا الْحِجَازِيَّةِ، وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَمَنْ أَجَازَ شَرْطَ نَفْيِ الْخَبَرِ وَتَأْخِيرِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بَيْتٌ نَادِرٌ وَهُوَ:
إِنْ هُوَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى أَحَدٍ
…
إِلَّا عَلَى أَضْعَفِ الْمَجَانِينِ
وَقَدْ نَسَبَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى سِيبَوَيْهِ جَوَازَ إِعْمَالِهَا إِعْمَالَ مَا، وَلَيْسَ فِي كِتَابِهِ نَصٌّ عَلَى ذَلِكَ. وَمَعْنَى يَظُنُّونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَكْذِبُونَ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَتَحَدَّثُونَ، وَقَالَ آخَرُونَ:
يَشُكُّونَ، وَهُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّاظِرِ فِيهِمَا، وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، إِذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْيَقِينِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَاهُ لَيْسُوا عَلَى يَقِينٍ، إِنْ كَذَبَ الرُّؤَسَاءُ، أَوْ صَدَقُوا، بَايَعُوهُمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَتَى بِالْخَبَرِ فِعْلًا مُضَارِعًا، وَلَمْ يَأْتِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ الظَّنِّ وَتَجَدُّدِهِ لَهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَلَيْسُوا ثَابِتِينَ عَلَى ظَنٍّ وَاحِدٍ، بَلْ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ ظُنُونٌ دَالَّةٌ عَلَى اضْطِرَابِ عَقَائِدِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَهْوَائِهِمْ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَعَارِفَ كَسَبِيَّةٌ، وَعَلَى بُطْلَانِ التَّقْلِيدِ، وعلى أن
(1) سورة البقرة: 2/ 111. [.....]
الْمُغْتَرَّ بِإِضْلَالِ الْمُضِلِّ مَذْمُومٌ، وَعَلَى أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالظَّنِّ فِي الْأُصُولِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَعَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ بَاطِلٌ، وَعَلَى أَنَّ مَا تَسَاوَى وَجُودُهُ وَعَدَمُهُ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إِلَى أَحَدِهِمَا إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَتَمَسَّكَ بِهَا أَيْضًا مُنْكِرُو الْقِيَاسِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ الْعِلْمَ.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ الْآيَةَ. قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ غَيَّرُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبَدَّلُوا نَعْتَهُ، فَجَعَلُوهُ آدَمَ سَبْطًا طَوِيلًا، وَكَانَ فِي كِتَابِهِمْ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا، فَقَالُوا لِأَصْحَابِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمُ: انْظُرُوا إِلَى صِفَةِ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي يُبْعَثُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، لَيْسَ يُشْبِهُ نَعْتَ هَذَا، وَكَانَتِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ يَخَافُونَ أَنْ يَذْهَبَ مَأْكَلَتُهُمْ بِإِبْقَاءِ صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَالِهَا، فَلِذَلِكَ غَيَّرُوهَا. وَقِيلَ: خَافَ مُلُوكُهُمْ عَلَى مُلْكِهِمْ، إِذَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَجَاءُوا إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَجَعَلُوا لَهُمْ عَلَيْهِمْ وَضَائِعَ وَمَآكِلَ، وَكَشَطُوهَا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كِتَابًا، وَحَلَّلُوا فِيهِ مَا اخْتَارُوا، وَحَرَّمُوا مَا اخْتَارُوا. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِنَبِيٍّ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا كِتَابًا، بَلْ كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ كِتَابًا، وَحَلَّلُوا فِيهِ مَا اخْتَارُوا، وَحَرَّمُوا مَا اخْتَارُوا، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَرْحٍ، كَاتِبِ النبي صلى الله عليه وسلم، كَانَ يُغَيِّرُهُ فَارْتَدَّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ وَيْلٍ عند الكلام على المفردات،
وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ جَبَلٌ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ
،
وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى: أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، يَهْوِي فِيهِ الْهَاوِي
، وَذُكِرَ أَنَّ سُفْيَانَ وَعَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ رَوَيَا أَنَّهُ وَادٍ يَجْرِي بِفِنَاءِ جَهَنَّمَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ. وَحَكَى الزَّهْرَاوِيُّ وَجَمَاعَةٌ: أَنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ.
وَقِيلَ: هُوَ صِهْرِيجٌ فِي جَهَنَّمَ. وَقِيلَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، إِنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، لَوْ سُجِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لَانْمَاعَتْ مِنْ حَرِّهِ، وَلَوْ صَحَّ فِي تَفْسِيرِ الْوَيْلِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَتِ الْعَرَبُ فِي نَظْمِهَا وَنَثْرِهَا بِلَفْظَةِ الْوَيْلِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْقُرْآنُ، وَلَمْ تُطْلِقْهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ، وَإِنَّمَا مَدْلُولُهُ مَا فَسَّرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ، فَلِذَلِكَ جَازَ الِابْتِدَاءُ بِهَا، إِذِ الدُّعَاءُ أَحَدُ الْمُسَوِّغَاتِ لِجَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، وَهِيَ تُقَارِبُ ثَلَاثِينَ مُسَوِّغًا، وَذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ (مَنْهَجِ الْمَسَالِكِ) مِنْ تَأْلِيفِنَا.
وَالْكِتَابَةُ مَعْرُوفَةٌ، وَيُقَالُ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْقَلَمِ إِدْرِيسُ، وَقِيلَ: آدَمُ. وَالْكِتَابُ هُنَا قِيلَ:
كَتَبُوا أَشْيَاءَ اخْتَلَقُوهَا، وَأَحْكَامًا بَدَّلُوهَا مِنَ التَّوْرَاةِ حَتَّى اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا بَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: كَتَبُوا فِي التَّوْرَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وبنوها فِي سُفَهَائِهِمْ، وَفِي الْعَرَبِ، وَأَخْفَوْا تِلْكَ النُّسَخَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ بِغَيْرِ تَبْدِيلٍ، وَصَارَ سُفَهَاؤُهُمْ، وَمَنْ يَأْتِيهِمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، إِذَا سَأَلُوهُمْ عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُونَ: مَا هُوَ هَذَا الْمَوْصُوفَ عِنْدَنَا فِي
التوراة المبدلة المغيرة، ويقرأونها عَلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ لَهُمْ: هَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. بِأَيْدِيهِمْ: تَأْكِيدٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ الْمَجَازِ، لِأَنَّ قَوْلَكَ: زَيْدٌ يَكْتُبُ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُبَاشِرُ الْكِتَابَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ، وَيَكُونَ آمِرًا بِذَلِكَ،
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ
، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ فِي كِتَابٍ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ «1» . وَنَظِيرُ هَذَا التَّأْكِيدِ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ، ويَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ، وَقَوْلُهُ:
نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنَيْكَ مَنْظَرًا فَهَذِهِ كُلُّهَا أُتِيَ بِهَا لِتَأْكِيدِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَلِرَفْعِ الْمَجَازِ الَّذِي كَانَ يَحْتَمِلُهُ.
وَفِي هَذَا التَّأْكِيدِ أَيْضًا تَقْبِيحٌ لِفِعْلِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكْتَفُوا بِأَنْ يَأْمُرُوا بِالِاخْتِلَاقِ وَالتَّغْيِيرِ، حَتَّى كَانُوا هُمُ الَّذِينَ تَعَاطَوْا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاجْتَرَحُوهُ بِأَيْدِيهِمْ. وَقَالَ ابن السرّاج: ذِكْرُ الْأَيْدِي كِنَايَةٌ عَنْ أَنَّهُمُ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ مِنْ تِلْقَائِهِمْ، وَمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَلَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الشَّيْءِ بِالْيَدِ لَا تَقْتَضِي الِاخْتِلَاقَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ حَالٍ مَحْذُوفَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا مَا بَعْدَهَا، التَّقْدِيرُ: يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ مُحَرَّفًا، أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ بَعْدُ ثُمَّ: يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِذْ لَا إِنْكَارَ عَلَى مَنْ يُبَاشِرُ الْكِتَابَ بِيَدِهِ إِلَّا إِذَا وَضَعَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرْنَا هَذِهِ الْحَالَ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: أَيْ لِأَتْبَاعِهِمُ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا قرىء لَهُمْ، وَمَعْمُولُ الْقَوْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا، عِلَّةٌ فِي الْقَوْلِ، وَهِيَ لَامُ كَيْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا قَبْلُ. وَهِيَ مَكْسُورَةٌ لِأَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ، فيتعلق بيقولون. وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرَارِ، وَبَنُو الْعَنْبَرِ يَفْتَحُونَ لَامَ كي، قال مَكِّيٌّ فِي إِعْرَابِ الْقُرْآنِ لَهُ. بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، بِهِ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لِيَشْتَرُوا، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي أَشَارُوا إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الْمَكْتُوبُ الْمُحَرَّفُ. وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الِاشْتِرَاءِ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى «2» . وَالثَّمَنُ هُنَا: هُوَ عَرَضُ الدُّنْيَا، أَوِ الرِّشَا وَالْمَآكِلُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ، وَوُصِفَ بِالْقِلَّةِ لِكَوْنِهِ فَانِيًا، أَوْ حَرَامًا، أَوْ حَقِيرًا، أَوْ لَا يُوَازِنُهُ شَيْءٌ، لَا ثَمَنٌ، وَلَا مُثَمَّنٌ. وَقَدْ جَمَعُوا فِي هَذَا الْفِعْلِ أَنَّهُمْ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَكَذَبُوا عَلَى اللَّهِ، وَضَمُّوا إِلَى ذَلِكَ
(1) سورة العنكبوت: 29/ 48.
(2)
سورة البقرة: 2/ 16.
حُبَّ الدُّنْيَا. وَهَذَا الْوَعِيدُ مُرَتَّبٌ عَلَى كِتَابَةِ الْكِتَابِ الْمُحَرَّفِ، وَعَلَى إِسْنَادِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَكِلَاهُمَا مُنْكَرٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنْكَرُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِنْ كَانَ بِرِضَا الْمُعْطِي.
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ: كِتَابَتُهُمْ مُقَدِّمَةٌ، نَتِيجَتُهَا كَسْبُ الْمَالِ الْحَرَامِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ الْوَيْلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْوَعِيدَ هُوَ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَقَطْ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ. وَظَاهِرُ الْكَسْبِ هُوَ مَا أَخَذُوهُ عَلَى تَحْرِيفِهِمُ الْكِتَابَ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِمَسَاقِ الْآيَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِمَا يَكْسِبُونَ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ، فَيُحْتَاجُ فِي كِلَا الْقَوْلَيْنِ إِلَى اخْتِصَاصٍ، لِأَنَّ مَا يَكْسِبُونَ عَامٌّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا أَنَّ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، إِلَى أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، قَالُوا: إِنَّمَا نُعَذَّبُ حَتَّى نَنْتَهِيَ إِلَى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَتَذْهَبَ جَهَنَّمَ وَتَهْلِكَ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» قَالُوا: نَحْنُ ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا أَنْتُمْ، فَقَالَ:«كَذَبْتُمْ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا لَا نَخْلُفُكُمْ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا، سَبْعَةَ آلَافٍ لِكُلِّ أَلْفٍ يَوْمٌ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ.
وَرُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، عَدَدَ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ
، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ. وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يُنَادَى: أَخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَالضَّمِيرُ فِي: وَقَالُوا، عَائِدٌ عَلَى الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ. جَمَعُوا، إِلَى تَبْدِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَتَحْرِيفِهِ، وَأَخْذِهِمْ بِهِ الْمَالَ الْحَرَامَ، وَكَذِبِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، الْإِخْبَارَ بِالْكَذِبِ الْبَحْتِ عَنْ مُدَّةِ إِقَامَتِهِمْ فِي النَّارِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَسَّ هُوَ الْإِصَابَةُ، أَيْ لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا، اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ، أَيْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ أَبَدًا إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْعَدَدِ فِي الْأَيَّامِ بِأَنَّهَا سَبْعَةٌ أَوْ أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مَعْدُودَةً، أَيْ قلائل يحصرها العدّ، لا أنها مُعَيَّنَةُ الْعَدِّ فِي نَفْسِهَا.
ثُمَّ أَخَذَ فِي رَدِّ هَذِهِ الدَّعْوَى وَالْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ فَقَالَ: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً أَيْ مِثْلَ هَذَا الْإِخْبَارِ الْجَزْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِمَّنِ اتَّخَذَ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا بِذَلِكَ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَتَّخِذُوا بِهِ عَهْدًا، فَهُوَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ. وَأَمَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى إِنْكَارِ مَا قَالُوهُ. وَهَمْزَةُ الْوَصْلِ مَنِ اتَّخَذَ، انْحَذَفَتْ لِأَجْلِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَمَنْ سَهَّلَ بِنَقْلِ حَرَكَتِهَا
عَلَى اللَّامِ وَحَذْفِهَا قَالَ: قُلَ اتَّخَذْتُمْ، بِفَتْحِ اللَّامِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ كَانَتْ مَفْتُوحَةً. وَعِنْدَ اللَّهِ:
ظَرْفٌ مَنْصُوبٌ بِاتَّخَذْتُمْ، وَهِيَ هُنَا تَتَعَدَّى لِوَاحِدٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ الثَّانِي الظَّرْفَ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالْعَهْدُ هُنَا: الْمِيثَاقُ وَالْمَوْعِدُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ:
هَلْ قُلْتُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَآمَنْتُمْ وَأَطَعْتُمْ فَتُدَلُّونَ بِذَلِكَ وَتَعْلَمُونَ خُرُوجَكُمْ مِنَ النَّارِ؟ فَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ الْمَعْنَى: هَلْ عَاهَدَكُمُ اللَّهُ عَلَى هَذَا الَّذِي تَدَّعُونَ؟ وَعَلَى الثَّانِي: هَلْ أَسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَعْمَالًا تُوجِبُ مَا تَدَّعُونَ؟.
فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ، كَقَوْلِكَ: أَيَقْصِدُنَا زَيْدٌ؟ فَلَنْ نُجِيبَ مِنْ بِرِّنَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، هَلْ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ أَيْ يُضَمَّنُ الِاسْتِفْهَامُ وَالتَّمَنِّي وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إِلَى سَائِرِ بِاقِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ؟ أَمْ يَكُونُ الشَّرْطُ مَحْذُوفًا بَعْدَهَا؟ وَلِذَلِكَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَنْ يُخْلِفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَهُ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، كَأَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ مُقَدَّرٌ بَعْدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، اعْتِرَاضٌ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَمْ تَقُولُونَ مُعَادِلٌ لِقَوْلِهِ: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً، فَصَارَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، بَيْنَ هَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَقَعَ بَيْنَهُمَا التَّعَادُلُ، جُمْلَةً اعْتِرَاضِيَّةً، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَوْضِعٌ مِنَ الْإِعْرَابِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيُّ هَذَيْنِ وَاقِعٌ؟ أاتخاذكم الْعَهْدَ عِنْدَ اللَّهِ؟ أَمْ قَوْلُكُمْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟ وَأَخْرَجَ ذَلِكَ مُخْرَجَ الْمُتَرَدَّدِ فِي تَعْيِينِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ وُقُوعَ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَنَظِيرُهُ: وَإِنَّا، أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «1» . وَقَدْ عُلِمَ أَيُّهُمَا عَلَى هُدًى وَأَيُّهُمَا هُوَ فِي ضَلَالٍ. وَقِيلَ: أَمْ هُنَا مُنْقَطِعَةٌ فَيَتَقَدَّرُ بِبَلْ وَالْهَمْزَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: بَلْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ:
عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صُدُورَ هَذَا مِنْهُمْ. وَفِي قَوْلِهِ: فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ. وَاخْتُلِفَ فِي الْوَعِيدِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُخْلِفُهُ، كَمَا لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِ إِخْلَافِ إيعاده، وقالوا: إخلاف الْوَعْدِ قَبِيحٌ، وَإِخْلَافُ الْوَعِيدِ حَسَنٌ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ يُبْحَثُ فِيهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ.
بَلى: حَرْفُ جَوَابٍ يُثْبَتُ بِهِ مَا بَعْدَ النَّفْيِ، فَإِذَا قُلْتُ: مَا قَامَ زَيْدٌ، فَقُلْتَ: نَعَمْ، كَانَ تَصْدِيقًا فِي نَفْيِ قِيَامِ زَيْدٍ. وَإِذَا قُلْتَ: بَلَى، كَانَ نَقْضًا لِذَلِكَ النَّفْيِ. فلما قالوا:
(1) سورة سبأ: 34/ 24.
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ، أُجِيبُوا بقوله: وَمَعْنَاهَا: تَمَسُّكُمُ النَّارُ. وَالْمَعْنَى عَلَى التَّأْبِيدِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِالْخُلُودِ. مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً مَنْ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ شرطية، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَالْمُسَوِّغَاتُ لِجَوَازِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ، إِذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ مَوْصُولًا، مَوْجُودَةٌ هُنَا، وَيُحَسِّنُهُ الْمَجِيءُ فِي قسيمة بِالَّذِينَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ. وَالسَّيِّئَةُ: الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: الْمُوجِبَةُ لِلنَّارِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَنْ فَسَّرَ السَّيِّئَةَ بِالْكَبَائِرِ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُوجِبُ النَّارَ، أَيْ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا النَّارَ إِنْ لَمْ تُغْفَرْ لَهُ.
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالْإِفْرَادِ، وَنَافِعٌ: خَطِيئَاتُهُ جَمْعَ سَلَامَةٍ، وَبَعْضُ الْقُرَّاءِ: خَطَايَاهُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَخَذَتْهُ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهِ. وَمَعْنَى الْإِحَاطَةِ بِهِ أَنَّهُ يُوَافَى عَلَى الْكُفْرِ وَالْإِشْرَاكِ، هَذَا إِذَا فُسِّرَتِ الْخَطِيئَةُ بِالشِّرْكِ. وَمَنْ فَسَّرَهَا بِالْكَبِيرَةِ، فَمَعْنَى الْإِحَاطَةِ بِهِ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ الْخُلُودُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ، لَا إِلَى انْتِهَاءٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةُ دَهْرًا طَوِيلًا، إِذْ مَآلُهُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَوْثَقَتْهُ ذُنُوبُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحْبَطَتْ حَسَنَاتِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَشِيَتْ قَلْبَهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَصَرَّ عَلَيْهَا. وَقَالَ الرَّبِيعُ: مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ. قَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ فَهُوَ الْخَطِيئَةُ الْمُحِيطَةُ. وَمَنْ، كَمَا تَقَدَّمَ، لَهَا لَفْظٌ وَمَعْنًى، فَحَمَلَ أَوَّلًا عَلَى اللَّفْظِ، فَقَالَ: مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَحَمَلَ ثَانِيًا عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأُولئِكَ، إِلَى آخِرِهِ. وَأَفْرَدَ سَيِّئَةً لِأَنَّهُ كَنَّى بِهِ عَنْ مُفْرَدٍ، وَهُوَ الشِّرْكُ. وَمَنْ أَفْرَدَ الْخَطِيئَةَ أَرَادَ بِهَا الْجِنْسَ وَمُقَابَلَةَ السَّيِّئَةِ، لِأَنَّ السَّيِّئَةَ مُفْرَدَةٌ، وَمَنْ جَمَعَهَا فَلِأَنَّ الْكَبَائِرَ كَثِيرَةٌ، فَرَاعَى الْمَعْنَى وَطَابَقَ بِهِ اللَّفْظَ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ السَّيِّئَةَ وَالْخَطِيئَةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ الْخَطِيئَةَ وَصْفٌ لِلسَّيِّئَةِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: السَّيِّئَةُ الْكُفْرُ، وَالْخَطِيئَةُ مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنَ الْمَعَاصِي، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو وَائِلٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْخَطِيئَةَ الشِّرْكُ، وَالسَّيِّئَةُ هُنَا مَا دُونَ الشِّرْكِ مِنَ الْمَعَاصِي. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ تِلْكَ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، كَمَا يُحِيطُ العدو، ولم ينقص عَنْهَا بِالتَّوْبَةِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا مِنْ دَسَائِسِهِ الَّتِي ضَمَّنَهَا كِتَابَهُ، إِذِ اعْتِقَادُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، وَمَاتَ، كَانَ خَالِدًا فِي النَّارِ.
وَفِي قَوْلِهِ: أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ: الْكُفَّارُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ
قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ» .
وَقَدْ رُتِّبَ كَوْنُهُمْ أَصْحَابَ النَّارِ عَلَى وُجُودِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا، كَسْبُ السَّيِّئَةِ، وَالْآخَرُ: إِحَاطَةُ الْخَطِيئَةِ.
وَمَا رُتِّبَ عَلَى وُجُودِ شَرْطَيْنِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى وُجُودِ أَحَدِهِمَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْسِبْ سَيِّئَةً، وَهِيَ الشِّرْكُ، وَإِنْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَهِيَ الْكَبَائِرُ، لَا يَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَلَا مِمَّنْ يَخْلُدُ فِيهَا. وَيَعْنِي بِأَصْحَابِ النَّارِ: الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا حَقِيقَةً، لَا مَنْ دَخَلَهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ، وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ: أَتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْخُلُودِ فِي الْجِنَانِ. وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَمُؤْمِنُو الْأُمَمِ قَبْلَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأُمَّتِهِ، وَقَلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ فِي الْوَعِيدِ، إِلَّا وَذُكِرَتْ آيَةٌ فِي الْوَعْدِ. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ ظُهُورُ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَاعْتِدَالُ رجاء المؤمن وخوفه، وكمال رَحْمَتِهِ بِوَعْدِهِ وَحِكْمَتِهِ بِوَعِيدِهِ.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ اسْتِبْعَادَ طَمَعِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِ مَنْ سَبَقَ مِنْ آبَائِهِ التَّشْرِيفُ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ، ثُمَّ مُقَابَلَةَ ذَلِكَ بِعَظِيمِ التَّحْرِيفِ، هَذَا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِقَبِيحِ مَا ارْتَكَبُوهُ. وَهَؤُلَاءِ الْمَطْمُوعُ فِي إِيمَانِهِمْ هُمْ أَبْنَاءُ أُولَئِكَ الْمُحَرِّفِينَ، فَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ آبَائِهِمْ فِي الْكُفْرِ، ثُمَّ قَدِ انْطَوَوْا مِنْ حَيْثُ السَّرِيرَةُ عَلَى مُدَاجَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، بِحَيْثُ إِذَا لَقُوهُمْ أَفْهَمُوهُمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ مَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِخْبَارٍ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي كُتُبِهِمْ، وَذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَحْتَجَّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ، ثُمَّ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ، فَلَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ إِلَّا الِانْقِيَادُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَالْإِخْبَارُ بِمَا فِيهِ، وَاتِّبَاعُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَمْرِ، بِاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْإِيمَانُ بِمَا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَكِنَّهُمْ كَفَرُوا عِنَادًا وَجَحَدُوا بِهَا، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا.
ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ حَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِعَلَمِهِمْ، ذَكَرَ أَيْضًا مُقَلِّدَتَهُمْ وَعَوَامَّهُمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا أَلْفَاظًا مَسْمُوعَةً، وَأَنَّ طَرِيقَهُمْ فِي أُصُولِ دِيَانَاتِهِمْ إِنَّمَا هُوَ حُسْنُ ظَنِّهِمْ بِعُلَمَائِهِمُ الْمُحَرِّفِينَ الْمُبَدِّلِينَ. ثُمَّ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْهَلَاكِ وَالْحَسْرَةِ، مَنْ حَرَّفَ كَلَامَ اللَّهِ وَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا تَافِهٍ نَزْرٍ لَا يَبْقَى، فَبَاعَ بَاقِيًا بِفَانٍ.