المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الثاني القراءة على الشيخ] - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - جـ ٢

[السخاوي]

فهرس الكتاب

- ‌[مَعْرِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ]

- ‌[من هو مقبول الرواية]

- ‌[شُرُوطُ الضَّبْطِ]

- ‌[نَوْعَا الضَّبْطِ]

- ‌[شُرُوطُ الْعَدَالَةِ]

- ‌[مَا تُعْرَفُ بِهِ الْعَدَالَةُ]

- ‌[الاستفاضة والشهرة في العدالة]

- ‌[الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ]

- ‌[مَا يُعْرَفُ بِهِ الضَّبْطُ]

- ‌[سَبَبُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ]

- ‌[تَعَارُضِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ]

- ‌[التَّعْدِيلُ الْمُبْهَمُ]

- ‌[الاختلاف في المجهول]

- ‌[عَدَمُ قَبُولِ الْمَجْهُولِ]

- ‌[رِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ]

- ‌[تَوْبَةِ الْكَاذِبِ]

- ‌[إِنْكَارِ الْأَصْلِ تَحْدِيثَ الْفَرْعِ]

- ‌[الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ]

- ‌[مَا يَخْرِمُ الضَّبْطَ]

- ‌[تسهيل في الشروط]

- ‌[مَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ]

- ‌[مَرَاتِبُ التَّجْرِيحِ]

- ‌[مَتَى يَصِحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ أَوْ يُسْتَحَبُّ]

- ‌[أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ وَالْأَخْذِ]

- ‌[أَوَّلُهَا سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ]

- ‌[الثَّانِي الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ]

- ‌[تَفْرِيعَاتٌ]

- ‌[الثَّالِثُ الْإِجَازَةُ وَأَنْوَاعهَا]

- ‌[النَّوْعُ الْأَوَّلُ تَعْيِينُهُ الْمُجَازَ وَالْمُجَازَ لَهْ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يُعَيِّنَ الْمُجَازَ لَهْ دُونَ الْمُجَازِ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّالِثُ التَّعْمِيمُ فِي الْمُجَازِ]

- ‌[النَّوْعُ الرَّابِعُ الْجَهْلُ بِمَنْ أُجِيزَ لَهْ]

- ‌[النَّوْعُ الْخَامِسُ التَّعْلِيقُ فِي الْإِجَازَهْ]

- ‌[النَّوْعُ السَّادِسُ الْإِجَازَةُ لِمَعْدُومٍ]

- ‌[النَّوْعُ السَّابِعُ الْإِذْنُ لِغَيْرِ أَهْلِ لِلْأَخْذِ عَنْهُ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّامِنُ الْإِذْنُ بِمَا سَيَحْمِلُهْ الشَّيْخُ]

- ‌[النَّوْعُ التَّاسِعُ الْإِذْنُ بِمَا أُجِيزَا لِشَيْخِهِ]

- ‌[لَفْظُ الْإِجَازَةِ وَشَرْطُهَا]

- ‌[الرَّابِعُ الْمُنَاوَلَةُ]

- ‌[كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى بِالْمُنَاوَلَةِ وَبِالْإِجَازَةِ]

الفصل: ‌[الثاني القراءة على الشيخ]

يَمْتَنِعْ عُمُومُهُ) أَيِ: الْحُكْمُ بِذَلِكَ (عِنْدَ) الْحَافِظِ (الْخَطِيبِ) إِذَا لَمْ يُعْرَفُ اتِّصَافُهُ بِذَلِكَ (وَقَصَرْ) الْخَطِيبُ (ذَاكَ) الْحُكْمَ (عَلَى) الرَّاوِي الَّذِي (بِذَا الْوَصْفِ اشْتَهَرْ) .

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: " وَالْمَحْفُوظُ الْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَاهُ ". وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَاخْتَارَ شَيْخُنَا - كَمَا تَقَدَّمَ - فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْهُ بِخُصُوصِهِ عَدَمَ طَرْدِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ ; لِجَزْمِهِ بِهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي التَّعْلِيقِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، [وَقَرَّرَ رَدَّ دَعْوَى ابْنِ مَنْدَهْ فِيهَا تَدْلِيسُهُ، بِأَنْ قَالَ: لَمْ يَشْتَهِرِ اصْطِلَاحًا لِلْمُدَلِّسِينَ، بَلْ هِيَ وَعَنْ فِي عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ] .

فَائِدَةٌ: وَقَعَ فِي الْفِتَنِ مِنْ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِنْ طَرِيقِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ رَدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ رَدَّهُ إِلَى مَعْقِلِ بْنَ يَسَارٍ، رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الِاتِّصَالِ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَحْتَمِلُ الْوَاسِطَةَ.

[الثَّانِي الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ]

375 -

ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتُّهَا

مُعْظَمُهُمْ عَرْضًا سَوَى قَرَأْتَهَا

ص: 170

376 -

مِنْ حِفْظٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ سَمِعْتَا

وَالشَّيْخُ حَافِظٌ لِمَا عَرَضْتَا

377 - أَوْ لَا وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ

بِنَفْسِهِ أَوْ ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ

378 - قُلْتُ كَذَا إِنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ

يَحْفَظُهُ مَعَ اسْتِمَاعٍ فَاقْتَنِعْ

379 - وَأَجْمَعُوا أَخْذًا بِهَا وَرَدُّوا

نَقْلَ الْخِلَافِ وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا

380 - وَالْخُلْفُ فِيهَا هَلْ تُسَاوِي الْأَوَّلَا

أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَنُقِلَا

381 - عَنْ مَالِكٍ وَصَحْبِهِ وَمُعْظَمِ

كُوفَةَ وَالْحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ

382 - مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا سِيَّانِ

وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مَعَ النُّعْمَانِ

383 - قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ وَعَكْسُهُ أَصَحْ

وَجُلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ نَحْوَهُ جَنَحْ

384 - وَجَوَّدُوا فِيهِ: قَرَأْتُ أَوْ قُرِيَ

مَعْ " وَأَنَا أَسْمَعُ " ثُمَّ عَبِّرِ

385 - بِمَا مَضَى فِي أَوَّلٍ مُقَيَّدَا

قِرَاءَةً عَلَيْهِ حَتَّى مُنْشِدَا

386 - أَنْشَدَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ، لَا

سَمِعْتُ لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلَا

387 - وَمُطْلَقُ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ

مَنَعَهُ أَحْمَدُ ذُو الْمِقْدَارِ

388 - وَالنَّسَائِيُّ وَالتَّمِيمِيُّ يَحْيَى

وَابْنُ الْمُبَارَكِ الْحَمِيدُ سَعْيَا

389 - وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَالْقَطَّانُ

وَمَالِكٌ وَبَعْدَهُ سُفْيَانُ

390 - وَمُعْظَمُ الْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ

مَعَ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْجَوَازِ

391 - وَابْنُ جُرَيْجٍ وَكَذَا الْأَوْزَاعِي

مَعَ ابْنِ وَهْبٍ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِي

392 - وَمُسْلِمٍ وَجُلِّ أَهْلِ الشَّرْقِ

قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْقِ

393 - وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الْإِنْصَافِ

لِلنَّسَّائِيِّ مِنْ غَيْرِ مَا خِلَافِ

394 - وَالْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الَّذِي اشْتَهَرْ

مُصْطَلَحًا لِأَهْلِهِ أَهْلِ الْأَثَرْ

395 - وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا أَعَادَا

قِرَاءَةَ الصَّحِيحِ حَتَّى عَادَا

396 - فِي كُلِّ مَتْنٍ قَائِلًا أَخْبَرَكَا

إِذْ كَانَ قَالَ أَوَّلًا حَدَّثَكَا

397 - قُلْتُ وَذَا رَأْيُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا

إِعَادَةَ الْإِسْنَادِ وَهْوَ شَطَطُ

ص: 171

الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ وَالْأَخْذِ (الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ ثُمَّ) يَلِي السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ (الْقِرَاءَةُ) عَلَيْهِ، وَهِيَ (الَّتِي نَعَتَهَا) يَعْنِي سَمَاعًا (مُعْظَمُهُمُ) أَيْ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الشَّرْقِ وَخُرَاسَانَ (عَرْضًا) يَعْنِي أَنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُقْرِئِ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ وَضْعِ عَرْضِ شَيْءٍ عَلَى عَرْضِ شَيْءٍ آخَرَ ; لِيَنْظُرَ فِي اسْتِوَائِهِمَا وَعَدَمِهِ، وَأَدْرَجَ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ، وَالتَّحْقِيقُ عَدَمُ إِطْلَاقِهِ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي.

(سَوَى) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَصْرِ عَلَى لُغَةٍ ; أَيْ: فِي تَسْمِيَتِهَا عَرْضًا (قَرَأْتَهَا) أَيِ: الْأَحَادِيثَ، بِنَفْسِكَ عَلَى الشَّيْخِ (مِنْ حِفْظٍ) مِنْكَ (أَوْ كِتَابٍ) لَكَ أَوْ لِلشَّيْخِ أَوْ لِغَيْرِهِ (أَوْ)[بِالنَّقْلِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ مَعَ تَنْوِينِ مَا قَبْلَهُمَا، وَإِنِ اتَّزَنَ مَعَ تَرْكِهِ بِالْقَطْعِ](سَمِعْتَا) بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ مِنْ كِتَابٍ كَذَلِكَ، أَوْ حِفْظِهِ أَيْضًا (وَالشَّيْخُ) فِي حَالِ التَّحْدِيثِ (حَافِظٌ لِمَا عَرَضْتَا) أَوْ عَرَضَ غَيْرُكَ عَلَيْهِ (أَوْ لَا) يَحْفَظُ (وَلَكِنْ) يَكُونُ (أَصْلُهُ) مَعَهُ (يُمْسِكُهُ) هُوَ (بِنَفْسِهِ أَوْ ثِقَةٌ) ضَابِطٌ، غَيْرُهُ (مُمْسِكُهُ) كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا.

(قُلْتُ) : (كَذَا) الْحُكْمُ (إِنْ) كَانَ (ثِقَةٌ) ضَابِطٌ (مِمَّنْ سَمِعْ) مَعَكَ (يَحْفَظُهُ) أَيِ: الْمَقْرُوءَ (مَعَ اسْتِمَاعٍ) مِنْهُ لِمَا يَقْرَأُ وَعَدَمِ غَفْلَةٍ عَنْهُ (فَاقْتَنِعْ) بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا

ص: 172

ابْنُ الصَّلَاحِ، لَكِنَّهُ قَدِ اكْتَفَى بِالثِّقَةِ فِي إِمْسَاكِ الْأَصْلِ، فَلْيَكُنْ فِي الْحِفْظِ كَذَلِكَ ; إِذْ لَا فَرْقَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَلِفَارِقٍ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْحِفْظَ خَوَّانٌ، وَلَا يَنْفِيَ هَذَا أَرْجَحِيَّةَ بَعْضِ الصُّوَرِ، كَأَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ أَوِ الثِّقَةُ مُتَمَيِّزًا فِي الْإِمْسَاكِ أَوْ فِي الْحِفْظِ، أَوْ يَجْتَمِعُ لِأَحَدِهِمَا الْحِفْظُ وَالْإِمْسَاكُ.

(وَأَجْمَعُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحَدِيثِ (أَخْذًا) أَيْ: عَلَى الْأَخْذِ وَالتَّحَمُّلِ (بِهَا) أَيْ: بِالرِّوَايَةِ عَرَضًا وَتَصْحِيحِهَا.

وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عِيَاضٌ، فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ (وَرَدُّوا نَقْلَ الْخِلَافِ) الْمَحْكِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَامٍ الْجُمَحِيِّ، وَوَكِيعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ مَالِكًا، فَإِذَا النَّاسُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِمَّنْ كَانَ يُشَدِّدُ وَلَا يَعْتَدُّ إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْمَشَايِخِ (وَبِهِ) أَيْ: بِالْخِلَافِ (مَا اعْتَدُّوا) لِعِلْمِهِمْ بِخِلَافِهِ.

ص: 173

وَكَانَ مَالِكٌ يَأْبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ عَلَى الْمُخَالِفِ وَيَقُولُ: كَيْفَ لَا يُجْزِيكَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَيُجْزِيكَ فِي الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَعْظَمُ؟ ! وَلِذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: صَحِبْتُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا رَأَيْتُهُ قَرَأَ (الْمُوَطَّأَ) عَلَى أَحَدٍ، بَلْ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، لَا تَدَعُونَ تَنَطُّعَكُمْ، الْعَرْضُ مِثْلُ السَّمَاعِ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْحَدَّادُ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَدَّادُ: عِنْدِي خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ قِصَّةُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) ، وَرَجَعَ ضِمَامٌ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ:" إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ ".

قَالَ الْبُخَارِيُّ: فَهَذَا - أَيْ: قَوْلُ ضِمَامٍ: آللَّهُ أَمَرَكَ - قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَأَجَازُوهُ ; أَيْ: قَبِلُوهُ مِنْهُ.

(وَ) لَكِنَّ (الْخُلْفُ) بَيْنَهُمْ

ص: 174

(فِيهَا) أَيْ: فِي الْقِرَاءَةِ عَرْضًا (هَلْ تُسَاوِي) الْقِسْمَ (الْأَوَّلَا) أَيِ: السَّمَاعَ لَفْظًا (أَوْ) هِيَ (دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَنُقِلَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ; [يَعْنِي: جَاءَ](عَنْ مَالِكٍ) ، هُوَ ابْنُ أَنَسٍ (وَصَحْبِهِ) ، بَلْ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهَا كَالزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ.

(وَ) كَذَا عَنْ (مُعْظَمِ) الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ (كُوفَةَ) بِفَتْحِ التَّاءِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ كَالثَّوْرِيِّ (وَ) مِنْ أَهْلٍ (الْحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ) أَيْ: مَكَّةَ ; كَابْنِ عُيَيْنَةَ (مَعَ) النَّاقِدِ الْحُجَّةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (الْبُخَارِيِّ) فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَوْرَدَهُمُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَائِلَ صَحِيحِهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فِي رِوَايَةٍ (هُمَا) أَيْ: إِنَّهُمَا فِي الْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ (سِيَّانِ) .

وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِهِ أَسَمَاعٌ هُوَ؟ فَقَالَ: مِنْهُ سَمَاعٌ، وَمِنْهُ عَرْضٌ، وَلَيْسَ الْعَرْضُ عِنْدَنَا بِأَدْنَى مِنَ السَّمَاعِ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ; إِذْ لِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهُ أَرْجَحِيَّةٍ، وَوَجْهُ مَرْجُوحِيَّةٍ، فَتَعَادَلَا. وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَعِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالصَّيْرَفِيُّ عَنْ نَصِ الشَّافِعِيِّ.

قَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْزِلِي بَعِيدٌ، وَالِاخْتِلَافُ عَلَيَّ يَشُقُّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَى بِالْقِرَاءَةِ بَأْسًا قَرَأْتُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا أُبَالِي قَرَأْتُ عَلَيْكَ أَوْ قَرَأْتَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ؟

ص: 175

قَالَ: نَعَمْ. وَيُرْوَى فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، لَفْظُهُ:((قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَةُ الْعَالِمِ عَلَيْكَ سَوَاءٌ)) ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْوَقْفُ، حَكَاهُ بَعْضُهُمْ، (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) ، هُوَ أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ الْمَدَنِيُّ (مَعَ) الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (النُّعْمَانِ) بْنِ ثَابِتٍ (قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ) عَلَى السَّمَاعِ لَفْظًا، فَرَوَى السُّلَيْمَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: قِرَاءَتُكَ عَلَى الْمُحَدِّثِ أَثْبَتُ وَأَوْكَدُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْكَ ; إِنَّهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا يَقْرَأُ عَلَى مَا فِي الصَّحِيفَةِ، وَإِذَا قَرَأْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ: حَدِّثْ عَنِّي مَا قَرَأْتَ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ.

وَعَنْ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ عَلَيَّ شَغَلْتُ نَفْسِي بِالْإِنْصَاتِ لَكَ، وَإِذَا حَدَّثْتُكَ غَفَلْتُ عَنْكَ. رَوَاهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ ثُمَّ عِيَاضٌ فِي آخَرِينَ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ

ص: 176

وَغَيْرِهِمْ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ فَرُّوخَ الْقَطَّانِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَشُعْبَةُ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الشَّيْخَ لَوْ سَهَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لِلطَّالِبِ الرَّدُّ عَلَيْهِ ; إِمَّا لِجَهَالَتِهِ، أَوْ لِهَيْبَةِ الشَّيْخِ، أَوْ لِظَنِّهِ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ الْمَحَلُّ قَابِلًا لِلِاخْتِلَافِ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ.

وَبِهَذَا الْأَخِيرِ عَلَّلَ مَالِكٌ إِشَارَتَهُ لِنَافِعٍ الْقَارِئِ بِعَدَمِ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَالَ: الْمِحْرَابُ مَوْضِعُ مِحْنَةٍ، فَإِنْ زَلَلْتَ فِي حَرْفٍ وَأَنْتَ إِمَامٌ حُسِبَتْ قِرَاءَةً وَحُمِلَتْ عَنْكَ - انْتَهَى.

وَيَشْهَدُ لِلْأَخِيرِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي صَلَاةٍ فَتَرَكَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ أَعْلَمَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: ((فَهَلَّا أَذْكَرْتِنِيهَا؟)) قَالَ: كُنْتُ أُرَاهَا نُسِخَتْ» . بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الطَّالِبُ هُوَ الْقَارِئَ ; فَإِنَّهُ لَا هَيْبَةَ لَهُ، وَلَا يُعَدُّ خَطَؤُهُ مَذْهَبًا، أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: الْقِرَاءَةُ عَلَيَّ أَثْبَتُ لِي، [وَأَفْهَمُ لِي] ، مِنْ أَنْ أَتَوَلَّى الْقِرَاءَةَ أَنَا.

وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ فَارِسٍ: السَّامِعُ أَرْبَطُ جَأْشًا، وَأَوْعَى قَلْبًا، وَشُغْلُ الْقَلْبِ وَتَوَزُّعُ الْفِكْرِ إِلَى الْقَارِئِ أَسْرَعُ، فَلِذَلِكَ رَجَحَ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ لِتَرْجِيحِ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ عَلَى قِرَاءَتِهِ، الْمُسْتَمِعُ غَالِبًا أَقْوَى عَلَى التَّدَبُّرِ، وَنَفْسُهُ أَخْلَى وَأَنْشَطُ لِذَلِكَ مِنَ الْقَارِئِ ; لِاشْتِغَالِهِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَحْكَامِهَا.

وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَنَقَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، وَالْخَطِيبُ

ص: 177

فِي الْكِفَايَةِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي الْحَثِّ عَلَى الطَّلَبِ لِلسُّلَيْمَانِيِّ، وَفِي الْإِلْمَاعِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: قِرَاءَتُكَ عَلَيَّ أَصَحُّ مِنْ قِرَاءَتِي عَلَيْكَ.

وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ التَّسْوِيَةُ، وَمَا حَكَاهُ أَبُو خَلِيفَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَامٍ الْجُمَحِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ وَعَلَى بَابِهِ مَنْ يَحْجُبُهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ، حَدَّثَكَ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَكَ فُلَانٌ، وَمَالِكٌ يَقُولُ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَرَغَ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَوِّضْنِي مِمَّا حَدَّثْتَ بِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ تَقْرَؤُهَا عَلَيَّ، قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ أَخْرِجُوهُ عَنِّي. فَمُحْتَمِلٌ لِلتَّسْوِيَةِ، أَوْ تَرْجِيحِ الْعَرْضِ.

بَلْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الشَّيْخُ يُحَدِّثُ مِنْ كِتَابٍ، أَمَّا حَيْثُ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ فَلَا. (وَعَكْسُهُ) أَيْ: تَرْجِيحُ السَّمَاعِ لَفْظًا عَلَى الْعَرْضِ (أَصَحْ) وَأَشْهَرُ (وَجُلُّ) أَيْ: مُعْظَمُ (أَهْلِ الشَّرْقِ) وَخُرَاسَانَ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ (نَحْوَهُ جَنَحْ) ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَعْرِضْ عَارِضٌ يَصِيرُ الْعَرْضُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ أَعْلَمَ أَوْ أَضَبَطَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَأَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ أَوْعَى وَأَيْقَظَ مِنْهُ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ هُوَ. وَحِينَئِذٍ فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّمَا كَانَ فِيهِ الْأَمْنُ مِنَ الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ أَكْثَرَ كَانَ أَعْلَى مَرْتَبَةً.

وَأَعْلَاهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْخُ مِنْ أَصْلِهِ، وَأَحَدُ السَّامِعِينَ يُقَابِلُ بِأَصْلٍ آخَرَ ; لِيَجْتَمِعَ فِيهِ اللَّفْظُ وَالْعَرْضُ (وَجَوَّدُوا فِيهِ) أَيْ: وَرَأَى أَهْلُ الْحَدِيثِ الْأَجْوَدَ وَالْأَسْلَمَ فِي أَدَاءِ مَا سَمِعَ كَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: (قَرَأْتُ) عَلَى فُلَانٍ إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي

ص: 178

قَرَأَ (أَوْ قُرِئَ) عَلَى فُلَانٍ إِنْ كَانَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ (مَعْ) بِالسُّكُونِ، تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِهِ:(وَأَنَا أَسْمَعُ) لِلْأَمْنِ مِنَ التَّدْلِيسِ.

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ. (ثُمَّ عَبِّرِ) أَيُّهَا الْمُحَدِّثُ (بِمَا مَضَى فِي أَوَّلِ) أَيْ: فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ (مُقَيِّدَا) ذَلِكَ بِقَوْلِكَ: (قِرَاءَةً عَلَيْهِ)، فَقُلْ: ثَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَوْ أَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ أَنْبَأَنَا، أَوْ نَبَّأَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، [أَوْ قَالَ لَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ] ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (حَتَّى) وَلَوْ كُنْتَ (مُنْشِدًا) نَظْمًا لِغَيْرِكَ سَمِعْتَهُ بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ أَوْ قِرَاءَتِهِ، فَقُلْ:(أَنْشَدَنَا) فُلَانٌ (قِرَاءَةً عَلَيْهِ) ، [أَوْ بِقِرَاءَتِي، أَوْ سَمَاعًا عَلَيْهِ]، هَذَا مَعَ ظُهُورِهَا فِيمَا يُنْشِدُهُ الشَّيْخُ لَفْظًا (لَا) أَيْ: إِلَّا (سَمِعْتُ) فُلَانًا ; فَإِنَّهُمْ [مَعَ شُمُولِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَهَا] اسْتَثْنَوْهَا فِي الْعَرْضِ مِمَّا مَضَى فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.

وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ بِعَدَمِ جَوَازِهَا (لَكِنْ بَعْضُهُمُ)[كَالسُّفْيَانَيْنِ وَمَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْهُمْ](قَدْ حَلَّلَا) ذَلِكَ،

ص: 179

وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي اقْتِرَاحِهِ:" تَسَامُحٌ خَارِجٌ عَنِ الْوَضْعِ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ "، قَالَ: وَلَا أَرَى جَوَازَهُ لِمَنِ اصْطَلَحَهُ لِنَفْسِهِ. نَعَمْ، إِنْ كَانَ اصْطِلَاحًا عَامًّا فَقَدْ يَقْرُبُ الْأَمْرُ فِيهِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ وَاقِعٌ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَرِّخِينَ فِي التَّرَاجِمِ: سَمِعَ فُلَانًا وَفُلَانًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَمَاعِهِ مِنْ لَفْظِهِ.

وَبِالْجُمْلَةِ، فَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ الْخِلَافَ، وَقَالَ: يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ ; لِأَنَّ " سَمِعْتُ " صَرِيحَةٌ فِي السَّمَاعِ لَفْظًا ; يَعْنِي: كَمَا تَقَدَّمَ. [وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ]، وَإِلَّا فَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا السِّلَفِيُّ فِي كِتَابِهِ (الطِّبَاقِ) فَيَقُولُ: سَمِعْتُ بِقِرَاءَتِي، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَرُبَّمَا قَرَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا قِرَاءَةً عَلَيْهِ. وَنَحْوُهُ صَنِيعُ النَّوَوِيِّ فِي جَمْعِهِمَا لِمَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ.

وَلِذَلِكَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَهُوَ عَدَمُ اتِّصَافِهِ بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، بَلْ (وَمُطْلَقُ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ) مِمَّنْ أَخَذَ عَرْضًا بِدُونِ تَقْيِيدٍ بِقِرَاءَتِهِ، أَوْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ (مَنَعَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ (ذُو الْمِقْدَارِ) الْجَلِيلِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ (وَ) كَذَا (النَّسَائِيُّ) صَاحِبُ السُّنَنِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَيْضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ.

(وَ) مِمَّنْ مَنَعَ أَيْضًا

ص: 180

(التَّمِيمِيْ) بِالسُّكُونِ بِنِيَّةِ الْوَقْفِ (يَحْيَى وَابْنُ الْمُبَارَكِ) عَبْدُ اللَّهِ (الْحَمِيدُ سَعْيًا) أَيْ: سَعْيُهُ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ مَذْهَبُ خَلْقٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ.

(وَذَهَبَ) الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ (الزُّهْرِيُّ) ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (الْقَطَّانُ) ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَصَاحِبَاهُ (وَمَالِكٌ) ابْنُ أَنَسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (وَبَعْدَهُ سُفْيَانُ) بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ (وَمُعْظَمُ) أَهْلِ (الْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ) مَعَ الْإِمَامِ (الْبُخَارِيِّ) صَاحِبِ الصَّحِيحِ (إِلَى الْجَوَازِ) لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ كَمَا فِي الْقِسْمِ قَبْلَهُ.

وَلَفْظُ الزُّهْرِيِّ: مَا أُبَالِي قِرَاءَةً عَلَى الْمُحَدِّثِ أَوْ حَدَّثَنِي، كِلَاهُمَا أَقُولُ فِيهِ: ثَنَا.

وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ: رَأَيْتُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى الْأَعْرَجِ حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُ: هَذَا حَدِيثُكَ يَا أَبَا دَاوُدَ؟ وَهِيَ كُنْيَةُ الْأَعْرَجِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ قَرَأْتُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَعَلَيْهِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمَغَارِبَةِ، وَكَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وَثَعْلَبٌ وَالطَّحَاوِيُّ، وَلَهُ فِيهِ جُزْءٌ سَمِعْتُهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ

ص: 181

بِآيَاتٍ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَالْخَطِيبُ وَابْنُ فَارِسٍ، فِي جُزْءٍ لَهُ سَمِعْتُهُ سَمَّاهُ (مَآخِذُ الْعِلْمِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيَّ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: سُوءُ الْخُلُقِ.

وَكَذَا مِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ التَّسْوِيَةَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، مَعَ الْحِكَايَةِ عَنْهُ أَوَّلًا لِعَدَمِ قَبُولِهِ الْعَرْضَ أَصْلًا، [وَكَأَنَّ ذَاكَ اخْتِيَارُهُ، وَذَا مَشْيًا مِنْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِهِ](وَابْنُ جُرَيْجٍ) ، هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ وَكِفَايَتِهِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ، ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَكَذَا) أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو (الْأَوْزَاعِيُّ) الشَّامِّيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ (مَعَ) الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، (وَابْنِ وَهْبٍ) عَبْدُ اللَّهِ الْمِصْرِيِّ.

(وَالْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ نَاصِرُ السُّنَّةِ (الشَّافِعِيُّ)، مَعَ كَوْنِ الْحَاكِمِ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْمُسَوِّينَ (وَ) مَعَ (مُسْلِمٍ) صَاحِبِ الصَّحِيحِ (وَجُلِّ) أَيْ: أَكْثَرِ (أَهْلِ الشَّرْقِ قَدْ جَوَّزُوا) إِطْلَاقَ (أَخْبَرَنَا) دُونَ حَدَّثَنَا (لِلْفَرْقِ) بَيْنَهُمَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.

وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بَعْضُ

ص: 182

الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ أَرِقَّائِهِ، بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ أَوْ كَلَامٍ، عُتِقَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ حَدَّثَنِي بِكَذَا فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ، إِلَّا إِنْ شَافَهَهُ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَالْإِشَارَةُ مِثْلُ الْخَبَرِ.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: ثَنَا يَعْنِي فِي الْعَرْضِ بَعِيدٌ مِنَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، بِخِلَافِ أَنَا فَهُوَ صَالِحٌ لِمَا حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ، وَلِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ، فَلَفْظُ الْإِخْبَارِ أَعَمُّ مِنَ التَّحْدِيثِ، فَكُلُّ تَحْدِيثٍ إِخْبَارٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ.

(وَقَدْ عَزَاهُ) أَيِ: الْقَوْلَ بِالْفَرْقِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَلَّادٍ التَّمِيمِيُّ الْمِصْرِيُّ الْجَوْهَرِيُّ صَاحِبُ (الْإِنْصَافِ) فِيمَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي ثَنَا وَأَنَا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَكِتَابِ (إِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ) أَيْضًا (لِ) عَصْرِيِّهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ (النَّسَائِيِّ مِنْ غَيْرِ مَا خِلَافِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافِهِ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِمَّا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا.

(وَالْأَكْثَرِينَ)[أَيْ: وَعَزَاهُ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا لِلْأَكْثَرِينَ] مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ (وَهُوَ) بِضَمِّ الْهَاءِ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ (الَّذِي اشْتَهَرْ) وَشَاعَ (مُصْطَلَحًا) أَيْ: مِنْ جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ (لِأَهْلِهِ أَهْلِ

ص: 183

الْأَثَرِ) حَيْثُ جَعَلُوا أَنَا عَلَمًا يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ: أَنَا قَرَأْتُهُ، لَا أَنَّهُ لَفَظَ لِي بِهِ. وَالِاصْطِلَاحُ لَا مُشَاحَحَةَ فِيهِ، بَلْ خَطَّأَ مَنْ خَرَجَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَعِبَارَةُ أَوَّلِهِمَا: لَا يَجُوزُ فِيمَا قَرَأَ أَوْ سَمِعَ أَنْ يَقُولَ: ثَنَا، وَلَا فِيمَا سَمِعَ لَفْظًا أَنْ يَقُولَ: أَنَا ; إِذْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ.

لَكِنْ قَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الِاصْطِلَاحُ مُبَايِنًا لِلُّغَةِ مُبَايَنَةً كُلِّيَّةً، فَهَذَا يُشَاحَحُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ هُنَا:" وَالِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فِيهِ عَنَاءٌ وَتَكَلُّفٌ "، يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ تُكُلِّفَ لَهُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُسْتَخْرَجَ مِنَ اللُّغَةِ مَا يَكُونُ وَجْهًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، قَالَ: " وَخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ، أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ خُصِّصَ أَوَّلُهُمَا بِالتَّحْدِيثِ ; لِقُوَّةِ إِشْعَارِهِ بِالنُّطْقِ وَالْمُشَافَهَةِ.

وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ وَهْبٍ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، لَا مُطْلَقًا، [بَلْ بِخُصُوصِ مِصْرَ] (وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا) أَيِ: الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ، وَهُوَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْهَرَوِيُّ أَحَدُ رُؤَسَاءِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ، فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ

ص: 184