الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القَوْل فِي ذكر الْفُضَلَاء وَالْعُلَمَاء من أهل مَدِينَة إب
وَذَلِكَ مِمَّن اشْتهر بِالْعلمِ وَالصَّلَاح فِي المئة التَّاسِعَة
وَقد ذكر الجندي من اشْتهر مِنْهُم من الْعلمَاء والصلحاء قَدِيما كَالْإِمَامِ أَحْمد بن مُحَمَّد سيف السّنة وَالشَّيْخ حسام الدّين بن الْوَلِيد وَصَاحب الحرورة الشَّيْخ عَليّ بن عمر وَذكر ابْن الْعم القَاضِي الْعَالم أَحْمد بن أبي بكر البريهي من كَانَ بعدهمْ إِلَى التَّارِيخ الْمَذْكُور فِي مُصَنف سَمَّاهُ الْفَوَائِد فِي زِيَارَة الْمشَاهد وتممه بِذكر من سَيَأْتِي ذكرهم
فَمنهمْ القَاضِي الصَّالح عفيف الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الصَّمد بن مُحَمَّد التباعي كَانَ رجلا صَالحا عَاملا تولى الْقَضَاء بِمَدِينَة إب سِنِين كَثِيرَة فَسَار فيهم سيرة مرضية وَكَانَ حسن المجالسة أفنى مَاله باصطناع الْمَعْرُوف انزوت عَنهُ الدُّنْيَا فِي آخر عمره وَهُوَ يظْهر التجمل مَعَ عفاف عَن أَمْوَال النَّاس قَالَ من حقق حَاله إِنَّه من الَّذين قَالَ الله فيهم {يَحْسبهُم الْجَاهِل أَغْنِيَاء من التعفف} وكما قَالَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه كَانَ شَدِيدا من غير عنف لينًا من غير ضعف مَعَ تواضع وورع وَحسن حَال وَفد إِلَى الْبَلَد وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي سنة تسع عشرَة وثمانمئة وقبر بتربة سيف السّنة بالمقبرة الجديدة مِنْهَا وَرَأى لَهُ بعض الأخيار بعد وَفَاته عينا تجْرِي إِلَى قَبره
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح رَضِي الدّين أَبُو بكر بن حُسَيْن الْمُؤَذّن كَانَ رجلا فَاضلا
حسن الصَّوْت حُلْو الْقِرَاءَة رتب للأذان فِي الْجَامِع الْمُبَارك بِمَدِينَة إب فَكَانَ يرقى المنارة فِي اللَّيْل فيسبح الله يحمده ويكبره بإخلاص وَحُضُور قلب وينشد القصائد الوعظية وَغَيرهَا فِي المنارة فِي جنح اللَّيْل فَيكون لكَلَامه فِي الْقلب موقع وَذَلِكَ دَلِيل على خلوص نِيَّته وصفاء سَرِيرَته وَكَانَ يسمع صَوته على مَسَافَة تزيد على ثَلَاثَة أَمْيَال ووقف على الْحَال المرضي مُؤذنًا فِي الْجَامِع الْمُبَارك قَرِيبا من ثَلَاثِينَ سنة يلْتَزم الِاعْتِكَاف فِي كل فرض من وَقت الْأَذَان إِلَى فرَاغ الصَّلَاة لَا سَبِيل إِلَى خُرُوجه فِي ذَلِك الْوَقْت لأي حَاجَة تعرض فَكَانَ لَهُ راتب من التِّلَاوَة وَالذكر فِي كل يَوْم وَلَيْلَة وَله اعْتِقَاد صَالح وَنِيَّة صَادِقَة مجاب الدعْوَة جرب ذَلِك مِنْهُ فِي قضايا كَثِيرَة ذكرتها فِي الأَصْل وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي بِشَهْر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَعشْرين وثمانمئة وَدفن بمقبرة الإِمَام سيف السّنة بالمقبرة الْقَدِيمَة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح صفي الدّين أَحْمد بن عبد الله الْمقري الشنيني السّني كَانَ رجلا فَاضلا صَالحا انْتقل بِهِ وَالِده إِلَى مَدِينَة تعز وَهُوَ صَغِير فَنَشَأَ بهَا وأضيف إِلَيْهِ نِيَابَة جَامع عدينة فعمره أحسن عمَارَة وَقَامَ بِهِ أتم قيام فعارضه من لَا خير فِيهِ فانتقل إِلَى مَدِينَة إب فَأَقَامَ بهَا مُدَّة يسيرَة ثمَّ توفّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وثمانمئة وقبر بمقبرة الإِمَام سيف السّنة بالمقبرة الْقَدِيمَة
وَمِنْهُم الْفَقِيه الإِمَام الْعَالم صفي الدّين أَحْمد بن حسن بن إِبْرَاهِيم بن يحيى البريهي كَانَ فَقِيها فَاضلا عَارِفًا فصيحا تفقه على الإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الريمي فِي تعز وعَلى المقرىء أَحْمد بن مُحَمَّد فِي إب وعَلى غَيرهمَا وَسكن فِي بَيت الإِمَام سيف السّنة تَحت التربة الْمُبَارَكَة وَالْمَسْجِد الْمُبَارك وَأَحْيَا آثَار الإِمَام سيف السّنة وَأَحْيَا مَسْجده وَحفظ كتبه من الضّيَاع وجدد مَا تشعث مِنْهَا وصانها
ودرس فِي الْمَسْجِد وَفِي الْجَامِع الْمُبَارك وَفِي غَيرهمَا من الْمدَارِس قَرَأَ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي البُخَارِيّ وَضبط نسخته من لَفظه وَقَرَأَ عَلَيْهِ صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي مَدِينَة تعز واشتغل بالتدريس بِمَدِينَة إب وانتفع بِهِ الطّلبَة انتفاعا عَظِيما وقلما قَرَأَ عَلَيْهِ أحد إِلَّا انْتفع بقرَاءَته عَلَيْهِ وَكَانَت لَهُ معرفَة جَيِّدَة فِي معرفَة كتب الخراسانيين كالوجيز والوسيط وَكَانَ دأبه الإقراء بهما وبالمنهاج للنووي وَالْحَاوِي وَكَانَ كثير التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ وَكَانَ من أحسن النَّاس ضبطا للكتب وَكَانَ كثير النّسخ وَكتبه مضبوطة محشاة أوقفها على ذُريَّته ثمَّ أقربائه وَهِي مَعْدُومَة النظير من ضَبطهَا وحسنها وَكَانَ كثير السَّعْي فِي قَضَاء حوائج الْمُسلمين وَكَانَ متثبتا فِي الْجَواب وموفقا فِي الإقراء والتدريس وَله قصائد كَثِيرَة زهدية وَغَيرهَا وَهِي مَعْرُوفَة مدونة وَكَانَ رحمه الله فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ لم يتْرك الصَّلَاة اصلا بل يجْتَهد فِي أَدَائِهَا وَقد رأى بعض الْفُضَلَاء النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَام وَعِنْده الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن حسن هَذَا الْمَذْكُور وَهُوَ يتحدث مَعَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ فِي آخر مَرضه قَرِيبا من مَوته وَجَمَاعَة من النَّاس بعيد مِنْهُمَا فتحدثا زَمَانا طَويلا فَلَمَّا افْتَرقَا قَالَ بعض الْحَاضِرين يَا فَقِيه أَحْمد مَا فعل لَك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ قضى لي كل حَاجَة فِي أَمر الدّين وَالدُّنْيَا فَالْحَمْد لله ثمَّ أخبر من كَانَ حَاضرا عِنْده قبل مَوته بِيَوْم أَن الْفَقِيه صفي الدّين قَالَ رَأَيْت هَذَا الْبَيْت امْتَلَأَ نورا وَقَالَ رأى ذَلِك ثَلَاث مَرَّات فِي يَوْم وَاحِد وَمن شدَّة النُّور لم يفتح عينه وَأخْبرهمْ بذلك وَهُوَ يُشَاهِدهُ فِي الْيَقَظَة
وَكَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله وَتُوفِّي يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر سنة إِحْدَى وثمانمئة وقبر بِجنب الإِمَام سيف السّنة لَيْسَ بَينه وَبَينه أحد رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بهومنهم الْفَقِيه السَّيِّد الصَّالح برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم البريهي كَانَ رجلا فَاضلا صَالحا كثير المسارعة إِلَى الصَّدقَات وَإِلَى فعل الْخيرَات وَكثير الْإِحْسَان إِلَى أَقَاربه وَإِلَى غَيرهم وَيُحب الْفُقَرَاء وَالْعُلَمَاء وَكَانَ كثير التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم وَله مُشَاركَة فِي الْعلم ومطالعة فِي كتب التَّفْسِير وَغَيرهَا وَله أَخْلَاق رضية وبشاشة وعقل رَاجِح وَدين وَصَلَاح ظَاهر وجدد آثَار الإِمَام سيف السّنة فَبنى مَسْجده الْمُبَارك وجدده وَزَاد فِيهِ وأتقن بناءه وأحكمه وَبنى فِي حجرته أبوابا مُقَابلَة لِلْمَسْجِدِ وجدد قبر الإِمَام سيف السّنة لِأَنَّهُ كَانَ قد اندرس من طول الزَّمَان وَبنى التربة الْمُبَارَكَة وَزَاد فِيهَا زِيَادَة حَسَنَة وَجَمِيع ذَلِك بِإِشَارَة وَلَده مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ الَّذِي تولى مُعظم ذَلِك وَصرف عَلَيْهِ من مَاله وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشر شهر شَوَّال سنة إِحْدَى وثمانمئة وَدفن قَرِيبا من بَاب التربة الْمُبَارَكَة وَهُوَ أول قبر يلقاه الدَّاخِل على يسَاره رحمهم الله ونفع بهم
وَمِنْهُم الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الْكَاهِلِي كَانَ عَالما عَارِفًا تفقه على الْأَئِمَّة بِمَدِينَة زبيد وَكَانَت لَهُ معرفَة جَيِّدَة فِي التَّنْبِيه والمهذب لَا يكَاد يُوجد لَهُ نَظِير فِي معرفتهما من نظرائه ومشائخه واشتغل بالتدريس وَالْفَتْوَى فِي مَدِينَة إب وَكَانَ كثير الذّكر مَشْهُورا بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وأصل بَلَده ريمة الأشابط وارتحل مِنْهَا فِي صغره ثمَّ اسْتَقر وتأهل بِمَدِينَة إب واشتغل بالإقراء طول عمره
وَكَانَ صَاحب كرامات ودعوات مستجابة وَخير ظَاهر وَصَلَاح باهر يقر لَهُ بذلك ويعرفه مِنْهُ كل من سمع بِذكرِهِ رأى بعض الْفُضَلَاء وَهُوَ الْمقري عبد الله الشنيني النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَوقف عِنْده سَاعَة فَأقبل الْفَقِيه عفيف الدّين الْكَاهِلِي فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم من هَذَا فَقَالَ الْمقري قلت هَذَا الْفَقِيه الْكَاهِلِي فَقَالَ أُرِيد أسمع من علمه فَقَالَ الْمقري عَنْك أَخذنَا يَا رَسُول الله فَسكت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي فِي مَدِينَة إب يَوْم الْأَحَد السَّادِس عشر من ربيع الآخر من سنة عشر وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن حسن البريهي كَانَ فَقِيها عَارِفًا بالحاوي معرفَة جَيِّدَة وَشَرحه وَشرح الْمِنْهَاج وَالْوَجِيز وَاخْتصرَ التفقيه شرح التَّنْبِيه للأمام الريمي بِثَلَاثَة مجلدات وَكَانَ مُجْتَهدا فِي طلب الْعلم وَكَانَ يَصُوم رَجَب وَشَعْبَان ويختمها برمضان طول عمره وَتُوفِّي ثَالِث شهر صفر سنة سبع عشرَة وثمانمئة وَدفن فِي تربة الإِمَام سيف السّنة رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح جمال الدّين مُحَمَّد بن حسن البريهي كَانَ رجلا صَالحا متقللا من الدُّنْيَا عابدا ورعا دأبه الِاعْتِكَاف فِي الْجَامِع الْمُبَارك وَقَضَاء حوائج الْمُسلمين وتلاوة كتاب الله الْعَزِيز وَذكر الله تَعَالَى وصحبة الصَّالِحين والتأدب بآدابهم وَولي نِيَابَة الْجَامِع الْمُبَارك بِمَدِينَة إب سِنِين كَثِيرَة فعمره عمَارَة جَيِّدَة وَأصْلح مَا تشعب مِنْهُ أحسن صَلَاح وَتَوَلَّى نِيَابَة مدرسة جرن الشريف بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة
فعمرها وَكَانَ يقبض مَا شَرطه الْوَاقِف للنَّاظِر فَلَمَّا قربت وَفَاته نَدم على مَا أَخذ من ذَلِك فَبَاعَ نصف بَيته الَّذِي سكن فِيهِ وَصرف ثمنه لعمارتها وإصلاحها وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وثمانمئة وقبر عِنْد قبر الإِمَام سيف السّنة وَرَأى لَهُ بعض أهل الْخَيْر يَوْم وَفَاته رُؤْيا صَالِحَة وَأَنه فِي مَكَان كأحسن جَامع من الْجَوَامِع وَفِيه أَنهَار جَارِيَة فَسَأَلَ عَن ذَلِك فَقيل هُوَ لشخص من أهل هَذِه الْبَلدة يصل إِلَيْنَا الْيَوْم وَنحن بانتظاره للسلام عَلَيْهِ والتبرك بِهِ فَلم يتوف فِي ذَلِك الْيَوْم غير هَذَا الْفَقِيه مُحَمَّد الْمَذْكُور رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم القَاضِي الْفَاضِل وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الْكَاهِلِي تفقه على وَالِده الْمَذْكُور وعَلى خَاله الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي وَولي الْقَضَاء بِمَدِينَة إب ثمَّ انْفَصل عَنْهَا وَولي الْقَضَاء بالسحول ثمَّ انْفَصل عَنهُ وَولي الْقَضَاء ببعدان مرّة بعد أُخْرَى وَكَانَت سيرته حَسَنَة وَله حسن خلق وأدب جبله الله عَلَيْهِ وَكَانَت لَهُ أَخْلَاق حَسَنَة يكرم الضَّيْف وَيطْعم الدرسة فِي عيدي الْفطر والأضحى المطاعم اللذيذة وَلَزِمَه دُيُون كَثِيرَة فَكَانَ يَدْعُو الله تَعَالَى عِنْد قُبُور الصَّالِحين فِي الْمَدِينَة بِقَضَاء دينه مرَارًا كَثِيرَة فَجَاءَهُ رجل لَا يعرفهُ بِقدر صَالح من الذَّهَب ابتاعه مِنْهُ رخيصا بِقدر عشر قِيمَته فَأعْطَاهُ ذَلِك الثّمن وَرَاح من عِنْده فَبَاعَ مِنْهُ مَا قضى بِهِ دينه وَأنْفق مِنْهُ على عائلته سنته والقصة فِي ذَلِك مَذْكُورَة فِي الأَصْل تركت ذكرهَا اختصارا وَتُوفِّي القَاضِي وجيه الدّين الْمَذْكُور بِشَهْر الْمحرم أول سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بتربة الإِمَام سيف السّنة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البريهي كَانَ رجلا فَاضلا عَالما تفقه على خَاله الْفَقِيه جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي والفقيه أَحْمد بن عبد الله الْكَاهِلِي وَالْقَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد البريهي وَقَرَأَ النَّحْو والفرائض على الْفَقِيه عمر بن أبي بكر الْحَارِثِيّ وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بتربة الإِمَام سيف السّنة
وَمِنْهُم القَاضِي الْعَالم الصَّالح وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النحواني كَانَ إِمَامًا مبرزا متضلعا من الْعُلُوم النافعة أصل بَلَده وصاب فَخرج مِنْهَا لطلب الْعلم الشريف فَقَرَأَ على الْفُقَهَاء بالحرف من نواحي وصاب على الْفَقِيه داؤد بن عبد الله الْحرَازِي التَّنْبِيه والفرائض ثمَّ ارتحل إِلَى شنين من نَاحيَة السحول فَقَرَأَ على الإِمَام رَضِي الدّين الشنيني الأصبحي كتاب الْمُهَذّب والوسيط وَالْوَجِيز وَالْبَيَان وَجُمْلَة من كتب الحَدِيث ثمَّ ارتحل إِلَى تعز فَقَرَأَ على الْفَقِيه وجيه الدّين الزوقري والفقيه رَضِي الدّين ابْن الْخياط فِي الْفِقْه وَقَرَأَ بِالْحَدِيثِ على الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وعَلى الإِمَام مجد الدّين الشِّيرَازِيّ ثمَّ قَرَأَ بِذِي السفال على الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله بن صَالح وبمدينة إب على الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي ثمَّ استدعي للتدريس بِالْمَدْرَسَةِ السيفية بذبحان وعمره حِينَئِذٍ إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة فَأَقَامَ بهَا ودرس قدر سنة ثمَّ رَجَعَ إِلَى تعز فَوَافَقَ ذَلِك وَفَاة القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي الرخَاء فاستدعي للْقَضَاء بِمَدِينَة ذِي جبلة ووقف بهَا مُدَّة ثمَّ استدعي للْقَضَاء فِي الْجند وأعمالها وَلم يزل يتَرَدَّد من ذِي جبلة إِلَى الْجند وَيحكم بهما إِلَى أَن اتّفق تَمام الزِّيَادَة الفرحانية بِجَامِع ذِي عدينة فأضيف إِلَيْهِ التدريس وَالْخطْبَة مَعَ استقامته بتدريس الحَدِيث النَّبَوِيّ فِي الْجَامِع الْمَذْكُور وَقد اسْتمرّ أَيْضا بِالْقضَاءِ بجهات الدملوة والجؤة وأضيف إِلَيْهِ أَمر الْأَوْقَاف هُنَالك فَلَمَّا اشْتهر وَكَثُرت عَلَيْهِ الْأَعْمَال زهد بِقَضَاء الدملوة ونواحيها للْقَاضِي صارم الدّين داؤد بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي من فُقَهَاء المقروضة من نواحي بعدان ثمَّ حصل للْقَاضِي وجيه الدّين معاندة من بعض أهل الْأَمر بِتِلْكَ الْجِهَات فَتقدم إِلَى مَدِينَة إب باستدعاء من الشَّيْخ جمال الدّين الْجلَال بن
مُحَمَّد السيري فرتبه إِمَامًا ومدرسا فِي مدرسته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِمَدِينَة إب وأضاف إِلَيْهِ خطْبَة الْجَامِع الْمُبَارك وولاه الْقَضَاء على السحول وَمَا إِلَيْهِ وقابله بِمَا يُقَابل بِهِ مثله ثمَّ استقام بوظيفة الْقَضَاء بِمَدِينَة إب بعد ذَلِك فَبَقيَ على ذَلِك حَتَّى توفّي رحمه الله سنة ثَلَاث وَعشْرين وثمانمئة وَدفن جنوبي قبر الشَّيْخ حسام الدّين الْمَشْهُور فَوق السايلة ملاصقا لَهُ وَكَانَ دأبه التَّحْصِيل والتدريس وَاجْتمعَ لَهُ من الْكتب جملَة صَالِحَة وَكَانَ رحمه الله أبلغ أهل وقته وأفصحهم فِي الشّعْر وَالْخطْبَة فَكَانَ لوعظه موقع فِي الْقُلُوب فَمن شعره مَا وبخ بِهِ نَفسه وحثها على القناعة بعد أَن كتب مَا رَأَيْته مَنْقُولًا بِخَطِّهِ هَذِه أَبْيَات سمح بهَا الخاطر الموتور المذعور عرضت حَال تكالب أهل الْوَقْت على الْأَسْبَاب عُمُوما لَا خُصُوصا وترددهم إِلَى أَبْوَاب الْأُمَرَاء والمتصرفين حَتَّى استهجنوا وانتقصوا وَلَو أَن أهل الْعلم صانوه لصانهم وَهِي
(اقنع تعز وَلَا قناعة فِي تعز
…
إِلَّا إِذا استبدلت عَنْهَا أَرض عز)
(فِي حَيْثُ لَا طمع بِهِ طبع وَلَا
…
يُؤْتى إِلَى بَاب الْفُجُور المستعز)
(لَا خير فِي فَخر ينَال بذلة
…
وَالْخَيْر فِي خفض إِذا هُوَ جا بعز)
(فَإِذا قنعت وَلم تكن تَأتي إِلَى
…
الْملك الْعَزِيز فَإنَّك الْملك الْمعز)
وَله غير ذَلِك من النّظم البديع مِمَّا قد ذكرته فِي الأَصْل فَكَانَ يمِيل إِلَى مَذْهَب التصوف كثيرا وَكَانَ شَيْخه فِي ذَلِك الإِمَام الْعَلامَة صَاحب الطَّرِيقَة فِي وقته عفيف الدّين عبد الله بن عمر المسن صَاحب ذبحان وَقد أثنى عَلَيْهِ نظما ونثرا وَقد رأى لَهُ بعض الْفُضَلَاء رُؤْيا حَسَنَة تدل على فَضله وَرَأَيْت فِي بعض التَّعَالِيق أَن
أهل تعز قحطوا عَن الْمَطَر واستسقوا فَرَأى بعض الصَّالِحين قَائِلا يَقُول سقوا أهل تعز ببركة الْفَقِيه القَاضِي وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن النحواني رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح العابد جمال الدّين مُحَمَّد بن يُوسُف الأشرقي الكلالي كَانَ رحمه الله رجلا صَالحا ورعا زاهدا فِي الدُّنْيَا مُقبلا على الْآخِرَة وَكَانَ دأبه تِلَاوَة كتاب الله الْعَزِيز والاشتغال بِالْعلمِ الشريف وَالِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد وَكَانَ يقوم اللَّيْل ويصوم النَّهَار ويجتهد فِي أَفعَال الْخَيْر وَيُحب الخمول وشأنه التَّوَاضُع وَعرض عَلَيْهِ الْقَضَاء فَامْتنعَ من قبُوله
أصل بَلَده ذِي أشرق وانتقل مِنْهَا بِقصد الْقِرَاءَة وَطلب الْعلم فاجتهد بذلك حَتَّى اشْتهر وتأهل فَهُوَ مَعْدُود من أكَابِر أهل مَدِينَة إب وصلحائها وَكَانَ يصحب الأخيار ويقتدي بهم وَمِنْهُم الْفَقِيه جمال الدّين الرعياني والفقيه عبد الْبَاقِي الْآتِي ذكره ويحضرون يَوْم الْجُمُعَة فِي بعض الْمدَارِس يذكرُونَ الله ويختمون الْمجْلس بِالدُّعَاءِ
وأخبرت أَنه لزمَه دين عجز عَن قَضَائِهِ فَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَات فِي مَكَان خَال وَطلب الله تَعَالَى بنية صَادِقَة فَسمع كَلَام قَائِل يَقُول أبشر فقد قضى الله دينك وَقضى حَاجَتك فَقضى دينه فِي ذَلِك الْيَوْم وَكَانَ يتَمَنَّى الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام وَهُوَ عَاجز عَن مؤونة السّفر فَهَيَّأَ الله من تولى كِفَايَته رَاكِبًا مَعَه من بَلَده ذَهَابًا وإيابا وَلم يمش إِلَّا مَا يعْتَاد فِي الْمنَازل عِنْد الْحَط والترحال وَلم ينله كثير مشقة من وعثاء السّفر
عَاشَ الْفَقِيه جمال الدّين على حَال مرض وَطَرِيقَة محمودة مُتبعا آثَار السّلف الصَّالح ومقتديا بهم إِلَى أَن بلغ عمره نيفا وَثَمَانِينَ سنة وَتُوفِّي فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة من ألم الطَّاعُون وقبر عِنْد قبر الشَّيْخ حسام الدّين ملاصقا لقبر
القَاضِي النحواني من جِهَة الْجنُوب لَيْسَ بَينه وَبَينه شَيْء وَأوصى وَأَن لَا يبْنى عَلَيْهِ أَن يُكفن فِي ثِيَابه الَّتِي كَانَ يلبسهَا فِي حَيَاته فنفذت وَصيته وامتثل أمره بذلك رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن أبي بكر الْحَارِثِيّ كَانَ رحمه الله فَاضلا رجلا فرضيا نحويا واعظا باذلا نَفسه للطلبة حسن الْخلق لين الْجَانِب أَخذ الْفَرَائِض عَن ابْن عَمه الْفَقِيه إِبْرَاهِيم بن أبي بكر الْحَارِثِيّ وَالْفِقْه عَن الْفَقِيه أَحْمد بن حسن البريهي والفقيه عبد الله بن مُحَمَّد الْكَاهِلِي وَغَيرهم وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرَة من الطّلبَة من الْبَلَد وَغَيرهم وَكَانَ دأبه الِاعْتِكَاف فِي الْمدرسَة الناصرية والتدريس بهَا وَكَانَ متواضعا غير معنف لأحد مِمَّن قل أدبه عَلَيْهِ أَو سَاءَ حفظه من الطّلبَة محملًا كلا مِنْهُم على قدر فهمه ومخاطبا لَهُم بالرفق وَقد ظَهرت لَهُ كرامات ذكرتها فِي الأَصْل فِي قصَّة عَجِيبَة
عَاشَ الْفَقِيه تَقِيّ الدّين الْمَذْكُور على الْحَال المرضي من التدريس والوعظ وَالْعِبَادَة حَتَّى توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن قَرِيبا من قبر الشَّيْخ حسام الدّين مِمَّا يَلِي الْمشرق مُتَأَخِّرًا عَنهُ قَلِيلا إِلَى جِهَة الْجنُوب على يسَار النَّازِل من السائلة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ وَرُوِيَ لَهُ بعد وَفَاته رُؤْيا صَالِحَة تدل على حسن حَاله وَطيب منقلبه
وَمِنْهُم شَيخنَا الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي كَانَ رحمه الله فَقِيها سلمت إِلَيْهِ الرِّئَاسَة فِي عصره بِبَلَدِهِ فِي الْفِقْه على الْإِطْلَاق أجمع أهل وقته على جلالته وبراعته وَأَنه مِمَّن لَا يجارى فِي ذَلِك وَلَا يمارى فَكَانَ المرجوع إِلَيْهِ فِي المعضلات من الْمسَائِل الفقهيات والمعول عَلَيْهِ فِي حل مشكلات الْفُرُوع وَله فِي ذَلِك الباع الأطول إِذْ هُوَ الأوحد الْأَجَل الْأَكْمَل أَخذ الْفِقْه عَن وَالِده الإِمَام عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الْكَاهِلِي وَعَن خَاله الإِمَام صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي وَعَن الْفَقِيه رَضِي الدّين الشنيني وَعَن الإِمَام رَضِي الدّين الْخياط ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فَأَقَامَ بهَا وَالْمَدينَة الشَّرِيفَة سنة فَقَرَأَ على الْأَئِمَّة هُنَالك فَمن شُيُوخه هُنَالك الإِمَام المراغي والكازروني وَغَيرهمَا وَقد أثنوا عَلَيْهِ وطمعوا فِي اجتذابه للإقامة مَعَهم هُنَالك فغلب عَلَيْهِ محبَّة الوطن والشوق إِلَى الْأَهْل فَرجع إِلَى بَلَده بعد انتفاعه وتصدى للتدريس وَالْفَتْوَى وانتفع بِهِ الطّلبَة وقصدوه من الْبلدَانِ الشاسعة فَأَقَامَ على التدريس وَالْفَتْوَى مُدَّة طَوِيلَة تزيد على أَرْبَعِينَ سنة وامتحن بِالْقضَاءِ فِي إب فَسَار فِي أهل الْبَلَد سيرة السّلف الصَّالح وسلك طَريقَة الْحق النير الْوَاضِح فَلم يدع الْحق لَهُ صاحبا ثمَّ انْفَصل عَن الْقَضَاء وَكَانَت ولَايَته مُدَّة يسيرَة فَكَانَ كَمَا قَالَ بَعضهم
(تولاها وَلَيْسَ لَهُ عَدو
…
وفارقها وَلَيْسَ لَهُ صديق)
فَلم يَزْدَدْ فِي الْقَضَاء إِلَّا شهرة وَكَانَ يحضر مجْلِس تدريسه نَيف وَأَرْبَعُونَ
رجلا من الْفُقَهَاء والقضاة المنتفعين وَكَانَ ثبتا فِي الْجَواب محققا للْمَذْهَب والأقوال وَالْوُجُوه خُصُوصا فِي التَّنْبِيه والمهذب وَالْحَاوِي وَلم يزل على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي شهر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون وقبره أَعلَى قبر الشَّيْخ حسام الدّين مِمَّا يَلِي الْمشرق وَلم يمرض بل رُؤِيَ وَقت الضُّحَى يَوْم وَفَاته مارا فِي الطَّرِيق فِي رحبة بَيته عِنْد الْمدرسَة البدرية الَّتِي عِنْد بَيته وَلم يشتك شَيْئا وَكَانَت وَفَاته وَقت الظّهْر من ذَلِك الْيَوْم
وَتُوفِّي وَلَده الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الْكَاهِلِي بعد وَفَاة أَبِيه بأيام يسيرَة وَقد كَانَ انْتفع بِالْقِرَاءَةِ على وَالِده ودرس وَأفْتى وَدفن عِنْد قبر وَالِده رحمهمَا الله تَعَالَى ونفع بهما تَعَالَى فَإِذا طلع الزائر إِلَى المشهد من زِيَارَة قبر الشَّيْخ حسام الدّين على الطَّرِيق الْيُمْنَى فَوق الْمَكَان الَّذِي ينزل فِيهِ السَّيْل هُنَاكَ فَأول مَا يلقى من الْمَذْكُورين بِهَذَا التَّارِيخ قَبره
وَمِنْهُم شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة صفي الدّين أَحْمد بن عبد الله الْكَاهِلِي كَانَ رحمه الله عَالما عابدا أَخذ الْفِقْه عَن وَالِده الإِمَام عفيف الدّين الْمَذْكُور وَعَن خَاله الإِمَام صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي وَسمع من الإِمَام جمال الدّين الريمي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي بعض كتب الحَدِيث وَله مَشَايِخ غير من ذكرنَا وَكَانَ لَهُ اجْتِهَاد فِي الدَّرْس عِنْد الطّلب للْعلم على مشايخه كَمَا أَخْبرنِي من لَفظه إِن وَالِده كَانَ لَا يقرئه شَيْئا من الْمُهَذّب إِلَّا بعد عرضه لذَلِك عَن ظهر الْغَيْب قَالَ وَمن كَانَ يعجز عَن الْحِفْظ يقْرَأ درسه أَرْبَعِينَ شرفا وَكَانَ للفقيه صفي الدّين أوراد وأدعية وأذكار ورواتب يعجز عَنْهَا أَكثر أهل الْعَصْر وَكَانَ ذَا صِيَام وَقيام وصبر وَخير ظَاهر مَتى شِئْت رَأَيْته فِي النَّهَار صَائِما وجدته كَذَلِك أَو فِي اللَّيْل قَائِما وجدته كَذَلِك امتحن
بِالْقضَاءِ ببعدان فَكَانَ يَسْتَنِيب فِيهِ وَلَده الْأَكْبَر الْمُسَمّى عمر وَكَانَ موفقا لبيبا أحسن بشرا قَرَأَ على وَالِده وَعَمه وعَلى غَيرهمَا وَحصل كتبا نافعة وَكَانَ يشْتَغل بِشَيْء من التِّجَارَة وَلم يتَزَوَّج ثمَّ سَافر إِلَى مَكَّة المشرفة فَانْكَسَرت الجلبة الَّتِي ركب فِيهَا الْبَحْر فَتوفي غريقا شَهِيدا قبل الْحَج
فَلَمَّا علم وَالِده بِمَوْتِهِ صَبر واحتسب ثمَّ اعتذر القَاضِي صفي الدّين عَن ولَايَة الْقَضَاء فعذر وَقد كَانَت سيرته مرضية فَلَمَّا انْفَصل عَن الْولَايَة زَاد فِي الِاجْتِهَاد بِالْعبَادَة والتلاوة وَكَانَ يعْتَمد على أَحَادِيث الْفَضَائِل فِي الْأَعْمَال فَيصَلي صَلَاة التَّسْبِيح فِي كل جُمُعَة وَقد يُصليهَا بِاللَّيْلِ ويحافظ على صَلَاة الضُّحَى اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة وَيَدْعُو ويبتهل وَتظهر لَهُ عَلامَة الاستجابة من ظُهُور الْعبْرَة
وعَلى الْجُمْلَة فأحوال الْفَقِيه نازعة إِلَى الْعِبَادَة والاشتغال بهَا أَكثر من اشْتِغَاله بالفقه وَقد انْتفع على يَده جمَاعَة من الطّلبَة قل من قَرَأَ عَلَيْهِ إِلَّا انْتفع وَكَانَ يقْرَأ عِنْده أَو يقْرَأ هُوَ صَحِيح الإِمَام البُخَارِيّ فِي كل سنة بِشَهْر رَمَضَان وَتُوفِّي بِشَهْر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة سنة شَهِيدا من ألم الطَّاعُون وَدفن بالمشهد فِي الْجَانِب الشَّرْقِي مِمَّا يوالي قبر الإِمَام الشَّيْخ حسام الدّين رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
ثمَّ يطلع الزائر ذَلِك الْمَكَان إِلَى عِنْد قبر الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ وَهُوَ قديم ظهر لأهل الْبَلَد مِنْهُ براهين فَيرى قُبُور جمَاعَة من الْفُضَلَاء مِنْهُم شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة والحبر الصَّالح الزَّاهِد العابر صفي الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي بكر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى البريهي الَّذِي مَا رَأَتْ عين أهل وقته أزهد مِنْهُ فِي يقظة وَلَا مَنَام وَلَا عَايَنت أَكثر اتبَاعا مِنْهُ لشرائع الْإِسْلَام المتلقاة من
الشَّارِع عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عابدا صَالحا زاهدا قَرَأَ على خَاله وَابْن عَمه الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي والفقيه عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الْكَاهِلِي والفقيه رَضِي الدّين الشنيني وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَالْإِمَام مجد الدّين الفيروزابادي والمقرىء ابْن عَيَّاش الْوَافِد إِلَى الْيمن والمقرىء عفيف الدّين عبد الله بن مُحَمَّد الشنيني وسافر إِلَى مَكَّة المشرفة فَأجَاز لَهُ جمَاعَة من الْفُقَهَاء والمحدثين بالحرمين الشريفين مِنْهُم المراغي والكازروني والشريف النسيب تَقِيّ الدّين الْمَالِكِي وَغَيرهم وَلبس الْخِرْقَة من الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الْعِرَاقِيّ عَاشَ رَحمَه الله تَعَالَى على طَريقَة السّلف الصَّالح من الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَالْعَمَل بِهِ والورع وبذل نَفسه للطلبة وانزوت عَنهُ الدُّنْيَا فِي شبابه وَكَانَ مُعظم قوته من أجرته على تَحْصِيل كتاب الله تَعَالَى وَكتب الحَدِيث وَالْفِقْه فَإِذا جمع من ذَلِك مَا يسد بِهِ خلته حصل لنَفسِهِ كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ وبورك لَهُ فِي عمره وَاجْتمعَ لَهُ جملَة صَالِحَة من الْكتب النفيسة كتبهَا وحشاها وضبطها أحسن ضبط حَتَّى صَارَت كتبه أُمَّهَات كتب أهل الْوَقْت وَكَانَ مُعظم أوقاته يَنْعَزِل عَن النَّاس ودأبه الْخلْوَة فِي بَيته وَفِي مَسْجِد الإِمَام سيف السّنة يقوم مُعظم اللَّيْل أَو كُله ابْتَدَأَ بالتدريس بعد وَفَاة خَاله وَابْن عَمه الْفَقِيه صفي الدّين أَحْمد بن حسن البريهي وَقَامَ بمكانه فدرس نَحْو ثَلَاثِينَ سنة وانتفع بِهِ جمَاعَة كَثِيرُونَ قل من قَرَأَ عَلَيْهِ إِلَّا وانتفع
وَظَهَرت لَهُ كرامات كَثِيرَة مِنْهَا مَا أَخْبرنِي بِهِ بعض أَوْلَاده وَوَجَدته بِخَطِّهِ أَنه حصل كتابا لشيخه المقرىء عفيف الدّين الشنيني بِمَدِينَة إب بعد انْتِقَال المقرىء إِلَى تعز فَكَانَ الْفَقِيه صفي الدّين وَاقِفًا بمنزله بإب فَسمع صَوت المقرىء عفيف الدّين
وَهُوَ يَقُول يَا مولَايَ أَحْمد فَقَالَ الْفَقِيه صفي الدّين فَدخل ذَلِك الصَّوْت بمسامعي وأعضائي ولزمني شبه الرعدة وَقلت هَذَا صَوت المقرىء لَا شكّ فِيهِ وَأَظنهُ جَاءَ من تعز وَقَامَ الْفَقِيه من سَاعَته فَنظر عِنْد بَابه وحوالي بَيته فَلم ير أحدا فَرجع إِلَى بَيته فَلَمَّا اسْتَقر مَكَانَهُ سمع صَوت المقرىء كالصوت الأول فَقَالَ الْفَقِيه لأولاده وَمن حَضَره هَذَا صَوت المقرىء وَقد سمعته مرَّتَيْنِ قومُوا بِنَا حَتَّى ننظره فاجتهدوا فِي الْبَحْث وَالسُّؤَال عَن المقرىء فَلم يروه فَرجع الْفَقِيه إِلَى بَيته فَسمع صَوت المقرىء مرّة ثَالِثَة فأنعم النّظر فِي الْبَحْث عَنهُ وَلم يجده فأرخ ذَلِك وَكتب بِهِ إِلَى المقرىء فَرجع الْجَواب مِنْهُ يذكر فِيهِ أَنِّي لَا أَزَال أذكرك وأدعو لَك وَإِنِّي طالعت فِي الْكتاب الَّذِي حصلت لي فَوجدت فِيهِ ثَلَاثَة أَمَاكِن تحْتَاج إِلَى إصْلَاح كَانَ ذَلِك مني فِي سَاعَة وَاحِدَة فصدر مني مَا سَمِعت
وَكَانَ الْفَقِيه رَضِي الدّين كثير الإخوان والإصدقاء من الأخيار يوصيهم بِالدُّعَاءِ على ظهر الْغَيْب فَأخْبر بَعضهم أَنه رأى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي يَا رَسُول الله إِن لي صاحبا أَو قَالَ صديقا وَقد أَوْصَانِي إِلَيْك بِالسَّلَامِ وَهُوَ من حَملَة الْعلم الشريف وَحسن الطَّرِيقَة يحب الله ويحبك يَا رَسُول الله فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أهوَ أَحْمد بن أبي بكر فَقلت نعم فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه عني السَّلَام وَأَنا رَاض عَلَيْهِ وَالله رَاض عَنهُ لرضا أَبَوَيْهِ عَنهُ وبره بهما وَحسن ظَنِّي بِمن ذَكرنِي عِنْده
وَرَأى هُوَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَأَنه يطرد الذُّبَاب عَنهُ صلى الله عليه وسلم وَسَأَلَهُ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أهوَ مَنْسُوب إِلَى خدرة فَقَالَ لَهُ نعم قَالَ وَرَأى فِي لحيته صلى الله عليه وسلم شيبا كثيرا وَرَأى أَنفه صلى الله عليه وسلم طَويلا كُله فِيمَا نقلته بِخَطِّهِ مُخْتَصرا
وللفقيه صفي الدّين فَضَائِل ومبشرات وكرامات ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل مِمَّا
لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمُخْتَصر وَكَانَ آمرا بِالْمَعْرُوفِ ناهيا عَن الْمُنكر وَعمر الْمَسَاجِد والمدارس فِي الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة عمَارَة جَيِّدَة وهيأ الله لَهُ من أَعَانَهُ على ذَلِك وَكَانَ لَهُ فِي الْقُلُوب محبَّة عِنْد النَّاس وهيبة وامتحن بِالْقضَاءِ بِمَدِينَة إب عبد شدَّة امْتِنَاعه عَن ذَلِك فسلك فِي أهل الْبَلَد مسلكا حسنا وَسَار فيهم سيرة السّلف الصَّالح وتورع عَمَّا اعْتَادَ الْقُضَاة أَخذه وَلم يقدم على شَيْء فِيهِ شُبْهَة توفّي رحمه الله من ألم الْبَطن سنة خمس وَعشْرين وثمانمئة وَدفن بالمشهد حَيْثُ قبر الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ إِلَى جِهَة الْجنُوب لَيْسَ بَينه وَبَينه حَائِل أخبر الَّذِي ألحده أَنه كَانَ يُؤذن عِنْد سد فرج المساهية بالطين قَالَ والفقيه يجِيبه من الْقَبْر وَيَقُول كَمَا يَقُول وَكَانَ عَادَة الْفَقِيه فِي حَيَاته الْمُحَافظَة على إِجَابَة الْمُؤَذّن رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَرَأى بعض الْفُضَلَاء بعد وَفَاة الْفَقِيه صفي الدّين أَنه فِي الْجنَّة وَأَن سَبَب ذَلِك جمعه لكتاب الْأَرْبَعين النافعة فِي بَيَان رَحْمَة الله الواسعة وَقد جمع أَيْضا كتابا على التَّنْبِيه سَمَّاهُ النَّظَائِر يحتوي على الْمسَائِل المشتبهة وَالْخلاف المتناظر على التَّنْبِيه إِذْ كَانَ يحفظه وَشرح خطْبَة منظومة الْحَاوِي وَجمع مسَائِل فِي الْقرَاءَات وعلق تعاليق نافعة جمعهَا من كتب كَثِيرَة انْتفع بهَا الطّلبَة رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم أَخُوهُ شَيخنَا القَاضِي الْأَجَل الْعَلامَة جمال الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر البريهي كَانَ رحمه الله إِمَامًا فِي علم النَّحْو ومجودا فِي علم الحَدِيث وَالْفِقْه ورعا متأنيا فِي الْأُمُور أَخذ الْفِقْه عَن ابْن عَمه وخاله الْفَقِيه أَحْمد بن الْحسن البريهي والفقيه عبد الله بن مُحَمَّد الْكَاهِلِي والأمير شمس الدّين فَيْرُوز والْحَدِيث عَن الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي وَالشَّيْخ مجد الدّين الفيروزأبادي وامتحن بِالْقضَاءِ يمدينة إب بعد وَفَاة أَخِيه فسلك الطَّرِيقَة المحمودة الَّتِي مضى عَلَيْهَا السّلف الصَّالح وَكَانَ يصدع بِالْحَقِّ لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَلَا يلْتَفت على أهل الرِّئَاسَة وَلَا يداهن بِمَا
يتَوَجَّه من الْحُقُوق عَلَيْهِم وَلَقَد كنت أحضر مجْلِس حكمه فأجد كَلَامه كُله حكما ورأيه صَوَابا وشوره مغنما وعاقبته إِلَى خير مآل عَاشَ رَحمَه الله تَعَالَى على سجية وَاحِدَة وَكَانَ قبل تَوليته الْقَضَاء ملازما لطلب الْعلم الشريف درسا على من هُوَ أفقه مِنْهُ وتدريسا لمن هُوَ دونه وَكَانَ غَالب قوته من البيع وَالشِّرَاء مَعَ الصدْق وَالْأَمَانَة وتجنب الْخِيَانَة وَطيب الْمُعَامَلَة والورع الَّذِي قد طوي فِي هَذَا الدَّهْر بساطه
وَلم يزل القَاضِي جمال الدّين الْمَذْكُور على الْحَال المرضي مجاب الْكَلِمَة مسموع القَوْل مَقْبُول الشَّفَاعَة مشارا إِلَيْهِ بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح وَالدّين الصَّلِيب إِلَى ان توفّي بِشَهْر رَمَضَان سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر بالمشهد بِجنب وَلَده القَاضِي صفي الدّين ملاصقا لَهُ وقبره مَعْرُوف هُنَاكَ يزار ويتبرك بِهِ رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم وَلَده شَيخنَا الإِمَام الْعَلامَة صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر البريهي هُوَ الْفَقِيه النَّحْوِيّ الفرضي الَّذِي جمع مَا تفرق من الْعُلُوم وداوى ببراعته الْقُلُوب من الكلوم افاد وأجاد مَعَ صغر سنّ وَقصر وَقت أَخذ الْفِقْه عَن عَمه الإِمَام صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي وَالْإِمَام جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاهِلِي والنحو عَن وَالِده الْمُقدم الذّكر والفقيه أَحْمد بن مطهر الوصابي والقراءات السَّبع على المقرىء عبد الرَّحْمَن الملحاني والمقرىء عُثْمَان النجراني والْحَدِيث عَن الإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي والشريف الحسيب تَقِيّ الدّين الْمَالِكِي والفرائض عَن الْفَقِيه صفي الدّين النجدي وَتَوَلَّى نِيَابَة الْقَضَاء عَن وَالِده بِمَدِينَة إب ثمَّ اسْتَقل بذلك واشتغل بالتدريس والإفتاء وانتفع بِهِ جمَاعَة من الطّلبَة وَكَانَت لَهُ معرفَة
جَيِّدَة خُصُوصا فِي بهجة الْحَاوِي وَشرع فِي تأليف شرح لَهَا مُفِيد سَمَّاهُ التَّعْلِيق فاخترمته الْمنية قبل تَمَامه وَله كتاب مستحسن على كتاب الْكَافِي فِي الْفَرَائِض وَله الْكَلَام البديع فِي النِّسْبَة والتقطيع وَله استنباط عَجِيب فِي الْمسَائِل الدورية وَأخذ شرح الْجَبْر للمزيحفي من غير شيخ وَكَانَ كثير التِّلَاوَة لذكر الله ويعتزل فِي بَيته من الْمغرب إِلَى الْعشَاء وَأكْثر من ذَلِك قبل طُلُوع الْفجْر فِي مَكَان خَال يكثر فِيهِ الدُّعَاء والابتهال والتضرع وَالصَّلَاة وَكَانَ كثير السَّعْي فِي قَضَاء حوايج الْمُسلمين ثبتا فِي الْجَواب مبصرا بالتعليم يعين الطَّالِب على قَصده حَتَّى أَن بعض شُيُوخه قَرَأَ عَلَيْهِ وَكَانَ فطنا يسهل عَلَيْهِ حل المشكلات فَكَانَت ترد عَلَيْهِ الْمسَائِل العويصة فيبادر إِلَى الْجَواب عَلَيْهَا من غير تلعثم وَورد عَلَيْهِ اللغز الَّذِي أوردهُ الشَّيْخ الْجَزرِي على القَاضِي شرف الدّين المقرىء عَن لَفْظَة الْقُرْآن فَلَمَّا رأى السُّؤَال علم المُرَاد مِنْهُ على البديهة
وَمن ذَلِك أَنه ورد عَلَيْهِ لغز من الإِمَام بدر الدّين الشظبي عَن لَفْظَة حب
وَكتب إِلَيْهِ شعرًا فِي قصيدة أَولهَا
(أبلغ صفي الدّين عَن مَمْلُوكه
…
بعد التَّحِيَّة دَاعيا بالعافيه)
(شوق ترادف فِي الجوانح ثقله
…
فَلهُ على الأحشاء نَار حاميه)
(لله دَرك أَحْمد بن مُحَمَّد
…
من ذِي موارد فِي الصداقة صافيه)
إِلَى آخرهَا وَهِي طَوِيلَة فَأَجَابَهُ صفي الدّين الْمَذْكُور مُبينًا لما ألغز بِهِ وألغز لَهُ أَيْضا بِالْجَوَابِ وأوله
(أَهلا بِهِ من بَحر علم جَاءَنِي
…
من عِنْد بدر ذِي مَرَاتِب عاليه)
(حسن الْفَضَائِل وَالشَّمَائِل نَفسه
…
لذرى الْمَعَالِي والمعاني راقيه)
(ألْقى بِحسن الظَّن فِي مَمْلُوكه
…
أحجية هِيَ فِي الأحاجي ساميه)
والقصيدتان بكمالهما فِي الأَصْل تركت مَا فيهمَا اختصارا
وللقاضي صفي الدّين شعر رائق فِي الْوَعْظ والغزل والزهد من ذَلِك فِي الْوَعْظ مَا قَالَه فِي هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
(احفظ لسَانك لاتفه بنميمة
…
وَاحْذَرْ تفه بِالْكَذِبِ أَو بالغيبة)
(فَإِن انْتَهَيْت فقد نجوت وَإِن أَبيت
…
فقد بليت وَيَا لَهَا من بلية)
عَاشَ رحمه الله على الْحَال المرضي لَازِما للسّنة سالكا فِي ولَايَة الْقَضَاء فِي الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة الطَّرِيقَة المحمودة وَقد كَانَ أضيف إِلَيْهِ الْقَضَاء فِي جِهَات بعدان فَامْتنعَ عَن ذَلِك وَكَانَت لَهُ وجاهة إِلَى الأكابر وإقدام على الْأُمُور مَعَ تسهيل الصعاب وتذليلها توفّي رَحمَه الله تَعَالَى من ألم يسير لم يصل فِيهِ فَرِيضَة جَالِسا
وَأَخْبرنِي من حضر وَفَاته أَنه طلب مَاء ليتوضأ بِهِ لصَلَاة الظّهْر فَقَامَ وَثقل عَلَيْهِ الْمَشْي فِي الطَّرِيق فَجَلَسَ وَشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ثمَّ توفّي بِتِلْكَ السَّاعَة وَذَلِكَ أعظم دَلِيل على توفيقه ورؤي فِي الْمَنَام بعد وَفَاته على حَال مرض وَأَنه
بقصر عَال عَظِيم وَحَوله الخدم وَعَلِيهِ ملابس سنية وَكَانَت وَفَاته بِشَهْر جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وقبر بالمشهد فِي الْجَانِب القبلي مِنْهُ وَحَوله جمَاعَة من أَقَاربه رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه عفيف الدّين عبد الله بن عبد الْحق الْكَاهِلِي كَانَ طَالبا للْعلم الشريف مُجْتَهدا فِي الطّلب توفّي وَالِده وَهُوَ يرضع فَلَمَّا بلغ التَّمْيِيز اجْتهد بِنَقْل كتاب الله تَعَالَى فحفظ الْقُرْآن ثمَّ التَّنْبِيه وَبَعض الْمَنْظُومَة وَقَرَأَ وَسمع من الْكتب المبسوطة شَيْئا كثيرا قِرَاءَة بتدقيق وَتَحْقِيق فَمن مشايخه عَمه الْفَقِيه جمال الدّين الْكَاهِلِي والفقيه تَقِيّ الدّين الْحَارِثِيّ والفقيه جمال الدّين الرعياني وَغَيرهم وَلم يزل مجدا بِالطَّلَبِ مَعَ عفاف وَحسن حَال وتنزه عَمَّا يزري بِحَال الطَّالِب ودأبه العكوف فِي الْجَامِع الْمُبَارك لَيست لَهُ صبوة إِلَى أَن توفّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رحمه الله ونفع بِهِ تَعَالَى
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح الصدوق موفق الدّين عَليّ بن عَطِيَّة الدملوي أصل بَلَده الدملوة ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى مَدِينَة إب واشتغل بِتِلَاوَة كتاب الله الْعَزِيز ثمَّ بتعليمه ثمَّ بِطَلَب الْعلم الشريف ودام على ذَلِك مُدَّة كَثِيرَة يقْرَأ على الْفَقِيه عفيف الدّين الْكَاهِلِي والفقيه أَحْمد بن حسن البريهي وَغَيرهمَا ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة ذِي جبلة فقرأه على الإِمَام رَضِي الدّين ابْن الْخياط ثمَّ بتعز على الإِمَام مجد الدّين الفيروزأبادي وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي ثمَّ اشْتغل بِالتِّجَارَة ولازم السّفر إِلَى مَكَّة
المشرفة سِنِين كَثِيرَة قدر سبع عشرَة سنة فَفتح عَلَيْهِ بِمَال كثير انْتفع بِهِ ونفع وَحصل كتبا جليلة من كتب الحَدِيث وَالْفِقْه وَغَيرهَا فضبطها أحسن ضبط واشتهر بِالْفَضْلِ وَصدق القَوْل فِي التِّجَارَة مَعَ عزلته عَن النَّاس وملازمة الْجَمَاعَة للصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وسلوك الطَّرِيق السّنيَّة ومجانية الْبِدْعَة ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة إب فَأخذ عَنهُ الْعلم جمَاعَة من الطّلبَة وَكَفاهُ الله بِمَا رزقه من البيع وَالشِّرَاء عَن التَّعَرُّض للْوَقْف وَالْأَخْذ مِنْهُ وصانه الله عَن الظلمَة وكفهم عَنهُ طول عمره ببركة الْعلم الشريف وَكَانَ كثير الصَّدَقَة سرا وجهرا يدْفع الزَّكَاة إِلَى مستحقها لَا يتطفل عَن ذَلِك وَلَا يُؤَخِّرهُ فَقيل لَهُ التَّاجِر الصدوق لجريه على الْقَاعِدَة الشَّرْعِيَّة واحترازه عَمَّا لَا يجوز فِي البيع وَالشِّرَاء مِمَّا يتغافل مِنْهُ غَيره من أهل الْمُعَامَلَات والربا وَالصرْف مَعَ حسن سيرة وَأَمَانَة وديانة وورع ظَاهر توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة على فرَاشه من وجع الْبَطن رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الشَّيْخ الصَّالح وجيه الدّين عبد الرَّحْمَن بن عبد الصَّمد الصميري أصل بلدته صمر قَرْيَة من قرى حجر نَشأ بهَا ثمَّ انْتقل مِنْهَا إِلَى مَدِينَة تعز ثمَّ إِلَى قَرْيَة اليهاقر وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة واشتغل بِعلم الْأَسْمَاء وراض نَفسه وسلك طَريقَة التصوف وَنسب إِلَى الْإِخْبَار بِشَيْء من المغيبات وَكَانَ يصنع الأوفاق والطلسمات لقَضَاء الحوايج وَفك المحبسين ورزق مَالا كثيرا وجاها عِنْد أَرْبَاب الولايات وهابه الأكابر وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الدُّنْيَا فجاد بهَا وَلم يمسك مِنْهَا شَيْئا ووفد إِلَيْهِ الْفُقَرَاء
وَالْمَسَاكِين وَالشعرَاء فيعطيهم العطايا النافعة وَذَلِكَ بقرية اليهاقر بدولة السُّلْطَان الْمَنْصُور فَلَمَّا انْقَضتْ دولته واستقام الظَّاهِر انْتقل إِلَى مَدِينَة تعز وَهُوَ على الْحَال الْمَذْكُور إِلَى أَن عانده بعض المتصرفين للدولة بِأَن ادّعى عَلَيْهِ ودَاعَة أودعهُ إِيَّاهَا من المَال الْكثير وَنسبه إِلَى الْخِيَانَة بهَا فَجرى عَلَيْهِ من ذَلِك أَمر عَظِيم فانتقل إِلَى مَدِينَة إب فَتَلقاهُ شيخ بعدان أحسن ملقى وأضاف إِلَيْهِ الْقيام بالرباط الْمَشْهُور بِالْمَدْرَسَةِ الجلالية ورتب لَهُ مَا يقوم بِحَالهِ وكساه فَأَقَامَ فِي الْمَدِينَة الْمَذْكُورَة مُدَّة يسيرَة ثمَّ توفّي وَدفن فِي المشهد سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة
وَمِنْهُم الْأَمِير شمس الدّين يُوسُف بن مُحَمَّد غَازِي هُوَ ولد الْأَمِير بدر الدّين الَّذِي ذكره ابْن الْعم القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر بمجموعة الْفَوَائِد فِي زِيَارَة الْمشَاهد كَانَ رجلا فَاضلا فصيحا مشاركا فِي الْعُلُوم من ذِي المروءات مخالطا للفقهاء ومهتديا بهديهم أجَاز لَهُ الشَّيْخ مجد الدّين الشِّيرَازِيّ وَالْإِمَام نَفِيس الدّين الْعلوِي علم الحَدِيث وَكَذَلِكَ القَاضِي صفي الدّين أَحْمد بن أبي بكر البريهي وصنوه القَاضِي جمال الدّين مُحَمَّد البريهي وَالْإِمَام عفيف الدّين عبد الله الْكَاهِلِي وَكَانَ رحمه الله متواضعا صَابِرًا على محن الدُّنْيَا ذَا مُرُوءَة وَخير كثير ووقف من مَاله جملَة صَالِحَة على الدرسة وَقَالَ هم المعنيون بقول السّلف الصَّالح حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين وَله مآثر حَسَنَة وَشعر حسن توفّي بِشَهْر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة بِسَبَب الطَّاعُون رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن أبي بكر الكلالي كَانَ رحمه الله رجلا صَالحا مقرئا ورعا فَاضلا ناسكا متواضعا مُرَتبا للإقامة فِي الْجَامِع الْمُبَارك أصل بلدته
قَرْيَة مطاية بنواحي جبل بعدان ثمَّ انْتقل إِلَى إب فَقَرَأَ على المقرىء الصَّالح عفيف الدّين عبد الله الشنيني وَأَجَازَ لَهُ فَكَانَ جيد الْقِرَاءَة حسن الصَّوْت باذلا نَفسه للطلبة بالقراءات السَّبع مَعَ اشْتِغَاله بأعمال الزَّرْع ومباشرته ذَلِك بِيَدِهِ توفّي رحمه الله سنة سبع عشرَة وثمانمئة وَدفن بالمشهد قَرِيبا من الشَّيْخ الْعِرَاقِيّ رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح المكفوف الْبَصَر الْعَلامَة تَقِيّ الدّين معوضة بن حسن الْعَنسِي كَانَ رجلا صَالحا مقرئا مَفْتُوحًا عَلَيْهِ بِكَثِير من الْعُلُوم أصل بَلَده بلد العنسيين ثمَّ انْتقل إِلَى ذِي جبلة وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة إب ورتب إِمَامًا بِالْمَدْرَسَةِ الجلالية فَوقف فِيهَا على الْحَال المرضي وسلك الطَّرِيقَة المحمودة من التدريس وَالْعِبَادَة إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَالْمُسْلِمين وَكَانَ كثير التِّلَاوَة قريب الْعبْرَة لَهُ نباهة وَمَعْرِفَة يعجز عَنْهَا غَيره من أهل وقته وَله ذهن صَاف وَإِذا لقن شَيْئا حفظه سَرِيعا وَكَانَت وَفَاته بِشَهْر جُمَادَى الاخرة سنة عشْرين وثمانمئة وقبر بالمشهد قَرِيبا من قبر المقرىء عمر
وَمِنْهُم القَاضِي الْعَالم النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ صفي الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَيْضَاوِيّ الشَّافِعِي شهر بالجبني اصل بَلَده بَيْضَاء حصي من الْمشرق ثمَّ انْتقل مِنْهَا لطلب الْعلم فَقَرَأَ على الْفَقِيه رَضِي الدّين الشنيني وعَلى غَيره ثمَّ قَرَأَ بِمَدِينَة تعز وبغيرها على
شُيُوخ كَثِيرَة حَتَّى برع وَرجع إِلَى بَلَده ثمَّ إِلَى جبن فولاه الشَّيْخ طَاهِر الْقَضَاء بهَا وَسَار بهم سيرة مرضية مَعَ كرم عَظِيم وَصَارَ مُطَاعًا مَقْصُودا للْفَتْوَى والتدريس من أَمَاكِن شَتَّى فعانده جمَاعَة من أهل تِلْكَ الْبَلَد فانتقل مِنْهَا إِلَى ذمار فَتَلقاهُ الإِمَام الشريف أحسن ملقى وأقطعه أَمَاكِن كَثِيرَة ثمَّ انْتقل مِنْهَا باستدعاء السُّلْطَان الْمَنْصُور إِلَى مَدِينَة تعز فأضاف إِلَيْهِ وَإِلَى وَلَده القَاضِي جمال الَّذِي سَيَأْتِي ذكره مَعَ أهل حيس قَضَاء مَدِينَة جبلة ثمَّ انْتقل إِلَى مَدِينَة إب فقابله الشَّيْخ هزبر الدّين أحسن مُقَابلَة واضاف إِلَيْهِ الْقَضَاء فِي بعض جِهَات بَلْدَة بالسحول والمخادر وبلد بني نَاجِي والحتاجيين وَمن الْأَسْبَاب من المواقف جملَة صَالِحَة مِمَّا كَفاهُ وعائلته وَأَعْطَاهُ من الطَّعَام والنقد شَيْئا كثيرا فَأَقَامَ على الْحَال المرضي مُدَّة ثمَّ توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بالمشهد بالجانب الْأَسْفَل بَينه وَبَين الطَّرِيق الطالعة قدر سِتَّة أَذْرع رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الإِمَام أَبُو مُحَمَّد تَقِيّ الدّين عمر بن عَليّ بن عمر الْمَشْهُور بالزين كَانَ فَقِيها عَالما عابدا خَاشِعًا لَهُ معرفَة جَيِّدَة فِي الْفِقْه ومشاركة فِي سَائِر الْعُلُوم أَخذ ذَلِك عَن مَشَايِخ شَتَّى وانتفع بِهِ الطّلبَة واشتهر بالتدريس وَالْفَتْوَى مَعَ حسن حَال وجمال فِي صورته وتعفف وورع وامتحن بِالْقضَاءِ بِمَدِينَة إب فَسَار فيهم سيرة حَسَنَة مرضية وأزال الْمُنْكَرَات من الْخُمُور وَغَيرهَا محدا فِي ذَلِك لَا يردعه فِي الله لومة لائم وَجَرت عَلَيْهِ أَيَّام ولَايَته أُمُور أفضت بِهِ إِلَى ترك الْقَضَاء والارتحال عَن الْبَلَد فارتحل إِلَى وصاب فتأهل وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده فَلم يصف لَهُ بهَا عَيْش فانتقل إِلَى بلد بني سيف وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَده واستدعاه الْملك الْأَشْرَف بن
الْعَبَّاس إِلَى مَدِينَة تعز فوفد عَلَيْهِ فَأكْرمه غَايَة الْإِكْرَام وَأحسن إِلَيْهِ فدرس بِمَدِينَة تعز وَأفْتى فَصَارَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ والمعول فِي حل المشكلات عَلَيْهِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة إب فَوقف بهَا أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ توفّي فِي شهر الْمحرم سنة ثَلَاث عشرَة وثمانمئة وَدفن بحول الْعلية بالمحطة وَعَلِيهِ حياط رحمه الله ونفع بِهِ وَقد ظَهرت لَهُ كرامات فِي حَيَاته وَبعد مَوته ذكرت بَعْضهَا فِي الأَصْل وَكَانَت لَهُ كتب كَثِيرَة نفيسة ضَبطهَا أحسن ضبط حَتَّى صَارَت من أُمَّهَات كتب أهل الْبَلَد فَلَمَّا توفّي ورثهَا من بعده من لَا يفهمها فتفرقت وَلم يقْرَأ فِيهَا
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح شمس الدّين يُوسُف بن عمر العطاب كَانَ رجلا عَالما فَاضلا نحويا شَاعِرًا أديبا ذكيا متواضعا لَا يصرف سَاعَة من عمره إِلَى غير طَاعَة الله فِي آخر عمره زهد فِي الدُّنْيَا وَأَقْبل على الْآخِرَة واجتهد فِي الْعِبَادَة يطْلب الْحَلَال ويقتات من أُجْرَة عمل يَده من تَحْصِيل كتب الْعلم واستدعي إِلَى الْملك النَّاصِر فَلم يرض الْوُقُوف بِبَابِهِ وَلَا طمعت نَفسه بِقَبض شَيْء من أَسبَابه وَكَانَ يَخْلُو لِلْعِبَادَةِ فِي الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة عَن الْحَيّ فِي مجاري الْمِيَاه وكهوف الْجبَال فَلَا يزَال قَائِما يُصَلِّي مُعظم اللَّيْل وَيَتْلُو كتاب الله تَعَالَى ويبكي ويتأوه كَالْمَرْأَةِ الثكلى
أَخْبرنِي بعض أصدقائه أَنه تَلا قَوْله تَعَالَى {وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا} فَصَارَ يُرَدِّدهَا ويبكي وعَلى الْجُمْلَة فأحواله فِي ذَلِك كَمَا نقل عَن السّلف الصَّالِحين وَعباد الله العارفين وَهُوَ مِمَّن عمل لنَفسِهِ واجتهد لرمسه عَاشَ رحمه الله على الْحَال المرضي دأبه العكوف فِي الْمَسَاجِد وإدمان النّظر فِي الْكتب النافعات واستحصلها بِخَطِّهِ الْحسن وَله شعر فائق وَلَفظ رائق فِي الْوَصَايَا النافعة
وَالْحكم والزهد وَالتَّرْغِيب والترهيب وَغير ذَلِك وَكَانَ لَهُ أَصْحَاب يَهْتَدُونَ بهديه توفّي رحمه الله شهر رَمَضَان سنة سِتّ عشرَة وثمانمئة وَدفن بالمحطة وقبره مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ وَقد رأى لَهُ صَاحبه القَاضِي أَحْمد بن مُحَمَّد البريهي رُؤْيا صَالِحَة ذكرتها فِي الأَصْل وَمن شعره وَهُوَ مُسَافر الى مَكَّة المشرفة لِلْحَجِّ عِنْدَمَا رأى غرابا مَيتا فِي طَرِيقه فَقَالَ
(توسمت من موت الْغُرَاب بأنني
…
بديوان أهل الْقرب قد صرت مثبتا)
(وَلَا بَين أَرْجُو من حَبِيبِي بَعْدَمَا
…
رَأَيْت بعيني طَائِر الْبَين مَيتا)
وَمِنْهُم الْفَقِيه مُحَمَّد بن عبد الله الحجري أصل بَلَده حجر وَفد إِلَى مَدِينَة إب لطلب الْعلم الشريف فَقَرَأَ على المقرىء معوضة الْمُقدم الذّكر واشتهر بِالْخَيرِ وَالصَّلَاح ورتب إِمَامًا بِالْمَدْرَسَةِ الجلالية بعد وَفَاة المقرىء وَكَانَ حسن الصَّوْت طيب الْقِرَاءَة لين الْقلب مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة دَامَ على ذَلِك إِلَى أَن توفّي سنة سبع وَعشْرين وثمانمئة
وَأخْبر الَّذِي يحْفر الْقُبُور أَنه حفر قبرا بجنبه فَسَمعهُ يقْرَأ الْقُرْآن فِي قَبره بِصَوْت جَهورِي ونغم حسن وَسمع غير الحفار ذَلِك فِي أَوْقَات مُتعَدِّدَة رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح أَحْمد بن عبد الله المكفوف الْبَصَر كَانَ رجلا فَاضلا دأبه قِرَاءَة الْقُرْآن وإقراء الدرسة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم بالجامع الْمُبَارك فِي سَبِيل الله تلقينا وَكَانَ صَابِرًا قد غلبت عَلَيْهِ التِّلَاوَة الَّتِي هِيَ من أَوْصَاف أهل الْجنَّة وَكَانَ يجْرِي فِي الْمَدِينَة أُمُور كبار كدخول السلاطين إِلَيْهَا قهرا أَو غير ذَلِك فَلَا يخرج من الْجَامِع وهيأ الله لَهُ من كَفاهُ أَمر الْقُوت إِلَى مَكَانَهُ مُدَّة وُقُوفه بالجامع فَلم يهمه شَيْء يحْتَاج إِلَيْهِ وَبَقِي على الْحَال المرضي إِلَى أَن توفّي فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثمانمئة رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح عُثْمَان بن أَحْمد كَانَ رجلا فَاضلا نحويا حسن الْقِرَاءَة دأبه النساخة ومعظم قوته مِنْهَا وأصل بَلَده تهَامَة من قَرْيَة السَّلامَة وَكَانَ ذَا عبَادَة وورع وزهد دأبه الِاشْتِغَال بِعلم الْقُرْآن ثمَّ بتعليمه متنزها عَن الشُّبُهَات فِي المطعومات والملبس أخبر الثِّقَة عَنهُ أَنه صَامَ فِي بعض الْأَيَّام وعزم أَن لَا يفْطر إِلَّا بِشَيْء يقطع بحله وَعدم الشُّبْهَة فِيهِ فَلَمَّا حَان وَقت الْإِفْطَار أَدَّاهُ اجْتِهَاده على جمع شَيْء من الشّجر ليفطر بِهِ فَجَمعه وعزم على أكله فَكَرِهته نَفسه وَلم تطاوعه على ذَلِك ووقف إِلَى وَقت الْعشَاء فَسمع حَرَكَة فِي بَابه فَإِذا رجل مَعَه شَيْء من الْعَيْش فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِفَتْح الْبَاب فَفتح فَنَاوَلَهُ صَحْفَة فِيهَا قوت من الْقَمْح وَعَلِيهِ شَيْء من الأدام وَقَالَ يَا مقرىء هَذَا شَيْء مَقْطُوع بحله فكله ثمَّ ذهب ذَلِك الرجل فَأتبعهُ بَصَره ليعرفه فَلم يجده وَلَا عرفه فَأكل المقرىء ذَلِك الْعَيْش
وَكَانَ هَذَا المقرىء ملازما للتواضع والخشوع مَعَ سهولة خاطره وسلامة صَدره ورتب إِمَامًا فِي الْمدرسَة الجلالية ثمَّ انْفَصل عَنْهَا ووقف مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَيْهَا وَتُوفِّي على الْحَال المرضي بعد انْتِفَاع جمَاعَة من الطّلبَة على يَده وَظُهُور النَّفْع بِهِ توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بالمحطة رحمه الله ونفع بِهِ
وَمِنْهُم الْفَقِيه الصَّالح عفيف الدّين عبد الْبَاقِي بن عَليّ الزبيدِيّ كَانَ أحد الأخيار الصَّالِحين والفضلاء العابدين متمثلا وَصِيَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ كن فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيب أَو عَابِر سَبِيل فَكَانَ كثير الصّيام طَوِيل الْقيام خامل الذّكر قَلِيل الْكَلَام فِيمَا لَا يعنيه لَا ترَاهُ ضَاحِكا وَلَا متضاحكا كَأَن النَّار بَين يَدَيْهِ وَالْقِيَامَة نصب عَيْنَيْهِ دأبه تعلم الْقُرْآن وتعليمه وَالِاعْتِكَاف فِي الْمَسَاجِد وَلبس غير
الشُّهْرَة من الثِّيَاب وَكَانَ كثير التَّرَدُّد إِلَى مَكَّة المشرفة كثير الِابْتِلَاء بالأمراض صَابِرًا شاكرا حامدا يكرم الضَّيْف ويتجمل إِلَيْهِم وبورك لَهُ فِي رزقه وَكَانَ يرى الصَّالِحين على أَحْوَال مُخْتَلفَة وَيكثر الْبكاء عِنْد تِلَاوَة كتاب الله أَو اسْتِمَاع شَيْء من الْوَعْظ توفّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة وَدفن بالمحطة
وَقد قيل لَهُ قَرِيبا من وَفَاته فِي مَرضه للْمَوْت أَيْن يكون قبرك فَقَالَ الْأَمْكِنَة عِنْدِي سَوَاء والمرجو من الله تَعَالَى حسن الْمُقَابلَة فَلَمَّا توفّي وحملت جنَازَته كَاد النَّاس يقتتلون على حمل جنَازَته لما يَعْتَقِدُونَ فِيهِ من الْخَيْر وَالصَّلَاح وَمن كَثْرَة الزحام على حملهَا كَانَت مُدَّة السّير بهَا من الْجَامِع إِلَى المحطة قَرِيبا من ربع يَوْم ووجلت الْقُلُوب وذرفت الْعُيُون لفراقه رحمه الله ونفع بِهِ آمين
وَمِنْهُم المقرىء الصَّالح تَقِيّ الدّين عمر بن عِيسَى الْخَطِيب كَانَ رجلا فَاضلا نحويا مقرئا واعظا فصيحا شَأْنه التَّوَاضُع فسلك الطَّرِيقَة المحمودة من مجالسة الأخيار والخشوع والخضوع وَكَانَ خَطِيبًا فِي مَدِينَة إب ولكلامه ووعظه فِي الْقُلُوب موقع وَكَانَ قريب الْعبْرَة حسن الصَّوْت كثير الصمت مشاركا بِشَيْء من الْفِقْه وانتفع عَلَيْهِ جمَاعَة من الدرسة فِي النَّحْو والقراءات السَّبع وَكَانَ كثير الِاعْتِكَاف فِي الْجَامِع الْمُبَارك باذلا نَفسه للطلبة ودام على ذَلِك سِنِين كَثِيرَة إِلَى أَن توفّي شهر ذِي الْحجَّة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثمانمئة من ألم الطَّاعُون وَكَانَ فِي أَيَّام الفناء بالطاعون يدْفن الغرباء ويحملهم إِلَى الْمَقَابِر ثمَّ يصعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة وَيَأْتِي بوعظ توجل مِنْهُ الْقُلُوب وتجري بِهِ الْعُيُون بِاللَّفْظِ الرَّقِيق وَالْمعْنَى الدَّقِيق وَكَانَ آخر جُمُعَة خطب فِيهَا فِي ذَلِك الْوَقْت
أَيَّام الطَّاعُون وَقد اجْتمع فِي الْجَامِع مئة جَنَازَة وَثَلَاث عشرَة جَنَازَة ابْتَدَأَ قبل خطْبَة الْجُمُعَة ينعي نَفسه وإعلام الْحَاضِرين بِقرب مَوته واستودع النَّاس وَأَبْرَأ واستبرأ فَكَانَ من كَلَامه أَيهَا النَّاس إِنِّي أعظكم وَأَنا أَحَق بالوعظ وَقد خطبت بكم نَحْو أَرْبَعِينَ سنة وخالطتكم ونلت من أعراضكم وَأَنا أسْتَغْفر الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم وَقد أبرأتكم عَمَّا أطالبكم بِهِ من الْعرض وَالْمَال فَمن لَهُ عَليّ مظْلمَة وَلم يعف عني فليطلبها مني فَإِنِّي أؤديها بعون الله وقوته وَمن عَفا عني فَالله أَحَق بِالْعَفو عَنهُ وأستودعكم الله الَّذِي لَا أَله إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم الَّذِي لَا تخيب لَدَيْهِ الودائع وَالله خليفتي على كل مُسلم وَهَذَا آخر مقَام أقومه فِيكُم وَآخر موعظة أعظكم فِي كَلَام كثير لم أحفظه ثمَّ أَتَى بِخطْبَة الْجُمُعَة مختصرة وَكَانَت هَذِه الْخطْبَة آخر الْعَهْد بِهِ ثمَّ نزل من الْمِنْبَر باكيا حَزينًا لم يسْتَطع أَن يُصَلِّي الْجُمُعَة بِالنَّاسِ بل صلاهَا بعض المؤذنين فَمَرض وَتُوفِّي فِي ذَلِك الْأُسْبُوع وقبر بالمحطة فقبره مَعْرُوف يزار ويتبرك بِهِ
وَمِنْهُم المقرىء الْعَالم شمس الدّين عَليّ بن أبي بكر السحولي بَلَدا كَانَ رجلا لَهُ الْيَد الطُّولى فِي علم النَّحْو واللغة وَالْعرُوض وأمثال الْعَرَب وَعلم القوافي وشواهد الْعَرَب ويشارك بِسَائِر الْعُلُوم من الْفِقْه والمنطق وَالْحكمَة وأصل بَلَده السحول من قَرْيَة يُقَال لَهَا مليل فانتقل مِنْهَا لطلب الْعلم فقرأه فِي تعز وَصَنْعَاء وَغَيرهمَا على مَشَايِخ شَتَّى وَكَانَ متقللا من الدُّنْيَا كثير الْعِبَادَة شَدِيد التعصب على أهل الْبدع من الزيدية وَغَيرهم وَله فِي ذَلِك النّظم البديع فَمن ذَلِك مَا رده على الْفَقِيه أَحْمد الشَّامي على القصيدة الَّتِي أَولهَا هلا سَأَلت مطهرا وصلاحا وَجَوَابه مَشْهُور طَوِيل أعجب مَا فِيهِ أَنه قَالَ فِي النَّاصِر ابْن مُحَمَّد وَهُوَ مَحْصُور فِي ذمار حَال قيام الإِمَام صَلَاح
ومطهر يُخَاطب الزيدية فِي قَوْله
(بل أَنْتُم قد صرتم فِي حيرة
…
لَا تقدرون تصححون نِكَاحا)
(إِن قُلْتُمْ بمطهر فصلاحكم
…
يَبْغِي إِلَى تصيير ذَاك سِفَاحًا)
(وَكَذَا يَقُول النَّاصِر بن مُحَمَّد
…
وَهُوَ الإِمَام وَإِن يكن مبراحا)
فَكَانَ كَمَا قَالَ أَن الإِمَام النَّاصِر غلب مطهرا وصلاحا ولزمهما وتمت لَهُ الْإِمَامَة مَعَ صغر سنه
وَمِنْهَا المقطعات العجيبة المحتوية على الْمعَانِي الغريبة الَّتِي لم تسمح بهَا قريحة أهل الْوَقْت بمثالها وَلَا نسجت على منوالها وَذَلِكَ كثير مِمَّا يَنْبَغِي أَن يجمع بِجُزْء مُنْفَرد لكثرته وَعَجِيب فَوَائده وابتلي بذهاب بعض بَصَره حَتَّى عجز عَن المطالعة للكتب وَالْكِتَابَة وَكَانَ يملي مَا ينظم وَيجمع الْعشْرَة الأبيات فَأكْثر ثمَّ يلقيها على من يَكْتُبهَا حَتَّى إِذا اجْتمع شَيْء كثير عرضه على ظهر الْغَيْب وحاله فِي البراعة قريب مِمَّا نقل عَن الإِمَام الشاطبي
انْتقل من مَدِينَة تعز إِلَى مَدِينَة إب فَأَقَامَ بهَا نَحوا من أَربع سِنِين يدرس ويفتي إِلَى أَن توفّي يَوْم الثُّلَاثَاء سادس وَعشْرين من شهر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثمانمئة وَدفن بالمحطة
وَمن شعره وَضَمنَهُ قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم اشتدي أزمة تنفرجي
(قُم فَاسْتَفْتَحَ بَاب الْفرج
…
بِمُحَمد الْبَدْر البهج)
(وأدأب فِيهِ تستفتحه
…
بكرامته لَا باللجج)
(وَإِذا اسْتَبْطَأَتْ الْفَتْح فَقل
…
اشتدي أزمة تنفرجي)
وَله فِي اسْم يُونُس
(فِي اسْم الَّذِي تيمني حبه
…
لَطِيفَة يفهمها الْكيس)
(يطْمع بالوصل بتحريفه
…
لَكِن إِذا صحفته يوئس)
وَله القصيدة البليغة فِي الرَّد على الزيدية عِنْد سُؤال الْفَقِيه إِبْرَاهِيم الأخفافي لَهُم بمسائل وَلم يحكم السُّؤَال وردهم عَلَيْهِ بالْكلَام وَالنّظم بالسب لَهُ فانتصر لَهُ وَأقَام الْحجَّة عَلَيْهِم بقصيدة أعجزتهم عَن الْجَواب بهَا أظهر من الْحجَج فِيهَا عَلَيْهِم حَتَّى سميت القصيدة المسكتة وَقد سَمَّاهَا بَعضهم الشهب الثواقب الدامغة للفرقة الْقَدَرِيَّة الزائغة وَهِي قريب من ثلاثمئة بَيت وَهِي على قافية الْهَاء وَهِي مَشْهُورَة تداولها الركْبَان فِي الأقطار والبلدان رَحمَه الله تَعَالَى ونفع بِهِ
وَمِنْهُم صاحبنا الْفَقِيه المقرىء عفيف الدّين عُثْمَان بن عمر النَّاشِرِيّ وَاسِطَة بَيت معمور بالأئمة الأجلة الَّتِي تطلع سماؤه أهلة بعد أهلة سلمت لَهُم السِّيَادَة والإفادة مشهود لَهُم بِالْعلمِ والزهد وَالْعِبَادَة
(قوم لَهُم من كل علم مشرب
…
وجلالهم وكمالهم مَشْهُور)
(وجمالهم فَوق الورى ولصدرهم
…
من فيض علم الْعَالمين صُدُور)
كَانَ رحمه الله أحد الْأَئِمَّة الْإِفْرَاد والبلغاء الأمجاد متصرفا بالْكلَام بِمَا يَشَاء كَيفَ شَاءَ مُطيعًا لَهُ على البديهة الْإِنْشَاء حسن المحاضرة بليغ الْعبارَة ذَا فطنة وبلاغة
مَشْهُور بالذكاء وجودة الْفَهم والبراعة مَعَ حسن أَخْلَاق جميلَة مَاتَ أَبوهُ وعمره أَربع سِنِين فَكَفَلَهُ عَمه الإِمَام الْعَلامَة ولي الله شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي بكر النَّاشِرِيّ مُدَّة يسيرَة ثمَّ لما توفّي عَمه الْمَذْكُور انْتقل إِلَى عَمه الآخر شيخ الْإِسْلَام شمس الدّين عَليّ بن أبي بكر النَّاشِرِيّ فحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم ثمَّ جمع للقراء السَّبْعَة عِنْد المقرىء شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَشْعَرِيّ قبل بُلُوغ عمره عشْرين سنة وَكَانَ موفقا فِي صغره كَمَا قيل فِي الْمثل عَاشَ طِفْل مَا مربيه أَب قَرَأَ النَّحْو على الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم البومة وعَلى الإِمَام الْمَقْدِسِي وَغَيرهمَا وَأخذ الحَدِيث وَالْفِقْه عَن جمَاعَة مِنْهُم عَمه شيخ الْإِسْلَام شمس الدّين عَليّ بن أبي بكر النَّاشِرِيّ الْمُقدم الذّكر وَابْن عَمه شيخ الْإِسْلَام الطّيب بن أَحْمد النَّاشِرِيّ وَمن مشايخه فِي الْقرَاءَات والنحو وَالْفُرُوع والْحَدِيث وَالْأُصُول وَسَائِر الْعُلُوم نَفِيس الدّين الْعلوِي وحافظ الْعَصْر شهَاب الدّين ابْن حجر والشريف الحسيب تَقِيّ الدّين الْمَالِكِي وَالْإِمَام وجيه الدّين البرشكي والفقيه شرف الدّين إِسْمَاعِيل المقرىء والفقيه شرف الدّين الدمتي والفقيه جمال الدّين بن الْخياط والمقرىء شمس الدّين الشرعبي وَغير من ذكرنَا مِنْهُم من قَرَأَ أَو سمع مِنْهُ وأجازوا لَهُ وَقد جمعهم بِخَطِّهِ بِجُزْء لطيف ذكر أَنه وَقفه على أَهله وَعَلِيهِ خطّ جمَاعَة كثيرين من أهل الْعَصْر بِمصْر وَالشَّام والقدس وَغَيرهَا
ثمَّ لما وَفد المقرىء شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْجَزرِي إِلَى الْيمن جمع عَلَيْهِ علم الْقرَاءَات للعشرة وَقَرَأَ وَسمع عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة واجاز لَهُ وَكَاتب لَهُ صَاحب التَّرْجَمَة بزبيد وَقد انْتقل إِلَى تعز ورتبه السُّلْطَان الظَّاهِر مدرسا بمدرسة الظَّاهِرِيَّة والمرشدية فَأَقَامَ بهَا نَحْو عشر سِنِين ثمَّ لما بعد تغير حَال تعز سنة 848 ثَمَان وَأَرْبَعين وثمانمئة وَاتفقَ فِيهَا مَا اتّفق من الْفِتَن انْتقل إِلَى مَدِينَة إب فَتَلقاهُ الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن اللَّيْث السيري أحسن ملقى وأكرمه وقابله بِمَا يُقَابل مثله واضاف إِلَيْهِ تدريس مدرسته الأَسدِية وَغَيرهَا ورتب لَهُ من النَّفَقَة مَا يقوم بِحَالهِ وَأحسن إِلَيْهِ إحسانا تَاما فَلم تطل مُدَّة إِقَامَته حَتَّى عاجلته الْمنية يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شهر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثمانمئة غَرِيبا شَهِيدا وَقد كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى رزق الْمحبَّة عِنْد أهل الْبَلدة كَافَّة وَظَهَرت لَهُ فَضَائِل ومناقب مِمَّا لَا تكَاد تحصر وَقد جمع تَارِيخا لأَهله سَمَّاهُ الْبُسْتَان الزَّاهِر فِي طَبَقَات عُلَمَاء بني ناشر
افاد فِيهِ وأجاد وَأَبَان عَن معرفَة رائعة وقريحة مطاوعة على فضل مُؤَلفه وجلالة محبره ومصنفه
وَله شعر جيد من ذَلِك مَا قَالَه عِنْد انْتِقَاله من زبيد إِلَى تعز
(تذكرت فِي نَفسِي فَلم أر زلَّة
…
كزلة من بَاعَ التهائم بِالْجَبَلِ)
(وَأصْبح عَن ربع الْأَحِبَّة نازحا
…
يسائل عَن هَذَا وَعَن ذَاك مَا فعل)
وَله أَيْضا
(يَقُولُونَ لي ضيعت عمرك فانتبه
…
وشمر فقد وافاك شهر محرم)
(فَقلت لَهُم مَالِي سوى أَن عادتي
…
مَنَامِي على الأجفان فِيهِ محرم)
وَله أَيْضا غير ذَلِك من الْأَشْعَار وَقد رُؤِيَ لَهُ مَنَام عَجِيب يدل على فَضله رحمه الله ونفع بِهِ