المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب صلاة الخوف - فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام - جـ ٢

[عبد القادر شيبة الحمد]

الفصل: ‌باب صلاة الخوف

‌باب صلاة الخوف

ص: 197

1 -

عن صالح بن خوات رضى اللَّه عنه عمن صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الحوف. أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التى بقيت ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسم، ثم سلم بهم. متفق عليه وهذا لفظ مسلم. ووقع فى المعرفة لابن مندة عن صالح بن خوات عن أبيه.

[المفردات]

صالح بن خوات: هو صالح بن خوات فى جبير بن النعمان الأنصارى المدنى أحد ثقات التابعين روى عن أبيه وعن سهل بن أبى حثمة أحد صغار الثالثة رضى اللَّه عنهم المولود فى السنة الثالثة من الهجرة لكنه قد ثبث أنه حفظ فى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أما أبوه أبو حثمة، فهو عبد اللَّه أو عامر بن ساعدة الأنصارى الحارثى الخزرجى ممن بايع تحت الشجرة وشهد المشاهد كلها إلا بدرا وعليه الدليل ليلة أحد رضى اللَّه عنه.

ذات الرقاع: هى إحدى غزوات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد اختلف أهل السير فى وقتها اختلافا كثيرا فقيل كانت سنة أربع وقيل سنة خمس

ص: 197

وقيل سنة ست وقيل سنة سبع وقد اختار البخارى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة الخندق لحديث أبى موسى الأشعرى الذى شهد غزوة ذات الرقاع وهو ما قدم إلا بعد خيبر وقد فسر أبو موسى رضى اللَّه عنه سبب تسميتها بذات الرقاع فقال كما جاء فى صحيح البخارى: ونحن فى ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا ونقبت قدماى وسقط أظفارى وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. ويقال لها أيضا غزوة محارب خصفة من بنى ثعلبة وهم من غطفان من قيس عيلان من مضر بن نزار.

صلاة الخوف: أى ما رخصه اللَّه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين من الكيفية التى يؤدون بها الصلاة عند خوف العدو.

طائفة: أى جماعة وفرقة.

وجاء العدو: أى تجاهه وقبالته.

وأتموا: أى وصلت الفرقة الأولى ركعة أخرى وسلمت وانصرفت لتكون فى مواجهة العدو.

ثم سلم بهم: أى سلم بالطائفة الثانية عندما صلت الركعة الثانية لأنفسها.

ووقع فى المعرفة لابن منده: أى وجاء فى كتاب معرفة الصحابة

ص: 198

للامام ابن منده أحد كبار أئمة الحديث فى ترجمة خوات.

عن صالح بن خوات عن أبيه: يعنى أن صالح بن خوات روى هذا الحديث عن أبيه خوات بن جبير وخوات ابن جبير صحابى جليل أول مشاهده أحد ومات بالمدينة سنة أربعين رضى اللَّه عنه.

[البحث]

جاء هذا الحديث عند البخارى ومسلم من طريق مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات ولفظه عند البخارى: عمن شهد مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف. . الخ ولفظه عند مسلم: عمن صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الحوف. . الخ وقد وهم الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسى فى عمدة الأحكام فقال عقب هذا الحديث: الرجل الذى صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو سهل بن أبى حثمة. كما وهم غيره فى ذلك. وسبب هذا الوهم أن البخارى ومسلما قد رويا فى صحيحيهما عن صالح ابن خوات عن سهل بن أبى حثمة صفة صلاة الخوف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لكنه ليس فيه صلاة الخوف بغزوة ذات الرقاع وليس من طريق مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات وإنما من طريق القاسم بن محمد عن صالح بن خوات، وقد أشرت فى مفردات هذا الحديث إلى أن سهل بن أبى حثمة قد ولد فى السنة الثالثة للهجرة ومثله لا يشهد غزوة ذات الرقاع بخلاف خوات بن جبير والد صالح فالتفسير الصحيح للرجل الذى شهد

ص: 199

مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أو صلى مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف هو خوات بن جبير والد صالح كما أخرج ابن منده فى كتابه فى معرفة الصحابة رضى اللَّه عنهم من طريق أبى أويس أحد أقرباء مالك وزملائه وهو من رجال مسلم عن شيخ مالك يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن أبيه رضى اللَّه عنه. وكذلك أخرجه البهيقى من طريق عبيد اللَّه بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه. وقد جزم النووى فى كتاب تهذيب الأسماء واللغات بأنه خوات بن جبير وقال إنه محقق من رواية مسلم وغيره اهـ، وهذه الصفة التى وردت فى هذا الحديث إحدى صفات صلاة الخوف التى صح الخبر بها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والظاهر أن هذه الصفات إنما اختلفت باختلاف أحوال المسلمين عند ملاقاة العدو وما يكون من الأحوط فى الحراسة والتوقى من العدو وهى كذلك على السعة فمن صلى صلاة الخوف على أية صفة صحت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصلاته صحيحة.

[ما يفيده الحديث]

1 -

جواز هذه الكيفية فى صلاة الخوف.

2 -

أن مثل هذه الأعمال لا تبطل مثل هذه الصلاة.

3 -

تأكيد وجوب صلاة الجماعة.

4 -

تطييب قلوب الجماعة بمساواتهم ومواساتهم.

ص: 200

2 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: غزوت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل نجد فوازينا العدو

ص: 200

فصاففناهم، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصلى بنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التى لم تصل فجاؤا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. متفق عليه وهذا لفظ البخارى.

[المفردات]

قبل نجد: أى جهة نجد. ونجد اسم لكل ما ارتفع من بلاد العرب.

فوازينا العدو: أى قابلناه.

فصاففناهم: أى صرنا صفوفا وهم صفوف.

يصلى بنا: لفظ البخارى يصلى لنا، أى يصلى إماما لنا ومن أجلنا أو يصلى بنا.

وركع بمن معه وسجد سجدتين: أى صلى ركعة كاملة حتى قام إلى الركعة الثانية.

ثم انصرفوا مكان الطائفة التى لم تصل: أى فقاموا فى مكان الطائفة التى لم تصل دون أن يتموا الركعة الثانية، أو يسلموا وأقبلوا على العدو.

فجاؤا: أى الطائفة التى كانت قد أقبلت على العدو فصفت خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

فركع بهم ركعة ثم سجد سجدتين ثم سلم: أى صلى بهم ركعة كاملة وتشهد ثم سلم من صلاته صلى الله عليه وسلم.

فقام كل واحد منهم: أى من الطائفتين.

فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين: أى صلى الركعة الباقية عليه

ص: 201

وتشهد وسلم والظاهر أنهم فعلوا ذلك على التعاقب حتى لا تضيع الحراسة. والأقرب أن تكون الطائفة الثانية هى التى قضت ركعتها الباقية قبل الطائفة الأولى ثم اتجهت نحو العدو وجاءت الطائفة الأولى فقضت ركعتها وسلمت.

[البحث]

هذه كيفية ثانية من كيفيات صلاة الخوف التى صح بها الخبر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فإن الإمام يصلى بطائفة من الجيش ركعة وتكون الطائفة الثانية فى مواجهة العدو فإذا أتم الركعة انصرفت الطائفة التى معه لتقوم فى مواجهة العدو دون أن تسلم وتأتى الطائفة التى لم تصل فتصف خلف الإمام لتصلى معه ركعة ثم يسلم الإمام وتتم هذه الطائفة الركعة الثانية وحدها فإذا سلمت ذهبت لتقف فى مواجهة العدو وتقضى الطائفة الأولى ركعتها الباقية وتسلم. وكون الطائفة التى صلت الركعة الثانية مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تقضى ركعتها الثانية فى مكانها لم ينص عليه حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما هنا لكن حديث ابن مسعود الذى رواه أبو داود فى سننه من طريق عمران بن ميسرة ثنا ابن فضيل ثنا خصيف عن أبى عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود ينص على ذلك ولفظه قال: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقاموا صفا خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصف مستقبل العدو فصلى بهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ركعة ثم جاء الآخرون فقاموا مقامهم واستقبل هؤلاء العدو فصلى بهم النبى صلى الله عليه وسلم ركعة ثم سلم فقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم

ص: 202

ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلى العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وفى سند حديث ابن مسعود هذا خصيف وهو مختلف فيه فضعفه بعضهم ووثقه بعضهم. وقد قال الحافظ فى فتح البارى عند كلامه على حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما فى أبواب صلاة الخوف: وسيأتى فى المغازى ما يدل على أنها كانت العصر. وكذلك قال الصنعانى فى سبل السلام عند شرحه لهذا الحديث: فى المغازى من البخارى أنها صلاة العصر اهـ ولم أقف على ما يفيد أنها العصر فى صحيح البخارى لا فى المغازى ولا فى أبواب صلاة الخوف. وهذه الكيفية التى دل علها حديث ابن عمر من أشبه الكيفيات بما دل عليه قوله تعالى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} الآية.

[ما يفيده الحديث]

1 -

صحة صلاة الخوف بهذه الكيفية الواردة فى هذا الحديث.

2 -

أن هذه الحركات فى مثل هذه الصلاة لا تبطلها.

3 -

تأكيد وجوب صلاة الجماعة.

4 -

تطيب قلوب الرعية بمساواتهم ومواساتهم فى طلب المعالى.

ص: 203

3 -

وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: شهدت مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصفنا صفين: صف خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبى

ص: 203

صلى اللَّه عليه وسلم وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذى يليه، وقام الصف المؤخر فى نحر العدو. فلما قضى السجود قام الصف الذى يليه. فذكر الحديث. وفى رواية: ثم سجد وسجد معه الصف الأول فلما قاموا سجد الصف الثانى ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثانى. فذكر مثله. وفى آخره: ثم سلم النبى صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا. رواه مسلم، ولأبى داود عن أبى عياش الزرقى رضى اللَّه عنه مثله وزاد: إنها كانت بعسفان. وللنسائى من وجه آخر عن جابر رضى اللَّه عنه: أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم. ومثله لأبى داود عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه.

[المفردات]

صف خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى صف يلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصف مؤخر عنه، وقد فهم الصف المؤخر من سياق الحديث.

والعدو بيننا وبين القبلة: أى والعدو جهة القبلة فهو إلى جهة وجه الإمام والجماعة.

فكبر النبى صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا: أى كبروا تكبيرة التحريم جميعا بعد تكبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

انحدر بالسجود والصف الذى يليه: أى خر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ساجدا وسجد معه الصف الذى يليه وهو الصف المقدم.

ص: 204

فى نحر العدو: أى فى مقابلته يحرسون المسلمين من ميلة الكافرين.

فلما قضى السجود: أبى رفع رأسه من السجدة الثانية وقام وقام معه الصف الأول الذين سجدوا معه صلى الله عليه وسلم ورضى اللَّه عنهم.

فذكر الحديث: أى أتم الحديث. وتمامه: انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبى صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذى يليه الذى كان مؤخرا فى الركعة الأولى وقام الصف المؤخر فى نحور العدو فلما قضى النبى صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذى يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبى صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم.

انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا: أى خر الصف المؤخر ساجدين ثم بعد السجدتين قاموا للركعة الثانية.

ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم: أى تبادل كل صف مكان الصف الآخر فتقدم المتأخرون حتى صاروا يلون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتأخر المتقدمون فصاروا خلفهم.

ص: 205

وفى رواية: أى لمسلم من طريق أبى الزبير عن جابر، والأولى من طريق عطاء عن جابر.

فذكر مثله: ولفظه: فقاموا مقام الأول فكبر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثانى فلما سجد الصف الثانى ثم جلسوا جميعا سلم عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

وفى آخره: أى وفى آخر الرواية الأولى كما تقدم لفظها بكماله لا فى آخر الرواية الثانية.

مثله: أى مثل رواية جابر التى عند مسلم.

وزاد: أى فى حديث أبى عياش الزرقى قول أبى عياش رضى اللَّه عنه: "إنها كانت بعسفان" وزاد أيضا أن الذى كان على جيش المشركين هو خالد بن الوليد وأن هذه الصلاة كانت صلاة العصر وفى نهاية هذا الحديث عند أبى داود بعد قوله: ثم جلسوا جميعا فسلم عليهم جميعا قال: فصلاها بعسفان وصلاها يوم بنى سليم ثم قال أبو داود: روى أيوب وهشام عن أبى الزبير عن جابر هذا المعنى عن النبى صلى الله عليه وسلم.

ومثله لأبى داود عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه: أى ومثل حديث جابر عند النسائى روى أبو داود عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه.

ص: 206

[البحث]

قال النسائى أخبرنى إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن جابر ابن عبد اللَّه أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم ثم صلى بآخرين أيضا ركعتين ثم سلم. وفى هذا الحديث التنصيص على أنه صلى بكل طائفة ركعتين ويسلم على رأس الركعتين ثم ساق النسائى حديثا آخر فقال: أخبرنا عمرو بن على قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا يونس عن الحسن قال: حدث جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه صلاة الخوف فصلت طائفة معه وطائفة وجوههم قبل العدو فصلى بهم ركعتين ثم قاموا مقام الآخرين وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين ثم سلم وأما قول المصنف: ومثله لأبى داود عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه فقد قال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه بن معاذ ثنا أبى ثنا الأشعث عن الحسن عن أبى بكرة قال: صلى النبى صلى الله عليه وسلم فى خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكانت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أربعا ولأصحابه ركعتين ركعتين، ثم قال أبو داود: وكذلك رواه يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم وكذلك قال سليمان اليشكرى عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم اهـ وقد أخرج النسائى حديث أبى بكرة أيضا فقال: أخبرنا عمرو بن على قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبى

ص: 207

بكرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين والذين جاءوا بعد ركعتين فكانت للنبى صلى الله عليه وسلم أربع ركعات ولهؤلاء ركعتين ركعتين. ولا معارضة بين حديث جابر عند مسلم وحديث أبى عياش الزرقى عند أبى داود من جهة وبين حديث جابر وأبى بكرة عند أبى داود والنسائى من جهة أخرى لأن صلاة الخوف التى رواها مسلم عن جابر وأبو داود عن أبى عياش غير الصلاة التى رواها أبو داود والنسائى عن جابر وأبى بكرة فهما فى حالتين مختلفتين وقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما قال: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبى صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتان. وقد وقع فى البخارى ما يشعر بأن هذه الصلاة كانت أثناء الرجوع من ذات الرقاع وليست بأرض المعركة نفسها ولفظه عن جابر أنه غزا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل نجد فلما قفل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قفل معه فأدركتهم القائلة فى واد كثير العضاة فنزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس فى العضاة يستظلون بالشجر ونزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تحت سمرة فعلق بها سيفه قال جابر: فنمنا نومة ثم إذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابى جالس فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفى وأنا نائم فاستيقظت وهو فى يده صلتا فقال لى: من يمنعك منى؟ قلت: اللَّه. فها هو جالس. ثم لم يعاقبه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم

ص: 208

وقال أبان حدثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر قال كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع وساق الحديث ولا معارضة بين حديث جابر هذا فى صلاة الركعات الأربع لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبين حديث صالح بن خوات لما أشرت إليه من أن حديث ابن خوات كان بأرض المعركة من ذات الرقاع وحديث جابر كان بعد القفول، وكلها أحوال شرعها اللَّه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة فى صلاة الخوف.

ص: 209

4 -

وعن حذيفة رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فى الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ولم يقضوا. رواه أحمد وأبو داود والنسائى وصححه ابن حبان ومثله عند ابن خزيمة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما.

[المفردات]

بهؤلاء: أى بإحدى الطائفتين من المجاهدين.

وهؤلاء: أى الطائفة الأخرى من المجاهدين.

ولم يقضوا: أى ولم يصلوا غير هذه الركعة التى صلوها خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ومثله: أى ومثل حديث حذيفة رضى اللَّه عنه.

[البحث]

حديث حذيفة رضى اللَّه عنه وكذلك حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما يعارضان ما تقدم فى الصحيحين من أن كل طائفة من الطائفتين قضت ركعة والمثبت مقدم على النافى علما بأن المثبت

ص: 209

للقضاء فى الصحيحين والنافى ليس فيهما وقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة. وفى رواية لمسلم عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما: إن اللَّه فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا وفى الخوف ركعة. قال النووى: قوله: وفى الخوف ركعة المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتى بها منفردا قال: وهذا التأويل لابد منه للجمع بين الأدلة اهـ كما ثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى فى الخوف ركعتين كما تقدم، وبهذا يتقرر أنه لابد فى هذا الخبر المفيد لركعة واحدة فى الخوف من التأويل.

ص: 210

5 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: صلاة الخوف ركعة على أى وجه كان. رواه البزار بإسناد ضعيف.

[المفردات]

على أى وجه كان: أى على أى حال من الأحوال.

بإسناد ضعيف: لأنه من طريق محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر قال الهيثمى فى مجمع الزوائد: فيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى وهو ضعيف جدا.

ص: 210

[البحث]

ضعف هذا الحديث ظاهر لمناقضته الأخبار الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما تقدم فى بحث الحديث السابق، ولفظه عند البزار عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: صلاة المسايفة ركعة على أى وجه كان الرجل تجزئ عنه، أحسبه قال: فعل ذلك فلم يعده قال البزار بعد سياقه: محمد بن عبد الرحمن أحاديثه منكر وهو ضعيف عند أهل العلم.

ص: 211

6 -

وعنه رضى اللَّه عنه مرفوعا: ليس فى صلاة الخوف سهو. أخرجه الدارقطنى بإسناد ضعيف.

[المفردات]

وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.

سهو: أى سجود سهو لمن سها فى صلاته فى الخوف.

[البحث]

قال الدارقطنى حدثنا يحيى بن صاعد والقاضى الحسين بن إسماعيل قالا: نا أبو عتبة أحمد بن الفرج قال: ثنا بقية قال: حدثنا عبد الحميد بن السرى الغنوى عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ليس فى صلاة الخوف سهو. تفرد به عبد الحميد بن السرى وهو ضعيف اهـ.

ص: 211