المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب الرجعة الرَّجعة- بفتح الراء وكسرها-: المرة من الرجوع والرجع. يقال: فلان - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١٤

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌ ‌باب الرجعة الرَّجعة- بفتح الراء وكسرها-: المرة من الرجوع والرجع. يقال: فلان

‌باب الرجعة

الرَّجعة- بفتح الراء وكسرها-: المرة من الرجوع والرجع.

يقال: فلان يقول بالرجعة، أي: بالرجوع إلى الدنيا.

والفتح فيها أفصح عند الجمهور، والكسر عند الأزهري.

وهي في الشرع: عبارة عن الرد إلى النكاح بعد الطلاق الذي ليس ببائن، على وجه مخصوص.

والأصل فيها- بعد الإجماع- من الكتاب قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً} [البقرة: 228] قال الإمام: والرد: الرجعة بإجماع المفسرين، والمراد بالإصلاح: إصلاح ما تشعث من النكاح بالرجعة، قاله المحاملي عن الشافعي.

وقوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231]، والمراد ببلوغ الأجل في هذه الآية: مقاربة انقضاء العدة؛ على وِزان قول القائل: بلغت البلد، إذا قاربها ودنا منها؛ لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج سبيل إلى الإمساك، على ما سيتضح؛ فلا ينتظم التخيير بينه وبين المفارقة.

وفي قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232] انقضاء العدة؛ [فإن النهي عن العضل [لا يتحقق إلا] عند انقضاء العدة].

ومن السنة قوله- صلى الله عليه وسلم في قصة ابن عمر: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا".

قال:- إذا طلق الحر امرأته طلقة أو طلقتين، أو طلق العبد امرأته طلقة بعد الدخول بغير عوض- فله أن يراجعها قبل أن تنقضي العدة؛ لما تقدم. نعم هل يفتقر

ص: 184

العبد في المراجعة إلى إذن السيد؟ فيه خلاف مبني على أن الطلاق [الرجعي] يزيل الملك عن الزوجة أم لا؟ وفيه كلام سنذكره، فإن قلنا:[إنه] يزيل الملك، فلابد من إذن السيد، وإلا فلا.

وينبني على هذه القاعدة- أيضاً-: أن الحر إذا كان تحته حرة وامة، فطلق الأمة طلاقاً رجعيّاً، ثم أراد أن يراجعها- فإن قلنا:[إنه] يزيل الملك، لم يملك مراجعتها.

قال القاضي: وينبغي أن يضاف إليه: إلا بشرط جواز نكاح الأمة.

وإن قلنا: [إنه] لا يزيل الملك، فله ذلك.

ولو فقد قيد من القيود المذكورة في الكتاب لم يملك الرجعة: أما إذا كان قد استوفى عد الطلاق؛ فلأنها لا تحل له إلا [من] بعد زوج [آخر] لما سنذكره.

وأما إذا كان قبل الدخول؛ فلأن الله- تعالى- حيث أثبت الرجعة أثبتها في العدة، ولا عدة قبل الدخول. نعم، قد حكي عن القديم: أن الخلوة تقرر المهر، وهل توجب العدة. فيه وجهان، فإن أوجبت العدة، أثبتت الرجعة، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنها لا تثبت. قال الإمام: وهذا لا اتجاه له في القياس. وكذا أجرى الخلاف فيما إذا أوجبنا العدة على الموطوءة في الدبر في ثبوت الرجعة وهو جار- أيضاً- في استدخال الماء كما مر ذكره.

فإن قلنا: إن الرجعة تثبت في هذه الصور، وإن لم يجر دخول، فالعبارة الشاملة [أن نقول]: كل من طلق زوجته طلاقاً مستعقباً للعدة، ولم يكن بعوض، ولم يستوف عدد الطلاق- فإنه يثبت [له] الرجعة، ويندرج تحت ذلك ما لو قال لغير المدخول بها: إن وطئتك فأنت طالق؛ فإن الأصحاب قالوا: إذا وجد الوطء، كان الطلاق رجعيّاً.

ص: 185

ووجهوه: بأن من الأصحاب من يرى [أن] الطلاق المعلق بالصفة يقع [مرتباً عليها متأخراً عنها، وإذا كان كذلك [فالطلاق واجب بعد دخول] العدة؛ ومنهم من يرى أنه يقع مقارناً لها، وهو ما اختاره الإمام.

وقال الرافعي في كتاب الطلاق: إنه المنسوب إلى المحققين، وإذا كان كذلك فالوطء الجاري يقتضي العدة؛ فيكون الطلاق [مع العدة، وذلك يقتضي ثبوت الرجعة.

قال الرافعي: وربما قيل: الطلاق] والوطء تقارناً، لكن الطلاق مبين، والوطء مقرر، فإذا اجتمعا يغلب جانب تقرير النكاح، و [هذه] المسألة شبيهة بما إذا قال العبد لزوجته: إذا مات سيدي فأنت طالق طلقتين، وقال السيد: إذا مت فأنت حر- فإنه لا يحتاج [في] نكاحها إلى محلل على الأصح، وقد ذكرنا وجهاً آخر أنه يحتاج، ولا يبعد [مجيء مثله ها هنا. انتهى].

وهذه الصورة تندرج في كلام الشيخ إن قلنا: إن الطلاق يقع بعد الصفة، أما إذا قلنا: إنه يقع مقارناً لها، فكلامه ها هنا مفهومه يقتضي أنه لا يكون رجعيّاً، وقوله من بعد: فإن [كان] الطلاق قبل الدخول أو بعده بعوض فلا رجعة له مفهومه يقتضي أن الرجعة تثبت فيما إذا كان الطلاق مع الدخول، وصورة ذلك ما ذكرناه، والله أعلم.

وأما إذا كان [الطلاق] بعوض فلما تقدم في الخلع، وأما إذا كان بعد انقضاء العدة، فلآية العضل؛ لأنه لو ملك رجعتها لما نُهي الأولياء عن العضل؛ لعدم إباحة النكاح لهن.

قال: "وله أن يطلقها، ويظاهر منها، ويولي منها قبل أن يراجعها؛ لأن الزوجية باقية.

وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه لا يلحقها الطلقة الثانية، وعزاه إلى "البسيط".

ص: 186

ووجه آخر: أنه لا يصح الظهار والإيلاء، وبناه على عدم وقوع الطلقة الثانية والثالثة، وعزاه إلى تعليق [أسعد] وإن في "البسيط" إشارة إليه، وقد تتبعت مظانه [فيه] فلم أجده ولا الأول، والله أعلم.

نعم، لا يثبت حكم الظهار، وضرب المدة في الإيلاء إلا بعد الرجعة، وهل يقع عليها الطلاق المرسل كما إذا قال: زوجاتي طوالق؟ فيه خلاف، منهم من حكاه وجهين، ومنهم من حكاه قولين- منصوصاً، ومخرجاً- والأصح وقوعه، وبه قطع الشيخ أبو محمد.

ص: 187

قال: "وهل له أن يخالعها؟ فيه قولان، أصحهما: أن له ذلك"؛ لبقاء أحكام الزوجية، وهذا نصه في الأم.

والثاني: ليس له، وهو نصه في "الإملاء".

قال القاضي الحسين في "التعليق": وهو الأصح؛ لأن الخلع للتحريم، وهي محرمة [عليه]، فعلى هذا ينفذ الطلاق إذا قبلت رجعتها كما في السفيهة، وعن رواية الشيخ أبي علي: أنه يصح مخالعتها بالثالثة دون الثانية؛ لأن الثالثة تفيد الحرمة الكبرى، والثانية لا تزيد شيئاً.

قال: "ولو مات أحدهما ورثة الآخر"؛ لبقاء الزوجية إلى الموت.

قال: ولا يحل له وطؤها، ولا الاستمتاع بها- أي: ولو باللمس أو النظر "قبل أن يراجعها-.

أما الوطء؛ فلأن العدة قد وجبت عليها، وهي مشروعة لبراءة الرحم؛ فلو أبحنا له الوطء، للزمها تمكينه عند الطلب، والوطء سبب لشغل الرحم؛ فتصير في الحالة الواحدة مأمورة بما يوجب براءة رحمها وبما هو [سبب لشغله] وذلك متناقض.

ولأنها جارية إلى البينونة بعد اضطراب العقد؛ فتحرم على الزوج، كما إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين بعد الدخول؛ فإنه لا يحل للزوج وطؤها في مدة العدة.

وأما الاستمتاع؛ فلأنه طلاق حرم الوطء فحرم مقدماته؛ كالبائن.

ثم لتعلم أن تحريم الوطء مفرع على أن الوطء لا يحصل به الرجعة أما إذا قلنا: إنه رجعة- على ما حكاه مجلي [وجهاً]- فيتجه أنه لا يحرم، كما قلنا فيما إذا طلق إحدى زوجتيه على الإبهام، وقلنا: إن الوطء يكون تعييناً؛ فإنه لا يحرم.

قال: فإن وطئها قبل أن يراجعها، أي: ولم يراجعها حتى بانت "فعليه المهر"[أي: مهر المثل]؛ لأنها في تحريم الوطء كالبائن؛ فكذلك في المهر.

ص: 188

ووجهه الشيخ أبو حامد بأنه إذا لم يراجعها حتى انقضت العدة بان أنها بانت بالطلاق، وهذا موافق للطريقة الثالثة التي سنذكرها في أن الطلاق الرجعي هل يزيل الملك أم لا؟

واعترض ابن الصباغ على ذلك بأنه لو طلق الرجعية وقع، ولو بان بانقضاء العدة من غير رجعة بينونتها من وقت الطلاق، لبان عدم وقوع الطلاق؛ كما لو أسلم أحد الزوجين بعد الدخول وطلقها في مدة العدة، ومضت، ولم يسلم المتخلف [منهما]؛ فإنه يتبين أن الطلاق لم يقع.

قال: "وإن وطئها ثم راجعها لزمه المهر على ظاهر النص، وقيل: فيه قول مخرج: أنه لا يلزمه"، وقد بينا ذلك في نكاح المشركات فليطلب منه.

وأورد صاحب "الشامل" هنا أسئلة فقال:

فإن قيل: إيجاب المهر يؤدي إلى أنه يجب مهران في عقد واحد؟

قلنا: هذا المهر وجب بوطء شبهة دون عقد كما يجب إذا وطئها بعد البينونة.

فإن قيل: الرجعة زوجة؛ ولهذا لا يفتقر إلى رضاها، ويصح معها الظهار وغيره كما ذكرنا؟

فالجواب: أن ملكه زال عن الوطء، وصارت محرمة عليه تحريم المبتوتة، وإنما العقد لم يزل حكمه، وهذه الأحكام متعلقة بالعقد.

فإن قيل: لو زال ملكه عن الوطء زال العقد؛ لأن العقد لا يصح على من لا يملك وطأها؟

قيل: إنما يعتبر هذا في الابتداء دون الاستدامة، ولا يمنع ذلك كما لا يزول العقد بالردة والعدة.

فإن قيل: الطلقة أفادت التحريم، والتحريم لا يزيل الملك عن الوطء كالمحرمة والمعتدة؟

قيل: الطلاق وضع لإزالة الملك، فإذا تعلق التحريم به كان ذلك كزوال المطلقة دون الإحرام والاعتداد.

ص: 189

تنبيه: قد ظهر لك بما ذكره الشيخ من وجوب المهر، من غير تفصيل بين أن تكون الموطوءة عالمة بالتحريم أو غير عالمة أن الحد لا يجب بهذا الوطء؛ إذ لو وجب لما وجب معه المهر على الإطلاق، ووجهه: اختلاف العلماء في حل هذا الوطء.

وحكى الرافعي وجهاً: أنه يجب، وضعفه.

وأما التعزير فلا يجب على من اعتقد الحل أو جهل الحل أو جهل التحريم، ويجب على من سواه.

فائدة: لما نظر الأصحاب إلى الأحكام المتعلقة بالرجعية وجدوا لها دلالات متعارضة؛ فأنشئوا منها ثلاث طرق في أن الطلاق الرجعي هل يقطع النكاح ويزيل الملك، أم لا؟

إحداها: نعم، ويدل عليه تحريم الوطء، ونصه على وجوب المهر وإن راجع، وأنه لا يصح مخالعتها على قول.

[والثانية: أنه لا يزيل الملك، ويدل عليه أنه لا يجب عليه الحد بوطئها، وأنه تصح المخالعة على قول]، وأنه يقع الطلاق، [ويصح] الإيلاء واللعان والظهار، ويثبت الميراث، وأنه لا يجب الإشهاد على قول.

واشتهر عن لفظ الشافعي- رضي الله عنه: أن الرجعية زوجة في خمس، أي: من كتاب الله- تعالى- وأراد: الآيات المشتملة على هذه الأحكام.

والثالثة: أنه موقوف، فإن راجعها تبين أن الملك لم يزل، وإلا تبين زواله بالطلاق وأخذ ذلك من قول الأصحاب: إن المهر موقوف: إن راجعها لم يجب، وإلا [وجب].

واختار الإمام الطريق الثاني، واختار الغزالي في "البسيط" الطريق الأول.

قال الرافعي: وأنت إذا نظرت في المسائل، وفيما هو الأظهر في الصور المختلف فيها- لم تطلق القول بترجيح زوال الملك ولا ببقائه.

ص: 190

قال: "وإن كان [الطلاق] قبل الدخول أو بعد الدخول بعوض، فلا رجعة له"؛ لما ذكرناه.

قال: وإن اختلفا، فقال: قد أصبتك فلي الرجعة، وأنكرت المرأة- فالقول قولها"، أي: مع يمينها؛ لأن الأصل عدم الوطء، ويخالف ما لو ادعى المولي والعنين الوطء [وأنكرت المرأة]؛ فإن القول قوله؛ لأن المرأة تدعي ما يثبت لها حق الفسخ، والأصل صحة النكاح وسلامته، وها هنا الطلاق قد وقع، والزوج يدعي ما يثبت له به الرجعة، والأصل عدمه، وإذا حلفت فلا عدة عليها ولا [رجعة له، ويحرم عليه أن ينكح أختها أو أربعاً سواها إلى أن تنقضي العدة زمان إمكان انقضاء العدة، ولا] يجب لها نفقة ولا كسوة ولا سكنى.

وأما المهر: فإن كانت قد قبضته لم يرجع عليها بشيء منه، وإن لم تكن قد قبضته فلا ترجع عليه إلا بنصفه؛ لأنها لا تدعي [عليه] إلا ذلك هكذا أطلقوه، وهو ظاهر فيما إذا قلنا: إن الشطر يعود إليها بالطلاق، أما إذا قلنا: لا يعود إلا باختيار الزوج تملكه، أو بحكم الحاكم- فإن لها التصرف فيه قبل ذلك. وفيه نظر؛ من حيث إن الزوج لم يملكه بعد، وهو باق على ملكها؛ فيتجه أن تملك المطالبة به، ولا يملك الزوج أن يتملكه بعد ذلك؛ لاعترافه باستقرار الملك لها.

وجوابه: أن [اتفاق] الأصحاب على عدم ذلك يعرفك ضعف هذين الوجهين.

وفي "الرافعي": أنها إذا أخذت النصف، ثم عادت واعترفت بالدخول- فهل لها أخذ النصف الثاني أم لابد من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ نقل إبراهيم المروروذي فيه وجهين.

قلت: وهما الوجهان المحكيان في كل من أقر بحق لإنسان، فكذبه، ثم عاد وادعى ذلك- فهل يسلم إليك على ما سيأتي ذلك في موضعه، إن شاء الله- تعالى-.

[وهذا إذا لم يراجعها بعد اعترافها بالدخول، أما إذا راجعها ثم وطئها فقد يظن أن

ص: 191

المهر يجب بجملته قولاً واحداً، والذي يظهر: أن الحكم لا يختلف؛ لأنا إذا أخذناها بمقتضى إقرارها السابق بالنسبة إلى عدم الاستحقاق للشطر، فمقتضى الإقرار- أيضاً-: أن هذا الوطء زنى؛ فلا يثبت شيئاً، والله أعلم].

ونقل- أيضاً- أن في "شرح المفتاح": أن الزوجة إذا كانت قبضت المهر، وهو عين، وامتنع الزوج من قبول النصف، أو كانت العين المصدقة في يده، وامتنعت من أخذ الكل- فيأخذها الحاكم، وإن كان ديناً في ذمته، فيقول لها: إما أن تقبليه أو تبرئي عنه.

فرع: لو كان الزوج قد آلى منها، أو ادعت عُنَّته، فادعى أنه وطئها، وكذبته، ثم طلقها وهي مصرة على التكذيب- فهل له أن يراجعها؟ المذهب: لا، وحكى الشيخ أبو علي وجهاً: أنه يمكن من الرجعة، ويصدق في الإصابة للرجعة، كما صُدِّق في الإصابة لدفع التفريع، حكاه الرافعي وغيره في أواخر كتاب الإيلاء.

ولا فرق فيما ذكرناه- على الجديد- بين أن يكون ثَمَّ خلوة أو لا.

وعلى القديم: إن جعلنا الخلوة مرجحة لجانب من ادعى الدخول كان القول قول الزوج مع يمينه، وثبتت الرجعة، وإن جعلناها مقررة فقد تقدم الكلام فيها في صدر الباب.

قال: "ولا تصح الرجعة إلا بالقول"، أي: الصريح القادر عليه؛ لأنه استباحة بُضْع مقصود؛ فلم يصح بغير القول مع القدرة عليه؛ كالنكاح.

وفي "الذخائر": أن الشاشي حكى عن أبي العباس من أصحابنا وجهاً: أن الرجعة تحصل بالوطء والمباشرة بشهوة والقبلة، سواء نوى بذلك الرجعة أو لم ينو؛ كمذهب أبي حنيفة وأحمد؛ بالقياس على وطء البائع الجارية المبيعة في زمن الخيار؛ فإنه يكون فسخاً مقيداً للملك الأول.

ص: 192

وفرق القاضي الحسين بينهما بأن الوطء يوجب [العدة؛ فاستحال أن يكون قاطعاً لها؛ لأن القطع ضد الوجوب، والشيء الواحد لا يوجب] ضدين، وليس كذلك الوطء في ملك اليمين؛ لأنه لا يثبت الخيار بحال، فجاز أن يكون قاطعاً للخيار.

وفرق غيره بما ذكرناه من قبل، وهو أن ملك اليمين يحصل بالفعل على الجملة بطريق الاحتطاب [والاحتشاش] والغنيمة والسبي، ولا كذلك النكاح؛ فإنه لا يحصل بالفعل بحال.

قال: "وهو أن يقول: راجعتها، أو: ارتجعتها، أو: رددتها".

أما لفظ "الرجعة"، فلقوله- عليه الصلاة والسلام في قصة ابن عمر:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، ولاشتهاره في الاستعمال.

وأما لفظ "الرد"؛ فلقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} [البقرة: 228]، ولقوله- عليه الصلاة والسلام لركانة:"ارْدُدْهَا"، وفيه وجه: أنه ليس بصريح؛ لأنه لم يشتهر، ولم يتكرر، بخلاف لفظ الرجعة.

وإذا جعلناه صريحاً فهل يشترط أن يقول: رددتها إلى، أو: إلى النكاح، أو يستحب؟ فيه وجهان:

أشهرهما: الثاني، كما في لفظ الرجعة.

وأظهرهما في "الرافعي" و"الوسيط": الأول، والفرق: أن "الرجعة" مشهورة في معناها، والرد المطلق بالمعنى المقابل للقبول [أشد إشعاراً]، وقد يفهم منه الرد إلى الأبوين بسبب الفراق.

وعكس القفال الترتيب في "شرح التلخيص"، وجعل قوله:"رددتها إلى النكاح" صريحاً بلا خلاف، وكذلك أورد الإمام في قوله:"رددتها إلي"، وخصص الخلاف بما إذا اقتصر على قوله:"رددتها"، لكن المنقول في كتاب ابن كج: أن القاضي أبا حامد نقل في كتابه قولاً عن الرَّبيع: أن قوله: "رددتها [إليّ]، ليس بصريح.

قال: فإن قال: أمسكتها، فقد قيل: يصح؛ لورود القرآن به غير مرة، وهذا هو

ص: 193

الأصح في المجموع" للمحاملي، "وقيل: لا يصح"، لأن "الإمساك" معناه: الاستدامة، والاستصحاب، وقد ورد بذلك الكتاب العزيز في قوله:{أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]، والرجعة ابتداء استحلال؛ فلا تحصل بما ليس فيه معنى الابتداء.

وحكى القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وغيرهما: الخلاف في أن ذلك صريح أم لا؟ لكن القاضي حكاه قولين، والشيخ حكاه وجهين، و [الراجح منه] عندهما وعند القاضي الروياني وغيرهم: أنه ليس بصريح، وعند القاضي أبي الطيب ابن سلمة والإصطخري وابن القاص: أنه صريح، وهو الأصح في "التهذيب"، وعليه ينبني الخلاف في المسألة. فإن قلنا: إنه صريح، صحت المراجعة، وإلا فلا تصح وإن نوى؛ لما ذكرناه، وقد صرح بذلك الإمام حكاية عن العراقيين.

وفي "تعليق" البندنيجي و"المجموع" للمحاملي: أن القائل بعدم الصحة لا يصحح الرجعة إلا بالكلمتين، ويوجهه بأنه استباحة بُضْع مقصود في عينه؛ فوجب أن يقف على كلمتين كالنكاح. قال البندنيجي: وليس بشيء.

والمراد بالكلمتين: كلمة "الرجعة" وما اشتق منها، وكلمة "الرد".

وفي "الرافعي": أنا إذا قلنا: إنه صريح، فيشبه أن يجيء في اشتراط الإضافة الخلاف المذكور في الرد، والذي أورده في "التهذيب": أنه يستحب أن يقول: أمستك على زوجيَّتي مع حكايته الخلاف في الاشتراط هناك.

وإن قلنا: إنه ليس بصريح، فهل هو كناية؟ فيه وجهان:

أظهرهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو علي والقاضي الحسين.

والثاني: المنع.

وإن قلنا: بالثاني لم يصح وإن نوى، وإن قلنا بالأول ففي الصحة عند وجود النية عند المراوزة وجهان مبنيان على اشتراط الإشهاد، وفيه قولان:

أصحهما: أنه لا يشترط، بل هو مستحب، وهو الجديد على ما حكاه الإمام وغيره.

ومقابله هو القديم، والذي ذكره العراقيون. قال الرافعي- وهو الأثبت-: إن قوله

ص: 194

في القديم و"الأم": عدم الاشتراط، ونسبوا قول الاشتراط إلى "الإملاء". [فإن قلنا: لا يشترط، صحت الرجعة بالكناية مع النية، وكذلك بالكناية مع البينة، وإن قلنا: يشترط، فلا].

قال الإمام؛ لأنه لا مطلع للشهود على النيات، وقد يقال: يشهد الشاهد على اللفظ، ويبقى التنازع في النية، وهذا بمثابة قولنا: المقصود من الشهود إثبات النكاح، [وإثبات النكاح] عند فرض الجحود، ثم لا يشترط الشهادة على رضا المرأة، وهو عماد النكاح؛ فإنها إذا جحدت الرضا فالشهادة على عقد النكاح لا تغني شيئاً.

والوجه هو الأول؛ فانتظم من مجموع ما ذكرناه في المسألة ثلاثة أوجه.

ثالثها: إن نوى صحت، وإلا فلا.

قال: وإن قال: تزوجتها، أو: نكحتها- فقد قيل: لا يصح؛ لأن لفظ "العقد" يقتضي عوضاً؛ فلا ينعقد به ما لا يقتضي عوضاً كالهبة بلفظ النكاح، والهبة بلفظ البيع.

ووجهه ابن الصباغ: بأن النكاح كناية في "الرجعة"، والرجعة لا تصح بالكناية [كالنكاح]، وهذا هو الأصح في "التهذيب"، و"المذهب" عند البندنيجي.

قال: "وقيل: يصح"؛ لأنهما صالحان لابتداء العقد على الأجنبية، فلأن يصلحا للتدارك وتقويم المزلزل أولى.

وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إن نوى [مع] ذلك الرجعة صحت، وإلا فلا.

ومثل هذا الخلاف جار فيما إذا جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول.

قال الروياني في التجربة: والأظهر الصحة؛ لأن العقد آكد في الإباحة.

فائدتان:

إحداهما: صرائح الرجعة هل تنحصر؟

قال العراقيون: هي محصورة في "الرجعة"، و"الارتجاع"، و"المراجعة"، وفي "الرد" و"الإمساك" و"النكاح" الخلاف المتقدم.

وقال الشيخ أبو علي: لا تنحصر، بل كل لفظ ينبئ عن المقصود كقوله: "رفعت ما

ص: 195

بيننا من الحرمة"، أو ما [شابهه مما] يجري مجراه مما يفيد الغرض- يكون صريحاً في الرجعة.

وسبب الاختلاف في الإمساك تردد المفسرين في قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [البقرة: 231] وسبب الاختلاف في النكاح: إقامة الأقوى مقام الأدنى.

الثانية: هل تصح الرجعة بغير العربية من اللغات؟

قال الرافعي: الصحيح الصحة.

وفيه طريقان آخران:

أحدهما: إن كان يحسن العربية لا تصح، وإن لم يحسنها فوجهان.

[والثاني: إن كان لا يحسنها صح بلا خلاف، وإن كان يحسنها فوجهان].

والأخرس تصح رجعته بإشارته المفهمة؛ كما يصح نكاحه.

قال: ولا يصح تعليق الرجعة على شرط، ولا تصح في حال الردة كالنكاح.

وقال المزني: إذا راجع في حال الردة تكون الرجعية موقوفة، فإن اجتمعا على الإسلام في العدة تبينا صحتها، وإلا فلا [؛ كما في طلاقه. قال الإمام: وهذا له وجه، ولكن لم أر أحداً من الأصحاب] يجعله قولاً مخرجاً.

والفرق بينها وبين الطلاق: أن المقصود من الرجعة الاستباحة، وهي لا تحصل في حال الردة، والمقصود من الطلاق التحريم، والردة محرمة؛ فتناسب وليست الردة كالحيض والنفاس والإحرام، إذا لم يجعل الإحرام مانعاً من الرجعة؛ لأن هذه الأسباب عارضة، ولا أثر لها في زوال النكاح.

فروع:

أحدها: إذا وطئت الرجعية بشبهة، فهل تصح رجعتها؟ إن كانت في عدة الزوج صحت على المذهب، وإن كانت في عدة الوطء وعلقت منه، وبقيت عدة الزوج متأخرة- فهل تصح؟ على وجهين، وادعى في "التتمة": أن ظاهر المذهب الصحة، وذلك مفرع على جواز الرجعة [في عدتها]، وسنذكر طرفاً من ذلك في باب العدد.

ص: 196

الثاني: تعليق الطلاق على الرجعة صحيح، كما إذا قال: مهما راجعتك فأنت طالق، فإذا وجدت الصفة طلقت. وعن رواية القاضي الحسين: أن هذا التعليق لاغٍ؛ لأن مقصود الرجعة الحل، ولا يجوز تعليق نقيضه به. وفي "التتمة" وجه: أن الرجعة لا تصح؛ لأن مقتضى الرجعة أن يعود إلى صلب النكاح، وهذه الرجعة قد قارنها ما يمنع مقتضاها.

الثالث: هل تصح الرجعة على الإبهام؟ فيه وجهان محكيان في "الرافعي" ها هنا، وفي "الوسيط" في القسم الرابع من كتاب الإيلاء في الحلف بالطلاق، وصورتها: ما إذا طلق إحدى امرأتيه على الإبهام، ثم قال: راجعت المطلقة منهما، والأصح: أنها إذا لم تقبل التعليق لا تقبل الإبهام وإطلاق ابن الصباغ في هذا الموضع يقتضي الجواز من غير خلاف.

وقد نجز الكلام فيما تحصل به الرجعة، وبقي الكلام في المرتجع، ولم يتعرض له الشيخ، وجعله غيره ركناً في الرجعة، وقال: هو كل زوج مكلف يصح نكاحه قد وجد منه طلاق رجعي كما بيناه، سواء كان حرّاً أو عبداً، مسلماً أو كافراً.

فلا يصح رجعة المجنون؛ إذ لا حكم لقوله، وهل تصح من وليه؟ قال الرافعي: ينبغي أن يجوز له ذلك حيث يجوز له ابتداء النكاح، لكن إذا جوّزنا التوكيل بالرجعة- وهو الأظهر- فإنما نفرض ذلك إذا طلق زوجته في حال إفاقته، ثم جن.

[قال:] ولا يتصور في حق الصبي.

قلت: بل يتصور على رأي، لكنه مبني على قواعد مختلف فيها؛ فلذلك لم نذكره، وهو ما إذا زوجه الولي وهو موسر، ثم أعسر بالنفقة؛ حيث قلنا بوجوبها عليه، وجوزنا الفسخ بمثل ذلك، ففسخ الحاكم النكاح، وقلنا: إن ذلك فرقة طلاق، ثم أيسر الصبي بعد ذلك في زمن العدة فإنه يتجه في هذه الصورة أن يجوز للولي الرجعة؛ حيث يجوز له أن يقبل النكاح وهذا لم أره لأحد، ولكني خرجته على [ما ذكروه] من الأصول، فلم أجدها تأباه.

وأما السفيه فحيث يصح نكاحه تصح رجعته، وحيث لا فلا.

صرح بذلك مجلي.

ص: 197

وأما العبد فقد تقدم الكلام فيه في أول الباب.

قال: وإن قال: راجعتك قبل انقضاء العدة، وقالت: بل انقضت عدتي، [ثم راجعتني]-: فإن كانت المرأة سبقت بدعوى انقضاء العدة، [ثم قال الرجل: كنت راجعتك]. فالقول قولها، [وإن سبق الرجل بدعوى الرجعة، ثم ادعت هي انقضاء العدة- فالقول قوله].

اعلم أن صورة المسألة- على ما حكاه الرافعي والمتولي وغيرهما-: أن يتفقا على مضي ثلاثة أقراء- مثلاً- وجريان صورة الرجعة، وإخبارها [بأن عدتها قد انقضت]، من غير أن يتفقا على وقت الرجعة، وعلى وقت انقضاء العدة إن لم تجر رجعة؛ فإن الشافعي- رضي الله عنه نص في "الأم" في هذه المسألة على أن القول قول المرأة من غير تفصيل، ونقله المزني وكذلك قال في المرتد: إذا عاد إلى الإسلام واختلف هو والزوجة، فقالت: انقضت عدتي قبل أن تعود إلى الإسلام، [وقال: بل عدت إلى الإسلام قبل أن تنقضي-: إن القول قول المرأة]، وقال في "نكاح المشركات": إذا أسلمت الزوجة، وتخلف في الشرك، ثم أسلم، فقالت: أسلمت بعد انقضاء عدتي، وقال: بل قبل انقضائها- إن القول قول الزوج. وإن الأصحاب اختلفوا في ذلك على ثلاث طرق:

إحداها: أن في ذلك قولين بالنقل والتخريج.

أحدهما: أن القول [قوله؛ استبقاءً للنكاح، كما جعل القول قوله في دعوى الوطء في الإيلاء والعنة لهذا ولأن الأصل بقاء الرجعة.

والثاني: أن القول] قولها؛ لأنها تخبر عما لا مطلع عليه إلا من جهتها، ولابد من ائتمانها وتصديقها فيه، والزوج يخبر عن الرجعة، ولا ضرورة في تصديقه؛ لتمكنه من الإشهاد عليها، وهذه الطريقة اختارها القاضيان أبو حامد والطبري، ولم يحكها الشيخ أبو حامد.

ص: 198

والطريقة الثانية: أن النصين يتنزلان على حالين، وأن الاعتبار بمن سبقت دعواه منهما: فإن كانت المرأة سبقت بدعوى انقضاء العدة، ثم قال الرجل: كنت راجعتك- فالقول قولها؛ لأن الأصل حصول البينونة وعدم الرجعة، وإن كان الرجل قد سبق بدعوى الرجعة، ثم ادعت هي انقضاء العدة- فالقول قوله؛ لأنه يملك الرجعة، وقد صحت في الظاهر؛ فلا يقبل قولها في إبطالها، وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب، وهي محكية عن أبي العباس وأبي إسحاق، وصححها الرافعي، وقال الشيخ أبو حامد: لا يجيء على المذهب سواها.

وفصل القفال فيما إذا سبق الرجل بدعوى الرجعة، فقال: إن كان قول المرأة: قد انقضت عدتي، متراخياً عن قوله، فالحكم كما تقدم، وإن كان متصلاً به، فهي المصدقة بيمينها؛ لأنا نجعل إقراره بالمراجعة في زمان العدة كإنشاء الرجعة في الحال، فقولها عقيبه: انقضت عدتي، إخبار عن أمر كان من قبل؛ فكأن قوله: راجعتك صادف انقضاء العدة؛ فلا يصح. وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" و"التتمة".

قلت: وما قاله القفال من أن الإقرار بالرجعة في زمان العدة يجعل كإنشاء الرجعة في الحال، قد يمنع منه كما سيأتي، بل يمكن أن يكون لما قاله مأخذ غير ذلك، وهو أن من القواعد المؤسسة في المذهب: أن [من] قدر على الإنشاء قدر على الإقرار، ومن لا فلا، ولا يخرج عن هذه القاعدة إلا ما نبهت عليه في كتاب النكاح.

وإذا كان كذلك، [فالزوج لو أراد إنشاء الرجعة في الوقت الذي أقر فيه بالرجعة لم يقدر على ذلك؛ لمصادفته انقضاء العدة، وإذا كان كذلك] لم نحكم بصحة إقراره؛ عملاً بالقاعدة المذكورة، والله أعلم.

ص: 199

وفي "النهاية": أن معظم الأصحاب حملوا النص على ما حكيناه عن القفال وغيره- فيما إذا كان [قولها] متصلاً بقوله، لكنه صوَّر ذلك بما إذا قال الزوج: أردت إنشاء الرجعة، وقال فيما إذا قال: أردت الإخبار عن رجعة سابقة-: إن ذلك يخرج على الصور [السابقة] التي تقدمت في كتابه، وسنذكرها إن شاء الله تعالى.

والطريقة الثالثة: أن قول كل واحد منهما مقبول فيما يخبر به، فيقال للزوج: أي زمان راجعتها فيه؟ فإذا قال: في يوم كذا، فإن صدقته المرأة ثبت، وإن كذبته كان القول قوله مع يمينه، ويقال لها: أي وقت انقضت عدتك؟ فإذا عينت وقتاً: فإن صدقها [ثبت ذلك]، وإن كذبها فالقول قولها مع يمينها، وإذا ثبت الوقتان نظرنا أيهما أسبق حكمنا به وهذه الطريقة اختيار أبي على الطبري في "الإفصاح".

قال: "وإن ادَّعيا معاً" أي: بأن قال: قد ارتجعتك، وقالت في زمان هذا القول [منه]: قد انقضت عدتي [فالمذهب أن القول قول المرأة]، أي: مع يمينها.

قال البندنيجي حكاية عن ابن سريج: لأن قولها إخبار عن انقضاء عدتها؛ فيكون إخبارها بعد انقضاء المدة، فيصادف قوله: راجعتك، بعد [انقضاء] العدة؛ فلا يكون رجعة.

قال: و"قيل: يقرع بينهما"؛ لاستوائهما في الدعوى، فعلى هذا من خرجت له القرعة قدم، لكن هل يحلف معها؟ فيه وجهان محكيان في الجيلي.

وقيل: القول قوله.

ثم لتعلم أن هذه المسألة مفرعة على القول بتقديم السابق؛ فإن ظاهر ما حكاه البندنيجي من التعليل يقتضي أن يكون المراد بدعوى الزوج الرجعة [إنشاء المراجعة]، لا الإخبار عنها، لكني رأيت في "المجموع" للمحاملي تصدير المسألة بما إذا أقر الزوج بالرجعة، وأقرت المرأة بانقضاء عدتها في وقت واحد،

ص: 200

وعليه يدل ما حكيته من قبل عن القفال، وهو الذي يظهر أن يكون مراد الشيخ؛ إذ لو كان المراد به إنشاء الرجعة لم يكن للقرعة وجه أصلاً؛ لعدم التساوي نعم، له اتجاه ما إذا كان الصادر عن الزوج إخبار عن الرجعة؛ ليقابل إخبارها بإخباره؛ فتجيء القرعة لعدم المرجح.

وفي "النهاية" وغيرها حكاية صور أخر في تصوير المسألة الأولى، فلنذكرها، فإذا اتفقا على وقت انقضاء العدة، وقال الزوج: راجعتك قبله، وقالت: بل بعده، أو اتفقا على وقت الرجعة، وقالت:[كانت عدتي قد انقضت قبله، وقال الزوج: بل بعده- فالقول] قول من ادعى المتفق على وقته على الظاهر، وبه أجاب المراوزة أصحاب القفال وغيرهم، وعليه جرى صاحب "التهذيب" و"التتمة".

ووراء الظاهر وجهان آخران حكاهما الإمام وغيره:

أحدهما: أن القول قول الآخر، وعزاه إلى رواية صاحب "التقريب" والعراقيين.

والثاني: أن النظر إلى السابق في الدعوى كما ذكرناه من قبل، وقال: هذا الوجه ارتضاه صاحب "التقريب"، واختاره العراقيون.

ثم قال بعده في الصفحة حكاية عن العراقيين: إن من ابتدر منهما فالحكم لقوله بلا خلاف، وإن أنشآ قوليهما معاً، فحينئذ وجهان:

أحدهما: أن القول قول المرأة.

والثاني: أن القول قول الزوج، وهذا قد يظهر أنه يحتاج إلى تأمل.

ولو اتفقا على وقت انقضاء العدة، وادعى الزوج الرجعة قبله، وأنكرت المرأة أصل الرجعة- قال صاحب "التقريب": القول قول المرأة بلا خلاف.

قال الإمام: وهذا عندي خطأ صريح؛ فإنها إذا اعترفت بالرجعة بعد العدة، فذاك الاعتراف لا حكم له؛ فإنها ما أقرت برجعة، وإنما أقرت بالتلفظ بصفة الرجعة لا بحقيقتها؛ فلا فرق وإذا قال الزوجان: نعلم حصول الأمرين: الرجعة، وانقضاء

ص: 201

العدة على الترتيب، ولا ندري أيهما السابق- فالأصل بقاء العدة وولاية الرجعة.

ولو اختلفا في حصول الرجعة والعدة باقية، فالقول قول الزوج.

وعن صاحب "التقريب" رواية وجه: أن القول قولها، [فإن أراد الرجعة] فعليه إنشاؤها وإذا قبلنا قوله، فقد أطلق جماعة منهم صاحب "التهذيب" والمحاملي، عند الكلام فيما إذا ادعيا معاً- أن إقراره ودعواه يجعل إنشاء للرجعة، وقد حكي ذلك عن القفال أيضاً.

وذكر الشيخ أبو محمد أن من قال به يجعل الإقرار بالطلاق إنشاء أيضاً.

قال الإمام: وهذا لا وجه له، وتابعه الغزالي، فقال: والصحيح أن إخباره لا يجعل إنشاء.

وهذا كله إذا لم تكن المرأة قد نكحت، أما إذا كانت قد نكحت بعد انقضاء العدة، ثم ادعى الزوج الأول أنه راجعها قبل انقضاء العدة- فإن أقام على ذلك بينة سلمت إليه، وإن لم تكن له بينة وصدقاه سلمت إليه، وإن كذباه فالقول قولهما، ولابد من يمين الزوج، وهل يفتقر إلى يمين الزوجة والحالة هذه؟ فيه قولان حكاهما البندنيجي، ووجه عدم الافتقار: أنه لا فائدة في يمينها؛ فإنها لو أقرت لم تسلم إليه؛ لإنكار الزوج الثاني.

وإن صدقته، وكذبه الزوج الثاني- فالقول قوله مع يمينه، وهذا بخلاف ما إذا ادعى على امرأة في [حبال] رجل أنها زوجته، فقالت: كنت زوجة لك وطلقتني؛ حيث يكون [ذلك] إقراراً له، وتجعل زوجة له، والقول قوله في أنه لم يطلقها، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في "التعليق".

قال الرافعي: لأن هناك لم يحصل الاتفاق على الطلاق، وها هنا حصل، والأصل عدم الرجعة، ويلزمها في مسألتنا للزوج الأول مهر مثلها؛ لأنها فوتت البضع عليه بالنكاح الثاني.

وقال أبو إسحاق: لا غرم عليها؛ كما لو قتلت نفسها أو ارتدت.

وإن نكل لزوج الثاني حيث توجهت عليه اليمين، وحلف الأول- حكم بارتفاع

ص: 202

نكاح الثاني.

ثم إن قلنا: إن اليمين المردودة كالبينة، فكأنه لم يكن بينها وبين الثاني نكاح، ولا شيء لها على الثاني إلا إذا كان قد دخل بها؛ فيجب لها مهر المثل. وإن قلنا: إنها كالإقرار، فإقراره عليها غير مقبول، فلها كمال المسمى إن كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قبله.

قال في "المهذب" وعلى القولين جميعاً لا تسلم إلى الزوج.

وفي "الشامل": أنها تسلم إليه؛ كما لو أقام البينة.

وقال في "التهذيب": الصحيح عندي [أنها] وإن جعلت كالبينة، فلا تؤثر في سقوط حقها [من المسمى]، بل يختص أثر اليمين المردودة بالمتداعيين.

وإذا انقضت الخصومة بينهما: إما بالحلف كما ذكرناه، أو بتصديق الزوج الثاني- فالدعوى على الزوجة: فإن كذبته فالقول قولها، مع يمينها: أنها لا تعلم أنه راجعها، كذا قال في "الشامل"، وهو موافق لما حكاه الإمام عن صاحب "التقريب" فيما إذا أنكرت الزوجة أصل الرجعة؛ إذ زوجية الثاني قد زالت بتصديقه للأول.

وهذا كله فيما إذا ادعى على الزوج الثاني، وسمعنا الدعوى عليه، كما ذهب إليه المحاملي وغيره من العراقيين، أما إذا قلنا: الدعوى عليه غير مسموعة، وهو المذهب في "النهاية"- فيتعين- للمرأة الدعوى عليها، وفي سماعها- أيضاً- خلاف ينبني على أنها إذا أقرت، وأنكر الزوج الثاني: هل تغرم [للزوج الأول]؟ وفيه الخلاف السابق.

فإن قلنا: إنها لا تغرم، لم تحلف.

وإن قلنا: إنها تغرم، حلفت، فلو نكلت حلف الزوج وغرمها المهر.

وإذا زال النكاح الثاني عنها وجب عليها تسليم نفسها إلى الأول، وفيه وجه: أنها تسلم إليه الآن؛ بناءً على أن يمين المدعي [مع نكول المدعى] عليه كالبينة،

ص: 203

وعليه ينبني- أيضاً- سماع الدعوى إذا قلنا: إنها لا تغرم.

فروع:

لو كانت الرجعية أمة، فكل موضع قلنا فيه: القول قول الزوج إذا كانت حرة، فكذلك في الأمة، وكل موضع قلنا فيه: القول قول الحرة، ففي الأمة: القول قول السيد، قاله في "التتمة".

وقال ابن الصباغ: إنه الذي يجيء على المذهب.

إذا ادعت الزوجة أن الرجعة وقعت بعد انقضاء العدة، وجعلنا القو قولها، وحلفت، ثم رجعت وادعت أنها كانت في العدة- قبل ذلك منها، وسلمت على الزوج هذا هو المشهور، [و] في الإشراف: أن قولها على قولين، وهذا بخلاف ما إذا زوجت المرأة في صورة تفتقر صحة النكاح إلى إذنها، فأنكرت الإذن، وحلفت، ثم عادت واعترفت به- فإنه لا يقبل ذلك منها، نص عليه الشافعي في "الإملاء"- على ما حكاه البندنيجي؛ لأن رجوعها عما حلفت عليه في مسألة الرجعة معتضد بأن الأصل بقاء العدة، وفي مسألة الإذن: الأصل عدم الإذن فعضد قولها الأول.

[وفي الإشراف: أن القاضي أبا سعيد الإصطخري استبعد النص في مسألة الإذن].

وحكى الغزالي في "الوجيز" أن الأظهر قبول الرجوع.

قال: وإذا طلق الحر امرأته دون الثلاث، أو العبد امرأته طلقة، ثم رجعت إليه برجعة أي: في العدة بشرطها كما تقدم، "أو بنكاح" أي: ولو بعد زوج آخر قد دخل بها- عادت بما بقى من عدد الطلاق، خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا عادت إليه بعد دخول الزوج الثاني بها؛ فإنها تعود إليه عنده بثلاث طلقات حيث يكون الزوج يملك ثلاث طلقات، وبطلقتين حيث يكون الزوج يملك طلقتين.

واستدل أصحابنا بما روي أن عمر- رضي الله عنه سئل عن رجل طلق امرأته [تطليقة أو تطليقتين]، ثم انقضت عدتها، وتزوجت غيره، ثم طلقها، ثم

ص: 204

تزوجها زوجها- فقال: هي عنده على ما بقي وروي هذا القول عن أبي بن كعب، وعمران بن الحصين، وعلي، وأبي هريرة، ولم يظهر له مخالف من الصحابة.

وبأنها إصابة ليست بشرط في الإباحة؛ فلم تؤثر في الطلاق كإصابة السيد وهذا إذا لم يتغير حاله، أما إذا تغير فسنذكره.

فرعان:

أحدهما: إذا طلق الحر الذمي زوجته طلقة، ثم جرى منه ما يوجب نقض العهد، فاسترق، ثم نكحها بإذن سيده- لم يملك عليها إلا طلقة.

ولو كان قد طلق طلقتين- والصورة هذه- ملك عليها- أيضاً- الطلقة الثالثة على الصحيح.

والثاني: إذا طلق العبد امرأته طلقة، [ثم عتق]، ملك عليها طلقتين، ولو كان قد طلق طلقتين، ثم عتق، فالذي ذكره الأصحاب بأجمعهم: أنه لا ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره.

وفي "الوسيط" قبل الكلام في طلاق المريض حكاية وجه غريب: أن له أن ينكحها.

قال: وإن طلق الحر امرأته ثلاثاً، أو طلق العبد امرأته طلقتين- حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها في الفرج، أي: سواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده، في نكاح واحد أو أكثر، دفعة واحدة أو أكثر:

أما في الحر؛ فلقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] والمراد بالطلاق: الطلقة الثالثة وبالنكاح الوطء؛ لأنه قد ورد في الكتاب العزيز بمعنى "العقد" في قوله: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} ، وبمعنى الوطء في قوله تعالى:{الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] وإذا احتمل الأمرين ترجح ما ذكرناه؛ لورود السنة به، قالت عائشة- رضي الله عنها: "جاءت امرأة رفاعة بن رافع القرظي إلى

ص: 205

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فَبَتَّ طلاقي، فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزبير وإن [ما] معه مثل هدبة الثوب، فقال عبد الرحمن: كذبت يا رسول الله، و [والله] إني لأعركها عرك الأديم العكاظي؛ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا: حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك"، وأراد بذلك [الوطء] وسماه عسيلة؛ تشبيهاً بالعسل.

ورفاعة: بكسر الراء.

وابن الزبير: بفتح الزاي وكسر الباء المعجمة بواحدة.

وهدبة الثوب- بضم الهاء-: حرفه.

وبما ذكرناه عن أبي علي الفارسي في أول كتاب النكاح.

قال المحاملي: ولأنا لو لم نجعل الإصابة شرطاً لكان التزويج يكون لأجل الإحلال، لا لأصل الاستمتاع، والنكاح إنما يراد للاستمتاع لا للإحلال، وأما في العبد؛ فلأنه قد استوفى ما يملكه من الطلاق؛ فلم تحل له إلا بما ذكرناه كالحرة.

تنبيه: إنما عني الشيخ- رحمه الله تحريمها عليه بالنكاح والوطء فيه، ولم يذكر طلاق الزوج إياها، وانقضاء عدتها منه؛ لكون ذلك معلوماً مما تقدم، أو لما قاله المحاملي في "المجموع": إن ذلك إنما يراد للتمكين من التزويج بها، وطلاق [الثاني] يراد لزوال الزوجية، وانقضاء العدة يراد حتى لا تكون في عدة من غيره، وكأن المقصود من هذا أنها إذا وطئها الزوج صارت كسائر النساء المزوجات في حقه وحق غيره، وارتفع التحريم الخاص بالمطلق.

واعلم أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الزوج حرّاً أو عبداً، مسلماً أو كافراً، إذا كانت الزوجة كافرة، وكان وطؤه في وقت لو ترافعا إلينا لأقررناهما على النكاح، ولا بين أن يكون عاقلاً أو مجنوناً، بالغاً أو مراهقاً.

قال الشيخ مجلي: وقد حكى الشيخ أبو محمد قولاً غريباً: أن الصبي وإن قارب الحلم، وحصل منه الانتشار، لا يحصل به الإحلال.

ص: 206

قال الإمام: ولم أره لغيره.

وفي "التتمة": أن أبا حامد المرْوَرُّوذِي حكى أن الشافعي- رضي الله عنه قال في كتاب "الإملاء": إن وطء الصبي الذي يجامع مثله كوطء الكبير، إلا في مسألتين: لا يحلها لزوجها، ولا يحصنها.

[وكذلك حكاه ابن الصباغ في باب حد الزنى عن نصه في كتاب نكاح "الإملاء"]؛ فلعله أخذه من هذا الإطلاق.

وأما غير المراهق إن لم يتأت منه الجماع، كابن أيام معدودة- فالذي حكاه الإمام ها هنا: أن الذي أطلقه الأصحاب أن التحليل لا يحصل به، وهو ما جزم به القاضي الحسين، والبندنيجي في "تعليقه"، والمحاملي في "مجموعه"، وقال الرافعي: إنه الأصح.

ووجهه مجلي بأنه لا يلتذ بذلك.

وأيضاً: فإن اشتراط الزوج كان لأجل الزجر عن إيقاع الطلاق الثلاث؛ فإنه لابد أن يعقبه ندم- في غالب الحال- ويطلب الرجعة، فشرط فيه إصابة زوج؛ ليكون آكد في الزجر؛ لما فيه من الغيرة التي تلحق مثله، ولا تحصل مثل تلك الغيرة من وطء الصبي؛ فلم يلتحق بما ذكرناه.

واختيار القفال: أنه يحلل، وهو ما دل عليه كلام الإمام في باب الشغار، والتحليل؛ حيث حكى اتفاق الطرق على الاكتفاء من غير تفصيل، وعليه يدل كلام الغزالي في مسألة الحيلة للفرار من الغيظ.

وكذا لا فرق بين أن تكون الزوجة عاقلة أو مجنونة، حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، إذا كانت ممن يوطأ مثلها، وإن كانت ممن لا يوطأ مثلها لم يحصل، قاله في "الذخائر"، وفي "الرافعي" حكاية خلاف فيها عن الشيخ أبي الفرج.

قال: "وأدناه: أن تغيب الحشفة في الفرج" أي: [من غير حائل] إذا كانت ثيباً؛ إذ به تتعلق أحكام الوطء.

أما إذا كانت بكراً فأدناه: أن يفتضها بآلته، قاله في "التهذيب" [وحكاه [الإمام عن

ص: 207

المحاملي] ووجهه بأن التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد الافتضاض]. [ولو كان ذلك مع حائل من ثوب ففيه خلاف حكاه الرافعي في "أدب القضاء" له، ومحل استقصائه كتاب الطهارة].

فإن قيل: لم علق الشرع حكم الحل بتغييب الحشفة؟

قال الإمام في أجل العنين: انقدح فيه- بعد الإتباع- أنها الآلة الحساسة، وبها الالتذاذ؛ ولهذا سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم العسيلة في الحديث، وظني أني قدمت هذا الجواب من قبل. ولا فرق في ذلك بين أن يكونا مختونين أو غير مختونين، ولا بين أن يكون ذلك مع قوة انتشار الزوج أو ضعفه، وكان يستعين بإصبعه أو بإصبعها. أما إذا لم يكن له انتشار أصلاً، فإطلاق الشيخ في "المهذب" يقتضي أنها لا تحل باستدخاله.

وفي "النهاية" قبل باب نكاح المحرم: أن العراقيين قالوا: إن كان الانتشار ممكناً في العضو، ولكن لم يكن منتشراً في ذلك الوقت الذي حصل فيه الاستدخال- فيثبت حكم الوطء وإن كان العضو بحيث لا يتوقع انتشاره فلا يحصل المقصود [باستدخاله].

وكان شيخي يقطع بحصول الوطء بالاستدخال كيف فرض الأمر، وعلى ذلك جرى الرافعي؛ حيث قال: المشهور في كتب الأصحاب: المنع. لكنه ذكر الصورة بأن يكون العجز لـ "عنة" أو "شلل"، ومنقول الغزالي في "الوجيز" حصول التحليل به.

وكذا لا فرق في حصول التحليل [بما] ذكرناه بين أن يكون في حالة يحل له وطؤها أو لا يكون كإحرام أحدهما أو حيضها، أو في نهار رمضان، أو على ظن أنه يطأ أجنبية، أو بعد أن ظاهر منها وعاد.

ولو وطئها، وهي في عدة وطء شبهة بعد نكاحه إياها- حلت على الأصح من الوجهين ولو وطئها بعد ارتداد أحدهما في العدة، أو في عدة طلقة رجعية- لم تحل، سواء عاد إلى الإسلام وراجع أو لم يكن ذلك، إلا إذا قلنا: إن وطء الشبهة يحلل؛ فإن

ص: 208

ذلك لا يتقاعد عنه، قاله القاضي الحسين وغيره.

وصور الأصحاب ذلك بصور، منها: أن نقول بالقول القديم: إن الخلوة توجب العدة لو استدخلت ماءه أو وطئها فيما دون الفرج، فوصل ماؤه إلى فرجها.

قال: "فإن كان مجبوباً، و [قد] بقي من الذكر قدر الحشفة، أي: حشفة ذلك الذكر "أحلها [له] "؛ لحصول الوطء به.

وحكى الإمام في أجل العنين [عن العراقيين] وجهاً: أن الحشفة إذا قطعت لا تتعلق الأحكام إلا بإيعاب الباقي، وأن القاضي قال: إنه ظاهر النص ثم قال: والمذهب خلافه.

أما إذا لم يبق قدر الحشفة، فلا يحل، والخصي لا يمنع من حصول التحليل؛ كما لا يمنع عدم الإنزال.

قال: و"إن وطئها رجل بشبهة، أو كانت أمة، فوطئها المولى- لم تحل؛ لأن الله- تعالى- علق الحل على وطء زوج [غيره] وليس ذلك بوطء زوج.

ولا فرق في وطء الشبهة بين أن يظن الواطئ [أنها زوجته أو أمته، وفي طريق المراوزة: أنا إذا قلنا: إن الوطء في النكاح الفاسد يحلل، فهل يكون الوطء] على ظن أنها زوجته محلِّلاً؟ فيه وجهان.

وسوى القاضي الحسين في "التعليق" بين أن يكون الوطء بالشبهة والنكاح الفاسد، ولم يرتب.

قال: وإن وطئها زوج في نكاح فاسد ففيه قولان:

أصحهما: أنها لا تحل؛ كما لا يحصل به التحصين، ولأن إطلاق اسم النكاح ينصرف إلى الصحيح؛ بدليل أنه لو حلف: لا يتزوج، فتزوج نكاحاً فاسداً-[فإنه] لا يحنث.

والثاني: أنها تحل، ويحكى عن القديم؛ لأن التحليل حكم من أحكام الوطء، فتعلق بالوطء في النكاح الفاسد كالمهر والعدة والنسب، ولأن إصابة الذمي يحصل

ص: 209

بها التحليل وأنكحتهم فاسدة، في قول.

وقرب بعضهم هذا الخلاف من الخلاف في أن السيد إذا أذن لعبده في النكاح، فنكح نكاحاً فاسداً ووطئ فيه- في متعلق المهر.

قال القاضي الحسين: والفرق بينه وبين التحصين: أن التحصين من صفات الكمال والخصال الحميدة؛ فاستدعى وطئاً كاملاً على حكم فراش كامل، وأما التحليل فالإصابة شرعت فيه؛ عقوبة للزوج، وإرغاماً له على صنعه المكروه، وهذا المعنى يحصل في الفاسد حصوله في الصحيح؛ فتعلق به التحليل.

فرع: إذا نكح امرأة نكاحاً فاسداً، وطلقها ثلاثاً- قال في "التتمة": المذهب: أنه لا يقع، ويباح له تجديد النكاح عليها. قال: وقد حكينا طريقة أن الطلاق يقع، فعلى هذا: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

قال: وإن كانت أمة، فملكها الزوج قبل أن تنكح زوجاً غيره- لم يحل له وطؤها بملك اليمين؛ لظاهر الآية، وهذا هو المذهب.

وقيل: يحل؛ لأن الطلقات الثلاث لا تمنع الملك فلا تمنع الوطء بالملك، بخلاف النكاح، والأول أصح؛ لما ذكرناه، ولأن كل امرأة حرم عليه نكاحها لم يجز له وطؤها بملك اليمين كالملاعنة، ويفارق النكاح الملك؛ لأن ملك أخته من الرضاع والنسب والملاعنة يصح، ولا يجوز وطؤها.

فإن قيل: أي فرق بين هذه المسألة وبين مسألة الملاعنة؛ حيث ذكرتم ها هنا خلافاً في حل الوطء بملك اليمين، ولم تجوزوه في الملاعنة؟!

قلنا: قد حكى القاضي الحسين في كتاب الظهار الخلاف فيها- أيضاً- وعلى تقدير [تسليم] ما ذكرتموه، وهو الموجود في طريقة العراق، فالفرق- كما حكاه ابن الصباغ في كتاب اللعان- من وجهين:

أحدهما: أن تحريم المطلقة ليس بمتأبد لأنه يزول بالزوج والإصابة، وتحريم الملاعنة متأبد.

الثاني: أن تحريم الطلاق يختص بالنكاح؛ فلهذا حلت بملك اليمين، وتحريم

ص: 210

اللعان لا يختص به؛ لأنه يصح في النكاح الفاسد.

فرع: إذا قلنا بحل الوطء، فهل يجب الاستبراء إذا كان الشراء قبل انقضاء العدة؟ قال الجيلي: فيه وجهان، أصحهما: أنه لا يجب.

وفي "النهاية" في هذا الباب: أن الأصحاب قالوا: إذا طلق الزوج زوجته الأمة طلاقاً رجعيّاً، ثم اشتراها في العدة- لا يحل له نكاحها حتى تنقضي بقية العدة بعد الشراء أو ينقضي الاستبراء، على ما سنوضح بقية كلامه في الاستبراء، إن شاء الله تعالى.

ووجهه بأنه نقلها من حرمة إلى حرمة، بخلاف ما إذا اشترى زوجته؛ فإنه نقلها من حل إلى حل، وهذا الحكم في مسألتنا من طريق الأولى؛ لشمول العلة، وعدم إمكان إعادة الحل الأول، والخلاف الذي ذكره الجيلي مذكور فيما إذا اشترى زوجته.

قال: وإن طلقها ثلاثاً، وغاب عنها، فادعت أنها تزوجت بزوج أحلها [له]، أي: وكان قد مضى زمان يمكن صدقها فيه، ولم يقع في قلبه صدقها- كره له أن يتزوجها؛ أخذاً بالاحتياط، ولا يحرم؛ لأن صدقها محتمل، وتتعذر إقامة البينة على الوطء وانقضاء العدة، وهما من جملة شروطه، وهي مؤتمنة على ذلك، ولأن الوطء يكتم حلاله كما يكتم حرامه، والحيض لا يعرف إلا من جهتها؛ فكان القول قولها.

قال الإمام: كيف لا، والأجنبية تنكح، والتعويل على قولها في أنها خلية عن الموانع، وهي في مقام بائع لحم يجوز أن يكون [مذكى و] ميتة، نعم، هل يجب عليه البحث عن الحال؟ قاله أبو إسحاق: إنه يستحب حكاه عنه [ابن الصباغ] وقال القاضي الروياني: أنا أقول: إنه يجب في هذا الزمان، وقد رأيت امرأة ادعت [ذلك] لترجع إلى الأول، وكان الزوج الثاني يحلف بالأيمان المغلظة على أنه ما أصابها، وتبين كذبها، وصدقه. كذا حكاه الرافعي عنه في هذا الباب، وفيما قاله من الاستشهاد نظر؛ فإنه لا يلزم من كذب امرأة واحدة خرم هذه القاعدة.

فإن قيل: إذا ادعى المودع تلف الوديعة بسبب ظاهر، كلف إقامة البينة على

ص: 211

[السبب دون التلف]؛ لأن إقامة البينة عليه ممكنة، بخلاف التلف؛ فإن إقامة البينة عليه متعذرة، فهلا قلتم ها هنا كذلك؟

قلنا: قد أبدى هذا مجلي احتمالاً فيما إذا أمكن إقامة البينة على النكاح بأن تدعي التزوج في البلد دون ما إذا لم يمكن إقامة البينة بأن تكون غريبة أو عُدِمَ شهود العقد، ونحو ذلك، وهو ما حكاه الزبيلي في "أدب القضاء" فيما إذا حضرت امرأة، وادعت أن زوجها طلقها، أو مات عنها، وطلبت من الحاكم التزويج؛ حيث قال: إن كانت غريبة والزوج غائب، فالقول قولها بلا بينة ولا يمين، وإن كان الزوج في البلد، وليست غريبة فلا يعقد الحاكم عليها ما لم تثبت [ما ادعته]، ويمكن أن يفرق بينهما على المذهب المشهور- من أنها لا تكلف [إقامة البينة]، وإن أمكنها ذلك، كما حكاه مجلي عن بعض الأصحاب- بأن إثبات النكاح من غير حجة وخصومة تقام متعذر، والخصومة في الوديعة، قائمة؛ فأمكن معها إقامة البينة، والله أعلم.

ثم إذا قبلنا قولها فهو بغير يمين، قاله مجلي، ووجهه الإمام بأن الحلف لا يثبت يقيناً، وقد أوضحنا أن النكاح ينعقد مع الريب.

ووجهه مجلي: بأنها لا تدعى حقّاً، ولا يُدَّعَى عليها حق، وإنما هي مثبتة، والعاقد يُقْبَل قوله في انتفاء الموانع.

فإن قيل: [قد] ذكرتم عن نص الشافعي فيما إذا كان الولي غائباً، فطلبت من الحاكم أن يزوجها-:"فإنه لا يزوجها ما لم يشهد عدلان بأنه ليس لها ولي حاضر، وأنها ليست في زوجيَّة ولا عدة"، وأن الأصحاب اختلفوا في أن ذلك إيجاب أو استحباب، ووجه الوجوب: الاحتياطُ للأبضاع. وذكرتم أن للقاضي أن يحلِّفها بأن وليها لم يزوجها في الغيبة إن رأى ذلك، وأن مثل هذه اليمين التي لا تتعلق

ص: 212

بدعوى إيجابٌ أو استحباب؟ فيه خلاف، فهلَّا جرى مثل ذلك ها هنا؛ لما فيه من الاحتياط في البُضْع؟

قلنا: قد حكى الإمام في فصل غيبة الولي أن للزوج أن يعوِّل على قولها، وأنه لم يصر أحد من أصحابنا إلى إيجاب الاحتياط، وإنما ذلك التردد في [] يتعلق بالولي؛ فإن عماد أمره النظر. قال: ويمكن أن يفرق بينهما بوجه آخر، وهو: أن ثَمَّ الحق في التزويج للولي، وهو يدعي غيبته؛ لينوب الحاكم عنه فيه كما في وفاء الدين، وكُلِّفَتْ إقامة البينة على ذلك اليمين لأجل الغيبة، ولا كذلك ها هنا، لكن هذا لا يدفع الخلاف العام في اليمين.

واعلم أن الصحاب ذكروا للمسألة ثلاث صور:

إحداها: أن يقع في قلبه صدقها؛ فإن له التعويل على قولها من غير كراهة، ونقل مجلي أن من أصحابنا من قال: الورع ألا يتزوجها إلا عن ثَبَتٍ.

الثانية: أن يقع في قلبه كذبها؛ فله أن ينكحها لكن مع كراهة، وهو ما قطع به العراقيون وصاحب "التقريب" وغيرهما، وقال الفوراني: ليس له نكاحها. قال الإمام: وهو غلط.

الثالثة: أن يشك في صدقها ولم يترجح عنده ظنٌّ؛ فالورع: الاجتناب أيضاً، وكلام الشيخ على هذه الصورة أقرب؛ لأنه لا يلزم من عدم وقوع الصدق في القلب وقوعُ الكذب.

والمنقول فيما وقفت عليه من كتب العراقيين: الصورة الأولى والثانية.

فروع:

لو قال الزوج: أنا أعلم أن الزوج الثاني لم يدخل بها، ثم قال بعد ذلك: علمت أنه أصابها- قال الشافعي- رضي الله عنه قُبل ذلك منه، وكان له أن يتزوجها.

ولو قال الزوج الثاني: لم أدخل بها، وادعت الزوجة الدخول- حَلَّ للأول نكاحها.

وكذلك لو جاء الولي والشهود الذين ادعت انعقاد النكاح بحضورهم، وأنكروا ذلك- لم يقبل منهم.

ص: 213

وقد أشار البغوي إلى شيء من ذلك، وهو مستمدٌّ من إقرار المرأة بالنكاح؛ فإن المذهب أنه يعمل به مع تكذيب الولي والشهود.

ولو قال الزوج الثاني: لم أطلق، فالقول قوله.

ولو ادعت الزوجة الدخول، ثم ادعت عدمه فيه: فإن كان قبل أن يعقد عليها الأول لم يجز له العقد عليها، وإن كان بعد ما عقد عليها لم يقبل قولها. والله أعلم بالصواب.

***

ص: 214