المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الأخذ على التحديث] - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - جـ ٢

[السخاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ]

- ‌[من هو مقبول الرواية]

- ‌[شُرُوطُ الضَّبْطِ]

- ‌[نَوْعَا الضَّبْطِ]

- ‌[شُرُوطُ الْعَدَالَةِ]

- ‌[مَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ]

- ‌[الاستفاضة والشهرة في العدالة]

- ‌[الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ]

- ‌[مَا يُعْرَفُ بِهِ الضَّبْطُ]

- ‌[سَبَبُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ]

- ‌[تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ]

- ‌[التَّعْدِيلُ الْمُبْهَمُ]

- ‌[الاختلاف في المجهول]

- ‌[عَدَمُ قَبُولِ الْمَجْهُولِ]

- ‌[رِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ]

- ‌[تَوْبَةِ الْكَاذِبِ]

- ‌[إِنْكَارِ الْأَصْلِ تَحْدِيثَ الْفَرْعِ]

- ‌[الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ]

- ‌[مَا يَخْرِمُ الضَّبْطَ]

- ‌[تسهيل في الشروط]

- ‌[مَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ]

- ‌[مَرَاتِبُ التَّجْرِيحِ]

- ‌[مَتَى يَصِحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ أَوْ يُسْتَحَبُّ]

- ‌[أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ وَالْأَخْذِ]

- ‌[أَوَّلُهَا سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ]

- ‌[الثَّانِي الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ]

- ‌[تَفْرِيعَاتٌ]

- ‌[الثَّالِثُ الْإِجَازَةُ وَأَنْوَاعهَا]

- ‌[النَّوْعُ الْأَوَّلُ تَعْيِينُهُ الْمُجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يُعَيِّنَ الْمُجَازَ لَهْ دُونَ الْمُجَازِ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّالِثُ التَّعْمِيمُ فِي الْمُجَازِ]

- ‌[النَّوْعُ الرَّابِعُ الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيزَ لَهْ]

- ‌[النَّوْعُ الْخَامِسُ التَّعْلِيقُ فِي الْإِجَازَهْ]

- ‌[النَّوْعُ السَّادِسُ الْإِجَازَةُ لِمَعْدُومٍ]

- ‌[النَّوْعُ السَّابِعُ الْإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ لِلْأَخْذِ عَنْهُ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّامِنُ الْإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ]

- ‌[النَّوْعُ التَّاسِعُ الْإِذْنُ بِمَا أُجِيزَا لِشَيْخِهِ]

- ‌[لَفْظُ الْإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا]

- ‌[الرَّابِعُ الْمُنَاوَلَةُ]

- ‌[كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى بِالْمُنَاوَلَةِ وَبِالْإِجَازَةِ]

الفصل: ‌[الأخذ على التحديث]

فَأَنْكَرَهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَمْرًا، فَاجْتَمَعَ بِالزُّهْرِيِّ فَقَالَ لَهُ:" يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ قَدْ حَدَّثْتَنِي بِكَذَا؟ فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا حَدَّثْتَ بِهِ وَأَنَا حَيٌّ إِلَّا أَنْكَرْتُهُ، حَتَّى تُوضَعَ أَنْتَ فِي السِّجْنِ ".

وَقَدْ أَوْرَدْتُ الْقِصَّةَ فِي السَّادِسِ مِنَ الْمُسَلْسَلَاتِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ حَدِيثًا، وَوُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَصَفَهُ بِصَاحِبٍ لَنَا، وَإِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ كَانَ فِي الْأَحْيَاءِ حِينَئِذٍ.

[الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ]

311 -

وَمَنْ رَوَى بِأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ

إِسْحَاقُ وَالرَّازِيُّ وَابْنُ حَنْبَلِ

312 -

وَهْوَ شَبِيهُ أُجْرَةِ الْقُرْآنِ

يَخْرِمُ مِنْ مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ

313 -

لَكِنْ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ أَخَذْ

وَغَيْرُهُ تَرَخُّصًا فَإِنْ نَبَذْ

314 -

شُغْلًا بِهِ الْكَسْبَ أَجِزْ إِرْفَاقَا

أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَا

[الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ] الْحَادِيَ عَشَرَ: فِي الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ.

(وَمَنْ رَوَى) الْحَدِيثَ (بِأُجْرَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا ; كَالْجُعَالَةِ (لَمْ يَقْبَلِ إِسْحَاقُ) بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ (وَ) أَبُو حَاتِمٍ (الرَّازِيُّ وَابْنُ حَنْبَلِ) هُوَ أَحْمَدُ فِي آخَرِينَ.

أَمَّا إِسْحَاقُ ; فَإِنَّهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْمُحَدِّثِ يُحَدِّثُ بِالْأَجْرِ، قَالَ: لَا يُكْتَبُ عَنْهُ،

ص: 90

وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ حِينَ سُئِلَ عَمَّنْ يَأْخُذُ عَلَى الْحَدِيثِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُكْتَبُ عَمَّنْ يَبِيعُ الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ. فَأَطْلَقَ أَبُو حَاتِمٍ جَوَابَ الْأَخْذِ الشَّامِلِ الْإِجَارَةَ وَالْجُعَالَةَ وَالْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجُعَالَةِ ; لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ أَفْحَشَ.

وَقَدْ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: لَمْ يَبْقَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ إِلَّا الْحَدِيثَ وَالْقَضَاءَ، وَقَدْ فَسَدَا جَمِيعًا، الْقُضَاةُ يَرْشُونَ حَتَّى يُوَلَّوْا، وَالْمُحَدِّثُونَ يَأْخُذُونَ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الدَّرَاهِمَ.

(وَهْوَ) أَيْ: أَخْذُ الْأُجْرَةِ (شَبِيهُ أُجْرَةِ) مُعَلِّمِ (الْقُرْآنِ) وَنَحْوِهِ ; كَالتَّدْرِيسِ، يَعْنِي فِي الْجَوَازِ، إِلَّا أَنَّهُ هُنَاكَ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالْأَخْذِ فِيهِ، [وَهُوَ هُنَا فِي الْعُرْفِ] (يَخْرِمُ) أَيْ: يُنْقِصُ (مِنْ مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ) الْفَاعِلِ لَهُ ; لِكَوْنِهِ شَاعَ بَيْنَ أَهْلِهِ التَّخَلُّقُ بِعُلُوِّ الْهِمَمِ، وَطَهَارَةِ الشِّيَمِ، وَتَنْزِيهِ الْعِرْضِ عَنْ مَدِّ الْعَيْنِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَرَضِ.

قَالَ الْخَطِيبُ: وَإِنَّمَا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِلرَّاوِي عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ ; فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى الرِّوَايَةِ عُثِرَ عَلَى تَزَيُّدِهِ وَادِّعَائِهِ مَا لَمْ يَسْمَعْ لِأَجْلِ مَا كَانَ يُعْطَى، وَمِنْ هُنَا بَالَغَ شُعْبَةُ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ وَقَالَ: لَا تَكْتُبُوا عَنِ الْفُقَرَاءِ شَيْئًا ; فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ، وَلِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْأَخْذِ مَنِ امْتَنَعَ، بَلْ تَوَرَّعَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ عَنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالْهِبَةِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: لَمَّا جَلَسَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِلْحَدِيثِ أُهْدِيَ لَهُ، فَرَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّ مَنْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَلَاقٌ،

ص: 91

يَعْنِي إِنْ أَخَذَ. وَكَذَا لَمْ يَكُنِ النَّوَوِيُّ يَقْبَلُ مِمَّنْ لَهُ بِهِ عَلَقَةٌ مِنْ إِقْرَاءٍ أَوِ انْتِفَاعٍ مَا.

قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لِلْخُرُوجِ مِنْ حَدِيثِ إِهْدَاءِ الْقَوْسِ، يَعْنِي الْوَارِدَ الزَّجْرَ عَنْ آخِذِهِ مِمَّنْ عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ، قَالَ: وَرُبَّمَا أَنَّهُ كَانَ يَرَى نَشْرَ الْعِلْمِ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ مَعَ قَنَاعَةِ نَفْسِهِ وَصَبْرِهَا، قَالَ: وَالْأُمُورُ الْمُتَعَيَّنَةُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجَزَاءِ عَلَيْهَا ; كَالْقَرْضِ الْجَارِّ إِلَى مَنْفَعَةٍ ; فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ - انْتَهَى.

وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ: مَا رَأَيْنَا فِي الْقُرَّاءِ مِثْلَ عِيسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ أَلْفٍ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا يَتَحَدَّثُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنِّي أَكَلْتُ لِلسُّنَّةِ ثَمَنًا، أَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيَّ، فَأَمَّا عَلَى الْحَدِيثِ فَلَا، وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ، وَلَا إِهْلِيلِجَةَ.

وَهَذَا بِمَعْنَاهُ وَأَزْيَدُ عِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ فِي الْجَلِيسِ الصَّالِحِ

ص: 92

قَالَ: دَخَلَ الرَّشِيدُ الْكُوفَةَ، وَمَعَهُ ابْنَاهُ الْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ، فَسَمِعَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَالٍ جَزِيلٍ، فَلَمْ يَقْبَلَا، وَقَالَ لَهُ عِيسَى: لَا، وَلَا إِهْلِيلِجَةَ، وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَوْ مَلَأْتَ لِي هَذَا الْمَسْجِدَ إِلَى السَّقْفِ ذَهَبًا.

وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: مَرَّ بِنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ فَاسْتَسْقَى، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَجِئْتُهُ بِالْمَاءِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُنَاوِلَهُ نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ،

فَقَالَ: أَلَيْسَ تَحْضُرُنَا فِي وَقْتِ الْقِرَاءَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَدَّهُ وَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ وَمَضَى.

وَأَهْدَى أَصْحَابُ الْحَدِيثِ لِلْأَوْزَاعِيِّ شَيْئًا، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتُمْ قَبِلْتُهُ وَلَمْ أُحَدِّثْكُمْ، أَوْ رَدَدْتُهُ وَحَدَّثْتُكُمْ، فَاخْتَارُوا الرَّدَّ وَحَدَّثَهُمْ. وَنَحْوُهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كَمَا لِلْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ.

وَقَالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ السَّقَطِيُّ: كَانَ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ الْبَغْدَادِيُّ ذَا وَجَاهَةٍ وَتَقَدُّمٍ وَحَالٍ وَاسِعَةٍ، وَعَهْدِي بِي وَقَدْ أَخْنَى عَلَيْهِ الزَّمَانُ بِصُرُوفِهِ، وَقَدْ قَصَدْتُهُ فِي جَمَاعَةِ مُثْرِينَ ; لِنَسْمَعَ مِنْهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى بَادِيَةٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ قَدْ أَكَلَتِ النَّارُ أَكْثَرَهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ

ص: 93

مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا، فَحَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى قَرَأْنَا عَلَيْهِ بِحَسَبِ شَرَهِنَا، ثُمَّ قُمْنَا، وَقَدْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فِي إِكْرَامِنَا.

فَلَمَّا خَرَجْنَا قُلْتُ: هَلْ مَعَ سَادَتِنَا مَا نَصْرِفُهُ إِلَى الشَّيْخِ؟ فَمَالُوا إِلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ نَحْوُ خَمْسَةِ مَثَاقِيلَ، فَدَعَوْتُ ابْنَتَهُ وَأَعْطَيْتُهَا، وَوَقَفْتُ لِأَرَى تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ وَأَعْطَتْهُ لَطَمَ حُرَّ وَجْهِهِ، وَنَادَى: وَافَضِيحَتَاهُ! آخُذُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِوَضًا، لَا وَاللَّهِ، وَنَهَضَ حَافِيًا فَنَادَى بِحُرْمَةِ مَا بَيْنَنَا إِلَّا رَجَعْتُ، فَعُدْتُ إِلَيْهِ، فَبَكَى وَقَالَ: تَفْضَحُنِي مَعَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ؟ الْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَعَدْتُ الذَّهَبَ إِلَى الْجَمَاعَةِ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ وَتَصَدَّقُوا بِهِ.

وَمَرِضَ أَبُو الْفَتْحِ الْكَرُوخِيُّ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ، فَمَا قَبِلَهُ، وَقَالَ: بَعْدَ السَّبْعِينَ وَاقْتِرَابِ الْأَجَلِ آخُذُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا؟ وَرَدَّهُ مَعَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ.

(لَكِنْ) الْحَافِظُ الْحُجَّةُ الثَّبْتُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ (أَبُو نُعَيْمٍ) ، هُوَ (الْفَضْلُ) بْنُ دُكَيْنٍ، قَدْ (أَخَذْ) الْعِوَضَ عَلَى التَّحْدِيثِ، بِحَيْثُ كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ دَرَاهِمُ صِحَاحٌ بَلْ مُكَسَّرَةٌ أَخَذَ صِرْفَهَا.

(وَ) كَذَا أَخَذَ (غَيْرُهُ) كَعَفَّانَ أَحَدِ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، فَقَدْ قَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ، يَقُولُ: شَيْخَانِ كَانَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِمَا وَيَذْكُرُونَهُمَا، وَكُنَّا نَلْقَى مِنَ النَّاسِ فِي أَمْرِهِمَا مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، قَامَا لِلَّهِ بِأَمْرٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَوْ كَبِيرُ أَحَدٍ مِثْلَ مَا قَامَا بِهِ: عَفَّانُ وَأَبُو نُعَيْمٍ، يَعْنِي بِقِيَامِهِمَا عَدَمَ الْإِجَابَةِ فِي الْمِحْنَةِ، وَبِكَلَامِ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ

ص: 94

عَلَى التَّحْدِيثِ.

وَوَصَفَ أَحْمَدُ مَعَ هَذَا عَفَّانَ بِالتَّثَبُّتِ، وَقِيلَ لَهُ: مَنْ تَابَعَ عَفَّانَ عَلَى كَذَا؟ فَقَالَ: وَعَفَّانُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ؟ وَأَبَا نُعَيْمٍ بِالْحُجَّةِ الثَّبْتِ، وَقَالَ مَرَّةً: إِنَّهُ يُزَاحِمُ بِهِ ابْنَ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ عَلَى قِلَّةِ رِوَايَتِهِ أَثْبَتُ مِنْ وَكِيعٍ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، بَلْ وَعَنْ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَوْثِيقِهِ وَإِجْلَالِهِ، فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَإِطْلَاقِهِمَا كَمَا مَضَى أَوَّلًا عَدَمُ الْكِتَابَةِ، بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ فِي الثِّقَةِ وَالتَّثَبُّتِ، أَوِ الْأَخْذُ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ السُّؤَالُ لِأَحْمَدَ هُنَاكَ، وَمُضَايَقَةُ الْبَغَوِيِّ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِامْتِنَاعِ النَّسَائِيِّ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ: لَمْ يَكُونُوا يَعِيبُونَ مِثْلَ هَذَا، إِنَّمَا الْعَيْبُ عِنْدَهُمُ الْكَذِبُ.

وَمِمَّنْ كَانَ يَأْخُذُ مِمَّنِ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الدَّوْرَقِيُّ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ:(( «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» )) الْحَدِيثَ،. . . . . . . . . . . . . . .

ص: 95

وَقَالَ عَقِبَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا بِدِينَارٍ.

وَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، فَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: سَمِعْتُ قُسْطَنْطِينَ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَمْلِي: مَنْ ذَكَرْتَ؟

فَقَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا، ثُمَّ نَعِسَ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْتَمْلِي: لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَجَمَعُوا لَهُ شَيْئًا فَأَعْطَوْهُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْلِي عَلَيْهِمْ.

بَلْ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ: إِنَّ هِشَامًا كَانَ يَأْخُذُ عَلَى كُلِّ وَرَقَتَيْنِ دِرْهَمًا وَيُشَارِطُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ وَارَةَ: عَزَمْتُ زَمَانًا أَنْ أُمْسِكَ عَنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ مَا لَمْ يَأْخُذْ.

وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَزِيلُ مَكَّةَ، وَأَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ مَعَ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ ; فَإِنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ عَلَى التَّحْدِيثِ. فِي آخَرِينَ سِوَى هَؤُلَاءِ مِمَّنْ أَخَذَهُ (تَرَخُّصًا) أَيْ: سُلُوكًا لِلرُّخْصَةِ فِيهِ لِلْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ الْفَضْلَ يَقُولُ: يَلُومُونَنِي عَلَى الْأَخْذِ، وَفِي بَيْتِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَمَا فِيهِ رَغِيفٌ.

ص: 96

وَرَآهُ بِشْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَسَأَلَهُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَظَرَ الْقَاضِي فِي أَمْرِي فَوَجَدَنِي ذَا عِيَالٍ فَعَفَا عَنِّي.

وَكَذَا كَانَ الْبَغَوِيُّ يَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ، وَإِذَا عَاتَبُوهُ عَلَى الْأَخْذِ حِينَ يَقْرَأُ كُتُبَ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى الْحَاجِّ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ يَقُولُ: يَا قَوْمُ، أَنَا بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ، إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ نَادَى أَبُو قُبَيْسٍ قُعَيْقِعَانُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيَ الْمُجَاوِرُونَ، فَيَقُولُ: أَطْبِقْ.

لَكِنْ قَدْ قَبَّحَهُ النَّسَائِيُّ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا، لَا لِكَذِبِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِلْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، فَبَرُّوهُ بِمَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِمْ غَرِيبٌ فَقِيرٌ، فَأَعْفَوْهُ لِذَلِكَ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ كَمَا دَفَعُوا، أَوْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ، فَاعْتَذَرَ الْغَرِيبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا قَصْعَةٌ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا، فَلَمَّا أَحْضَرَهَا حَدَّثَهُمْ.

وَنَحْوُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَنْصَارِيَّ الْمَعْرُوفَ بِقَاضِي الْمَرِسْتَانِ شَمَّ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ سَعْدِ الْخَيْرِ الْأَنْصَارِيِّ رَائِحَةً طَيِّبَةً، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: هِيَ عُودٌ، فَقَالَ: ذَا عُودٌ طَيِّبٌ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ نَزْرًا قَلِيلًا، وَدَفَعَهُ لِجَارِيَةِ الشَّيْخِ، فَاسْتَحْيَتْ مِنْ إِعْلَامِهِ بِهِ لِقِلَّتِهِ.

وَجَاءَ سَعْدُ الْخَيْرِ عَلَى عَادَتِهِ، فَاسْتَخْبَرَ مِنَ الشَّيْخِ عَنْ وُصُولِ الْعُودِ، فَقَالَ لَهُ: لَا، وَطَلَبَ الْجَارِيَةَ، فَاعْتَذَرَتْ لِقِلَّتِهِ، وَأَحْضَرَتْ ذَلِكَ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ بِيَدِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ الْخَيْرِ: أَهُوَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ.

ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ سَعْدُ الْخَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ وَلَدَهُ جُزْءَ الْأَنْصَارِيِّ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُسْمِعَهُ إِيَّاهُ إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَمْسَةَ أَمْنَاءِ عُودٍ، فَامْتَنَعَ وَأَلَحَّ عَلَى الشَّيْخِ فِي تَكْفِيرِ يَمِينِهِ،

ص: 97

فَمَا فَعَلَ وَلَا حَمَلَ هُوَ شَيْئًا، وَمَاتَ الشَّيْخُ وَلَمْ يَسْمَعِ ابْنُهُ الْجُزْءَ. وَلَكِنَّهُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الْأَخْذِ مِنَ الْغُرَبَاءِ خَاصَّةً، فَرَوَى السِّلَفِيُّ فِي مُعْجَمِ السَّفَرِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ بِشْرٍ الْإِسْفَرَائِينِيِّ قَالَ: اجْتَمَعْنَا بِمِصْرَ طَبَقَةً مِنْ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ، فَقَصَدْنَا عَلِيَّ بْنَ مُنِيرٍ الْخَلَّالَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا فِي الدُّخُولِ، فَجَعَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ النَّخْشَبِيُّ فَاهُ عَلَى كُوَّةِ بَابِهِ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ)) ، قَالَ: فَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَلْنَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ الْيَوْمَ إِلَّا مِنْ وَزْنِ الذَّهَبِ، فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْغُرَبَاءِ شَيْئًا، وَكَانَ فَقِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَشْرِطُ شَيْئًا وَلَا يَذْكُرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِ مَا يُعْطَى بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَهُ.

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقْتَصِرُ فِي الْأَخْذِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ فِي الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ.

قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ سُكَيْنَةَ: قُلْتُ لِلْحَافِظِ ابْنِ نَاصِرٍ: أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ شَرْحَ دِيوَانِ الْمُتَنَبِّي لِأَبِي زَكَرِيَّا، وَكَانَ يَرْوِيهِ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ دَائِمًا تَقْرَأُ عَلَيَّ

ص: 98

الْحَدِيثَ مَجَّانًا، وَهَذَا شِعْرٌ، وَنَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَى دَفْعٍ شَيْءٍ مِنَ الْأَجْرِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.

قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِوَالِدِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كَاغِدًا فِيهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ - انْتَهَى. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ فَقِيرًا.

وَنَحْوُهُ أَنَّ أَبَا نَصْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مَوْهُوبٍ الْبَغْدَادِيَّ الضَّرِيرَ الْفَرَضِيَّ كَانَ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِمَّنْ يُعَلِّمُهُ الْجَبْرَ وَالْمُقَابَلَةَ دُونَ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، وَيَقُولُ: الْفَرَائِضُ مُهِمَّةٌ، وَهَذَا مِنَ الْفَضْلِ. حَكَاهُمَا ابْنُ النَّجَّارِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَقُولُ: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا مُحْتَاجِينَ، فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا لَمْ أُحَدِّثْكُمْ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ شَيْخِهِ: إِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ.

ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ [مِنْ كَوْنِ الْأَخْذِ خَارِمًا، هُوَ حَيْثُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِعُذْرٍ مِنْ فَقْرٍ مُرَخِّصٍ، أَوْ تَعْطِيلٍ عَنْ كَسْبٍ](فَإِنْ) كَانَ ذَا كَسْبٍ، وَلَكِنْ (نَبَذْ) بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ: أَلْقَى (شُغْلًا بِهِ) أَيْ: لِاشْتِغَالِهِ بِالتَّحْدِيثِ (الْكَسْبَ) لِعِيَالِهِ (أَجِزْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ لَهُ الْأَخْذَ (إِرْفَاقَا) أَيْ: لِأَجْلِ الْإِرْفَاقِ بِهِ فِي مَعِيشَتِهِ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الْكَسْبِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَقَدْ (أَفْتَى بِهِ) أَيْ: بِجَوَازِ الْأَخْذِ (الشَّيْخُ) الْوَلِيُّ (أَبُو إِسْحَاقَا) الشِّيرَازِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، حِينَ سَأَلَهُ مُسْنِدُ الْعِرَاقِ فِي وَقْتِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ النَّقُورِ ; لِكَوْنِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كَانُوا يَمْنَعُونَهُ عَنِ الْكَسْبِ

ص: 99

لِعِيَالِهِ، فَكَانَ يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ، وَعَلَى نُسْخَةِ طَالُوتَ بْنِ عَبَّادٍ أَبِي عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيِّ بِخُصُوصِهَا دِينَارًا.

وَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَاءَ غَرِيبٌ فَقِيرٌ فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْهُ، فَاحْتَالَ بِأَنِ [اقْتَصَرَ عَلَى كُنْيَةِ طَالُوتَ ; لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَخْبَرَكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حُبَابَةَ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ؟ وَسَاقَ النُّسْخَةَ إِلَى آخِرِهَا، فَبَلَغَ مَقْصُودَهُ بِدُونِ دِينَارٍ.

وَسَبَقَ إِلَى الْإِفْتَاءِ بِالْجَوَازِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فُطَيْسٍ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ: جَمَعْنَا لِابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، دَنَانِيرَ، وَأَعْطَيْنَاهُ إِيَّاهُ، وَقَرَأْنَا عَلَيْهِ مُوَطَّأَ عَمِّهِ وَجَامِعَهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَصَارَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، الْعَالِمُ يَأْخُذُ عَلَى قِرَاءَةِ الْعِلْمِ؟ فَاسْتَشْعَرَ فِيمَا ظَهَرَ لِي أَنِّي إِنَّمَا أَسْأَلُهُ

ص: 100

عَنْ أَحْمَدَ، فَقَالَ لِي: جَائِزٌ، عَافَاكَ اللَّهُ، حَلَالٌ أَنْ لَا أَقْرَأَ لَكَ وَرَقَةً إِلَّا بِدِرْهَمٍ، وَمَنْ أَخَذَنِي أَنْ أَقْعُدَ مَعَكَ طُولَ النَّهَارِ، وَأَدَعَ مَا يَلْزَمُنِي مِنْ أَسْبَابِي وَنَفَقَةِ عِيالِي.

إِذَا عُلِمَ هَذَا فَالدَّلِيلُ لِمُطْلَقِ الْجَوَازِ كَمَا تَقَدَّمَ الْقِيَاسُ عَلَى الْقُرْآنِ ; فَقَدْ جَوَّزَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ الْجُمْهُورُ ; لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (( «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» )) .

وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ لَا تَنْهَضُ بِالْمُعَارَضَةِ ; إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، خُصُوصًا وَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لِتُوَافِقَ الصَّحِيحَ، وَقَدْ حَمَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَخْذِ فِيمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ.

وَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي الْعَالِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41] ; أَيْ: لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا، وَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: يَا ابْنَ آدَمَ، عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا.

وَلَيْسَ فِي قَوْلِ عَازِبٍ لِأَبِي بَكْرٍ، حِينَ سَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ ابْنَهُ الْبَرَاءَ رضي الله عنه بِحَمْلِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ مَعَهُ: لَا حَتَّى يُحَدِّثَنَا بِكَذَا، مُتَمَسَّكٌ لِلْجَوَازِ ; لِتَوَقُّفِهِ كَمَا قَالَ

ص: 101

شَيْخُنَا عَلَى أَنَّ عَازِبًا لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ إِرْسَالِ ابْنِهِ لَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّحْدِيثِ، يَعْنِي: فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا امْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا أَقَرَّ عَازِبًا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ ; لِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ تَأْدِيبًا وَزَجْرًا، وَتَقْرِيرُهُ عَازِبًا فَلِكَوْنِهِ فَهِمَ عَنْهُ قَصْدَ الْمُبَادَرَةِ لِإِسْمَاعِ ابْنِهِ، وَكَوْنِهِ حَاضِرًا مَعَهُ خَوْفًا مِنَ الْفَوَاتِ، لَا خُصُوصَ هَذَا الْمَحْكِيِّ. وَعَلَى هَذَا، فَمَا بَقِيَ فِيهِمَا مُتَمَسَّكٌ.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَقَدْ سَبَقَ لِلْمَنْعِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ: وَمِنِ الْمُهِمِّ هُنَا أَنْ نَقُولَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ حِرْصَ الطَّلَبَةِ لِلْعِلْمِ قَدْ فَتَرَ، لَا بَلْ قَدْ بَطَلَ، فَيَنْبَغِي لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يُحَبِّبُوا لَهُمُ الْعِلْمَ، وَإِلَّا فَإِذَا رَأَى طَالِبُ الْأَثَرِ أَنَّ الْإِسْنَادَ يُبَاعُ، وَالْغَالِبُ عَلَى الطَّلَبَةِ الْفَقْرُ، تَرَكَ الطَّلَبَ، فَكَانَ هَذَا سَبَبًا لِمَوْتِ السُّنَّةِ، وَيَدْخُلُ هَؤُلَاءِ فِي مَعْنَى الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ كَانَ عَلَى مَأْثُورِ السَّلَفِ فِي نَشْرِ السُّنَّةِ بُورِكَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى السِّيرَةِ الَّتِي ذَمَمْنَاهَا لَمْ يُبَارَكْ لَهُ عَلَى غَزَارَةِ عِلْمِهِ - انْتَهَى.

وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْأَنْمَاطِيِّ الْحَافِظُ قَالَ: رَغَّبْتُ أَبَا عَلِيٍّ حَنْبَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيَّ الرَّصَافِيَّ رَاوِيَ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي السَّفَرِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ فَقِيرًا جِدًّا،

ص: 102