المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالث: أهمية الإسناد وعناية العلماء به - عناية العلماء بالإسناد وعلم الجرح والتعديل - صالح الرفاعي

[صالح حامد الرفاعي]

الفصل: ‌المبحث الثالث: أهمية الإسناد وعناية العلماء به

‌المبحث الثالث: أهمية الإسناد وعناية العلماء به

تقدم في المبحث السابق أن الإسناد خَصِيْصَة من خصائص هذه الأمة، وأن الأُمم السابقة لم يعتنوا بالأسانيد، ولم يعتمدوا في أخذ دينهم على نقل الثقة، عن الثقة، لذلك وقع التحريف في كتبهم، وأُدخل عليهم في دينهم ما ليس منه (1) .

وقد أرشدنا الله عز وجل في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم إلى تحري الصدق والحذر من الكذب، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ متعمداً فَلْيتبوَّأْ مقعده من النار". رواه البخاري ومسلم (2) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عنِّي بحديث يُرَى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذِبِين" رواه مسلم في مقدمة صحيحه (3) .

(1) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية: (1/356-381)، وإظهار الحق لرحمت الله الهندي:(2/425-625) .

(2)

صحيح البخاري: كتاب العلم باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم (1/33 رقم 107-110)، وصحيح مسلم: المقدمة: باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/9-10، وفي كتاب الزهد: باب التثبت في الحديث 4/2298 رقم 3004) .

(3)

صحيح مسلم: المقدمة باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين (1/9) .

ص: 9

ولا سبيل إلى تحري الصدق في نقل الأخبار والابتعاد عن الكذب إلا بالاعتماد على رواية الثقات، وطرح رواية غيرهم.

وقد حرص سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم على التحري في نقل الأخبار، ومواقفهم وكلامهم في هذا المعنى كثير.

فمن ذلك: أن بُشَير بن كعب العدوي جاء إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجعل ابن عباس رضي الله عنه لا يأذَنُ لحديثه (1) ، ولا ينظر إليه، فقال: يا بن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أُحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟! فقال ابن عباس رضي الله عنه: إنَّا كُنَّا مَرَّةً إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدَرَتْه أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما رَكِبَ الناس الصعبَ والذلول (2) ، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. رواه مسلم في مقدمة صحيحه (3) .

ويوضح قول ابن عباس هذا ما قاله محمد بن سيرين رحمه الله: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فَيُنْظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"(4) .

وهذا يبين أن الحديث لما كان يدور بين الصحابة رضي الله عنهم، ويُحدِّث بعضهم بعضاً لم يكونوا يحتاجون أن يسألوا عن الإسناد؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول (5) .

(1)"لا يأذن لحديثه": لا يستمع إليه. كما في النهاية لابن الأثير: (1/33) .

(2)

يعني: سلكوا كل مسلك مما يُحمد ويُذم. قاله النووي في شرح صحيح مسلم: (1/80) .

(3)

صحيح مسلم: (المقدمة، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء 1/13) .

(4)

صحيح مسلم: (المقدمة، باب إن الإسناد من الدين 1/15) .

(5)

انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي: (ص93)، وعلوم الحديث لابن الصلاح:(ص427) .

ص: 10

فلما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، منهم من دخل فيه رغبة، ومنهم من دخل فيه رهبة، ومنهم من أظهر الإسلام لكيد المسلمين وبث الفرقة والشقاق بينهم كعبد الله ابن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان له دور كبير في إشعال الفتن في آخر خلافته، مما أدى إلى استشهاده رضي الله عنه، وما أعقب ذلك من فتن (1) .

لذلك احتاط الصحابة والتابعون في قبول الأخبار فلم يقبلوها إلاّ ممن عرفوا صدقه وعدالته، كما تقدم في قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقول ابن سيرين رحمه الله.

وقد سلك مسلكهم في الاحتياط في قبول الأخبار من جاء بعدهم من علماء أهل السنة من أتباع التابعين ومن بعدهم، واعتنوا بالأسانيد أيَّما عناية: فرحلوا في طلبها، وحفظوها، وحدثوا بها كما سمعوها، وحثوا تلاميذهم على العناية بها، وحذروهم من التساهل فيها، وتكلموا فيمن أخلَّ بها، وأقوالهم وتصرفاتهم ناطقة بذلك.

قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري رحمه الله: "فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له - يعني أهل الحديث - وكثرة مواظبتهم على حفظه؛ لدَرَسَ منارُ الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تَعرَّت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْراً"(2) .

(1) انظر: كتاب: ابن سبأ حقيقة لا خيال للدكتور سعدي الهاشمي، وكتاب: عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام للدكتور سليمان بن حمد العودة.

(2)

معرفة علوم الحديث: (ص6) .

ص: 11

ثم روى بإسناده: "عن عتبة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبي فروة، وعنده الزهري (1) ، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الزهري: قاتلك الله يا بن أبي فروة، ما أجرأك على الله! لا تُسْندُ حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة"(2) .

شبَّه الأسانيد بالخُطُم والأزمة للدواب، فالدابة التي ليس لها خطام تُمْسَك به تتفلت من صاحبها، ولا تنقاد له.

وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". رواه مسلم في مقدمة صحيحه (3)، وروى عنه أيضاً أنه قال:"بيننا وبين القوم القوائم" يعني الإسناد (4) .

قال النووي رحمه الله: "ومعنى هذا الكلام: إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلا تركناه، فجعل الحديث كالحيوان، لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم"(5) يعني: بغير أرجل.

وكلامهم في هذا المعنى كثير (6) ، وهو يدل على أهمية الإسناد، ويدل أيضاً

(1) محمد بن مسلم بن عبيد الله أبو بكر القرشي الزهري الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة. (تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر رقم 6296) .

(2)

معرفة علوم الحديث للحاكم: (ص6) .

(3)

صحيح مسلم: (المقدمة ص15) .

(4)

المصدر السابق.

(5)

شرح صحيح مسلم: (1/88) .

(6)

انظر: الإسناد من الدين ومن خصائص أمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم للدكتور عاصم القريوتي، والإسناد من الدين لأبي غدة.

ص: 12

على عنايتهم به، لأن عليه مدار معرفة صحة الحديث وضعفه، قال أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني (ت 562هـ) :"وألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد لها من النقل، ولا تعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تعرف إلا برواية الثقة، عن الثقة، والعدل، عن العدل"(1) .

(1) أدب الإملاء والاستملاء: (1/104) .

ص: 13