الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القَوْل فِي ذكر من تحققت حَاله من الوافدين إِلَى الْيمن من الْعلمَاء والفضلاء من أقطار شَتَّى وَلم تكن وَفَاته فِيهِ
فَمنهمْ سيدنَا الشريف الحسيب النسيب الطَّاهِر الأرومة الطّيب الخؤولة والعمومة شمس الدّين عَليّ بن الشريف ركن الدّين مَحْمُود الْمُتَّصِل نسبه بالشريف محيي الدّين عبد الْقَادِر الجيلاني الثَّابِت النّسَب إِلَى سيدنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَفد إِلَى الْيمن سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسبعمئة فَدخل المدن الْكِبَار ومدينة إب واختبر فَوجدَ لَهُ الباع الأطول فِي عُلُوم الْمُعَامَلَة بِمَا يشْهد أَنه قطب الْوُجُود وبركة كل مَوْجُود عَلَيْهِ سِيمَا الصَّالِحين فقصد من أقْصَى نواحي الْيمن للزيارة وَطلب الإفادة وألبس جمَاعَة من الأكابر الْخِرْقَة الَّتِي يستعملها الصُّوفِيَّة على قواعدهم الْمَعْرُوفَة وَجعل لذَلِك سندا ذكرته فِي الأَصْل وَكَانَ وقُوف هَذَا السَّيِّد الشريف الْعَالم بِمَدِينَة إب نَحْو شهر مكرما ثمَّ سَافر مِنْهَا والقلوب مَعَه نفع الله بِهِ وَأعَاد على الكافة من بركته
وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة عُمْدَة الْمُحدثين وقدوة الْمُحَقِّقين حَافظ الْعَصْر ونادرة الدَّهْر شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي الْكِنَانِي الشَّافِعِي برع بِجَمِيعِ الْعُلُوم وشفى الصُّدُور من الكلوم قد تقدم شَهَادَة الشَّيْخ مجد الدّين وَغَيره لَهُ بالتقدم على أقرانه وَذَلِكَ مِمَّا لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان مَعَ شهرته الَّتِي قَامَت مقَام العيان فَلَمَّا وَفد هَذَا الإِمَام صُحْبَة أَمِين الدّين مُفْلِح بن عبد الله تَاجر السُّلْطَان النَّاصِر فِي أول
المئة التَّاسِعَة اجْتمع إِلَيْهِ جمَاعَة من فُقَهَاء الْيمن فأفادهم واستفاد مِنْهُم وَقد تقدم ذكر بعض ذَلِك وَمَا اتّفق من الشّعْر والأحجيات بَينه وَبَين القَاضِي شرف الدّين إِسْمَاعِيل المقرىء والأديب الجحافي وَغَيرهمَا وَقد كَانَ صنف كتبا مفيدة مِنْهَا بُلُوغ المرام فِي أَدِلَّة الْأَحْكَام والمئة العوالي والمعجم فِي رجال الحَدِيث ثمَّ رَحل من الْيمن إِلَى مصر فصنف فِيهَا التصانيف الْكَثِيرَة مِنْهَا شرح البُخَارِيّ وَلم يكمله بل اخترمته الْمنية بِمصْر وَقد كَانَ تولى فِيهَا الْقَضَاء الْأَكْبَر وأفضت إِلَيْهِ الرياسة بِجَمِيعِ الْعُلُوم
وَله شعر رائق مِنْهُ القصيدة فِي مدح النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقد أثبتها فِي الأَصْل الَّتِي أَولهَا
(إِن كنت تنكر شوقا زادني كلفا
…
حسبي الَّذِي قد جرى من مدمعي وَكفى)
وَمِنْهُم السَّيِّد الشريف شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الحسني القادري كَانَ إِمَامًا مُحدثا فَقِيها قَرَأَ على جمَاعَة من الشُّيُوخ الأكابر بِمصْر وَالشَّام وَمَكَّة وَغَيرهَا وأجازوا لَهُ ثمَّ دخل الْيمن بعد سنة عشر وثمانمئة فَاجْتمع بالأكابر وَأفَاد واستفاد وَكَانَ لَهُ شعر حسن من ذَلِك مَا قَالَه فِي مدح الْقَامُوس
(ايا طَالبا لكَلَام الْعَرَب
…
ومبتغيا فِيهِ نيل الأرب)
(عَلَيْك بِهَذَا الْكتاب الَّذِي
…
ترقى من الْفضل أَعلَى الرتب)
(وَلَو أنصفوه إِذا نمقوه
…
لما خطّ إِلَّا بِمَاء الذَّهَب)
وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث الرحالة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن صديق بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي عرف وَالِده بالرسام وَفد إِلَى الْيمن سنة خمس وثمانمئة فَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من الْعلمَاء صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ وَغَيره من كتب الحَدِيث وَمن مشايخه الشَّيْخ المعمر الرحالة مُلْحق الأحفاد بالأجداد شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس
أَحْمد بن أبي طَالب بن أبي النعم الحجار الصَّالِحِي عرف بِابْن الشّحْنَة وَقد أجمع كل من رَآهُ على غزارة علمه بتحقيق علم الحَدِيث النَّبَوِيّ وعلو سَنَده وشدت إِلَيْهِ الرّحال من أَمَاكِن شَتَّى فأفادهم غرر الْفَوَائِد واشتهر غَايَة الشُّهْرَة وَكَانَ باذلا نَفسه للطلبة ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة المشرفة وَلم أتحقق مَكَان وَلَا مَتى توفّي رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة الْمُفَسّر الْمُحدث الرّحال شهَاب الدّين أَحْمد بن عمر الْأنْصَارِيّ الشاذلي الْمَشْهُور بالشاب التائب وَفد إِلَى الْيمن وَوعظ وَفسّر الْقُرْآن الْعَظِيم بِجَامِع الأشاعر بِمَدِينَة زبيد وَصَحب السَّادة الأكابر من الصُّوفِيَّة كالشيخ شمس الدّين عَليّ الْقرشِي وَالشَّيْخ أَحْمد الرداد وأكرمه السُّلْطَان وأضاف إِلَيْهِ الخطابة بِجَامِع زبيد فجلا صدأ الصُّدُور بوعظه وأزال درن الْقُلُوب بجواهر لَفظه وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة وَبَقِي يتنقل فِي مدن الْيمن من مَدِينَة إِلَى مَدِينَة وَاتفقَ لَهُ مَعَ فُقَهَاء مَدِينَة زبيد وفقهاء مَدِينَة تعز خوض وَبحث فِي مسَائِل يطول ذكر مَا اتّفق فِيهَا
وَلما دخل مَدِينَة إب سنة عشر وثمانمئة وعظ فِيهَا وَفسّر قَوْله تَعَالَى {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ} الْآيَة من بعد صَلَاة الْجُمُعَة إِلَى أَذَان الْعَصْر عَن ظهر قلب بِكَلَام حير فِيهِ الْأَلْبَاب وابدى فِيهِ الْعجب العجاب أحلى من الشهد وأشهى من الْعَافِيَة شوق فِيهِ النُّفُوس إِلَى الْجِهَاد بِمَا أورد فِيهِ من الْآيَات الشَّرِيفَة وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة وأقوال الْعلمَاء من الْعباد وَالْعُلَمَاء والزهاد وأرباب الْقُلُوب ثمَّ ارتحل من مَدِينَة إب إِلَى المخا وَأقَام عِنْد الشَّيْخ الْوَلِيّ شمس الدّين الْقرشِي أَيَّامًا وَأثْنى عَلَيْهِ ومدحه نظما ونثرا ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة المشرفة فَأَقَامَ بِالْحرم الْمَكِّيّ الشريف يعظ ويفسر ويفيد فعكف عَلَيْهِ طلبة الْعلم الشريف هُنَالك فازداد شهرة وَعظم قدره وأخبرت أَنه ارتحل مِنْهَا إِلَى مصر وَأقَام بهَا فرزق الحظوة عِنْد أَهلهَا وَاجْتمعَ مَعَه مَال
جزيل فعمر بِهِ رِبَاطًا بِمصْر ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى دمشق فأعمر بهَا رِبَاطًا أَيْضا وَهُوَ مَعَ ذَلِك جَامع بَين طريقي الشَّرِيعَة والحقيقة وَأَنه توفّي بِدِمَشْق بعد سنة عشْرين وثمانمئة وَأما أشعاره فَهِيَ كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا فِي الأَصْل جملَة مِمَّا يتَعَلَّق بالغزل ومدح السَّادة الصُّوفِيَّة وألغاز تدل على فَضله رحمه الله ونفع بِهِ وَرَأى لَهُ بعض الْفُضَلَاء مناما عجيبا وَأخْبرهُ بِهِ فَأتى بقصيدة طَوِيلَة فِيهَا مدح النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهِي مخمسة مَذْكُورَة فِي الأَصْل أَيْضا
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْفَتْح بن الشَّيْخ زين الدّين المراغي الْمدنِي وَفد إِلَى الْيمن بعد سنة عشر وثمانمئة بأيام السُّلْطَان النَّاصِر فَأحْسن إِلَيْهِ وقلده بِمَا يحِق لَهُ فوصل إِلَيْهِ الطّلبَة للْعلم الشريف وقرؤوا عَلَيْهِ وَأخْبرهمْ بمشايخه وَأَن مِنْهُم ابْن حجر وَصَالح البُلْقِينِيّ وَإنَّهُ صنف شرحا للمنهاج سَمَّاهُ المشرع الروي فِي شرح منهاج النَّوَوِيّ فِي أَرْبَعَة مجلدات وَكَانَت إِقَامَته بِمَدِينَة زبيد ثمَّ مَدِينَة تعز فَوقف بهما أَيَّامًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده ثمَّ استوطن مَكَّة المشرفة وَبهَا كَانَت وَفَاته رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهُم الإِمَام الْعَلامَة شمس الدّين عَليّ بن إلْيَاس الْحَمَوِيّ وَفد إِلَى الْيمن سنة سبع وَتِسْعين وسبعمئة وَكَانَ لَهُ الباع الأطول فِي الْعُلُوم كلهَا وَغلب عَلَيْهِ معرفَة فن الْأَدَب حَتَّى كَانَ ينشىء الرسائل والمناشير وَالنّظم ارتجالا ويسردها من غير تلعثم ويكتبها كَمَا يكْتب غَيره النثر سَرِيعا واشتهر غَايَة الشُّهْرَة فأقامه سُلْطَان الْوَقْت بِأَسْبَاب كَثِيرَة مِنْهَا الْمدرسَة المعتبية وَمِنْهَا خطابة الْجَامِع بِذِي عدينة وَكَانَ واعظا ترق الأفئدة لوعظه وتسكب الدُّمُوع من حسن لَفظه وَكَانَ قد ينشىء الْخطْبَة ارتجالا فَوق
الْمِنْبَر وَلَقَد أَخْبرنِي بعض الثِّقَات أَن هَذَا الإِمَام كَانَ من الْعلمَاء العاملين وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين قل من جمع الْعُلُوم مَا جمعه وَأَنه انْتفع عَلَيْهِ جمَاعَة من طلبة الْعلم الشريف ثمَّ ارتحل من الْيمن وَانْقطع خَبره وَلم أعلم مَكَان وَفَاته وَدَفنه رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهُم القَاضِي الْعَلامَة أحد الْأَئِمَّة الْمُحَقِّقين والبلغاء المجودين عز الدّين عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن أَحْمد النويري الْقرشِي الْمَكِّيّ كَانَ هَذَا الإِمَام من أجل الْعلمَاء الْأَعْلَام وَمن أكَابِر فُقَهَاء الْإِسْلَام مُحدثا أصوليا نحويا مجودا لجَمِيع فنون الْعلم وَفد إِلَى الْيمن بأوائل المئة التَّاسِعَة فَأحْسن إِلَيْهِ سُلْطَان الْوَقْت وَهُوَ النَّاصِر وأضاف إِلَيْهِ من الْأَسْبَاب بِمَدِينَة تعز إِحْدَى دور المضيف والمدرسة المظفرية وَغير ذَلِك فدرس وَأفْتى وَقَرَأَ عِنْده صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ وَحضر الْقِرَاءَة عِنْده جماعات كَثِيرُونَ من فُقَهَاء الْبَلَد وَغَيرهم ثمَّ ولاه السُّلْطَان الْقَضَاء بِمَدِينَة تعز فَسَار فِي النَّاس على مُقْتَضى عَادَة بَلَده فِي الْجد فِي الْأُمُور والشدة فِي الْأَحْكَام والغلظة فِي الْكَلَام فشق ذَلِك على كثير من النَّاس فشكوا إِلَى السُّلْطَان وشنعوا عَلَيْهِ فَعَزله السُّلْطَان عَن الْقَضَاء وَبعد ذَلِك سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة بعد سنة خمس عشرَة وثمانمئة وَلم يعلم مَا صَار إِلَيْهِ حَاله بعد ذَلِك
وَمِنْهُم القَاضِي الإِمَام الْعَلامَة بدر الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر المَخْزُومِي الدماميني الإسْكَنْدراني الْمَالِكِي هُوَ من الْأَئِمَّة البلغاء والسادة الْفُضَلَاء متبحرا فِي علم الْأَدَب لَهُ فِيهِ مصنفات مِنْهَا كتاب المثني على كتاب الْمُغنِي فِي النَّحْو وَكَانَ لَهُ فِي الشّعْر الْيَد الطُّولى وَفد إِلَى الْيمن سنة ثَمَانِي عشرَة وثمانمئة فَأكْرمه السُّلْطَان النَّاصِر وقابله بِمَا يُقَابل بِهِ مثله وَاجْتمعَ بالأئمة من فُقَهَاء زبيد وَكتب إِلَى
الإِمَام شرف الدّين المقرىء يمدحه نظما ونثرا بِكَلَام بليغ ذكرته فِي الأَصْل فَأجَاب عَلَيْهِ الإِمَام شرف الدّين بأبلغ من ذَلِك بِمَا مدحه فِيهِ وَاتفقَ بَينهمَا لَهُ أحجيات ومطارحات يطول ذكرهَا وَللْإِمَام الدماميني شعر فِي زبيد مِنْهَا
(قَالَت وَقد فتحت جفونا نعسا
…
ترمي الورى فِي الْجور بِالْأَحْكَامِ)
(احذر هلاكك فِي زبيد فإنني
…
لِذَوي الغرام فتحت بَاب سِهَام)
وَله فِي مدح النَّبِي صلى الله عليه وسلم قصيدة طَوِيلَة ذكرتها فِي الأَصْل أَولهَا
(أَنا رَاض بنظرة من بعيد
…
فاجبروا سادتي وَلَاء العبيد)
وَمِنْهُم الأديب البارع جمال الدّين شعْبَان بن مُحَمَّد الْمصْرِيّ الْقرشِي كَانَ لَهُ الباع الأطول فِي فن الْأَدَب وقريحة مطاوعة فِي الشّعْر وَمَعْرِفَة فنون الْعَرَبيَّة وَفد إِلَى أَرض الْيمن فِي سنة أَربع وثمانمئة وامتدح السُّلْطَان بغرر من القصائد فَأحْسن إِلَيْهِ فَأَقَامَ فِي الْيمن مُدَّة وَرُوِيَ عَنهُ البديعية الْمَشْهُورَة الَّتِي عَارض فِيهَا الصفي الْحلِيّ فِي بديعيته وَأحسن فِيهَا بمدح النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيهَا الإِمَام شمس الدّين مُحَمَّد المراكشي الْآتِي ذكره إِن شَاءَ الله
(وروضة للزين شعْبَان قد
…
أربت على زهر رياض الرّبيع)
(لَو لم تفق نسج الحريري لما
…
حاكت بِحسن النّظم رقم الرّبيع)
وللأديب شعْبَان من الْمَدْح والهجو والتهاني والمراثي والوعظ شَيْء كثير من ذَلِك قَوْله
(رب هَب لي من زبيد
…
حسن منجى وذماما)
(إِنَّهَا يَا رب ساءت
…
مُسْتَقرًّا ومقاما)
فناقضه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْعلوِي فَقَالَ
(رب هَب لي من زبيد
…
طيب عَيْش ومقاما)
(إِنَّهَا يَا رب طابت
…
مُسْتَقرًّا ومقاما)
(لَا يَرَاهَا أَرض سوء
…
غير شخص قد تعامى)
(أَو لئيم ذُو افتقار
…
يَوْمه قد صَار عَاما)
وَله تخميس الْبردَة جود فِيهِ وَله فِي الْمعَارض مَا يشْهد لَهُ بالبلاغة وَله كتاب فِي علم الْخط سَمَّاهُ هِلَال شعْبَان يتَضَمَّن وضع الأحرف ورسمها على طرق الْمَشَايِخ المعتبرين فِي هَذَا الْفَنّ وَهُوَ مُفِيد فِي بَابه ثمَّ إِنَّه سَافر إِلَى مَكَّة وَانْقطع خَبره وَلم نعلم أَيْن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة الرّحال الْحَافِظ شمس الدّين مُحَمَّد بن مُوسَى المراكشي الْمَالِكِي قَرَأَ على الشُّيُوخ الْكِبَار فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَسَائِر الْعُلُوم فَمن شُيُوخه الشَّيْخ عبد الرَّحِيم الْعِرَاقِيّ صَاحب الألفية فِي الحَدِيث والتصانيف المفيدة وَكَانَ هُوَ وَالْإِمَام أَبُو زرْعَة ولد الشَّيْخ عبد الرَّحِيم مُصَنف التَّحْرِير وَشرح الْمَنْظُومَة كفرسي رهان فِي الِاجْتِمَاع على نقل الْفَوَائِد وَالْملح والعوائد وَكَانَ لَدَيْهِ من المعارف وفرائد اللطائف وغرائب الْفَوَائِد مَا يدل على ارْتِفَاع قدره وَظُهُور بدره سمع عَلَيْهِ الحَدِيث فِي بلدان كَثِيرَة وَله شعر جيد فِي الْغَزل وَغَيره ذكرت بعضه فِي الأَصْل وَكَانَ دُخُوله الْيمن سنة ثَلَاث عشرَة وثمانمئة
وَمِنْهُم الشَّيْخ الإِمَام المقرىء الْمُحدث شمس الدّين أَبُو الْخَيْر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن
يُوسُف الْجَزرِي
أصل بَلَده شيراز من أقليم فَارس ثمَّ نزل دمشق ثمَّ الْقَاهِرَة وَطَاف الْبلدَانِ شرقا وغربا وَرَأى الْعَجَائِب سفرا وحضرا وَدخل مَا وَرَاء النَّهر وخراسان وبلاد الرّوم والغرب وَالشَّام وبلاد فَارس ويزد وكازرون وَالْبَصْرَة وفيروزباد واليمن ووفد على الْمُلُوك ورزق الحظوة وعلو الْمنزل وَلَيْسَ ذَلِك على الْعلمَاء بِكَثِير أدْرك الشَّيْخ شمس الدّين الْأَئِمَّة الْكِبَار كالأسنوي والأذرعي وَعبد الْوَهَّاب السُّبْكِيّ وعماد الدّين بن كثير وَأخْبر أَن مشايخه فِي الْعُلُوم نَحْو ثلاثمئة شيخ وصنف الْكتب النافعة مِنْهَا كتاب النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر وَهُوَ لَهُ شَاهد صدق ببراعته بفن الْقرَاءَات حَتَّى قيل إِنَّه لم يكن فِي الدُّنْيَا أعرف مِنْهُ فِي كتاب الله وَمن تصنيفه الْمُخْتَار فِي الْفِقْه والحصن الْحصين وعدته وجنته فِي الحَدِيث وَله غير ذَلِك من المصنفات وَكَانَ دُخُوله الْيمن سنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة وسلطانه حِينَئِذٍ الْمَنْصُور بن النَّاصِر فَأحْسن إِلَيْهِ إحسانا كَبِيرا وَنزل الرّبع الْأَعْلَى بزبيد وأقرأ طلبة الْعلم الشريف فِي مَسْجِد يعرف بِمَسْجِد الماشطة وَحضر الْقِرَاءَة خلائق كَثِيرَة وأسمع الحَدِيث النَّبَوِيّ بِمَسْجِد الأشاعر وَكَانَ الإِمَام شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء يحضر ذَلِك وَيكون بَينهمَا من المطارحات والسؤالات أَشْيَاء حَسَنَة فَمن
ذَلِك وَهُوَ من بديع الْكَلَام مَا أنشأه الإِمَام الْجَزرِي فِي الْفَقِيه شرف الدّين يمدحه شعرًا
(أشتاق للبيت الْعَتِيق وزمزم
…
ومقامه والركن والتقبيل)
(والآن بالشرف الْعلي لي الهنا
…
لما خصصت بِحجر إِسْمَاعِيل)
فَأَجَابَهُ القَاضِي شرف الدّين
(وَمَا حجر إِسْمَاعِيل لَوْلَا مُحَمَّد
…
تَدَارُكه حجرا معدا لذِي حجر)
(وَلَا غرو إِن آخاه والعرق وَاحِد
…
أَلَسْت ترى كلا يُقَال لَهُ الْمقري)
(خلفت رَسُول الله أَنْت مُحَمَّد
…
وَأَنت ابْنه وَابْن ابْنه طيب الذّكر)
(بحور عُلُوم أغرق الْبَحْر مدها
…
فكفكفته بالجزر خوفًا على الْبر)
(فَمن أجل هَذَا الْبر بِالْبرِّ خَيرهمْ
…
مُحَمَّد وَهُوَ الْبَحْر يعرف بالجزر)
ثمَّ إِن هَذَا الإِمَام الْجَزرِي انْتقل من مَدِينَة زبيد إِلَى مَدِينَة تعز فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا اجْتمع عِنْده فُقَهَاء الْبَلَد وعلماؤها وقرؤوا عَلَيْهِ وَاجْتمعَ بمجلسه من نسخ الْحصن الْحصين من مصنفاته نَحْو مئة وَخمسين نُسْخَة فانشرح صَدره وَحمد الله تَعَالَى على ذَلِك وقرىء عَلَيْهِ صَحِيح الإِمَام مُسلم بن حجاج وَكتابه النشر فِي الْقرَاءَات الْعشْر وَبَعض كتاب البُخَارِيّ وكتبا غير ذَلِك فِي الحَدِيث وأنشدهم لنَفسِهِ فِي مدح الإِمَام البُخَارِيّ بَيْتَيْنِ هما
(وَفِي عليا بُخَارى لي مغان
…
لَهَا أصبوا إِلَى تِلْكَ الديار)
(أعفر فِي ثراها الْوَجْه عَليّ
…
أصادف موضعا وطي البُخَارِيّ)
وَله شعر كثير ذكرت بعضه فِي الأَصْل ثمَّ ارتحل إِلَى بَلْدَة شيراز فَتوفي بهَا سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَله فَوَائِد وفضائل ومناقب يضيق هَذَا الْمَجْمُوع عَن تَحْقِيق
ذَلِك رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة الْمُحدث الْحَافِظ الرّحال وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان بن عَليّ العدناني البرشكي الْمَالِكِي هُوَ شيخ الْإِسْلَام وأوحد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام صدر الْفُقَهَاء والمحدثين وَأجل الْعلمَاء المصنفين وَفد إِلَى الْيمن هُوَ وَالْإِمَام الْجَزرِي بِسنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة فَأَقَامَ بِمَدِينَة زبيد مُدَّة وَأَجَازَ لأَهْلهَا ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة تعز فَاجْتمع عِنْده جمَاعَة من أَهلهَا وقرؤوا عَلَيْهِ موطأ الإِمَام مَالك بن أنس فَرَأَوْا لَدَيْهِ من الْفَوَائِد مَا يجل عَن الإحصاء وَحَضَرت ختم الْقِرَاءَة عِنْده بِالْمَدْرَسَةِ الأشرفية الجديدة فَاجْتمع خلق كثير ضَاقَتْ الْمدرسَة عَنْهُم فَأجَاز لكافة الْحَاضِرين وَأَجَازَ لي مَعَهم وَكتب خطه معربا وَحضر الشَّيْخ الْجَزرِي وكافة عُلَمَاء مَدِينَة تعز وَغَيرهم مجْلِس الْخَتْم فَقَرَأَ لَهُم الشَّيْخ وجيه الدّين مُسْنده بِلَفْظِهِ إِلَى الإِمَام مَالك وعد شُيُوخه أَرْبَعَة عشر شَيخا ثمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذين لَهُم الْأَسَانِيد الْعَالِيَة وَلَا أعلم على وَجه الأَرْض أَعلَى من سندي بِكِتَاب الْمُوَطَّأ فبيني وَبَين الإِمَام مَالك بن أنس عشرَة شُيُوخ ثمَّ قَالَ ولي شُيُوخ كَثِيرَة غَيرهم أسانيدهم قَاعِدَة عَن هَذِه الرُّتْبَة فَلم أذكرهم
وَكَانَ رحمه الله جَامعا لمعظم فنون الْعلم وَله صُورَة جميلَة يكَاد وَجهه يضيء قد كَسَاه الله نورا وجمله بلحية كثة وَحسن خلقَة
قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت ببلدي تونس بالمغرب ورحلت إِلَى أَمَاكِن كَثِيرَة لطلب الاستفادة والإفادة مِنْهَا مَكَّة ومصر وَالشَّام وَالْمَدينَة والإسكندرية وميا فارقين وَغَيرهَا وَله مُصَنف سَمَّاهُ المكافحة فِي أَحْكَام المصافحة وَله شعر حسن فِي الْوَعْظ وَغَيره فَمن جَوَابه لما وصل إِلَيْهِ بعض أصدقائه يسْتَأْذن فِي الدُّخُول عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك لَيْلًا فَأذن لَهُ بعد أَن قَالَ فِي طلب الاسْتِئْذَان بَيْتَيْنِ هما
(أَتَى يخبط الظلما وَاللَّيْل عاكف
…
حبيب بأوقات الزِّيَارَة عَارِف)
(فَمَا راعني إِلَّا لذيذ خطابه
…
أَيَدْخُلُ مَحْبُوب على الْبَاب وَاقِف)
فَأَجَابَهُ الشَّيْخ بدر الدّين البرشكي بداهة بِمَا مِثَاله
(فَقلت نعم إِنِّي للقياك شيق
…
وَإِنِّي من الوجد المبرح تَالِف)
(تفضلت تسْعَى نَحْو عبد ملكته
…
وتطلب أذنا إِن هَذَا يُخَالف)
ثمَّ ارتحل من بعده الْقُلُوب مَعَه رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم القَاضِي الْعَلامَة الرّحال الْحَافِظ شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ الحسني الْمَالِكِي الفاسي الْمُتَّصِل نسبه بسيدنا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث محققا مشاركا بِجَمِيعِ الْعُلُوم مجمعا على جَلَاله وأضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء الْأَكْبَر على الْمَالِكِيَّة فِي مَكَّة المشرفة وَهِي بَلَده ومسكنه وَكَانَ سنيا وَكَانَت عَادَته الْأَسْفَار إِلَى مصر وَالشَّام ثمَّ وَفد إِلَى الْيمن لضرورات لَزِمته فقابله مُلُوكهَا وكبراؤها بِمَا يُقَابل بِهِ مثله وطلبوا مِنْهُ صَالح دعواته وعلو أجازته والفوائد الَّتِي التقطها من صَرِيح الحَدِيث وَمَفْهُومه فأسعفهم إِلَى ذَلِك وَألف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا تَارِيخ مَكَّة المشرفة سَمَّاهُ مُخْتَصر المرام فِي تَارِيخ الْبَيْت الْحَرَام وتاريخ أهل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَمِنْهَا ثلاثيات البُخَارِيّ على غير المتوالي الَّذِي تصرف فِيمَا قَرَأَهَا على مشايخه وَله كَلَام على جمَاعَة من رجال الحَدِيث ثمَّ امتحن بذهاب بَصَره فِي آخر عمره فَكَانَ يملي الْفَوَائِد من حفظه وتكتب عَنهُ وَفد إِلَى مَدِينَة تعز ثمَّ إِلَى مَدِينَة إب سنة أَربع وَعشْرين وثمانمئة وَقد ذهب بَصَره فَأجَاز لجَماعَة من أَهلهَا وَسَأَلَهُ بعض حاضري مَجْلِسه مَا سَبَب وُصُوله إِلَيْهِم فَأَنْشد قَول الأول
(تقر الرِّجَال الموسرون بأرضهم
…
وَتَرْمِي النَّوَى بالمقترين المراميا)
(وَمَا تركُوا أوطانهم عَن ملالة
…
وَلَكِن حذارا من شمات الأعاديا)
فَعرف مُرَاده من معنى أبياته
وَقد أثنى الْعلمَاء على هَذَا الشَّيْخ ومدحه جمَاعَة من الشُّعَرَاء وَالْعُلَمَاء مِنْهُم القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النحواني قَالَ فِيهِ ارتجالا
(لما اجْتمعت بحاوي الْفضل سيدنَا
…
مُحَمَّد بن أَحْمد الْمَشْهُور بالفاسي)
(رَأَيْت بحرا وَفِيه الموج ملتطم
…
من فيض علم بقلب أَصله راسي)
(وَقلت فِي شَأْنه هَذَا يحِق بِأَن
…
نمشي إِلَيْهِ وَلَو سعيا على الراس)
ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة المشرفة وَلم يزل يتَرَدَّد مِنْهَا إِلَى الْيمن مرَارًا حَتَّى وَفد مَعَ الشَّيْخ الْجَزرِي بِسنة ثَمَان وَعشْرين وثمانمئة فَأحْسن إِلَيْهِ سُلْطَان الْيمن ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة المشرفة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي بِسنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة إِمَام الدّين عبد الله الشيفكي ثمَّ الشِّيرَازِيّ وَفد إِلَى عدن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثمانمئة فَكتب القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد بن كبن قَاضِي عدن إِلَى مُتَوَلِّي الْقَضَاء الْأَكْبَر وَهُوَ القَاضِي جمال الدّين الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ بِأَن هَذَا الشَّيْخ وصل وَمَعَهُ نَحْو أَرْبَعِينَ طَالبا للْعلم هم درسته وَأَنه هُوَ ودرسته قاصدون الْحَج إِلَى مَكَّة المشرفة هُوَ وَأَصْحَابه فَكتب القَاضِي جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ إِلَى السُّلْطَان الظَّاهِر بِمَا كتب بِهِ القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن سعيد فَقَالَ السُّلْطَان هَل يجوز أَن يُسمى بعض الْعلمَاء بوقتنا إِمَام الدّين فَقَالَ القَاضِي جمال الدّين الطّيب النَّاشِرِيّ نعم يجوز إِذا كَانَ أَهلا لذَلِك وَقَالَ الْفَقِيه شمس الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن قحر لَا يجوز ذَلِك بوقتنا وَإِن حُكيَ أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ سمي بذلك فَإِن الإِمَام الرَّافِعِيّ إِمَام مُطلق مُجْتَهد جَامع للمنقول والمعقول لَا سَبِيل لأحد من أهل الْوَقْت أَن يبلغ دَرَجَته والجوابان متفقان فِي الْمَعْنى ثمَّ رَحل هَذَا الشَّيْخ من الْيمن إِلَى مَكَّة المشرفة وَتُوفِّي بعد سنة خمسين وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الشَّيْخ الْعَلامَة المتقن شمس الدّين عَليّ بن يُوسُف الغزولي نسب إِلَى
غزل الْكَتَّان أخبر أَنه قَرَأَ على جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح صَلَاح الدّين البُلْقِينِيّ وَالشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن جلال الْمصْرِيّ وَالشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن السكساكي الفراهي بِجَمِيعِ فنون الْعلم فأجازوا لَهُ فدرس وَأفْتى وَطَاف الْبلدَانِ مصر وَالشَّام واليمن وَغَيرهَا وبرع بالعلوم وصنف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا شرف العنوان جعله على منوال عنوان الشّرف الَّذِي للْقَاضِي إِسْمَاعِيل بن أبي بكر المقرىء فضمن الشَّيْخ الغزولي كِتَابه خَمْسَة عُلُوم مِنْهَا مَا يقْرَأ من أول السطر فأوله القصيدة الياسمينية فِي علم الْجَبْر والمقابلة وَالَّذِي يَلِيهِ فِي علم النَّحْو وَالَّذِي يَلِيهِ فِي علم الْعرُوض وصنف فِي الْأُصُول جُزْءا لطيفا على جمع الْجَوَامِع وَله مصنفات غير ذَلِك وَفد إِلَى مَدِينَة تعز فدرس بهَا ثمَّ رَجَعَ إِلَى ثغر عدن فَأَقَامَ بهَا يدرس ويفتي ثمَّ انْتقل إِلَى الْهِنْد فَأكْرمه سلطانها وجلله فنشر علمه بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توفّي بهَا سنة خمس وَسِتِّينَ وثمانمئة وَكَانَ لَهُ رحمه الله شعر حسن مِنْهُ فِي الْحَث على الِاجْتِهَاد فِي الْعلم
(أخي هلا إِن كنت ذَا همة
…
تجافي النّوم وتهوى الْكرَى)
(وتبذل الْأَوْقَات فِي صَفْقَة
…
تربح فِيهَا عزك الأكبرا)
وَمِنْهُم الْفَقِيه برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن كريم الدّين بن عبد الْكَرِيم الْعَسْقَلَانِي الْحَنَفِيّ الْوَاعِظ الْقُدسِي أخبر أَنه نَشأ بالقدس فَقَرَأَ على وَالِده بِشَيْء من الْعُلُوم ثمَّ ارتحل إِلَى مصر فَقَرَأَ على الإِمَام ابْن حجر فِي الحَدِيث وعَلى غَيره فأجازوا لَهُ ثمَّ انْتقل إِلَى مَكَّة المشرفة فَأَقَامَ بهَا وبجدة سبع سِنِين وَغلب عَلَيْهِ علم التصوف واشتهر بِحسن الْوَعْظ وَله مُصَنف فِي فضل الْأُخوة فِي الله تَعَالَى وَفِي آدابها وَفِي فضل الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وكراماته وَفد إِلَى مَدِينَة زبيد بِشَهْر شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثمانمئة فوعظ بجامعها ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز فوعظ بِجَامِع ذِي عدينة وَحَضَرت وعظه فَوَجَدته حَافِظًا لافظا يَأْتِي بالأحاديث النَّبَوِيَّة والْآثَار عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والمفسرين والحكايات عَن الصَّالِحين عَن ظهر الْغَيْب مَا لَا يَسْتَطِيع لَهُ غَيره فَأَقَامَ بِمَدِينَة تعز أَيَّامًا ثمَّ رَحل إِلَى ذِي جبلة ثمَّ إِلَى عدن ثمَّ عَاد إِلَى مَدِينَة تعز فاتفق بَينه وَبَين فُقَهَاء مَدِينَة تعز وَحْشَة أدَّت إِلَى امْتِنَاعه من الْوَعْظ ورحيله عَنْهَا وَذَلِكَ بِشَهْر ربيع الأول سنة تسع وَسِتِّينَ وثمانمئة
وَمِنْهُم الإِمَام الشَّيْخ الْعَلامَة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن نظام بن مَنْصُور الشِّيرَازِيّ أخبر أَنه دخل مَدِينَة الْعرَاق وخراسان وسمرقند وبخارى ثمَّ رَحل إِلَى الشَّام ومصر والقدس ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة سيدنَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ إِلَى مَكَّة المشرفة وَحكى من عجائب الْبلدَانِ الَّتِي دَخلهَا مَا تضيق الأوراق عَن ذكره
وَهَذَا الشَّيْخ عَالم فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَالتَّفْسِير والْحَدِيث النَّبَوِيّ واعظ تتصدع الْقُلُوب لوعظه وتستطيب دُرَر لَفظه وَله الذِّهْن الصافي وَاللَّفْظ المعجز مَعَ تواضع وبذل الْعلم لطالبه أَفَادَ الْفَوَائِد الجليلة الَّتِي يرحل لمثلهَا الرحلة الطَّوِيلَة وَأَجَازَ لجَماعَة من أهل مَدِينَة تعز وَغَيرهم ودرس فِي الحَدِيث وَغَيره ثمَّ طلع إِلَى بلد الْجبَال وَوعظ فِيهَا فَكل بلد دَخلهَا أثنى عَلَيْهِ أَهلهَا بالثناء المرضي
وَسُئِلَ عَن سَبَب دُخُوله الْيمن فَذكر أَنه لزمَه دين نَحْو ثلاثمئة أشرفي ذهب وَعجز عَن قَضَائِهِ وَهُوَ يطْلب قَضَاء دينه فَحصل لَهُ من سُلْطَان الْوَقْت أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن طَاهِر وَمن أهل الْأَمَاكِن الَّتِي دَخلهَا مَا يقوم بقضائها ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة بعد دُخُوله ثغر عدن وإقامته بهَا مُدَّة يسيرَة يعظ ويفسر سنة ثَلَاث وَسبعين وثمانمئة
وَمن فَوَائده أَنه سُئِلَ عَن قَوْله صلى الله عليه وسلم فِي اللَّذين يعذبان فِي قبريهما أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي فِي النميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستبري من الْبَوْل مَا وَجه الْمُنَاسبَة فِي هذَيْن الشَّيْئَيْنِ المعذب عَلَيْهِمَا فَقَالَ الْبَوْل يتَعَدَّى مَحَله برطوبته فينجس غَيره كَمَا أَن النميمة تتعدى من شخص إِلَى شخص
قَالَ فِي الْأُم انْتهى الْمَوْجُود من التَّارِيخ الْمَذْكُور وَلَعَلَّه منخرم