المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب القِرَاض - فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام - جـ ٦

[عبد القادر شيبة الحمد]

الفصل: ‌ ‌باب القِرَاض

‌باب القِرَاض

ص: 14

1 -

عن صهيب رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث فيهن البركة: البيعُ إلى أجل، والمقارضةُ، وخلطُ البُرِّ بالشعر للبيت لا للبيع" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف.

[المفردات]

القراض: قال فى القاموس: والقراض والمقارضة المضاربة كأنه عقد على الضرب فى الأرض والسعى فيها وقطعها بالسير وصورته أن يدفع إليه مالا ليتِّجر فيه والربح بينهما على ما يشترطان اهـ ويسميها الحجازيون المقارضة والقراض ويسميها العراقيون من الفقهاء: المضاربة. وهى مأخوذة من الضرب فى الأرض وهو السفر والمشى، والعامل فيها يقال له: المضارب بكسر الراء ولم يشتق منها لصاحب المال اسم قال الرافعى: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل لأن العامل يختص بالضرب فى الأرض. وعلى هذا فتكون المفاعلة فيه من باب عاقبت اللص. وقد ذكر اللَّه تبارك وتعالى فى كتابه الضرب فى الأرض والسفر فيها للتجارة حيث يقول: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} والمقارضة أو المضاربة نوع من أنواع الشركات.

ص: 14

صهيب: هو ابن سنان أبو يحيى وقيل أبو غسان النمرى المعروف بصهيب الرومى قيل إن أصله من النمر بن قاسط سبته الروم. وقال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الأيلة فسبت الروم صهيبا وهو غلام فنشأ بينهم ثم صار إلى عبد اللَّه بن جدعان فأعتقه، ويقال: بل هرب صهيب من الروم إلى مكة فحالف عبد اللَّه بن جدعان وأسلم قديما وهاجر فأدرك النبى صلى الله عليه وسلم بقباء وشهد بدرا والمشاهد بعدها وقد أوصى إليه عمر أن يصلى بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على رجل منهم. وتوفى بالمدينة سنة 38 هـ وقد بلغ 73 سنة وقيل 84 سنة.

البركة: أى النماء والخير الكثير.

البيع إلى أجل: أى البيع بثمن مؤجل.

والمقارضة: "قوله المضاربة بدفع المال لمن يحسن العمل فيه ليكون الربح بينهما على ما يشترطان.

للبيت لا للبيع: أى للأكل لا للتجارة، فإن خلطه للتجارة قد يكون غشا.

[البحث]

قال ابن ماجه حدثنا الحسن بن على الخَلَّال، ثنا بشر بن ثابت البزار ثنا نصر بن القاسم، عن عبد الرحمن (عبد الرحيم) بن داود عن

ص: 15

صالح بن صهيب عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ثلاث فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمقارضة، وإخلاط البُرِّ بالشعير للبيت لا للبيع" وسبب ضعف هذا الحديث أن فيه ثلاثة رواة مجاهيل وهم نصر بن القاسم وعبد الرحيم بن داود وصالح بن صهيب. قال فى الزوائد: فى إسناده صالح بن صهيب مجهول، وعبد الرحيم بن داود قال العقيلى: حديثه غير محفوظ اهـ وقال السندى: ونصر بن قاسم قال البخارى: حديثه مجهول. وقال فى التقريب: صالح بن صهيب ابن سنان الرومى مجهول الحال، وقال فى التقريب: عبد الرحيم بن داود عن صالح بن صهيب وقيل اسمه عبد الرحمن وقيل داود بن على مجهول. وقال فى التقريب: نصر بن القاسم ويقال: نُصير مجهول. والقراض أو المضاربة مشروع بإجماع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهى من أوسع أبواب التجارات وأيسرها وأنفعها إذ ليس كل صاحب مال يُحسِنُ العمل فيه، وليس كل من يُحسِن العمل والتجارة يملك مالا فكان فى هذا التشريع تيسير الاستفادة لصاحب المال وللعامل فيه فكان سدًّا لأبواب كثيرة من أبواب الربا.

ص: 16

2 -

وعن حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة: أن لا تَجْعَلَ مالى فى كبد رَطْبةٍ، ولا تحمله فى بحر، ولا تنْزِلَ به فى بطن مَسِيل، فإن فعلتَ شيئا من ذلك فقد ضمنت مالى" رواه الدارقطنى ورجاله ثقات، وقال مالك

ص: 16

فى الموطأ: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده أنه عمل فى مالٍ لعثمان على أن الربح بينهما. وهو موقوف صحيح.

[المفردات]

على الرجل: أى الذى يتعامل معه بالقراض والمضاربة.

أن لا تجعل مالى: أى تَعَهد أن لا تضارب بمالى.

فى كبد رطبة: أى فى الحيوانات.

ولا تحمله فى بحر: أى وأن لا تنقله بواسطة السفن والمراكب البحرية.

فى بطن مسيل: أى فى مجرى مياه الأمطار من الأودية والشعاب.

فإن فعلت شيئا من ذلك: أى خالفت ما اشترطته عليك.

فقد ضمنت مالى: أى إذا أصابه تلف بسبب مخالفتك فيلزمك ويكون فى ذمتك.

العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقى أبو شبل المدنى مولى الحرقة من جهينة، روى عن أبيه وعن ابن عمر وأنس وسالم بن عبد اللَّه ابن عمر وغيرهم وعنه ابن جريج ومالك وعبيد اللَّه بن عمر وابن إسحاق والدراوردى وغيرهم وهو من رجال مسلم. قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: ثقة لم أسمع أحدا ذكره بسوء قال ابن الأثر توفى سنة 139 هـ. وأبوه عبد الرحمن بن يعقوب الجهنى المدنى مولى الحرقة

ص: 17

روى عن أبيه وعن أبى هريرة وأبى سعيد وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضى اللَّه عنهم. ذكره ابن حبان فى الثقات وقال العجلى: تابعى ثقة.

وجده يعقوب روى عن عمر وحذيفة رضى اللَّه عنهما وعنه ابنه عبد الرحمن والوليد بن أبى الوليد قال فى التقريب: مقبول.

أنه: أى يعقوب الحرقى المدنى.

عمل فى مال لعثمان: أى اتجر لعثمان فى مال له على طريق المضاربة.

على أن الربح بينهما: أى على أن ما يزيد على رأس المال من الفائدة يكون بينهما مناصفة.

[البحث]

قال الدارقطنى: ثنا أبو محمد بن صاعد نا محمد بن أبى عبد الرحمن المقرى نا أبى نا حيوة وابن لهيعة قال: نا أبو الأسود عن عروة بن الزبير وعن غيره أن حكيم بن حزام صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به: أن لا تجعل مالى فى كبد رطبة، ولا تحمله فى بكر، ولا تنزل به فى بطن مسيل، فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالى" قال الحافظ هنا: رجاله ثقات وقال فى تلخيص الحبير: رواه البيهقى بسند قوى اهـ هذا وقد أجمع المسلمون على أنه لا ضمان على العامل

ص: 18

فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد ولم يقصر فى حفظه أما الأثر الموقوف الذى أخرجه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده فقد وصفه المصنف هنا بأنه صحيح وذكر فى التلخيص أن البيهقى رواه من طريق ابن وهب عن مالك وليس فيه عن جده إنما فيه: أخبرنى العلاء عن أبيه قال: جئت عثمان فذكر قصة فيها معنى ذلك. هذا ولفظ الموطأ: مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان بن عفان أعطاه مالا قراضا يعمل فيه على أن الربح بينهما. ولعل مالكا رحمه الله ذكر هذا الأثر ليثبت أن عثمان عمل بالمضاربة كما أن عمر رضى اللَّه عنه قد عمل بالمضاربة بحضور أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومشورتهم ولم ينكر ذلك أحد فكان إجماعا وقد ساق مالك فى الموطأ قبل أثر عثمان أثر عمر رضى اللَّه عنهما عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال خرج عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنا عمر بن الخطاب فى جيش إلى العراق فلما قفلا مرَّا على أبى موسى الأشعرى رضى اللَّه عنه وهو أمير البصرة فرحَّب بهما وسَهَّل ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال اللَّه أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين فيكون لكما الربح، فقالا: وددنا، ففعل، كتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. فلما قدم باعا فأربحا. فلما رفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما

ص: 19

أسلفكما؟ قال: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما. أديا المال وربحه، فأما عبد اللَّه فسكت وأما عبيد اللَّه فقال: ما ينبغى لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص المال أو هلك لضمناه. فقال عمر: أدياه، فسكت عبد اللَّه، وراجعه عبيد اللَّه فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد اللَّه وعبيد اللَّه نصف ربح المال اهـ قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث: إن عبد اللَّه وعبيد اللَّه ابنى عمر بن الخطاب لقيا أبا موسى الأشعرى بالبصرة مصرفهما من غزوة نهاوند فتسلفا منه مالا، وابتاعا به متاعا، وقدما به المدينة فباعاه وربحا فيه، فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله فقالا له: لو تلف كان ضمانه علينا فكيف لا يكون ربحه لنا؟ فقال رجل لأمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فقال: قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح. مالك فى الموطأ، والشافعى عنه عن زيد بن أسلم عن أبيه به أتم من هذا السياق. وإسناده صحيح اهـ وقد ذكر الزرقانى أن الرجل الذى قال لعمر: لو جعلته قراضا: هو عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه. ولا إشكال فى قول عبيد اللَّه: لو نقص المال أو هلك لضمناه لأن مبدأ أخذهما المال كان على طريق السلف والقرض ولو هلك المال حينئذ لضمناه. لكن عمر رضى اللَّه عنه وهو المسئول الأكبر عن هذا المال، والإمام المفوَّض إليه القرار النهائى اعتبره قراضا بمشورة عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه فتغير الحال، والمقصود

ص: 20

هو إثبات أن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أقروا القراض والمضاربة من غير نكير من أحد منهم فكان إجماعا. وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من الأئمة. قال أبو عمر: أجمع العلماء على أن القراض سنة معمول بها اهـ هذا وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا اشترط أحد المتعاقدين فى المضاربة لنفسه شيئا زائدا معينا من الربح فإن هذا الشرط يعتبر لاغيا.

[ما يفيده الحديث]

1 -

مشروعية القراض والمضاربة.

2 -

يجوز لصاحب رأس المال أن يشترط على العامل ما يراه صالحا لحفظ المال وصيانته من الفساد فإن خالف العامل مثل هذا الاشتراط وفسد المال فإنه يضمن.

3 -

رأس المال يعتبر أمانة فى يد المضارب فلا يضمنه إن تلف إلا إذا قَصَّر فى حفظه أو خالف شرط صاحب رأس المال.

4 -

المضاربة من أبواب تنمية المال دون حاجة إلى الربا أو (البنوك) الربوية المحرمة.

5 -

يجوز تحويل القرض إلى رأس مال فى القراض والمضاربة، ولا يكون من باب قرض جرَّ نفعا.

6 -

إذا تحول ما فى الذمة من قرض إلى قِراض زال عن كونه فى ضمان العامل واعتبر أمانة.

ص: 21