المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب العدد العدة- بالكسر-: الاسم من "الاعتداد"، وقد تجعل مصدراً لإحصاء - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١٥

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌ ‌باب العدد العدة- بالكسر-: الاسم من "الاعتداد"، وقد تجعل مصدراً لإحصاء

‌باب العدد

العدة- بالكسر-: الاسم من "الاعتداد"، وقد تجعل مصدراً لإحصاء العدد؛ فيقال: عددت الشيء عداً، واعتدت المرأة اعتداداً.

ويقال: عده فاعتد، أي: صار معدوداً.

وهي في الشرع: اسم لمدة معدودة تربص فيها المرأة؛ لتعرف براءة الرحم.

وذلك يحصل بأحد ثلاثة أمور:

بوضع الحمل.

أو: الأقراء.

أو: الأشهر؛ على ما سنذكره.

والأصل فيها- قبل الإجماع- آيات الكتاب؛ كقوله- تعالى- في سورة البقرة: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228][وقوله تعالى: {وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234].

ومن السنة: ما سنذكره في موضعه.

قال أبي بن كعب: أول ما أنزل من العدد: الآية [الأولى]؛ فارتاب ناس بالمدينة في عدة الصغار والمؤيسات وذوات الحمل؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك؛ فأنزل الله تعالى: {وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ....} إلى آخرها.

قال- رحمه الله: إذا طلق امرأته بعد الدخول، وجبت عليها العدة، أي: سواء كان الدخول في حال الصبا، أو بعد البلوغ، وسواء كان الواطئ مقطوع الأنثيين أو لا؛ لعموم قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ،

ص: 25

ويعضده مفهوم قوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ} [الأحزاب: 49].

فإن قيل: القصد من العدة- في الغالب- معرفة براءة الرحم، وهي متحققة؛ فيما إذا لم يحصل ثم إنزال؛ فلماذا وجبت والحالة هذه؟

فالجواب: أن الإنزال خفي يختلف في حق الأشخاص وفي الشخص الواحد باعتبار ما يعرض له من الأشغال؛ فيعسر تتبعه ويقبح؛ فأعرض الشرع عنه، واكتفى بسبب الشغل وهو الوطء، والوطء بتغييب الحشفة.

وهذا صنيعه في تعليق الأحكام بالمعاني الخفية: كالإسلام، والبيع، وغيرهما.

ثم الأصحاب لما رأوا اكتفاء الشرع في وجوب العدة- بما ذكرناه- ألحقوا به استدخال المرأة ماء الزوج من طريق الأولى، لأنه أقرب إلى العلوق من تغييب الحشفة، وألحقوا بذلك النسب أيضاً، وقالوا: لا اعتبار بقول الأطباء: إن الماء إذا ضربه الهواء لم ينعقد منه الولد؛ لأنه شيء مقول بالظن لا يتأتى فيه الإمكان.

وفي "التتمة" حكاية وجه: أن الاستدخال لا يوجب العدة؛ إعراضاً عن النظر إلى شغل الرحم، [وإدارة للحكم] على الإيلاج.

ثم على الأول: هل يشترط أن يكون ماء الزوج صدر عن وطء شبهة، أو لا فرق فيه بين ذلك وبين أن يكون صدر عن زنى؟

الذي ذكره صاحب "التهذيب"- على ما حكيناه في باب ما يحرم من النكاح- عن المذهب: الأول، وأبدى من عند نفسه الثاني؛ كما لو وطئ زوجته على ظن أنه زنى بها.

وأطلق الرافعي الجواب هاهنا بوجوب العدة من غير تفصيل؛ فلعله محمول على ما حكاه في "التهذيب".

فرع: لو أقرت المرأة بالدخول، وأنكر الزوج، وحلف عليه- ففي وجوب العدة عليها وجهان محكيان في "النهاية" في باب الإقرار بالنسب.

قال: وإن طلقها بعد الخلوة، ففيه قولان:

أصحهما: أنه لا عدة عليها؛ لقوله -تعالى- {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]، ولأن القصد بالعدة:

ص: 26

معرفة البراءة، وهي محققة مع انتفاء مظنتها.

والقول الثاني- وهو القديم-: أن عليها العدة؛ لما ذكرناه في كتاب الصداق: أن عمر وعلياً- رضي الله عنهما قالا: "إذا أغلق باباً وأرخى ستراً فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة".

ولا فرق في جريان القولين بين أن تجري مباشرة فيما دون الفرج أو لاز

والمطلقة قبل الدخول والخلوة لا عدة عليها اتفاقاً.

وزوجة المجبوب الذكر، الباقي له الأنثيان، لا يتصور منه الدخول، ولا عدة على زوجته إذا طلقها وهي حائل، وإن طلقها وقد ظهر بها حمل فقد ذكرنا أنه يلحقه، وعليها أن تعتد بوضعه.

وامرأة الممسوح لا تجب عليها عدة الطلاق؛ بناء على الصحيح- في [أن] الولد [غير] لاحق به.

قال: ومن وجبت عليها [العدة]، أي: بسبب الطلاق، وهي حامل، أي: بحمل يجوز أن يكون من المطلق حتى المنفي باللعان- اعتدت بوضع الحمل، أي: ولو كان ميتاً؛ لعموم قوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، وإنما قيدنا صورة المسألة بالطلاق؛ لأن عدة المتوفى عنها والموطوءة بالشبهة ستأتي في الباب، إن شاء الله تعالى.

وإنما قلنا: إن وضع الحمل المنفي باللعان يحصل به الاعتداد؛ لأنه يحتمل أن يكون منه.

والقول في العدة قول المرأة؛ لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228].

ثم المعتبر في انقضاء العدة بالحمل أن ينفصل بجملته، فإن كان أكثر من ولد فلا بد من خروج الجميع، وإن كان ولداً واحداً فلا بد من انفصال جميعه وجهاً واحداً، حتى لو لم تنفصل رجله، لم تنقض العدة؛ فلو ماتت ورثها إذا كان الطلاق رجعياً؛ وكذلك هي، وإن كان في وجوب الدية بقتله وغيرها من

ص: 27

الأحكام خلاف يأتي في موضعه.

أما إذا لم يمكن أن يكون من المطلق؛ بأن وضعته لدون ستة أشهر من يوم النكاح أو لأكثر، وبين الزوجين مسافة [لا] تقطع في تلك المدة- فلا تنقضي به العدة، كما سنذكره في زوجة الصبي؛ لأنه ليس منه، هذا هو المشهور.

وفي "الوجيز" وراءه وجهان آخران جاريان فيما لو مات:

أحدهما: انقضاء العدة به؛ لاحتمال أنه جرى وطء شبهة قبل النكاح.

والثاني: أنها إن ادعت وطء شبهة حكمنا بانقضاء العدة؛ لأن القول في العدة قولها إذا حصل الإمكان.

ولم يذكر في "النهاية" ولا في "البسيط" الوجهين في هذه الصورة، وإنما ذكراهما مع الوجه الأول فيما إذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فولدت وشرعت في العدة، ثم ولدت بعد ستة أشهر ولداً آخر.

والثالث منهما: الفرق بين أن يدعى وطئاً [محترماً من] الزوج بعد الولادة الأولى؛ فتنقضي العدة، أو لا يدعي؛ فلا نحكم بانقضائها.

ثم إذا فرعنا على المذهب فمتى تشرع في الأقراء؟ ينظر: إن كان الحمل من وطء شبهة أو نكاح فاسد، فمن حين الوضع، وكذلك إن كان من زنى، ولم تر الدم على الحمل، أو رأته، وقلنا: إنه ليس بحيض، أما إذا قلنا: إنه حيض، فهل تنقضي عدتها بثلاثة أطهار في حال الحمل؟ وجهان، أظهرهما عند الرافعي: الانقضاء، وعلى هذا: لو زنت في عدة الطلاق، وحبلت من الزنى، لم يمنع ذلك انقضاء العدة، ولو كان الحمل مجهول الحال، فقد حكينا من قبل عن الروياني أنه يحمل على أنه من زنى.

وفي "النهاية" في فصل أوله: "إذا نكحت في العدة"- أن المعتدة لو أتت بولد لا يمكن أن يكون من واحد منهما لا نقضي بأنه ولد زنى، ولكن لا اب له، وطريق تحسين الظن حمل العلوق به على وطء شبهة.

فرع: امرأة المسلول الأنثيين، الباقي الذكر، إذا وضعت حملاً انقضت عدتها

ص: 28

بوضعه؛ بناء على الصحيح في لحوق الحمل به.

وفيه وجه: أنه لا يلحقه؛ فعلى هذا لا تنقضي العدة بوضعه.

قال: وأكثره أربع سنين، وقال المزني- على ما حكاه الماوردي وغيره-: أكثره سنتان.

والدليل على المذهب في اعتبار مدة السنين الأربع: الاستقراء؛ قال مالك – رحمه الله: هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين.

وروى المبارك عن مجاهد قال: مشهور عندنا: كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين.

وروى الشافعي عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد القرشي: أن سعيد بن المسيب أراه رجلاً، فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين، فوضعت هذا وله ثنايا.

ورأى هشام بن يحيى المجاشعي قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ قام رجل، فقال: يا أبا يحيى، ادع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف، وقال: ما ترى هؤلاء القوم؟ ثم قرأ ودعا؛ فجاء الرسول إلى الرجل، فقال: أدرك امرأتك؛ فذهب الرجل، فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قطعت سراره.

وفي أن هذه المدة [هي] أكثر مدده؛ بأن الأصل فيما زاد العدم.

وحيث تكلمنا في الدليل على أكثر الحمل، فلنذكر الدليل على أقل مدته وهي ستة أشهر.

ونقول: الدليل على ذلك: ما روي أنه أتي إلى عثمان- رضي الله عنه بامرأة ولدت لستة أشهر؛ فشاور القوم في رجمها؛ فقال ابن عباس- رضي الله عنهما: أنزل الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} [الأحقاف: 15] وأنزل: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14]، فالفصل في عامين، والحمل في ستة أشهر. قال الماوردي: فرجع عثمان ومن حضر إلى قوله؛ فصار إجماعاً.

ص: 29

قلت: وفي هذه الواقعة دليل على ما ادعاه الروياني أن الحمل المجهول الحال يحمل على أنه من زنى، وقد روي أن الحسن بن علي- رضي الله عنهما ولد بعد ستة أشهر من ولادة أخيه الحسين.

وقال القتبي: إن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.

قال: [فإن] وضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي، وشهد القوابل أن ذلك خلق آدمي- فقد قيل: تنقضي به العدة، وهذا نصه هاهنا، قال الماوردي: في القديم؛ لأن القصد من العدة معرفة براءة الرحم، وهي تحصل برؤية الدم؛ فمثل هذا أولى.

قال: وقيل: فيه قولان:

أحدهما: أنها تنقضي؛ لما ذكرناه.

والثاني: أنها لا تنقضي، وهو مخرج من نصه في الجنايات؛ فيما إذا جنى على امرأة فألقت مثل ذلك-: أنه لا يجب على الجاني الغرة، ومن نصه في أمهات الأولاد: أن الاستيلاد لا يحصل به. ووجهه: أن هذه الأحكام منوطة بالولد، واسم "الولد" لا يقع عليه؛ فصار كما لو ألقت علقة.

والقائل الأول فرق بأن الغرة الأصل براءة الذمة منها؛ فلا تجب بالشك، وأمومة الولد منوطة باسم الولد، وهذا لا يسمى ولداً، والعدة منوطة باسم الحمل، وهذا يسمى حملاً، بخلاف العلقة؛ فإنها لا تسمى حملاً.

وفي المسألة طريقة قاطعة، وصححها صاحب "التهذيب": أن العدة لا تنقضي بذلك. وقائلها حمل النص على ما إذا كانت فيه صورة خفيت عنا وعرفها

ص: 30

القوابل؛ فإن العدة تنقضي بها وجهاً واحداً؛ كما لو كانت الصورة ظاهرة لنا.

وفي "الرافعي": أنه يشبه أن يكون الراجح طريقة القولين، وأن يقال: الأظهر انقضاء العدة؛ ولذلك ذكره الشيخ أبو الحسين ابن خيران في "اللطييف"، والقاضي الروياني وإبراهيم المرورذي.

فرع: لو شك القوابل فيما وضعته في أنه مبتدأ خلق آدمي أم لا، فلا خلاف في أنه لا يترتب عليه حكم من أحكام الحمل.

قال: وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بثلاثة أطهار.

الأقراء: جمع قرء، بضم القاف وفتحها. يجمع "القرء" على "أقراء" و"قروء"، وهو اسم مشترك بين الحيض والطهر يقع على كل منهما حقيقة عند الأكثرين من أهل اللغة، وقيل: إنه حقيقة في الطهر، مجاز في الحيض، وقيل عكسه، وقيل: إنه حقيقة في الانتقال من معتاد إلى معتاد؛ فتناول الانتقال من الحيض إلى الطهر وعكسه.

وقيل: إن القرء- بالفتح-: الطهر، وهو الذي يجمع على "فعول"؛ كحرب وحروب، وضرب وضروب. والقرء- بالضم- يجمع على "أقراء"؛ كقفل وأقفال، والصحيح أنه لا فرق.

إذا تقرر ذلك فنقول: الدليل على ما ادعاه الشيخ من أن الاعتداد في حق ذوات الأقراء يكون بالأطهار، قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] والمراد بالقروء في الآية: الأطهار عند الشافعي؛ كما ذهب إليه زيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، رضي الله عنهم.

واستدل أصحابنا لذلك بقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] أي: في وقت عدتهن؛ كما في قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] أي: في يوم القيامة. والطلاق المأمور به في الطهر، قال- عليه السلام لعمر- رضي الله عنه وقد طلق ابنه زوجته في الحيض:"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" فجعل الطهر زمان العدة. وروي أنه- عليه السلام[كان] يقرأ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ

ص: 31

عدتهن}، وقبل الشيء: ما اتصل بأوله؛ فكان القبل والاستقبال سواء.

وتمسك الماوردي في ذلك بأن الله- تعالى- أثبت الهاء فيها، والهاء إنما تثبت في جمع المذكر دون المؤنث، و"الأطهار" جمع "طهر"، و"الطهر" مذكر، و"الحيض" لو قدرت جمع "حيضة".

ولأن "القرء" مشتق من الجمع؛ يقال: قرأت الطعام في فيه، وقرأت الماء في جوفه؛ إذا جمعته، ومن ذلك سمي القرآن قرآنا؛ لاجتماعه؛ قال تعالى:{فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] يعني: إذا جمعناه فاتبع اجتماعه. وسميت القرية: قرية؛ لاجتماع الناس فيها، وإذا كان "القرء" هو الجمع كان بالطهر أحق من الحيض؛ لأن الطهر اجتماع الدم في الرحم، والحيض خروج الدم من الرحم، وما وافق الاشتقاق كان أولى بالمراد من مخالفه، والله أعلم.

وفي "تعليق" القاضي الحسين والرافعي: أنه يروي أن الشافعي [وأبا عبيد القاسم ابن سلام تناظرا في "القرء"، وكان الشافعي يقول: إنه الحيض] وأبو عبيد يقول: إنه الطهر؛ فلم يزل كل واحد منهما يقرر قوله حتى تفرقا وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه، وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد.

ثم قال الرافعي: وهذه الحكاية تقتضي أن يكون للشافعي قول قديم أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة.

ثم ما المراد من الطهر المفسر به القرء؟ فيه قولان:

المذكور منهما في "الرسالة": أنه الانتقال إلى الحيض، [وهذا] أخذاً من قولهم: قرأ النجم، إذا طلع، وقرأ: إذا غاب، وقد يقال: قرأ، إذا انتقل من برج إلى برج.

قال الرافعي: وقد يقتضي الاشتقاق وقوع الاسم على الانتقال من الحيض إلى الطهر، كوقوعه على الانتقال من الطهر إلى الحيض، وهذا قد حكيناه من قبل.

قال المتولي: الانتقال من الحيض إلى الطهر لا يدل على براءة الرحم؛ فإنها قد تحمل من الوطء في زمان الحيض، ثم ينقطع فيه، والانتقال من الطهر إلى الحيض يدل على البراءة؛ لأن الغالب أن الحامل لا ترى الدم؛ فاعتبر الشرع هذا الانتقال، ولم يعتبر ذلك الانتقال.

ص: 32

الثاني- وهو المذكور في "الأم"- أنه المحتوش بدمين، لا مجرد الانتقال، وهو الجديد، والأصح في "التهذيب" وعند القاضي الروياني وغيره. قال الرافعي: لكنه يخالف ما حكيناه في كتاب الطلاق [أن أكثرهم حكموا بوقوع الطلاق] في الحالف إذا قال للتي لم تحض قط: أنت طالق في كل قرء طلقة.

وأظهر المراوزة ثمرة هذا الخلاف فيما إذا اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم حاضت في أثنائها، وفيما إذا قال لها: أنت طالق في آخر طهرك، أو وقع ذلك اتفاقاً، وعند العراقيين في ذلك كلام سنذكره.

قال: ومتى يحكم بانقضاء العدة؟ فيه قولان:

أحدهما: إن كان الطلاق في طهر- أي: قبل جماع فيه أو بعده- انقضت العدة بالطعن في الحيضة [الثالثة، وإن كان في حيض انقضت العدة بالطعن في الحيضة] الرابعة؛ لأن الظاهر أن الذي ظهر دم حيض؛ فيكون الطهر قبله قد كمل؛ فانقضت العدة بثلاثة أقراء، وقد روي عن عائشة وزيد بن ثابت- رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه. وعن عثمان وابن عمر- رضي الله عنهم أنهما قالا: إذا طعنت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له. وهذا القول هو الذي رواه الربيع والمزني، وهو الأصح.

فإن قيل: فإاذ كان الطلاق في الطهر لم يكمل بذلك ثلاثة أقراء، وإنما حصل قرءان وبعض الثالث، والله- تعالى- أوجب الاعتداد بثلاثة أقراء.

فالجواب: أنه قد يطلق اسم "الثلاث" على الاثنين وبعض الثالث؛ قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] وهو شهران وبعض الثالث، وتقول: كتبت لثلاث خلون، وإن كان قد مضى اثنان وبعض الثالث؛ فكذلك في "الأقراء".

فإن قيل: ذلك مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة.

قيل: الحمل [على] المجاز هاهنا متعين؛ لأمرين:

ص: 33

أحدهما: أنها لو لم تعتد به عن الطلاق لكانت عدتها بأكثر من ثلاثة أقراء، والله- تعالى- أمرها أن تعتد بثلاثة أقراء.

والثاني: أنه منع من الطلاق في الحيض؛ لئلا تطول عدتها؛ لفوات الاعتداد بحيضها، وترك الاعتداد بما ذكرناه أبعد لعدتها، وأسوأ حالاً من الطلاق في الحيض؛ فلو لم تعتد به لكان المنع من الطلاق فيه أولى.

واعلم أنا إنما نبهنا على أنه لا فرق في بقية الطهر بين أن يكون قبل الجماع أو لا؛ لأنا رأينا الجيلي قد جزم القول بأنه إذا كان الطلاق بعد جماع فيه: أن عدتها لا تنقضي إلا بالطعن في الحيضة الرابعة، وهذا خلاف ما نص عليه الشافعي في "المختصر"، وصرح به أصحابنا كالماوردي، وابن الصباغ والإمام وغيرهم، ولم أر ما قاله لأحد من أصحابنا. نعم، حكوه عن أبي عبيد القاسم بن سلام؛ فلعله اعتقد أنه من أصحابنا؛ فاقتصر على حكاية مذهبه.

قال: والثاني: لا تنقضي حتى تحيض يوماً وليلة، أي: من الحيضة الثالثة أو الرابعة؛ لجواز أن يكون ذلك دم فساد؛ فلا نحكم بانقضاء العدة بالشك، وهذا ما رواه البويطي [وحرملة].

قال: وقيل: إن حاضت للعادة انقضت العدة بالطعن في الحيض، لأنه يعلم من العادة أنه حيض، وإن حاضت لغير العادة لم تنقض حتى تحيض يوماً وليلة؛ لأنه لا يعلم أنه حيض بيقين.

والقائل بهذه الطريقية حمل النصين على هذين الحالين، والقائل الأول يقول: إن لم يوجد شرط الحيض بعد ذلك تبين أن العدة لم تنقض.

وهل لحظة رؤية الدم، أو اليوم والليلة- إن اعتبرنا وجودهما- من نفس العدة، أو يتبين بها انقضاء العدة وليست منها؟ فيه وجهان محكيان في الطريقين، وأصحهما- على ما حكاه الرافعي وغيره-: الثاني، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو راجعها في هذا الزمن، أو مات واحد منهما، أو تزوجها غيره.

ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الدم الذي رأته في زمن الإمكان أسود أو أصفر أو كدراً.

ص: 34

وقال أبو سعيد الإصطخري: الصفرة والكدرة في غير أيام العادة ليست بحيض؛ لأنه إذا تجرد من صفة الحيض، وخرج عن زمانه؛ كان قاصراً.

قال أبو إسحاق المروزي: وقد كنت أذهب إلى هذا حتى رأيت للشافعي نصاً يسوي في الصفرة والكدرة بين أيام العادة وغيرها.

تنبيه: قول الشيخ: "إن كان الطلاق في طهر انقضت العدة بالطعن في الحيضة الثالثة"، محمول على ما إذا بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، أما إذا لم يبق، بل انطبق آخر لفظ لطلاق على [آخر][أجزاء] الطهر، ويتصور ذلك بأن يقول: أنت طالق في آخر أجزاء طهرك، أو يقع ذلك اتفاقاً- فالمذهب المشهور: أنه لا يعتد بذلك قرءاً، وإن كان كلام الشيخ يصدق عليه. وفيه وجه محكي في "المهذب" وغيره عن تخريج ابنس ريج أنه يعتد به قرءا. ومحله عند البندنيجي وابن الصباغ إذا تكمل لفظ الطلاق في زمن الطهر، وتخلل بينه وبين الحيض زمن وقوع الطلاق، وجزما القول بعدم الاعتداد فيما إذا انطبق آخر اللفظ على آخر الطهر، وغيرهما لم يعتبر ذلك، وما قالوه يمكن أن يخرج على قاعدة قررها الغزالي في كتاب الظهار: أن كل حكم مرتب على لفظ: فيكون مع آخر جزء منه، أو متأخراً مترتباً عليه ترتب الضد على زوال الضد؟ والأصح عند الغزالي وإمامه: الأول، ومقتضاه جريان الخلاف في الصورة التي حكيناها أولاً، ومقتضى مقابله: يكون الطلاق واقعاً في الحيض؛ فلا يعتد به قرءاً وجهاً واحداً، ويكون محل الخلاف ما حكاه البندنيجي.

فائدة: إذا كانت المطلقة مستحاضة فلها أربعة أحوال:

الحالة الأولى: أن تكون معتادة.

الثانية: أن تكون مميزة، ولا يخفى الحكم فيها.

الحالة الثالثة: أن تكون معتادة مميزة؛ فالجمع بينهما مع اختلاف حكمهما غير ممكن، وفيما يعتبر منهما وجهان:

أحدهما- وهو ظاهر المذهب- حكم التمييز على العادة.

والثاني: عكسه.

ولا يخفي التفريع على كل قول.

ص: 35

الحالة الرابعة: أن تعدما، ولذلك صورتان:

إحداهما: أن تكون مبتدأة، وفيما نحيضها قولان مذكوران في الحيض.

والحكم في انقضاء عدتها: أنا ننظر:

إن كان الطلاق في الدم في أول الشهر انقضت عدتها بثلاثة أشهر كاملة؛ لأن الأغلب من عادة النساء أن يحضن في كل شهر حيضة، قال الرافعي: وشهرها ثلاثون يوماً. ثم قال: ويمكن أن تعتبر الأهلة؛ كما سنذكره في الناسية، وقد أشار إليه مشيرون.

وإن كان في أثناء الشهر فهل تعتد بباقيه قرءاً أم لا؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا؛ لجواز أن يكون حيضاً.

والثاني: نعم، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأن اعتبار الأغلب في الشهر أن يجمع حيضاً وطهراً، يقتضي تغليب الحيض في أوله والطهر في آخره؛ فيصير الطلاق في آخره طلاقاً في الطهر، كذا حكاه الماوردي، وفيما علل به إشعار بأن محل الوجهين فيما إذا بقي من الشهر القدر الذي نحيضها فيه أو أقل، أما إذا بقي أكثر من الزمن الذي نحيضها فيه، فالذي يظهر أنه يجب القطع بالاعتداد به، وسنذكر من بعد عنه ما يعضده.

ويظهر من طريق النظر أمر آخر: أن يقال: إن كان الطلاق في أثناء الشهر، وكان ذلك الوقت [مثل الوقت الذي ابتدأ بها فيه الدم أولاً- تعتد بثلاثة أشهر من ذلك الوقت] وجهاً واحداً؛ بناء على أنا [لا] نحيضها في الشهر أكثر من مرة واحدة إما لأنا نحيضها أقل الحيض ونجعل باقي الشهر طهراً، أو لأنا نحيضها أغلب الحيض، ونجعل طهرها غالب الطهر؛ لأن ذلك الوقت يكون أول كل حيضة على هذا التقدير، أما إذا حيضناها أقل الحيض، وجعلنا طهرها أقل الطهر، فيظهر أن عدتها تنقضي بأقل من ذلك.

وإن كان الطلاق قبل رؤية الدم، ثم أت الدم في شهرها- فسيأتي بالاعتداد

ص: 36

[بما مضى] قرءاً حكاية خلاف: فإن اعتددنا به قرءاً انقضت عدتها إذا استكملت شهرين بعده مع اتصال [الدم]، وإن لم نعتد به اعتدت بثلاثة أشهر بعد رؤية الدم، سواء كان الدم في أول شهر أو في تضاعيفه؛ لأن أول الدم هو الحيض يقيناً.

الثانية: أن تكون ناسية للوقت والعدد؛ فلا تعلم هل كان حيضها يوماً أو عشرة، وهل كان في كل شهر أو شهور، أو في كل سنة أو سنين، وهي المتحيرة- ففي حكم عدتها قولان:

أحدهما: أنها كالمبتدأة؛ فتحيض في كل شهر حيضة؛ فإن طلقت في شهر قد بقي منه أكثر من القدر الذي نحيضها إياه، اعتدت به قرءاً، وإن بقي قدر ما نحيضها أو أقل لم تعتد به قرءاً، كذا حكاه الماوردي.

وحكى البندنيجي: أنا على هذا القول نجعل حيضها من أول كل شهر. ولا يخفى تفريع الحكم على ذلك. وحكى القاضي الحسين وغيره وجهين:

أحدهما: أنه إن طلقها وقد بقي من الشهر خمسة عشر يوماً [أو أقل فلا يحسب ذلك طهراً؛ لاحتمال أنه كله حيض، وإن بقي أكثر من خمسة عشر يوماً] حسب ذلك قرءاً؛ لأنا نقطع بأن فيه جزءاً من [طهر].

والثاني: يوافق ما يقتضيه التفريع على ما حكاه البندنيجي.

والقول الثاني: أن أمرها مشكل؛ فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر كاملة من وقت طلاقها، سواء كان في أول الشهر أو تضاعيفه؛ لقوله- تعالى:{وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4] وهذه مرتابة؛ فتكون عدتها ثلاثة أشهر.

والذي حكاه البندنيجي على هذا القول: أنها تصبر إلى سن الإياس، وحكي عن صاحب "التقريب" رواية وجه: أنا نأخذ بالاحتياط، ويكون حكمها حكم التي تباعد حيضها لعارض، ولا نقول- على هذا- بامتداد الرجعة

ص: 37

وحق السكنى، والذي عليه الجمهور خلافه، ولو كانت ناسية لعدد حيضها ذاكرة لوقته، وهي أن تقول: أعلم أن لي في أول كل شهر حيضة أنا ناسية لقدرها- ففيما ترد إليه قولان كالمبتدأة:

فإن طلقت في أول الشهر اعتدت بثلاثة أشهر كوامل.

ولو كانت ناسية للوقت ذاكرة للعدد، وهي أن تقول: أعلم أن حيضي في كل شهر عشرة أيام، [ونسيت وقتها من الشهر- فينظر: إن بقي من الشهر بعد الطلاق أكثر من عشرة أيام] اعتدت به قرءاً، فإذا مضى بعد مضي ذلك الشهر شهران انقضت العدة، وإن كان الباقي عشرة أو أقل استقبلت ثلاثة أشهر كاملات بعد انقضاء ذلك الشهر.

قال: وإن كانت ممن لا تحيض؛ لصغر أو إياس اعتدت بثلاثة أشهر؛ لقوله – تعالى: {وَاللَاّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} الآية [الطلاق: 4]، ومعنى قوله:{إِنْ ارْتَبْتُمْ} أي: لم تعرفوا ما تعتد به التي أيست من ذوات الأقراء؛ فدل على ما ذكرناه عن أبي في أول الباب.

وحكم من بلغت بالسن ولم تحض حكم من ذكرناه؛ لعموم الآية.

ولو ولدت المرأة، ولم تر حيضاً قبل الولادة ولا نفاساً بعدها فتعتد بالشهور؛ لظاهر الآية، أو هي كمن انقطع دمها بلا سبب ظاهر؛ لأن الحمل لا يكون إلا لذوات الأقراء؟ فيه وجهان، والأول اختيار الشيخ أبي حامد.

ثم الأشهر تعتبر بالأهلة أو بالعدد؟ ينظر: إن انطبق آخر الطلاق على آخر شهر- إما بالتعليق أو اتفاقاً- اعتبرت بالأهلة، وإن وقع الطلاق في أثناء شهر اعتبر الأول بالعدد- وأوله بعد الطلاق- والشهران الباقيان بالأهلة.

وذهب أبو عبد الرحمن محمد ابن بنت الشافعي إلى أنا نعتبر الأشهر الثلاثة بالعدد والحالة هذه.

وقد ذكرت في باب السلم عن الإمام وغيره كلاماً فيما إذا وقع العقد في آخر

ص: 38

لحظة من الشهر، وجاء بعده شهران ناقصان ومثله يجيء هنا.

قال: فإن انقطع دمها لغير عارض، أي: معروف، وهي ممن تحيض- ففيه قولان أحدهما، أي وهو الجديد: تقعد إلى الإياس إن لم يعاودها الحيض، ثم تعتد بالشهور- أي: ولا تعتد بها قبل ذلك- لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالشهور إلا للتي لم تحض وللآيسة، وهذه ليست بواحدة منهما.

ولأنها مطلقة ترجو عود الدم؛ فلم تعتد بالشهور، قبل [تبين الإياس] كما لو انقطع لعارض معروف من مرض أو رضاع.

وقد استفتي عثمان وعنده علي وزيد- رضي الله عنهم في امرأة حبان بن منقذ، وكان قد طلقها طلقة واحدة، وكانت لها منه بنية صغيرة ترضعها؛ فتباعد حيضها، وأقامت تسعة عشر شهراً لا تحيض- أترثه إذا مات؟ فقال لعلي وزيد: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها إن [ماتت ورثها، وإن] مات ورثته؛ لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، ولا من اللائي لم يحضن، وانتزع حبان البنت منها؛ فعاد إليها اللبن؛ فحاضت حيضتين، ومات حبان قبل انقضاء الثالثة، فورثها عثمان، رضي الله عنه.

قال: وفي الإياس قولان:

أحدهما: إياس أقاربها، أي: من أحد الأبوين، كما نص عليه في "الأم"؛ لتقاربهن في الطبع والخلق والخلق ونزوع بعضهن إلى بعض.

وقيل: الاعتبار بنساء العصبات؛ كمهر المثل، وهو بعيد.

وعلى الأول: لو اختلفت عادة أقاربها اعتبرنا أقل عادة امرأة منهن، وقيل: تعتبر أكثرهن عادة.

وهذا القول إيراد صاحب "التهذيب" يقتضي ترجيحه.

قال: والثاني: إياس جميع النساء [أي: أقصى إياس جميع النساء]؛ لأنه لا يتحقق الإياس فيما دون ذلك.

ص: 39

قال الإمام: ولا يمكن طوف العالم والتفحص، وإنما المراد ما يبلغ خبره ويعرف.

وقيل: المعتبر سن اليأس غالباً، ولا نظر إلى الأقصى؛ كما يعتبر في المستحاضة [و] المبتدأة الرد إلى الغالب في قول.

وعلى كلا الوجهين: هل المعتبر نساء زمانها أو نساء أي زمان كان؟ الذي رأيته في "الإبانة" الأول، وكذلك في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة"، وغيرهم لم يتعرض لذلك.

واعلم أن القول باعتبار إياس جميع النساء هو الراجح على ما يقتضيه إيراد أكثرهم، خلا صاحب "التهذيب" كما حكيناه عنه، وقد حكى الروياني في "جمع الجوامع"، أن أبا إسحاق قال: لعله أصح القولين.

وقد اختلف أئمتنا في سنه – تفريعاً على هذا القول- على ستة مذاهب:

أشهرها: أنه اثنتان وستون سنة.

وقيل: ستون سنة، وهو ما ذهب إليه ابن القاص والشيخ أبو حامد، ويعضده ما رواه ثابت [بن] قرة الحراني في كتاب "الذخيرة في الطب": أن أقل سن [الإياس] وانقطاع الحيض خمس وثلاثون سنة، وأكثره ستون سنة.

وقيل: خمسون سنة، وينسب هذا إلى رواية أبي الحسين بن خيران في "اللطيف".

وذكر أبو الفرج السرخسي: أن المرأة إنما تبلغ سن الإياس إذا جاوزت سبعين سنة، وحكى أن امرأة حاضت لسبعين سنة.

ويقرب منه ما حكاه الماوردي: أن امرأة من بني تميم [ذات] خفر وخشوع أخبرته بجامع البصرة أن الدم عاودها بعد الإياس كما كان يعتادها في زمان الشباب منذ سنة، وكان سنها نحو سبعين سنة.

وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه خمس وثمانون سنة.

وفي "البيان": أن بعضهم قال: إن غير العربية لا تحيض بعد خمسين سنة، والعربية تحيض بعدها، ولا تحيض بعد ستين سنة إلا قرشية.

ص: 40

قال الماوردي: وهذا قول لا يتحقق.

ووراء ما ذكرناه في اعتبار سن الإياس وجه آخر: أن المرجع فيه إلى سن نساء البلد الذي هي فيه؛ لأن للأهوية تأثيراً في الأمزجة؛ فعلى هذا: لو اختلفت عادة أهل البلد فما المعتبر؟ الذي رواه الإمام عن حكاية بعض المصنفين: أنا نعتبر أقصى عادة امرأة منهن.

قال: والقول الثاني- أي في أصل المسألة-: أنها تقعد إلى أن تعلم براءة الرحم، ثم تعتد بالشهور؛ لأن الصغيرة لما عرفت براءة رحمها، وتعذر في حقها الرجوع إلى الأقراء في الحال- اعتدت بالشهور؛ كذلك هذه إذا مضت عليها مدة تعرف براءة الرحم، وجب أن تعتد بالشهور؛ احتياطاً كالصغيرة.

ولأن في الزيادة على ذلك حصول ضرر عظيم؛ فلم يكلف به؛ لقوله- تعليه السلام-: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ"، ووجه الضرار:

أما بها؛ فلأنها [تبقى لا أيما ولا ذات زوج في قعر البيت، وإذا بلغت سن اليأس لا يرغب فيها.

وأما بالزوج؛ فلأنه] تبقى نفقتها عليه إن كانت رجعية، وسكناها بكل حال ونحن نفسخ النكاح بدون هذه الضرورة الظاهرة، وهذا هو القول القديم.

قال: وفي قدر ذلك، أي في قدر ما يحصل به العلم ببراءة الرحم قبل الاعتداد بالأشهر قولان:

أحدهما: تسعة أشهر؛ لأن الحمل لا يكون في البطن أكثر من ذلك- غالباً- والمرأة تنقضي عدتها بثلاثة أشهر- غالباً- فأخذنا بما هو الظاهر والغالب.

واستدل له الشافعي في القديم بأن أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه قضى به بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد، فكيف يجوز لنا أن نخالفه؟

قال: والثاني: أربع سنين؛ لأنه لو جاز الاقتصار على براءة الرحم في الظاهر

ص: 41

لجاز الاقتصار على حيضة واحدة؛ لأنه يعلم بها براءة الرحم في الظاهر؛ فوجب أن نعتبر أكثر مدة الحمل لنعلم براءة الرحم بيقين.

وفي المسألة قول آخر مخرج من القديم- على ما حكاه أبو الفرج [الزاز-: أن] مدة التربص قبل الاعتداد بالأشهر أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر؛ لأنه تظهر أمارات الحمل في هذه المدة وإن لم تلد، وإذا لم تظهر اعتدت بالأشهر.

ثم على الأقوال كلها: لو كان انقطاع دمها بعد مضي قرء من العدة، لم تعتد به من المدة، والصحيح من القولين في أصل المسألة: الأول.

وفي "جمع الجوامع" للقاضي الروياني وغيره: أن بعض الأصحاب حكى أنه رجع عما قاله في القديم صريحاً.

وأجيب عن أثر عمر: بأنه محمول على امرأة بقي بينها وبين [سن الإياس] تسعة أشهر.

وعن حصول الضرر: بأن امرأة المفقود تتضرر أكثر ما تتضرره هذه، وقد كلفت الصبر حتى [يأتيها بيقين] طلاقه أو وفاته؛ كذا قاله القاضي الحسين.

ويمكن أن يفرق بينهما بأمرين:

أحدهما: أن الضرر هاهنا شامل للزوجين من غير تقصير من أحدهما، وفي المفقود الضرر خاص بالزوجة أو بهما، لكن الضرر اللاحق بالزوج من تقصيره، ولا يلزم من اعتقاد ضرر واحد اعتقاد ضررين.

الثاني: أن المفقود في كل وقت يمكن حضوره، وأطماع المرأة تمتد إليه؛ فلا يلحقها كبير ضرر، وهاهنا أطماعها منقطعة؛ فالضرر أشد، ويشهد لذلك ما ذكر في الإيلاء.

تنبيه: قول الشيخ: "إنها تقعد إلى أن تعلم براءة الرحم"، جار على حقيقته إذا قلنا: إنها تصبر أربع سنين، أما إذا قلنا: تسعة أشهر، فيكون قد أطلق "العلم" وأراد به "الظن"، وذلك جائز من طريق المجاز؛ قال الله تعالى-:{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] أطلق "العلم" وأراد به "الظن".

ص: 42

فرعان:

أحدهما: إذا رأت الحيض في أثناء مدة التربص انتقلت إليه، فلو انقطع ولم يعد استأنفت مدة التربص؛ لتعتد بالشهود. وفي "التتمة": أنها لا تحتاج إلى استئنافها؛ لأنا على هذا القول لا نعتبر الإياس، وإنما نعتبر ظهور براءة الرحم، وقد ظهرت البراءة، ورؤية الدم تؤكد ظن البراءة، والمشهور الأول.

ولو رأت الحيض في أثناء الأشهر انتقلت إليه، فلو انقطع ولم يعد استأنفت مدة التربص والأشهر عند العراقيين، وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنها تبنى على ما مضى من الأشهر.

ولو رأته بعد انقضاء الشهر، وقبل أن تنكح، ولم تعتد- فوجهان: أحدهما: أنها لا يلزمها شيء والثاني: أنها تستأنف مدة التربص والأشهر. وهذا ما حكاه في "الزوائد" المنصوص.

ولو رأته بعد ما تزوجت فلا أثر لذلك.

قال الرافعي: ويخرج مما في "أمالي" أبي الفرج السرخسي وجه: أنه يتبين بطلان النكاح؛ لأنها إذا حاضت تبين أنها لم تكن من ذوات الشهور.

قلت: وهو قريب مما سنذكره عن القاضي الحسين في الفرع بعده.

[الفرع] الثاني: الآيسة إذا رأت الحيض بعد سن الإياس فالحكم على ما ذكرناه، غير أنه لا يجيء فيه ما حكيناه عن المتولي، والوجه الذي حكيناه عن المراوزة- على ما قاله القاضي الحسين- وفرق بين الصورتين بأن هناك مضت قبل الأشهر مدة تدل على براءة الرحم بعد انقطاع الدم. وحكي أيضاً [في] أنها إذا رأت الدم بعدما نكحت خلافاً مرتباً على الخلاف فيما إذا رأت الدم بعد انقضاء الشهور وقبل النكاح، وهاهنا أولى بألا يبطل، وقرب الأصحاب هذا الخلاف من الخلاف في المعضوب إذا استأجر من يحج عنه، فحج، ثم برئ؛ فإن في إجزائه خلافاً مذكوراً في موضعه.

ص: 43

قال: وإن اعتدت الصغيرة بالشهور فحاضت في أثنائها، انتقلت إلى الأطهار؛ لأنها قدرت على الأصل قبل الفراغ من البدل؛ فانتقلت إليه؛ كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال التيمم.

ولأن الله- تعالى- جعل لها الاعتداد بالأشهر إذا كانت من اللائي لم يحضن، ولم تكن كذلك في جميع الأشهر؛ فلم تنقض عدتها بالأشهر، وذلك إجماع، قاله ابن الصباغ.

قال: ويحتسب بما مضى طهراً؛ لأنه انتقال من [طهر إلى حيض]؛ فأشبه ما إذا طلقها وهي طاهر ثم حاضت، وهذا قول ابن سريج.

قال: وقيل: لا يحتسب؛ لأنه طهر لم يتصل أحد طرفيه بحيض؛ فلم يعتد به قرءاً؛ كما لو لم يتصل الطرف الأخير به عند الإياس، ولأنها لو اعتدت بقرء، ثم طرأ عليها الإياس- لم يحتسب بزمان القرء شهراً، وتستقبل الأشهر، كي لا تكون عدة من جنسين، كذلك حيض الصغيرة لا يوجب احتساب ما مضى من الشهور قرءاً؛ كي لا تجمع في عدة واحدة بين جنسين. وهذا هو ظاهر النص في "المختصر"؛ لأنه قال: واستأنفت الأقراء. وإليه ذهب أبو سعيد الإصطخري وأبو إسحاق.

قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، والآيسة لم يمنع من احتساب زمن قرئها من الأشهر ما ذكرتم، وإنما منع منه كونها تجعل الأصل بدلاً عن الفرع؛ فإن الأصل هو الأقراء، والأشهر بدل عنها، وهذا المعنى مفقود هاهنا.

وبنى المراوزة هذا الخلاف على الخلاف في حد القرء: هل هو الانتقال من الطهر إلى الحيض، أو هو الطهر المحتوش بدمين؟ ومقتضى هذا البناء أن يكون الصحيح القول الثاني، كما هو ظاهر النص.

فرع: لو اعتدت الصغيرة بالشهور، ثم حاضت بعد فراغها- لم يجب الانتقال إلى الأقراء؛ لأنه لو وجب لم يحصل الاعتداد بالأشهر في حقها؛ لأن الغالب في كل صغيرة الانتهاء إلى الأقراء، وبهذا فارقت [الآيسة] إذا رأت

ص: 44

الحيض بعد الاعتداد بالأشهر على رأي حيث قلنا: إنها تستأنف العدة؛ لندور ذلك.

قال: وإن كانت أمة- فإن كانت حاملاً فعدتها بالحمل؛ لعموم قوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]، ولقوله- عليه السلام:"عِدَّةُ كُلِّ ذَاتِ حَمْلٍ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا"، ولأن الحمل لا يتبعض؛ فكان كالقطع في السرقة.

قال: وإن كانت من ذوات الأقراء اعتدت بقرأين؛ لأن الآية وإن وردت في الطلاق عامة فقد خصصتها السنة؛ روى عطية عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تَطْلِيقُ الْعَبْدِ بِطَلْقَتَيْنِ، وتَعْتَدُّ الأَمَةُ حَيضَتَينِ".

ص: 45

وذكر الحيض؛ لأنه لا يعرف استكمال الطهر إلا به.

وروى مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد، عن عائشة- رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"طَلَاقُ الأَمَةِ طَلْقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ".

قال الماوردي: وحديث ابن عمر أثبت؛ لأن في مظاهر التواء.

ولأن الأمة على النصف من الحرة في القسم والحد؛ فكذلك هاهنا، إلا أنه لا يمكن أن يجعل قرءاً ونصفاً؛ فكمل النصف قرءاً؛ كما كملنا طلاق العبد كذلك.

ولأن الاستبراء موضوع فيما يجري بحسب التفاضل في المستبرأة؛ ألا ترى أن الأمة في الملك تستبرأ بحيضة واحدة؛ لنقصانها بالرق، وعدم العقد؟ واستبراء الحرة بثلاثة أقراء؛ لكمالها بالحرية والعقد؟ ونكاح الأمة منزل بينهما؛ لأنها قد ساوت الحرة في العقد وساوت الأمة في الرق؟ فوجب أن تكون بين منزلتيهما.

قال: وإن كانت من ذوات الشهور- أي: كما ذكرنا- ففيها ثلاثة أقوال:

أحدها: ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله- تعالى-: {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4]، ولأنه أقل زمان يظهر فيه استبراء الرحم؛ قال- عليه السلام:"يَكُونُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِيْنَ يَوْماً نُطْفَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْماً عَلَقَةً، ثُمَّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مُضْغَةً"، [وهو في حال المضغة] يتخلق ويتصور وتظهر أماراته في الحركة وغلظ الجوف، وذلك عند انقضاء الشهر الثالث.

وهذا القول هو الصحيح عند المحاملي، واختاره الروياني، وقال القاضي الحسين: ربما يخرج من أحد قولي الشافعي في المستولدة إذا عتقت: أنها تعتد بثلاثة أشهر، وعلى ذلك جرى الإمام وصاحب "التهذيب" تصريحاً بالتخريج.

ص: 46

قال: والثاني: شهران، بدلاً عن قرأين؛ كما كانت الأشهر الثلاثة في حق الحرة بدلاً عن ثلاثة أقراء وقد روي عن عمر أنه قال:"تعتد الأمة بحيضتين؛ فإن لم تحض فبشهرين، أو شهر ونصف"، فمنهم من قال: هو شك من الراوي، ومنهم من قال: هو ترديد قول من عمر، وهو ظاهر الرواية. قال الإمام وغيره: وهو شاهد بين في أن ترديد القول ليس بدعاً.

قال: والثالث: شهر ونصف؛ ليجري ذلك على الصحة؛ كالعدة من الموت، وهذا هو الأقيس عند الماوردي والروياني، وظاهر المذهب على ما حكاه الروياني، وقال: إن عليه جمهور أهل خراسان من أصحابنا.

وحكم المكاتبة وأم الولد فيما ذكرناه حكم القنة، وكذا من بعضها حر وبعضها رقيق، والله أعلم.

قال: وإن أعتقت في أثناء العدة، أي: وكان الزوج حراً أو عبداً، ولم يفسخ النكاح:

فإن كانت رجعية أتمت عدة حرة، وهذا هو الجديد، وأحد قولي القديم، ومقابله: أنها تتم عدة أمة.

وإن كانت بائنة ففيه قولان، أي: مذكوران في الجديد- والمذكور منهما في القديم: أنها تتم عدة أمة.

وقد تحصل من مجموعهما ثلاثة أقوال:

أحدها- وهو اختيار المزني، والأصح عند المحاملي وصاحب "الحلية"، وغيرهما-: أنها تتم عدة حرة؛ لأن ما اختلفت به العدة، المعتبر فيه [الانتهاء دون الابتداء؛ كالشهور والأقراء، ولأن الاحتياط للعدة] أولى من الاحتياط للمعتدة المستريبة.

الثاني: أنها تعتد عدة الإماء؛ لأن الاستبراء في الرق لا يتغير بحدوث

ص: 47

العتق؛ كأم الولد؛ فكذلك هنا.

ولأن ما يتبعض المعتبر فيه حال الوجوب؛ بدليل الحدوث.

الثالث- وهو الأصح عند القاضي الحسين، والبغوي وجماعة-: أنها تتم عدة حرة في الطلاق الرجعي، وعدة أمة في الطلاق البائن؛ لأن البائن كالأجنبية، لقطع الميراث، وسقوط النفقة؛ والرجعية كالزوجة، لاستحقاق التوارث، ووجوب النفقة؛ فافترقتا في العدة لافتراقهما في الزوجية، ولأن الرجعية لما انتقلت من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، ولم تنتقل إليها البائن- وجب أن تنتقل الرجعية من عدة الإماء إلى عدة الحرائر، ولا تنتقل إليها البائن.

أما إذا [اختارت الفسخ، فهذا ينبني على أنها هل تبني على العدة أو تستأنف؟ وفيه وجهان، وعن أبي إسحاق القطع بأنها تبني.

ويجري الخلاف فيما إذا] أخرت الفسخ حتى راجعها الزوج، ثم فسخت قبل الدخول، قال في "التتمة": والمذهب: أنها تستأنف؛ لأنها فسخت وهي زوجة، وهذا ما حكاه البندنيجي طريقة قاطعة، ووجهها بأن الفسخ من غير جنس الطلاق.

وهو جار في المسألة الأولى، وسنذكره من بعد.

فإن قلنا: تستأنف، فتستأنف عدة الحرائر، وإن قلنا: تبني، فتكمل عدة الحرائر، أو تقتصر على عدة الإماء؟ فيه الخلاف السابق، وعن أبي إسحاق القطع بأنها تكمل عدة الحرائر.

واعلم أن الذي يوجد في النسخ: "وإن كانت بائنة"، كما ذكرناه، وهو المضبوط عن نسخة المصنف، وهي لغة، والأفصح بائن.

فرع: لو حصل العتق والطلاق معاً، اعتدت عدة الحرائر وجهاً واحداً، وذلك يتصور بأن يعلق السيد عتقها والزوج طلاقها على شيء واحد، وبأن يقول

ص: 48

الزوج: إذا عتقت فأنت طالق، بأن يقول السيد: إذا طلقت فأنت حرة، كذا قاله الموردي.

قلت: وفي المثالين الأخيرين نظر إذا فرعنا على أن المعلق يترتب في الوقوع على وجود الصفة؛ كما اقتضاه تفريع الشيخ أبي حامد فيما حكيناه من قبل؛ لأنه يلزم تقدم الطلاق على العتق؛ [والعتق على الطلاق، وإذا كان كذلك يظهر أن يكون الحكم فيما إذا تقدم الطلاق على العتق] كما تقدم، والله أعلم.

قال: ومن وطئت بشبهة- أي: شبهة نكاح – وجب عليها عدة المطلقة، أي: فإن كانت حرة وظنها الواطئ زوجته الحرة اعتدت بثلاثة أقراء، وإن كانت أمة فظنها الواطئ زوجته الأمة اعتدت بقرأين؛ لأن الوطء بالشبهة كالوطء في النكاح الصحيح بالنسبة إلى النسب؛ فكان مثله في إيجاب العدة، وفيه وجه: أنه إذا وطئ الأمة ظاناً [أنها زوجته الأمة لا يلزمها إلا قرء واحد؛ نظراً إلى حالها، حكاه المتولي والماوردي، ولو وطئ حرة ظاناً أنها زوجته الأمة أو أمة ظاناً] أنها زوجته الحرة، فهل تعتد كل واحدة منهما بقرأين أو بثلاثة أقراء؟ فيه وجهان وفي "التتمة" و"الحاوي" حكاية وجه ثالث في الأخيرة: أنها تعتد بقرء واحد.

[أما لو كانت الشبهة شبهة ملك يمين بأن وطئ حرة أو أمة ظاناً أنها أمته- ففي "التتمة" في الصورة الثانية: يلزمها أن تعتد بقرء واحد]، وفي الأولى وجهان:

أحدهما: تعتد بثلاثة أقراء، وهو ما قطع به قاطعون.

والثاني: تعتد بقرء واحد.

وحاصل ما ذكره المتولي في المسائل كلها من الخلاف يرجع إلى أن الاعتبار بحالها أو بظنه، والله أعلم.

ص: 49

فرع: المعتدة عن وطء الشبهة إذا أراد الواطئ نكاحها في عدته جاز.

وحكى الجيلي عن بعض أصحابنا: أنه لا يجوز. وهو موافق لما سنذكره من مذهب المزني في المختلعة.

قال: ومن مات زوجها وهي حامل، اعتدت بوضع الحمل، أي حرة كانت أو أمة؛ لما روى سعيد بن المسيب عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله، هذه الآية مشتركة؟ قال:"أي آية"؟ قلت {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ قال: "نعم" وقد روى الشافعي: أن سبيعة الأسلمية وضعت حملها بعد قتل زوجها بنحو من نصف شهر؛ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ حَلَلْتِ؛ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ".

قيل: وكانت هذه القصة بعد حجة الوداع التي لم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها إلا شهوراً، على ما رواه الماوردي. ولفظ مسلم في حديث سبيعة:"أَنَّهَا وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ"، وقال البخاري:"بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً".

ثم المعتبر في انفصال الحمل وصفته ما ذكرناه من قبل.

قال: وإن كانت حائلاً، أو حاملاً بحمل لا يجوز أن يكون منه، أي: بأن يكون الزوج عمره دون عشر سنين، ومن في معناه على النعت المذكور في باب ما يلحق من النسب.

قال: اعتدت بأربعة أشهر وعشر، أي: إذا كانت حرة؛ لعموم قوله- تعالى-:

ص: 50

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234]، ولا يرد علينا ما إذا كانت حاملاً بحمل يجوز أن يكون منه؛ لأن ذلك خرج بدليل؛ فبقينا فيما عداه على مقتضى الدليل الأول.

وقد استدل الشيخ في "المهذب" على عدة الحائل بالأربعة أشهر والعشر بالآية، وعلى عدة الحامل بحمل لا يجوز أن يكون من المتوفى: بأنه حمل لا يجوز أن يكون منه [فلم تعتد] به؛ كامرأة الكبير إذا طلقها، وأتت بولد لدون ستة أشهر من حين العقد.

وما قاله فيه نظر من حيث إن المنقول عن أصحاب أبي حنيفة- على ما حكاه الإمام والقاضي الحسين-: أن العدة تنقضي عندهم في الصورة المقيس عليها بوضع الحمل، وأبو حنيفة هو المخالف في انقضاء عدة الوفاة به؛ فكيف يحسن القياس عليه؟ نعم، حكى الماوردي عنه: أنه وافقنا على أن الحمل لو ظهر بعد وفاة الصبي لا تعتد به عنه، بخلاف ما إذا ظهر قبل وفاته، فنقول: ولد لا يمكن أن يكون منه؛ فلم يقع الاعتداد به؛ كما لو ظهر بعد موته.

واعلم أن إطلاق الشيخ القول بأن الحائل تعتد بأربعة أشهر وعشر، يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون من ذوات الأشهر أو من ذوات الأقراء، ولا بين أن تكون الوفاة بعد الدخول أو قبله؛ كما دل عليه إطلاق الآية، مع العلم بأن حال الزوجات في ذلك مختلف، وعدم التفصيل بين المدخول بها وغيرها، بخلاف الطلاق؛ فإن الله -تعالى- فصل فيه بين أن تكون المطلقة مدخولاً بها أو غير مدخول بها، ولا يمكن إلحاق عدة الوفاة بعدة الطلاق؛ لأمور:

منها: أن عدة الوفاة لو شرط فيها الدخول لم يؤمن أن تنكره؛ حرصاً على الأزواج مع عدم المنازع، وفي الطلاق صاحب الحق ينازع؛ فلا تتجاسر على الإنكار.

ومنها: أن فرقة الموت لا اختيار فيها؛ فأمرت بالتفجع وإظهار الحزن لفراق

ص: 51

الزوج؛ ولذلك وجب فيه الإحداد، وفرقة الطلاق تتعلق باختيار المطلق؛ فلم يكن عليها إظهار التفجع والحزن.

ومنها: أن المقصود الأعظم في عدة الطلاق: تعرف براءة الرحم؛ فلذلك اعتبرت الأقراء، وفي عدة الوفاة المقصود الأعظم: حق الزوج ورعاية حرمة النكاح؛ ولذلك اعتدت بالشهور التي لا تقوى دلالتها على البراءة، وأبدى القاضي الحسين في ذلك معنى آخر، وهو: أن الشرع جعل الموت في تقدير المهر بمنزلة الدخول؛ لكون النكاح يقصد به الدوام مدة العمر، والوطء في الحياة يدل عليه تقرر المهر بكل واحد منهما من الوطء أو الموت؛ فإذا مات قبل الدخول فقد اتصل بالمقصود لما استغرق مدة العمر، واستعقب الأثر وهو العدة، وإذا طلقها قبل الدخول لم يفض إلى مقصود ما؛ فلم يعقب أثراً، نظيره: لما دخل بها ثم طلقها، لما اتصل بالمقصود أعقب الأثر.

تنبيه: المراد بالعشر في الآية، وفي الكتاب: عشر ليال بأيامها، وغلب التأنيث؛ من حيث إنه لم يأت فيها بالهاء الدالة على التذكير؛ لأن العرب تغلب التأنيث في اسم العدد إذا أرادت الليالي والأيام؛ فتقول: سرت عشراً، وهي تريد الليالي والأيام، وقد نطق الشافعي بمثل ذلك في أشهر الحج؛ حيث قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة وليلة.

[تنبيه] آخر: الحامل بحمل لا يجوز أن يكون منه متى يعتبر ابتداء المدة في حقها؟ ينظر: إن كان الحمل من وطء شبهة أو نكاح فاسد، اعتبرت من حين الوضع وإن كان من زنى، اعتبرت أربعة من حين الوفاة كالحائل. ثم ينظر: إن كانت الوفاة مع آخر جزء من شهر، اعتبرنا أربعة أشهر بالأهلة، وعشرة أيام بعدها. وإن كانت في أثناء الشهر: فإن كان قد بقي منه عشرة أيام بلياليها لا غير، اعتبرنا بعد العشر أربعة أشهر بالأهلة أيضاً، وكذلك إن كان قد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبرنا بعده أربعة أشهر بالأهلة، ثم تكمل العشر من الشهر السادس. فإن كان الباقي من شهر الوفاة أكثر من العشر، اعتبرنا بعده ثلاثة أشهر بالأهلة، ثم تكمل الشهر الرابع من الخامس، وتلي ذلك بالعشر، هكذا قاله

ص: 52

الرافعي، ولم يعتبر الماوردي وابن الصباغ أربعة أشهر بالأهلة إلا في الصورة الأولى، وفيما عداها اعتبر ثلاثة أشهر بالأهلة وشهراً بالعدد. وحكى بعض أصحابنا وجهاً: أنه متى انكسر شهر منها واعتبرنا بالعدد، اعتبرنا الجميع بالعدد، وقد تقدم له نظائر.

ولو كانت المرأة محبوسة لا تعرف الهلال اعتبرت بمائة وثلاثين يوماً.

قال: وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال.

أطلق الشيخ- رحمه الله "الليالي" هاهنا وفي "المهذب"، وأراد: الليالي بأيامها، وكذلك الماوردي والقاضي الحسين والمسعودي؛ اتباعاً لعادة العرب؛ فإنها تطلق "الأيام" وتريد: بلياليها، وتطلق "الليالي" وتريد: بأيامها، وقد حكى ذلك عنهم الماوردي عند الكلام في المسألة قبل هذه، وبهذا يندفع كلام من قال: إن قول الشيخ: "وخمس ليال" غلط، وإن صوابه: خمسة أيام بلياليها.

على أن ما ذكرناه يظهر مما قررناه في عدة الحرة.

وإنما قلنا: إن الأمة تعتد بشهرين وخمس ليال؛ لأن العدة أمر ذو عدد ينبني على المفاضلة؛ فوجب ألا تساوي الحرة فيه الأمة، وتكون على النصف منها مع إمكان تنصيفه؛ كالحدود، وهذا هو المشهور في أكثر الكتب.

وفي "الزوائد" للعمراني حكاية قول آخر عن أبي حامد: أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر؛ لأن الولد يكون نطفة أربعين يوماً، وعلقة أربعين يوماً، ومضغة أربعين يوماً، ثم ينفخ فيه الروح ويتحرك؛ فاعتبر أن تعتد المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر؛ ليتبين الحمل بذلك، ويتحرك، وهذا لا تختلف فيه الحرة والأمة.

وما حكاه كلام البندنيجي يدل عليه أيضاً؛ فإنه قال: "عدة الوفاة واجبة بوفاة الزوج، صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، حرة أو أمة، مسلمة أو مشركة، مدخولاً بها أو غير مدخول بها، ثم لا تخلو من أمرين: إما أن تكون حاملاً أو حائلاً [فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن كانت حائلاً] فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام".

قال: وإن طلق امرأته طلقة رجعية، ثم توفي عنها، انتقلت إلى عدة الوفاة؛

ص: 53

لما روى جابر أن حبان بن منقذ طلق امرأته، ومات قبل أن تحيض الثالثة؛ فورثها عثمان، واعتدت عدة الوفاة من زوجها.

ولأن النكاح في الرجعية قائم؛ لما ذكرناه في الرجعة، وإنما حصلت البينونة بالموت، والطلاق المتقدم موجود؛ فاجتمع ما يوجب عدة الطلاق وما يوجب عدة الوفاة، وهو: حصول ابينونة بالموت، ولا سبيل إلى وجوبهما؛ إذ لا يجوز أن تكون معتدة من واحد عدتين، فقدمنا عدة الوفاة لتأكدها؛ فإنها تجب قبل الدخول وبعده، وعدة الطلاق لا تجب قبل الدخول.

ثم بقية عدة الطلاق هل تسقط، أو نقول: دخلت في عدة الوفاة؟

قال الرافعي قبل القسم الثاني من كتاب العدة: إنها تسقط بلا خلاف.

وحكى مجلي فيها خلافاً عن الأصحاب، وأن منشأة تباين جنس العدتين، وتظهر فائدة الانتقال في سقوط النفقة، وفي وجوب الإحداد، وقصر المدة وطولها، والمطلقة طلاقاً بائناً لا تنتقل إلى عدة الوفاة وإن كان في المرض، وقلنا: إنها ترثه؛ لأن البينونة حاصلة قبل الموت.

قال: وإن طلق إحدى امرأتيه، أي: ثلاثاً بعد الدخول، ومات قبل أن يبين- وجب على كل واحدة منهما أطول العدتين من الأقراء أو الأشهر، أي: إذا كانتا من ذوات الأقراء؛ لأن لك واحدة قد وجبت عليها عدة، واشتبهت عليها بعدة أخرى؛ فوجب أن تأتي بهما؛ لتخرج عما عليها بيقين؛ كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين، يجب عليه أن يقضيهما؛ ليخرج عما عليه بيقين.

ثم ابتداء الأشهر يكون من وقت الموت، وابتداء الأقراء يكون من حين الطلاق على الأصح؛ بناء على أنها تعتد من حين [الطلاق.

أما إذا قلنا: إنها تعتد من حين البيان، فهاهنا تعتبر الأقراء من حين] الموت، وقد صرح بهذا الوجه في "البحر"[لكن] من غير بناء.

أما إذا كان الطلاق رجعياً وجب على كل واحدة منهما عدة الوفاة، لا غير، وكذلك لو كان الطلاق قبل الدخول، أو كانتا من ذوات الأشهر، أو من ذوات الأقراء، وقد مضت ثلاثة أقراء قبل الموت.

ص: 54

ولو كانتا من ذوات الحمل اعتدتا بوضعه، وإن كانت إحداهما مخالفة للأخرى، اعتدت كل واحدة منهما بما يلزمها لو كانتا متفقتين.

واعلم أن قول الشيخ: "ومات قبل أن يبين" يعرفك أن المسألة مفروضة فيما إذا كان الطلاق معيناً في نفس الأمر، كما صرح به الماوردي وغيره؛ لأن البيان يكون لما وقع في نفس الأمر معيناً، والتعيين يكون لما وقع في نفس الأمر مبهماً.

أما إذا كان الطلاق مبهماً، فإنه ينبني على أن الطلاق يقع من حين الطلاق أو من حين التعيين؛ فإن قلنا: من حين الطلاق، فالحكم كما تقدم، وإن قلنا: من حين التعيين، فيعتبر ابتداء الأقراء والأشهر من حين الموت.

وحكي عن تعليق الشيخ أبي حامد أن كل واحدة منهما تعتد عدة الوفاة لا غير؛ لأنا نفرع على أن الطلاق يقع بالتعيين، فإذا لم يعين فكأنه لم يطلق، وهذا مشابه لما حكيته عن الفوراني ثم.

فرع: لو أسلم وثنى ومعه ثمان نسوة، فمات قبل أن يختار- وجب على كل واحدة منهن الاعتداد بأكثر الأمرين، وفي ابتداء الأقراء وجهان:

أحدهما: من حين الموت.

والثاني: من حين أسلم الأول منهم.

واعلم أن الأصحاب تكلموا في هذه المسألة، ولم يتعرضوا لبنائها على أن الوارث هل يقوم مقام الموروث في البيان أم لا، وكان لا يبعد بناؤها عليه.

قال: ومن فقدت زوجها، وانقطع عنها خبره- أي: حتى تتوهم، أو تظن أنه قد مات مثل: أن غاب وعادت رفقته، ولم يعرفوا حاله، أو كان في حرب الكفار، وانقضت الحرب، ولم يعرفوا حاله، أو غاب، ومضت مدة يعرف فيها في مجرى العادة خبر من سافر هذا السفر، ولم يعرف خبره- ففيه قولان:

أحدهما: أنها تكون على الزوجية إلى أن يتحقق الموت؛ لما روى عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَاتِيَهَا يَقِينُ مَوتِهِ أَوْ

ص: 55

طَلَاقِهِ" وروي عن علي- كرم الله وجهه- أنه قال: "امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ لَا تَتَزَوَّجُ".

ولأنه إذا لم يجز الحكم بموته في قسمة ماله وعتق أم ولده، فكذلك في زوجته، وهذا هو الجديد.

والثاني: أنها تصبر أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة، وهذا هو القديم؛ اتباعاً لعمر- رضي الله عنه – فإنه قضى به، واشتهر من غير إنكار من الصحابة.

ولأن للمرأة الخروج من النكاح بالجب والعنة؛ لفوات الاستمتاع، وبالإعسار بالنفقة؛ لفوات المال؛ فلأن يجوز هاهنا، وقد اجتمع الضرران، كان أولى.

هكذا علل به الأصحاب، ومقتضاه: أن المرأة إذا لم تكن عادمة للنفقة لا يأتي هذا القول، وقد صرح به بعضهم، وبعضهم طرده وإن كانت واجدة للنفقة.

فإن قيل: أجريتم على الطريقة الأولى الخلاف وإن كانت عادمة للنفعة، والصحيح منه القول الأول، وربما ادعى بعضهم أن القول الثاني مرجوع عنه، وعليه جرى الغزالي في "الوسيط"، وعندكم أن للمرأة الفسخ بتعذر النفقة على الصحيح؛ فكيف يكون انقطاع الخبر مانعاً من الفسخ، مع أن فيه زيادة ضرر تقتضي التسليط على الفسخ؟

فالجواب: أن الفسخ بسبب تعذر النفقة شرطه الإعسار، وإذا كان مفقوداً لم يتحقق، وعلى تقدير ألا يكون الإعسار شرطاً على أحد الوجهين فهو فسخ

ص: 56

للنكاح تتعاطاه المرأة أو القاضي- على ما سيأتي بيانه- ولا شك أنها لو رامت ذلك هاهنا تفريعاً على ذلك لقدرت عليه، والخلاف في مسألة المفقود في أنا هل نحكم بالفرقة بانتهاء النكاح أم لا؟ والمأخذان مختلفان؛ فلا إشكال إذن.

وما ذكره الشيخ في "المهذب" من أن لها أن تفسخ النكاح على القديم محمول على تعاطي أسبابه، وكلامه- من بعد- يعرفك أنه ليس على ظاهره، والله أعلم.

ثم مدة الصبر يكون ابتداؤها من حين ضرب القاضي، أو يكون ابتداؤها من حين انقطاع خبره؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، قال الرافعي: وإيراد كثير من الأئمة يشعر بترجيح الأول، وادعى البندنيجي أنه ظاهر قوله في القديم، ومنهم من رجح الثاني، ومنهم صاحب "التهذيب"، وهو اختيار القفال.

فإن اعتبرنا القول الثاني فلا بد بعد انقضاء المدة من قضاء القاضي بوفاته، وحصول الفرقة.

وإن اعتبرنا القول الأول فهل نحتاج إلى ذلك، أو يكون حكم الحاكم بضرب المدة حكماً بالوفاة بعد انقضائها؟ فيه وجهان: أظهرهما الأول، واستدل له مجلي بأنها لو رضيت بالصبر بعد انقضاء العدة لجاز ذلك.

قال: ثم تحل للأزواج في الظاهر؛ لأن ذلك ثمرة الفسخ، وهل تحل في الباطن؟ فيه قولان، أي ينبنيان على [أن الفسخ يحصل باطناً كما يحصل في الظاهر، أم لا؟ وفيه قولان:

أحدهما] أنه لا ينفسخ في الباطن؛ لأن عمر لما عاد المفقود مكنه من أن يأخذ زوجته، ولو وقع الفسخ باطناً لم يمكنه منها إلا بتجديد عقد. فعلى [هذا]: لو عاد المفقود سلمت إليه كما فعل عمر.

والثاني: نعم؛ لأنه فسخ مجتهد فيه، فانفسخ في الباطن والظاهر؛ كالفسخ بالعنة والإعسار، وهذا ما ادعى الجيلي أنه الأصح؛ فعلى هذا: لو عاد المفقود لم تسلم إليه، وكأن الشافعي- على هذا القول- أخذ بأصل قول عمر، وخالفه في

ص: 57

التفاصيل؛ لبعد مذهبه فيها عن القياس.

وقد جزم أبوا علي؛ ابن أبي هريرة والطبري بهذا، [ولم] يبنياه على القولين، بل قالا: إن الحاكم إنما حكم بوفاته بالاجتهاد، وإذا بان حياً تيقن الخطأ في اجتهاده فينقضه؛ كما لو حكم باجتهاده، ثم وجد نصاً بخلافه، وهذا أصح عند القاضي الروياني.

وحكي عن أبي إسحاق أنه إن رجع بعدما نكحت لم ترد إليه [وإن كان قبل أن تنكح ردت إليه]، وحكاه القاضي الحسين وجهاً، ولم يعزه إليه، وكذلك ابن الصباغ، وزاد فقال: إن قائله لم يبنه على القولين.

وحكى عن نص الشافعي طريقة أخرى: أن المفقود بالخيار بين أن ينتزعها من الثاني، وبين أن يتركها ويأخذ مهر المثل منه، وهذا ما حكاه في "التهذيب"، ومستنده: أن عمر كذلك قضى.

وعن القاضي الحسين زيادة فيها، وهو أنه إن فسخ غرم للثاني مهر مثلها.

وحكى الرافعي طريقة أخرى، وهي أن ذلك النكاح ارتفع بما جرى قولاً واحداً، ولكن إذا ظهر المفقود هل يحكم ببطلان الثاني؟ فيه وجهان، أظهرهما: المنع، وللمفقود الخيار؛ كما ذكرنا.

فإذا قلنا ببطلان النكاح الثاني فكيف نقول: وقع صحيحاً، ثم إذا ظهر المفقود، بطل، أو نقول: يتبين بظهور المفقود أنه وقع باطلاً؟ فيه وجهان:

فعلى الثاني: يجب مهر المثل إن جرى دخول، وإلا لم يجب.

وعلى الأول: الواجب: المسمى، أو نصفه.

وإذا ماتت المرأة، ثم ظهر المفقود بعد ما نكحت- ورثها الأول أو الثاني؟ يخرج على هذه الطرق.

واعلم أنه يتفرع على القولين مسائل:

منها: لو حكم حاكم بالفرقة؛ بناءً على القديم: فهل ينقض حكمه عند المفرع على الجديد؟ فيه وجهان، أظهرهما- وهو الذي نسبه القاضي الحسين هنا

ص: 58

والغزالي في أدب القضاء إلى النص-: أنه ينقض.

ومنها: إذا نكحت، ثم بان أن المفقود كان ميتاً وقت الحكم بالفرقة: فإن فرعنا على القديم فنكاح الجديد صحيح؛ إذ الفرقة- والحالة هذه- تحصل باطناً وجهاً واحداً، وإلا فوجهان؛ بناء على وقف العقود.

وأصل الوجهين في وقف العقود القولان فيما إذا كاتب عبده كتابة فاسدة، ثم أوصى به وهو يعتقد صحة الكتابة- ففي صحة الوصية قولان، كذا حكاه البندنيجي.

ولو بان أنه مات بعدما نكحت: فإن قلنا بحصول الفرقة باطناً فهي زوجة الثاني، وإن قلنا بالجديد، أو أنها لا تحصل باطناً، فعليها عدة الوفاة عن الأول، ولكن لا تشرع فيها حتى يموت الثاني، أو يفرق بينهما؛ فحينئذ تعتد عن الأول، ثم تعتد عن الثاني بثلاثة أقراء أو أشهر.

ومنها: لو طلق المفقود، أو ألى، أو ظاهر عنها، أو قذفها فإن فرعنا على القديم، وكان بعد الحكم بالفرقة- لم ينفذ إن قلنا بحصول الفرقة في الباطن. وإن كان قبل الحكم، أو قلنا: إن الفسخ لا يحصل في الباطن، أو فرعنا على الجديد- ثبت حكم ذلك.

قال الرافعي: وليكن الحكم بنفوذها على الجديد مفرعاً على أنه ينقض حكم من حكم على موجب القديم.

ومنها: نفقة امرأة المفقود عليه إلى أن يحكم الحاكم بالفرقة، وبعد ذلك لا تجب على القديم، وفي استحقاق السكنى قولان، قال في "البسيط": إلا إذا عاد المفقود، وقلنا: لا ينفسخ في الباطن؛ فيحتمل أن يقال: لا نفقة لها إذا كانت ناشزة بقصد الاعتداد، ويجوز ألا تجعل ناشزة بمجرد القصد حتى يتصل به نكاح.

قال مجلي: وأما بعد انقضاء العدة فلم أر للأصحاب فيه شيئاً، ويحتمل على قول منع الفسخ في الباطن إجراء هذين الاحتمالين أيضاً؛ إذ المعنى واحد.

وإن قلنا بالجديد فالنفقة عليه إلى أن تنكح، وإن كان فاسداً.

وعن القاضي أبي الطيب القطع بأن نفقة مدة العدة عليه؛ على القولين جميعاً؛ كما في مدة التربص، والأظهر الأول.

وإذا فرق بينهما وعاد المفقود، فسلمت إليه- عادت نفقتها، وإن كان الثاني

ص: 59

دخل بها لم يلزم المفقود نفقة زمان العدة.

وإن لم يعد وعادت هي بعد التفريق إلى بيته، ففيه طريقان:

أشهرهما: أن في عود النفقة قولين.

والثاني: تنزيل القولين على حالين: فحيث قال: تعود النفقة، فهو محمول على ما إذا نكحت من غير حكم حاكم؛ لأنها سقطت بفعلها؛ فتعود بفعلها، وحيث قال: لا تعود، فهو محمول على ما إذا نكحت بحكم الحاكم.

والأصح عند الروياني: أنها لا تعود، قال: وينبغي أن يقطع به إذا لم يعلم الزوج عودها إلى الطاعة.

وأما النفقة على الزوج الثاني فلا يخفى حكمها على القديم، وعلى الجديد: لا نفقة لها في زمان الاستفراش إذ لا زوجية، وإن أنفق لم يرجع إلا أن يلزمه الحاكم الإنفاق؛ فيرجع، وفيه وجه: أنه إذا ألزمه رجع على الأول.

وإذا شرعت في عدته فلا نفقة لها أيضاً، إلا أن تكون حاملاً على أحد القولين.

ومنها: لو نكحت على الصورة المجوزة على القديم، وأتت بولد يمكن أن يكون [من الثاني]، وجاء المفقود، ولم يدع الولد- فهو للثاني، وإن ادعاه فوجهان:

أحدهما: يعرض على القائف.

والثاني- وهو الأظهر-: أنه يسأل عن جهة ادعائه، فإن قال: قدمت عليها في خلال المدة وأصبتها، وكان ما يقوله ممكناً- عرض على القائف. وإن قال: لأن زوجتي ولدته على فراشي، قلنا له: هذه الجهة باطلة.

وفي "البحر": أن هذين الوجهين أخذا من وجهين قيلا في [أن] هذه المرأة لو أتت بولد من غير أن تتزوج هل يلحق بالمفقود؟

إن قلنا: نعم، فلا حاجة إلى الاستفصال، وإلا فلا بد منه.

وجزم في "التهذيب" بأنه يلحق بالثاني من غير تفصيل.

فرع: عن القفال: أن زوجة الغائب إذا أخبرها عدل بأن زوجها مات، جاز لها أن تنكح فيما بينها وبين الله تعالى.

ص: 60

قال: ويجب الإحداد في عدة الوفاة.

"الإحداد" و"الحداد": مأخوذ من "الحد" وهو: المنع؛ لأنها تمنع من الزينة، وما يدعو إلى المباشرة كالطيب ونحوه.

ويقال: أحدت المرأة، تحد إحداداً، وحدت: بضم الحاء، وكسرها، وحدت تحد حداداً، وهي حاد، ولا يقال: حادة.

والأصل في وجوب الإحداد: ما روى مسلم عن كل من زينب بنت جحش و [أم] حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ [الْآخِرِ أَنْ] تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً" هكذا استدل به بعضهم.

وقال مجلي: هذا الحديث لست أرى فيه دلالة على الوجوب؛ لأنه حرم الإحداد على الإطلاق، ثم [استثنى منه أربعة أشهر وعشراً، والاستثناء من التحريم إباحة؛ كما أن] استثناء الثلاث من التحريم إباحة.

قال الرافعي: لكن أجمع الأئمة على أنه أراد الوجوب، وأنه استثنى الواجب من الحرام.

قال القاضي الحسين: ويستدل بهذا الحديث على جواز الاستثناء من غير الجنس، وما قاله الأصحاب يعتضد بما سنذكره من حديث أم سلمة، وبما روى مسلم: أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ فقال:"لا"، مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول:"لا"، ثم قال:"إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَاسِ الْحَوْلِ" انتهى.

ومعنى ترمي بالبعرة: أن المرأة كانت إذا توفي زوجها دخلت حفشاً- وهو البيت الصغير- ولبست خشن ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى

ص: 61

بدابة حمار أو شاة أو طير؛ فتفتض [به]، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره.

ولا فرق في وجوب الإحداد بين المسلمة، والذمية إذا كان زوجها مسلماً أو ذمياً، ولا بين الحرة والأمة، ولا بين المكلفة والصبية والمجنونة، وولي الصبية والمجنونة يمنعها مما تمتنع منه المكلفة.

فإن قيل: فقد خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوب الإحداد بالمؤمنة بقوله: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".

قيل: قد ورد من غير هذه الزيادة؛ فالاعتماد عليه.

وأيضاً: فإن هذا تعلق بدليل الخطاب، والمخالف لنا في الذمية أبو حنيفة، وهو لا يقول به.

قال: ولا يجب في عدة الرجعية؛ لبقاء أحكام النكاح فيها، وتوقع الرجعة، وهل يستحب؟ الذي رواه أبو ثور عن الشافعي: أنه يستحب، ومن الأصحاب من قال: الأولى أن تتجمل وتتزين بما يدعو الزوج إلى رجعتها.

قال: الموطوءة بشبهة؛ لأن الإحداد لإظهار الحزن على الزوج، وما فات من عصمة النكاح وقد تقدم ذلك في حقها.

وحكم أم الولد إذا توفي سيها في هذا المعنى حكم الموطوءة بشبهة، وكذلك المعتدة عن نكاح فاسد.

قال الرافعي: وقد يستدل لتحريم الحداد على الموطوءة بشبهة وأم الولد؛ بقوله- عليه السلام: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

" الحديث.

قلت: وفي الاستدلال به على تحريمه على الموطوءة بالشبهة نظر؛ فإن الحديث لا تعرض فيه لغير الميت.

قال: وفي المطلقة البائن- أي: بالخلع، أو باستيفاء العدد- قولان:

أصحهما: أنه لا يجب فيه الإحداد، وهذا هو الجديد؛ لأنها معتدة عن طلاق؛ فأشبهت الرجعية.

ص: 62

وأيضاً: فهي مجفوة بالطلاق؛ فلا يليق بها تكلف التفجع، بخلا المتوفى عنها.

فعلى هذا: يستحب لها الإحداد، وهل يحرم عليها الطيب؟ فيه وجهان؛ لاختصاصه بتحريك الشهوة.

والقول الثاني: [أنه] يجب، وهو القديم؛ لأنها بائن، معتدة عن نكاح؛ فأشبهت المتوفى عنها.

والمفسوخ نكاحها بعيب أو نحوه، في وجوبه عليها طريقان:

أشبههما- وهو ما حكاه أبو حامد: أنه على القولين.

والثاني: القطع بأنه [لا] حداد عليها؛ لأن الفسخ لمعنى فيها، أو هي المباشرة له؛ فلا يليق إظهار التفجع بحالها، وهذا ما صححه القاضي الحسين.

قال: والإحداد، أي: الذي تقدم ذكره: أن تترك الزينة؛ فلا تلبس الحلي لإطلاق الخبر، وهو ما روى أبو داود عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَكْتَحِلُ".

قال [في] المستغرب: الممشق: المصبوغ بالمشق، وهو: المغرة. والحلي – بفتح الحاء وإسكان اللام-: لكل ما تتزين به من ذهب أو فضة أو جوهر، ولا شك في أن المتخذ من الذهب أو الفضة يحرم، كما قال.

وقال الإمام: يجوز لها التختم بالخاتم الذي يحل للرجال، وهل يجوز لها التحلي بغير الذهب والفضة؟ ينظر:

ص: 63

إن كان من اللآلئ فقد أبدى الإمام فيه تردداً؛ من حيث إنها ليست كالذهب والفضة؛ ولذلك لم تحرم على الرجال، لكن الزينة ظاهرة فيها. قال الرافعي: وهذا أظهر وهو ما جزم به [في]"الوجيز".

وإن كان [من] الصفر والنحاس، فإن كان ذلك مموهاً بالذهب أو الفضة، أو مشابهاً لهما، بحيث لا يعرف إلا بعد التأمل- لم يجز، وإلا فإن كانت المعتدة من قوم يتزينون بمثل ذلك لم يجز أيضاً، وإن كانت من قوم لا يتزينون، ولا يتحلون به، لكنهم يستعملونه لمنفعة يتوهمونها- جاز، هكذا حكى عن "البحر"، وكلام الشيخ لا يأباه.

فرع: حكي عن بعض الأصحاب أنها لو كانت تلبس الحلي ليلاً، وتنزعه نهاراً، جاز، لكنه يكره لغير حاجة، ولو فعلته لإحراز المال لم يكره.

قال: ولا تتطيب، أي: في جميع بدنها، إلا في حال طهرها من الحيض؛ لما روى مسلم، عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لَا تُحِدُّ امْرَأَةُ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيباً، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ"، وزاد النسائي:"ولا تمشط".

والذي يحرم من الطيب هو الذي يحرم على المحرم، حتى يحرم عليها أكل ما فيه طيب ظاهر.

وقد استوعب ذكر ذلك في الحج.

قال: ولا تختضب؛ لحديث أم سلمة. ولا فرق فيه بين أن يكون بالحناء أو الزعفران أو الورس، ويستوي فيه جميع بدنها على ما حكاه ابن يونس.

وفي "الرافعي": أن القاضي الروياني قال: لا يمنع منه فيما تحت الثياب.

وكما يحرم عليها الاختضاب يحرم عليها طلاء الوجه بما يقتضي التحسين من الإسفيداج والحمرة وغيرها، وكذا الصبر إذا طلت به البيضاء وجهها، وهذا بخلاف الإثمد؛ فإنه يجوز أن تستعمله في غير الحاجب؛ [فإنه لا تزيين فيه، وفي

ص: 64

الحاجب] هو زينة كالعين.

قال: ولا ترجل الشعر، أي: شعر الرأس؛ وكذا شعر اللحية إن كانت لها لحية؛ لحديث النسائي.

ترجيل الشعر: تسريحه بالمشط بدهن أو ماء، والمراد به هاهنا بالدهن؛ لأن به تحصل الزينة.

ولا يجوز لها أيضاً [أن] تحفف حاجبيها؛ لأنه نوع زينة.

وأبدى الغزالي في تصفي الشعر وتجعيده بغير الدهن تردداً.

ويجوز لها أن تغسل رأسها بالسدر؛ إذ لا زينة فيهز

وكذا لا يحرم عليها قلم الأظفار، وحلق العانة، بخلاف المحرم؛ فإنه ممنوع من الترفه، وهذه ممنوعة من التزين.

قال: ولا تكتحل بالإثمد والصبر، أي: وإن لم يكن فيه طيب؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أم عطية وأم سلمة: "ولا تكتحل"، ولأن فيه زينة.

وعن الماسرجسي حكاية وجه: أنه يجوز الاكتحال بالإثمد [للمرأة السوداء إذا لم يكن فيه طيب؛ لأنه لا يفيدها جمالاً. وروى ما يقرب من هذا عن القفال.

وفي "النهاية": أن الشافعي نص في بعض المواضع على جواز الاكتحال بالإثمد] وأن الأصحاب حملوه على العربيات؛ لأنهن إلى السواد؛ فلا يزينهن الإثمد، وأما البيض فلا يكتحلن به.

وفي "التتمة": أنه يحرم الاكتحال بالصبر على السوداء دون البيضاء، وهو ما حكاه القاضي الحسين في "التعليق".

والظاهر عند الأكثرين: أنه لا فرق بين البيضاء والسوداء.

تنبيه: الإثمد: هو الكحل الأصفهاني، وهو مكسور الهمزة والميم.

الصبر: بفتح الصاد، وكسر الباء، ويجوز إسكان الباء مع فتح الصاد وكسرها.

وتقييد الشيخ منع الاكتحال بالإثمد والصبر يعرفك أنها لا تمنع من الاكتحال بغيرهما كالتوتياء ونحوها؛ فإنه لا زينة فيه.

ص: 65

وفي "البحر" وجه: أن البيضاء تمنع منه حين تتزين به.

قال: فإن احتاجت إليه اكتحلت بالليل، وغسلته بالنهار، أي: إذا لم تدع الضرورة إليه نهاراً.

ووجهه: ما روي عن أم سلمة قالت: "دَخَلَ النبي صلى الله عليه وسلم حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقَدْ جَعَلْتُ في عَيْنَيَّ صَبِراً، فَقَالَ: "مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ " فَقُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرُ يَا رَسُولَ اللِه لَيْسَ فِيهِ طِيبُ، فَقَالَ: "إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وانتزعيه بِالنَّهَارِ، وَلا تَمْتَشِطيِ بِالطِّيبِ، وَلا بِالْحِنَّاءِ؛ فَإِنَّهُ خِضَابُ". قُلْتُ: بِأَيِّ [شَيْءٍ] أَمْتَشِطُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَاسَكِ". انتهى.

ومعنى "يشب الوجه": يحسنه، وهو بشين معجمة، وباء معجمة بواحدة من أسفل.

أما إذا دعت الضرورة إليه بالنهار عذرت، قاله الرافعي: ولفظ الغزالي: احتاجت.

واعلم أن في الاستدلال بما ذكر من الحديث نظراً؛ من حيث إن أبا قاسم بن أصبغ ذكر أن زينب بنت أم سلمة ابنة النحام توفي عنها زوجها، فأتت أمها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:"إِنَّ ابْنَتِي تَشْتَكِي عَيْنَهَا أَفَأَكْحِلُهَا؟ قَالَ: "لَا". قَالَتْ: إِنِي أَخْشَى أَنْ [تَنْفَقِئَ]. قَالَ: "لَا، وَإِنِ انْفَقَأَتْ".

وقد قال عبد الحق في "أحكامه الكبرى": ذكره أبو محمد، وإسناده [صحيح]، وهو يدل على عدم الجواز مطلقاً.

ص: 66

والحديث الأول قال عبد الحق: ليس له إسناد يعرف؛ فلا [يمكن] التخصيص به.

قال: ولا تلبس الأحمر ولا الأزرق الصافي، ولا الأخضر الصافي، ولا الأصفر؛ لعموم قوله- عليه السلام في حديث أم عطية:"وَلَا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ"، وقوله- عليه السلام في حديث أم سلمة الذي رويناه: أولاً: [لَا] تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثَّيَابِ وَلَا الُمَمشَّقَةَ"، ولأن في ذلك زينة؛ فمنع منه كالاكتحال.

ولا فرق في ذلك بين ما صبغ غزله ثم نسج، أو صبغ بعد النسج.

وقيل: يجوز الأول، ومنه الديباج المنقش، وتمسك قائله بقوله- عليه السلام في حديث أم عطية:"إلا ثوب عصب"، والعصب هو: الثوب المصبوغ غزله ثم نسج.

وأجيب عنه: بأنه قد جاء في الحديث: "إلا ثوباً مغسولاً"؛ فتعارضا، وسقطت الدلالة به.

أو يحمل على ما يجوز لبسه من المصبوغ.

ولا فرق في المصبوغ المحرم بين أن يكون ليناً أو خشناً على النص.

وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه إذا تفاحشت خشونته لا يحرم.

ويجوز لها لبس السواد، وهل يجب عليها؟ فيه وجهان، وكذا يجوز لها لبس الأزرق الكدر والمشبع، وكذلك الأخضر؛ لأن المشبع من الأخضر يقارب السواد، ومن الأزرق يقارب الكحلي.

ولا يحرم عليها لبس الثياب التي لم تدخل عليها الزينة، وإن كانت في نفسها زينة من الأصل: كالدبيقي والبندقي، وما يتخذ من القز والخز والحرير.

ص: 67

وذهب القفال إلى أنه يحرم عليها لبس الإبريسم، وتابعه عليه الإمام ومن تابعه، والمتولي والبغوي، ووجهه بأنه إنما حل لها للزينة؛ فالتحقت في حال الإحداد بالرجال.

فعلى هذا: حكمها في لبس المختلط حكم الرجال.

وأما الثوب المطرز فهل يحرم عليها؟ ينظر: [إن كان الطراز كثيراً] حرم، وإلا فثلاثة أوجه، ثالثها: إن ركب بعد النسج حرم، وإن رقم مع النسج لم يحرم، حكاها الشاشي وغيره.

قال: ولا يجوز للمبتوتة ولا للمتوفى عنها زوجها أن تخرج من المنزل لغير حاجة أي: حافة؛ لقوله- تعالى-: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1]، قال ابن عباس:[الفاحشة]: هي أن تبذو على أهل زوجها. وأضاف "البيوت" إليهن؛ لأنها سكناهن، وليس المراد به ملكهن؛ لأنه خص المطلقة بذلك، ولو كان البيت لها لم تختص المطلقة بالتحريم، ولأن البذاءة لا توجب ذلك، وروي أنه- عليه السلام قال لفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري- بعدما أخبرته أن زوجها قتل، وسألته أن ترجع إلى أهلها؛ فإنه لم يتركها في مسكن يملكه، ولا نفقة – فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث طويل:"امْكُثِي فِي بَيْتِكِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ"، قالت: فَاعْتَدَدْتُ فيه أربعة أشهر وعشراً، ذكره الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

ثم ما ذكرناه في المتوفى عنها إذا قلنا: إن السكنى تجب لها، أما إذا قلنا: إنها لا تجب؛ فلا يجب عليها ذلك، بل تعتد حيث شاءت، إلا أن يلتزم الوارث أجرة

ص: 68

منزل يعينونه، سواء فيه منزل النكاح أو غيره؛ فيجب، أو يكون البلد الذي هي فيه مثل المدينة يتطوع أهله بالمساكن؛ فيجب أن تسكن في مكانها؛ كما لو تطوع الوارث، قاله البندنيجي.

وبعض المراوزة فصل فقال: إن كان بعد المسيس فالحكم كذلك، وإن كان قبله فليس للوارث أن يلزمها ذلك، ولها أن تسكن حيث شاءت سكنى المعتدات؛ فلو لم يلزمها الوارث هل يلزمها السلطان ذلك؟ فيه وجهان.

ولا فرق فيما ذكر في المتوفى عنها بين أن تكون حاملاً والحمل غير لاحق بالزوج أو لا في مدة الأربعة أشهر والعشر، صرح به الماوردي عند الكلام في زوجة الصبي، وأما المبتوتة فلا يتصور ذلك في حقها؛ إذ لا عدة عليها.

قال: وإن أرادت، أي: المعتدة عن الوفاة أو المبتوتة الخروج لحاجة: كشراء القطن وبيع الغزل- لم يجز ذلك بالليل، أي: مع تمكنها من الخروج نهاراً؛ لأنه يبعد الغوث عنها لو قصدت، وكانت متصدية للآفات؛ فإن الليل مظنة الفساد، أما إذا لم يمكنها الخروج نهاراً فلسنا نمنعها من الخروج ليلاً.

وقال البندنيجي: إن ذلك في المتوفى عنها؛ إذا قلنا: لها السكنى أو تطوع الوارث، أما إذا قلنا: لا سكنى لها، تصرفت كيف شاءت، ليلاً ونهاراً.

قال: ويجوز للمتوفى [عنها] زوجها أن تخرج لقضاء الحاجة بالنهار؛ دفعاً لحاجتها، وكذا يجوز لها أن تخرج بالليل إلى بيت بعض الجيران؛ للغزل والحديث، ولكن لا تبيت معهم، وتعود للنوم إلى مسكنها.

قال: وتمسك الأصحاب في ذلك بحديث رواه مجاهد وهو مرسل.

وحكم الموطوءة بالشبهة وفي النكاح الفاسد في عدتها- حكم المتوفى عنها.

قال في "التتمة": إلا أن تكون حاملاً، وقلنا: إنها تستحق النفقة؛ فلا يباح لها الخروج.

قال: وفي المطلقة البائن قولان:

أصحهما: أنه يجوز؛ لما روي عن جابر أنه قال: طلقت خالتي ثلاثاً، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج؛ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " [بَلَى،

ص: 69

فَجُدِّي] نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصْدُقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفاً" رواه مسلم.

ولأن عدة المتوفى عنها زوجها أغلظ؛ فإذا جاز لها الخروج فالمطلقة أولى، لكن لا يستحب لها الخروج.

وهذا في الحائل، أما الحامل فهكذا حكمها أيضاً إن قلنا: لا نفقة لها في الحال، أما إذا قلنا نفقتها تعجل، فهي مكفية بها؛ فلا تخرج إلا أن يضيعها المطلق، ومست الحاجة إلى الخروج، وكيف لا والزوجة لو ضيعها الزوج لخرجت؟ صرح بذلك الإمام والمتولي.

والقول الثاني: لا يجوز، وهو القديم؛ لعموم الآية.

قال القاضي الحسين بعد حكاية حال المتوفى عنها والمبتوتة: [ونظير ذلك الإحداد والتعرض بالخطبة، وحكم المفسوخ نكاحها في هذا المعنى حكم المبتوتة، والفرق على القديم بين المتوفى عنها والمبتوتة] أن المتوفى عنها متفجعة؛ فيؤمن منها الوقوع في الآفات، بخلاف المبتتوتة؛ فإنها موغرة الصدر؛ فلا يؤمن منها الفساد.

فرع: الرجعية في حكم الزوجات، لا يجوز لها الخروج إلا بإذنه.

قال في "التتمة": وكذا الجارية المشتراة والمسبية في زمان الاستبراء، وكذا هو محكي في "تعليق" القاضي الحسين، وزاد: أم الولد.

تنبيه: ما ذكر مفروض فيما إذا لم يكن لها أحد يقضي حاجتها، أما إذا كان لها من يقضي حاجتها فلا يجوز لها الخروج إلا للضرورة في ذلك، قاله الإمام وغيره، وقد حكاه الجيلي أيضاً.

قال: وإن وجب عليها حق يختص بها، وهي برزة- أي: لها عادة أن تلقى الرجال في حوائجها، وهي بفتح الباء- خرجت؛ فإذا وفت، أي الحق، رجعت- أي: إن بقي من العدة شيء، وبنت، لأن ذلك محل ضرورة.

أما إذا كان يمكن استيفاؤه في بيتها: كالدين والوديعة، لم تخرج.

وإن كانت مخدرة بعث الحاكم إليها نائبه، أو حضر بنفسه.

ص: 70

واستدل للفرق بين البرزة والخفرة بأن الغامدية لما أتت النبي صلى الله عليه وسلم واعترفت بالزنى رجمها بعد وضع الحمل، وقال في قصة العسيف:"وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا؛ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ} فَارْجُمْهَا"، ولم يأمر بإحضارها.

تنبيه: ذكر الشيخ هذه المسالة وإن كان الحكم فيها مستفاداً مما تقدم، بل بطريق الأولى؛ لينبه على أمور:

أحدها: أن هذا الحكم يشمل المتوفى عنها وغيرها، وإن كان في خروج البائن قولان فيما تقدم.

والثاني: أن المخدرة لا يجب عليها الخروج، وفيه دليل على أن المعتدة إذا أمكنها تحصيل شراء القطن وبيع الغزل من غير أن تخرج- لا يجوز لها الخروج، كما ذكرناه؛ لأن المخدرة لما أمكن استيفاء الحق منها في بيتها لم تخرج.

والثالث: لئلا يعتقد معتقد أنه يجب تأخير الحق إذا كان حداً إلا بعد انقضاء العدة؛ كما يفعل في الحر والبرد، وتكون العدة مانعة منه.

فرع: لو كان الحق الذي عليها الرجم، وكانت من ذوات الشهور أو الأقراء رجمت، ولم ينتظر بها انقضاء العدة؛ لأن الأصل براءة الرحم، والعدة موضوعة لمنعها من الأزواج، ورجمها أمنع.

ولو كانت من ذوات الحمل أخرت حتى تضع أو يتبين عدم حملها.

وإن كان الحق جلداً في الزنى جلدت إن كانت حائلاً، وفي تغريبها قبل انقضاء العدة وجهان:

أحدهما: لا تغرب إلا بعد انقضاء العدة.

والثاني: تغرب حولاًإلى أحصن المواضع، ويراعى تحصينها في التغريب

ص: 71

في بقية العدة؛ فإن استكملت حق التغريب قبل انقضاء العدة وجب ردها إلى منزلها؛ لتقضي فيه بقية العدة، حكاه الماوردي.

قال: وتجب العدة [في المنزل الذي وجبت فيه العدة]، أي: إذا كان يليق بها حال الطلاق، وأمكن بقاؤها فيه؛ لكونه ملكاً للزوج أو مستأجراً معه، أو مستعاراً؛ لقوله- تعالى-:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، مع حديث فريعة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم "أَمَرَهَا أَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ" كما ذكرناه، ثم هذا الحق لله- تعالى- لا يسقط بالتراضي.

أما إذا كان لا يليق بها: فإن كان لشرفه عليها فللزوج أن ينقلها منه إلى منزل يليق بها، [أو يفرد لها منه ما يليق بها]. وإن كان لشرفها عليه، وقد رضيت به في صلب النكاح: فإن قنعت به أقرت فيه، ولم تخرج منه، وإن لم تقنع، وجب [على] الزوج أن يكمل حقها في مسكن مثلها، فإن قدر على دار تلاصقها تضاف إليها فعل، وإن لم يقدر نقلها إلى منزل مثلها في أقرب المواضع كما سنذكره، هذا كلام العراقيين.

وأبدى المراوزة- على ما حكاه مجلي عنهم- في المسألتين احتمالاً.

وهذا كله تفريع على أن الاعتبار [في المسكن في حال الزوجية بحالها، أما إذا قلنا: الاعتبار] بحاله- كما سنذكره- فينبغي أن يكون هاهنا كذلك.

ولا فرق فيما ذكرناه بين الحرة والأمة إذا قلنا: إن الزوج يستحق تعيين المسكن في صلب النكاح. [فإن] قلناك السيد يبوئها بيتاً، فطلقت فيه- فالظاهر: أنه لا يلزمها ملازمة المسكن، وقيل: إنه يجب.

ثم هذا كله إذا كانت المعتدة عن وفاة أو طلاق بائن، أما إذا كانت عن طلاق رجعي ففي "المهذب" و"الحاوي"، وغيرهما من كتب العراقيين: أن للزوج أن يسكنها حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجات.

وقفي "النهاية": أن الزوج إذا كان يساكن امرأة في مسكن مملوك له، ثم طلقها ألبتة، أو طلقة رجعية، أو مات عنها، والتفريع على الاستحقاق للسكنى- فيتعين عليها ملازمة مسكن النكاح؛ فلو زايلته عن اختيار عصت ربها، ويجب على

ص: 72

الزوج ألا يخرجها، ولا يزعجها، واستدل على ذلك بقوله تعالى:{لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 1].

قال: وإن وجبت وهي في مسكن لها، وجبت لها الأجرة؛ لأن سكناها في العدة عليه؛ لقوله تعالى:{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} [الطلاق: 6]، وهذا إذا طلبت، أما إذا سكتت ولم تطلب، فمضت مدة-[فقد] نص الشافعي على أن حقها يسقط بالسكوت، وقال في الزوجة إذا زفت إلى زوجها، فأنفقت على نفسها من مالها، ولم تطالبه بالنفقة: استقرت نفقتها.

واختلفت أصحابنا في هذا على طريقين:

منهم من ضاق عليه الفرق؛ فنقل جوابه في كل واحدة إلى الأخرى، وقال: فيهما معاً قولان:

أحدهما: تسقط بالسكوت نفقة الزوجة وسكنى المعتدة.

والثاني: لا تسقطان معاً.

ومنهم من حمل الكلام على ظاهره، هكذا حكاه ابن الصباغ والبندنيجي، واللفظ للبندنيجي.

وذكر ابن الصباغ عن الأكثر أنهم فرقوا بفرقين:

أحدهما: أن نفقة الزوجة تجب بالتمكين وقد حصل، والمسكن يجب على الزوج؛ لتحصن ماءه وتحفظه، فإذا سكنت حيث شاءت لم يجب عليه أجرة المسكن؛ لأنه لم يوجد سبب وجوبه.

والثاني: أن نفقة الزوجة تجب على سبيل المعاوضة؛ فلم تسقط بمضي الزمان، وهذا لا يجب لا على سبيل المعاوضة، وإنما يثبت لحق الله تعالى.

وظاهر هذا الكلام يدل على أن الخلاف في النفقة في حال الزوجية.

ويؤيده أن البندنيجي فرق بأن الزوجة [ممكنة من] الاستمتاع، ثم قال: قالوا: فعلى هذا يجب ألا يكون للرجعية نفقة؛ لأنها غير ممكنة. قلنا: هي ممكنة، وإنما الزوج لا يستوفي؛ فهو كما لو أحرم.

ص: 73

[هذا] على هذه الطريقة- يعني: طريقة الفرق- فأما من قال على قولين فالرجعية والزوجة سواء.

وصور في "الحاوي" مسألة الخلاف في النفقة بما إذا كانت المطلقة البائن حاملاً، والله أعلم.

تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه يجب عليها أن تعتد فيه، وكذلك كلام الماوردي، وهو ما صرح به في "المهذب" وصاحب "التهذيب".

وفي "الشامل" و"التتمة": أن ذلك يجوز ولا يجب، حتى لو طلبت أن يسكنها غيره، وجب عليه ذلك.

قال: وإن وجبت، وهي [في] مسكن للزوج لم يجز أن يسكن معها؛ لقوله تعالى:{وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6] وأراد بذلك: في المسكن، وفي سكناه معها إضرار بها.

ولأن في ذلك خلوة بمن يحرم عليه النظر إليها، وهي حرام؛ قال صلى الله عليه وسلم:"لا يَخْلُوَنَّ رَجُلُ بِامْرَأَةٍ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ".

قال: إلا أن تكون في دار فيها ذو رحم محرم لها، أي: رجل على ما حكاه الرافعي، أو له، أي: امرأة، على ما حكاه أيضاً، ولها موضع تنفرد به، أي: من غير اشتراك في المرافق: كالمطبخ والسقاية والبئر، وهو صالح مع ذلك لسكنى مثلها؛ لأنه إذا وجد ذلك زالت الخلوة، وانتفى الضرر؛ لكنه مكروه؛ لاحتمال أن تقع عينه عليها.

ولو كانت الدار ذات حجرتين، فسد المنفذ بينهما أو أغلقه، أو كان لها علو فقطع بين العلو والسفل بغلق باب أو سده- فيجب أن يسكنها ما يليق بها من ذلك، وله أن يسكن ما عداه، وإن لم يكن معهما محرم.

واشترط صاحب "التهذيب" و"التتمة": ألا يكون ممر أحدهما على الآخر.

ولو كانت الدار كبيرة يكتفي كل منهما بجانب منها، وقطع بين الجانبين بحاجز من بناء مكين أو خشب وثيق فهي كالدارين. أما إذا كانت المرافق

ص: 74

مشتركة، أو لم يكن لها موضع تنفرد به؛ بحيث لا يمكن ألا تقع عينه عليها- فلا يجوز وإن كان معهما محرم، صرح بالأولى القاضي الروياني، وبالثانية الماوردي، وقريب منها ما حكاه ابن الصباغ: أنه لو لم يكن في الدار إلا بيت واحد، والباقي صفات- لم يجز أن يسكن معها، وإن كان معهما محرم؛ لأنه لا يتميز في السكنى عنها بموضع.

وفي كلام الرافعي تصريح بجوازه في الأولى؛ كما يجوز في البيتين من الخان.

وفي "النهاية": أن الاشتراك في الممر والمخرج إلى خارج لا يراعى.

ثم اشترط الشافعي- رضي الله عنه في المحرم أن يكون بالغاً؛ قال القاضي أبو الطيب: لأن من لم يبلغ لا تكليف عليه؛ فلا يلزمه إنكار الفاحشة.

وقال الشيخ أبو حامد: يكفي حضور المراهق، ويقوم مقام المحرم زوجته الأخرى أو جاريتهن أو من هي محرمة عليه برضاع أو مصاهرة، صرح بذلك القاضي الحسين في "تعليقه" وغيره.

والنسوة الثقات يقمن مقامه، وكذلك المرأة الواحدة عند ابن الصباغ وغيره.

وحكى الإمام عن الأصحاب تردداً، فيما إذا خلا بأختين أو معتدتين أو بجمع من النسوة: هل هو خلوة أم لا؟ والذي جزم به في كتاب الحج: أن الرجل كما يحرم عليه أن يخلو [بامرأة واحدة يحرم عليه أن يخلو] بنسوة إلا أن يكون مع واحدة منهن محرم. وقال هنا: لا تزول الخلوة عند اجتماع رجلين بامرأة على ظاهر ما ذكره الأصحاب، وليس كخلوة رجل بامرأتين؛ لأنا لا نوجب على المرأة الفردة أن تخرج حاجة مع جمع من الرجال. انتهى.

وقد ضبط ما تندفع الخلوة به بما إذا كان هناك من يحتشم منه جانبه، أو يخاف بأن يمنع ما يكاد يجري: إما بنفسه، وإما بالاستعانة بغيره، وحينئذ لا يحرم. ولا فرق في ذلك بين المطلقة البائن أو الرجعية؛ فإن الرجعية في حكم التحريم كالبائن.

ص: 75

قال: ولا يجوز نقلها من المسكن الذي وجبت فيه العدة؛ للآية، إلا لضرورة.

ومثالها: إشراف الدار على الانهدام، أو الحريق، أو الغرق، وكذا لو كانت الدار [غير] حصينة، وكانت تخاف من اللصوص، أو كانت بين قوم فسقة تخاف منهم على نفسها، أو كانت تتأذى من الجيران، أو كانت الدار مستعارة فرجع المعير فيها، أو مستأجرة فانقضت مدة الإجارة، وامتنع مالك المنفعة من أن يؤجره إلا بأكثر من أجرة المثل، أو كانت في دار الحرب، فإن عليها أن تهاجر وتخرج إلى دار الإسلام.

وقال المتولي: إلا أن تكون في موضع لا تخاف على دينها، ولا على نفسها؛ فلا تخرج حتى تعتد.

قال: أو بذاءة على أحمائها؛ فتنتقل إلى أقرب المواضع إليها:

أما نقلها عند وجود الضرورة؛ فللضرورة.

وأما عند البذاءة؛ فلقوله تعالى: {إِلَاّ أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]، وقد قال ابن عباس وغيره: إن الفاحشة المبينة: أن تبذو على أهل زوجها.

[وما روي أن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها] فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت الزوج، فاستطالت على أحمائها باللسان فبذت عليهن؛ فأخرجها النبي صلى الله عليه وسلم من بَيْتِ الزَّوجِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ، كذا قاله القاضي الحسين.

وأما كونها تنتقل إلى أقرب المواضع إليها؛ فلأن المكان إذا تعين لإيفاء الحق، ثم تعذر- رجع إلى أقرب المواضع إليه.

وقال الإمام في "فصل: إذا كان المنزل الذي طلقت فيه أضيق من منزل النكاح": الذي أرى القطع به أن رعاية القرب من مسكن النكاح لا يجب أصلاً، بل لا أرى له أصلاً في الاستحباب.

نعم، لا سبيل إلى الخروج من البلد، وجزم البغوي بسقوط حق السكنى، وأن عليها أن تعتد في بيت أهلها. وكأنه تمسك في ذلك بما روي أن فاطمة روت مطلقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها النفقة والسكنى.

ص: 76

وقد كره منها ذلك جماعة- ابن المسيب وغيره- مخافة أن [تقرع السامع] روايتها على الإطلاق من غير بيان سبب، وهو يجهل سبب الحكم وحقيقة الحال؛ فيظن أن المطلقة لا سكنى لها، وأنها تعتد حيث شاءت.

ولو بذا أحماؤها عليها فينقل الأحماء دونها.

فرع: لو كان المسكن مستعاراً، فأراد أن ينقلهاإلى منزل مكرى: فإن، كان في بلد عرف أهله بالعارية فيه لم يكن له نقلها، وإن كان في بلد عرف أهله بالكرى، ففيه وجهان.

فلو نقلهان ثم بذل المنزل الأول مالكه: فإن كان بالإعارة لم يلزمه ردها إليه، وإن بذل بالإجارة: فإن كان المنقول إليه مستعاراً وجب ردها إلى الأول وإن كان مستأجراً فوجهان.

تنبيه: البذاءة- بفتح الباء، وبالذال المعجمة، والمد- هي: الفحش، وفلان بذي اللسان- بتشديد الياء- والمرأة بذية، بالتشديد أيضاً.

والأحماء: أقارب زوجها.

وقيل: محارم زوجها من الرجال والنساء؛ كما يقال: أختان الرجل: محارم زوجته من الرجال والنساء.

و"الأصهار" يقع على أقارب الرجل والمرأة.

وحماة المرأة: أم زوجها.

قال الجوهري: لا لغة فيها غيرها، وفي واحد "الأحماء" من الرجال أربع لغات:"حما" كـ"قفا"، و"حمو" مثل "أبو"، و"حم" مثل "أب"، وحمء- بإسكان الميم، مهموز- وأصله: حمو، بفتح الحاء والميم.

[تنبيه] آخر: المحل الذي تنقل منه المرأة بسبب البذاءة على الأحماء، إذا كانوا في دار واحدة تسع جميعهم، أما إذا كانت صغيرة لا تسع إلا المرأة نقل الأحماء، ولو كان الأحماء في دار أخرى لم تنقل المعتدة بالبذاءة؛ إذا لم تكن الداران متجاورتين.

ولو كانت في دار أبويها؛ لأن الزوج كان يسكن دارهما، فبذت على الأبوين، أو بذا الأبوان عليها- لم ينقل واحد منهما.

ولو كانت أحماؤها في دار أبويها أيضاً، فبذت عليهن؛ فينقلن دونها.

ص: 77

واعلم أن ما ذكرناه مفروض في أهل القرى، فأما أهل البادية فيجب على من طلقت في البادية أن تقيم في البيت الذي هو مسكنها من [خيام النقلة]، وتقيم فيه ما أقام قومها؛ فإن انتقلوا بجملتهم، أو النساء، وبقي الرجال؛ للخوف من عدو، أو بعض أهل الحي، وفيهم أهلها وأهل الزوج، أو أهلها- فليس عليها أن تقيم. وإن انتقل الرجال دون النساء، أو غير أهلها وغير أهل الزوج، أو أهلها وبقي أهل زوجها- وجب عليها أن تقيم.

وإن انتقل أهل زوجها وبقي أهلها، فهي بالخيار بين الانتقال مع أهل الزوج، وبين أن تقيم مع أهلها، قاله الماوردي.

وأما إذا طلقت المرأة، وهي في سفينة ولا منزل لها سواها؛ لكون زوجها [ملاحاً: فإن] كانت كبيرة، وفيها بيوت متميزة المرافق- اعتدت في بيت منها؛ كما في الدار التي [فيها] حجر مفردة المرافق. وإن كانت صغيرة، ومعها محرم لها يمكنه أن يعالج السفينة- خرج الزوج، واعتدت هي فيها، وإلا فتخرج وتعتد في أقرب المواضع إلى الشط.

وإذا تعذر خروج واحد منهما، فعليها أن تستتر، وتبعد عنه بحسب الإمكان، هذا ما أورده ابن الصباغ وغيره.

قال الرافعي: وفيه إشعار بأنه لا يجوز لها الخروج من السفينة إذا أمكن الاعتداد فيها، وقد نص ناصون عليه.

ونقل القاضي الروياني أنها تتخير بين أن تعتد في السفينة وبين أن تخرج، وحكاه مجلي- أيضاً- لكن عن بعض الأصحاب:

فإن اختارت الاعتداد في السفينة؛ فحينئذ ينظر: أهي كبيرة أم صغيرة؟ ويراعى التفصيل المذكور.

وإن اختارت الخروج فوجهان:

أحدهما: أنها تعتد في أي موضع شاءتن وينسب إلى أبي إسحاق.

وأظهرهما- وبه قال الماسرجسي-: أنها تعتد في أقرب القرى إلى الشط.

ص: 78

وقد حكى هذين الوجهين، وجوز الخروج من السفينة مع إمكان الاعتداد الشاشي- أيضاً – وقال: إن الأصح من الوجهين: الوجه الآخر، كما ذكر.

قال: وإن أمرها بالانتقال إلى موضع آخر، فانتقلت، أي: خرجت بنية الانتقال، ثم طلقها، أي أو مات عنها، قبل أن تصير إلى الثاني- فقد قيل: تمضي؛ لأنهقد صار هو المسكن؛ فإنها ممنوعة من المقام في الأول، مأذون لها في الثاني. وهذا هو الصحيح، ويحكى عن نصه في "الأم"، ونسبه الماوردي إلى أبي إسحاق.

قال: وقيل: هي بالخيار بين المضي وبين العود؛ لأنها بينهما، [والأول خرج عن أن يكون سكناً بالخروج منه، والثاين لم يصر مسكناً؛ فخيرت بينهما]، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يعتبر القرب فيرجح به. قال: ويشبه أن يكون قول أبي الفياض.

وفي "الرافعي" حكاية وجه: أن المسكن الأول يتعين؛ فتحصلنا على أربعة أوجه.

ولو أمرها بالانتقال، فلم تنتقل بنفسها- وجب عليها أن تعتد في الأول، وإن انتقلت بنفسها وجب عليها أن تعتد في الثاني، ولو رجعت لنقل القماش، ثم طلقها، أو مات وهي في الأول- اعتدت في الثاني.

قال الإمام: وهذا إذا دخلت الثاني دخول قرار، أما إذا لم تدخله كذلك، وكانت تتردد بينهما: فإن طلقت في الثاني تعين، وإن طلقت في الأول ففيه احتمالان.

ولو طلقها في الأول طلقة، ثم كمل الثلاث في الثاني- عادت إلى الأول، وأكملت فيه العدة.

قال الماوردي لأن أول عدتها في الطلاق المبتوت في الثاني من وقت الطلاق الرجعي في الأول، فكذلك انتهاء العدة فيه آخراً، وينبغي أن يجيء فيه وجه: أنها تعتد في الثاني؛ بناء على أنها تستأنف العدة.

وحكمها إذا انتقلت بغير الإذن، ثم أقرها الزوج- حكم ما إذا انتقلت بالإذن.

ولو خرجت لا للنقلة، ثم لحقها الطلاق- فحق عليها أن ترجع إلى مسكن النكاح وإن كان عليها في تلك الدار شغل يضاهي التجارة في حق المسافرة.

قال: وإن أذن لها في السفر، فخرجت، أي: من المنزل، ووجبت العدة، أي: عد الطلاق أو الوفاة، قبل أن تفارق البلد- فقد قيل: عليها أن تعود؛ لأنه لم

ص: 79

يثبت لها حكم السفر؛ بدليل أنها لا تستبيح قصر الصلاة، وإذا كان كذلك لم يوجد المأذون فيه؛ فأشبه ما لو طلقها قبل أن تخرج من البيت، وهذا نسبه الماوردي إلى أبي إسحاق، وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، وإنه الأظهر.

قال: وقيل: لها أن تمضي ولها أن تعود؛ لأن مزايلتها المنزل بإذن الزوج أسقط عنها وجوب الإقامة فيه، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري، وهو ظاهر المذهب.

وحكي وجه غريب فارق بين أن يكون سفر حج؛ فلا يلزمها، وبين أن يكون غيره؛ فيلزمها، وقيده في "الذخائر" بحج الفرض.

قال: وإن فارقت البلد، ثم وجبت العدة- فلها أن تمضي، ولها أن تعود؛ لأن في قطعها عن السفر مشقة، لا سيما إذا بعدت عن البلد، وخافت الانقطاع عن الرفقة.

وفي "الحاوي" حكاية وجه عن ابن أبي هريرة: أنه لا يستقر دخولها في حكم السفر، إلا أن تنتهي على مسافة يوم وليلة؛ اعتباراً بالسفر الذي يستباح فيه الترخص؛ فما لم تبلغ إليه فعليها إذا مات أو طلق أن تعود إلى منزلها؛ فإن بلغت يوماً وليلة لم يلزمها العود.

ثم هذا في السفر للحاجة، أما سفر النقلة: فإن لم تخرج من البلد عادت إلى المنزل، وإن خرجت فعلى الوجوه الأربعة فيمن طلقت وهي بين الدارين.

وفي "الحاوي" عن ابن أبي هريرة: أنه إذا [كان] السفر لنزهة أو زيارة، فطلق أو مات بعد استقرار سفرها، وقبل وصولها- يلزمها العود، وعليه حمل قول الشافعي: إنه لو أذن لها في زيارة أو نزهة، فعليها أن ترجع.

والمذكور في "الشامل": أن سفر النزهة كسفر الحاجة.

وفي "تعيلق" القاضي الحسين: أنها ترجع في سفر النزهة، على قولنا: إنه إذا أذن لها في المقام مدة، ثم طلقها: إنها لا تقيمها، ولا ترجع في سفر الزيارة على هذا القول؛ لأنها غرض صحيح، وظاهر النص: أنه لا فرق بين سفر الزيارة والنزهة.

قال: وإن وصلت إلى المقصد، أي: سواء وجبت العدة في الطريق، ولم تعلمه، أو فيه؛ على ما صرح به الماوردي- فإن كان السفر لقضاء حاجة، أي

ص: 80

مثل: حج يؤدى، أو دار تبنى- لم تقم بعد قضائها؛ لأنه لم يأذن في القدر الزائد على ذلك، اللهم إلا أن تكون الحاجة مما ينقضي في دون الثلاثة أيام؛ فإن لها أن تقيم مدة المسافرين ثلاثة أيام، كذا حكاه القاضي الحسين والبغوي والغزالي.

وحكاه الروياني عن بعضهم، وغلط قائله، وقال: نهاية سفرها قضاء الحاجة لا غير. وما قاله هو ما يقتضيه كلام الشيخ، وهذا إذا لم يقدر لها مدة، أما إذا قدر ففيها الخلاف الآتي.

والمقصد: بكسر الصاد.

قال: وإن كان لنزهة أو زيارة، لم تقم أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن ما زاد في حكم الإقامة.

وألحق الماوردي بذلك ما إذا كان لأداء رسالة، واستدل له بما روي أنه- عليه السلام:"أَذِنَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ".

ثم هذا إذا أمكنها الخروج في اليوم الرابع فإن لم يكن لمرض أو خوف؛ فلا حرج عليها في المقام ما كان عذرها قائماً.

قال: وإن قدر لها مقام مدة ففيه قولان:

أحدهما: أنها لا تقيم أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن الإذن في المدة المقدرة قد بطل؛ لاستحقاق العدة في الوطن؛ فليس لها أن تقيم إلا مدة المسافرين ثلاثة أيام، إلا أن يقطعها عذر.

والثاني: أنها تقيم المدة التي أذن لها فيها؛ كما لو أذن في قضاء الحاجة، وكما أنه إذا أذن في سفر النقلة، يجب عليها أن تعتد في البلد الثاني، وهذا هو الأصح، واختيار المزني، وقد أجرى هذا الخلاف فيما لو أذن لها في الانتقال إلى

ص: 81

منزل آخر في البلد مدة قدرها، كما حكاه الروياني عن نصه في "الأم".

وقال الغزالي: إن الطلاق يبطل تلك المدة، ولم يجعله على الخلاف. وأجرى- أيضاً- فيما لو أذن لها أن تعتكف عشرة أيام، ثم وجبت العدة في أثنائها: هل تتمهما، أو تقطعها وتود إلى المنزل؟

فإن لم نوجب الخروج فخرجت بطل، واستأنفت إن كان الاعتكاف منذوراً.

وإن أوجبناه، فهل تستأنف أو تبني؟ فيه خلاف، والظاهر الثاني.

ومنهم من قال: إن قلنا: تبني، فعليها الخروج، وإلا فإبطال [العبادة عليها كإبطال] أهبة السفر.

والمقيم: بضم الميم.

فرعان:

أحدهما: لو أذن لها في السفر مطلقاًروعي شواهد الحال فيه: فإن دلت على المقام أقامت، وإن دلت على العود عادت، وإن لم تدل على شيء اقتضى مطلق الإذن أن يكون سفر مقام؛ لأن العود سفر آخر يحتاج إلى إذن فيه؛ فيلزمها قضاء العدة في البلد الذي سافرت إليه، حكاه الماوردي.

الثاني: لو كان الزوج معها في السفر، وكان سفرها لغرضه، فطلقها أو مات- لم تقم إلا مدة المسافرين، إلا لضرورة، وإن كان لغرضها فالحكم كما لو لم يكن معها.

قال: فإن قضت الحاجة في المسألة الأولى لتنزه أو زيارة، وبقي من المدة ما تعلم أنه ينقضي قبل أن تعود إلى البلد- فقد قيل: لا يلزمها العود؛ لأنها لا تقدر على العدة في ذلك البلد؛ فالسكون أولى وأليق، وهو أيسر لها من السفر، وهذا قول أبي إسحاق، واختيار القفال، وهو أظهر في "تعليق" القاضي الحسين.

وقيل: يلزمها؛ لأن إقامتها غير مأذون فيها، وعودها مأذون فيه من جهته، ولأن المكان الذي تعود إليه أقرب إلى مسكنها من الموضع الذي تقيم فيه، والقرب من موضع العدة مطلوب؛ دليله ما سبق، وهذا نصه في "الأم"، وهو الأظهر في "الرافعي" وغيره، وقال: البندنيجي: إنه المذهب، ونسبه الإمام إلى بعض الأصحاب، وقال: لا أعرف له وجهاً؛ فإنها إذا قطعت بأنها لا تنتهي إلى مسكن النكاح، فقصدها المسكن قصد لا مقصود له. نعم، إذا جوزت أن تنتهي إلى المسكن قبل انقضائها،

ص: 82

وجوزت خلاف ذلك- فيجوز تقدير الخلاف هاهنا. انتهى.

ولو علمت أن العدة لا تنقضي في الطريق، وبقي بقية تقضيها في البلد- وجب عليها العود وجهاً واحداً.

قال: وإن أذن لها في الخروج إلى منزل أو [إلى بلد] لحاجة، أي: ادعى ذلك، ثم اختلفا، أي: وهي في المنزل الثاني، فقالت: نقلتني إلى الثاني؛ ففيه أعتد، وقال: ما نقلتك [أي: وأصر على ما ادعاه أنه لحاجة]، فالقول قول الزوج؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن كان القول قوله؛ فكذلك إذا اختلفا في صفته؛ لأنه أعرف به، ولأن الأصل عدم الإذن في النقلة.

قال: وإن مات الزوج، واختلفت هي والورثة في ذلك- فالقول قولها؛ لأنهما استويا في الجهل بقصد الزوج، ومع الزوجة ظاهر: وهو أن الأمر بالخروج يقتضي خروجها من غير عود، وهذا ما حكاه القفال عن نص الشافعي في الصورتين على ما حكاه الفوراني، وهو الأصح بالاتفاق.

ونقل نص: أن القول قول الوارث أيضاً، ونص أن القول قولها، سواء كان الاختلاف مع الزوج أو وارثه.

ص: 83

وهذا ما جزم به الماوردي والحالة هذه؛ موجهاً ذلك بأنها تدعي سفراً، وهو يدعي سفرين؛ فكان القول قول من ينكر الثاني.

وكذا جعل القول قوله إذا ادعت العكس لهذه العلة، وخرج مخرجون هذا الخلاف على تقابل الأصل والظاهر؛ [فإن الظاهر] سفر النقلة، والأصل عدمها.

ومن الأصحاب من نفي الخلاف في المسألة، ثم هؤلاء اختلفوا:

فمنهم من قال: حيث جعل القول قوله أو قول الوارث فذاك إذا كان الاختلاف في اللفظ، وحيث جعل القول قولها مع الزوج أو وارثه فذاك فيما إذا كان الإذن في الخروج مطلقاً، واختلفا في الإرادة.

ومنهم من قال: حيث جعل القول قولها، فذاك إذا انتقل الزوج معها إلى المنزل الثاني، وحيث جعل القول قوله أو قول الوارث فذاك إذا انتقلت بنفسها.

وقيل: إن اتفقا على جريان لفظ الانتقال أو الإقامة، وقال الزوج: ضممت إليه النزهة أو شهراً أو نحوهما، فالقول قولها.

وإن كان الإذن المتفق عليه الإذن في الخروج، لا غير، فالظاهر أن القول قوله، وفيه وجه.

وإن كان الاختلاف مع الوارث، فالقول قولها في الحالين، وقد يفهم من هذه الطريقة أن الخلاف يجري فيما إذا اتفقا على النقلة أو الإقامة، وليس فيها خلاف. نعم، أبدى الرافعي في قبول قوله فيها احتمالاً لنفسه.

فروع:

لو قال الزوج أو الوارث: لم يحصل الانتقال بالإذن، فالقول قوله.

قال الإمام: ويحتمل أن يجعل القول قولها؛ لوجه ذكر فيما لو قال صاحب اليد: أعرتني هذه الدار، فقال المالك: ما أعرتك-: أنه يجعل القول قول صاحب اليد.

ص: 84

لو قالت: أمرتني بالانتقال عشرة أيام، وقال: بل أمرتك بالنزهة من غير ذكره مدة، وقلنا: إنها تقيم المدة المأذون فيها- فإن كان الاختلاف مع الزوج فالقول قوله، وإن كان مع الوارث فالقول قولها، وهكذا الحكم فيما لو ادعت سفر النزهة، وادعى الزوج أنه قدر لها مقام مدة، وقلنا: إنها تقيم فيها، قالهما الماوردي.

قال: وإن أحرمت بإذنه، ثم طلقها، أي: أو مات عنها.

فإن كان الوقت ضيقاً، أي: تخاف فوت الحج إن أقامت لأجل العدة- مضت في الحج؛ لقوله -تعالى-: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]، وصفة الإتمام: إكمال ما دخل فيه، ولأنه قد تقابل عبادتان، [وأحدهما سابق]، وهو الحج؛ فكان تقديمه أولى كما لو تقدمت العدة.

قال: وإن كان واسعاً- أي للأمرين- أتمت العدة، أي: ثم أتمت الحج، وهكذا حكاه- أيضاً- في "المهذب"، ووافقه صاحب "التهذيب"؛ ولأنه أكمل للجمع بينهما؛ فلم يجز إسقاط أحدهما.

والذي ذهب إليه الشيخ أبو حامد والأكثرون، وهو الأصح: أنها بالخيار بين أن تمضي في إحرامها، وبين أن تقيم حتى تنقضي العدة، ثم تخرج لقضاء النسك، وهكذا الحكم فيما لو أحرمت بالعمرة؛ لأن [مصابرة الإحرام عسير] والأولى أن تتم العدة.

ومحل الخلاف ما إذا لم تخرج بعد، أما إذا خرجت ومشت في الطريق، أتمت العدة؛ قاله مجلي، وإن كان الشيخ في "المهذب" وهاهنا لم يقيده.

وفي "الرافعي" و"التتمة" إلحاق ما إذا أحرمت قبل وجوب العدة بغير إذنه بما إذا أحرمت بإذنه.

قال: وإن وجبت العدة، ثم أحرمت، أتمت العدة بكل حال؛ لأنها أسبق؛ فلو فاتها الحج بإتمامها العدة تحللت بعمرة، وقضته.

وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها تقضيه من قابل، وكذلك في "ابن يونس"؛ فلعل تفريع على وجوب القضاء على الفور.

وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنها تقضيه من قابل، وكذلك في "ابن يونس"؛ فلعله تفريع على وجوب القضاء على الفور.

وفي "الجيلي": أنه إذا لم يمكن التحلل بأفعال عمرة؛ بأن تكون في بلدها

ص: 85

تصبر إلى السنة الثانية؛ لأنها ليست في معنى المحصر، هكذا ذكره في "التجربة النظامية" و"الحاوي".

ولو أحرمت بالحج أو العمرة، ثم تحللت، ثم وجبت العدة- فحكمها حكم ما لو سافرت بإذنه.

قال: وإن تزوجت في العدة، ووطئها الزوج، أي: الثاني على ظن الإباحة، وهي حائل، انقطعت العدة؛ لأنها صارت فراشاً للثاني، ولا يجوز أن تكون فراشاً لواحد ومعتدة من آخر؛ غذ الفراش ينافي المقصود من العدة، ويجب أن يفرق بينهما؛ لفساد النكاح.

قال: فإذا فرق بينهما، أتمت العدة من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني أي: بعد انقضاء عدة الأول، أو قطعها بالرجعة إن كان الطلاق رجعياً؛ لما روي عن عمر أنه قال:"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا: فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الذِي تَزَوَّجَ بِهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا- اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الأَوَّلِ، وَكَانَ خَاطِباً مِنَ الخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَاعتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اعتَدَّتْ مِنَ الثَّانِي، وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَبَداً".

ولأنهما حقان مقصودان من جنس واحد لثابتي الحرمة؛ فلا يتداخلان؛ كالدينين، ويقدم الألو منهما؛ لتقدمه وقوته؛ فإنه يستند إلى عقد جائز وسبب مسوغ.

ومعنى قولنا: مقصودان، أن العدة تجب عليها، أرادت النكاح أو لم ترده، بخلاف الأجل.

وقولنا: لثابتي الحرمة، احترزنا به عن العدتين من شخص واحد، وعما إذا طلق حربي امرأته، فنكحت في خلال العدة، وأسلم أحدهما؛ فإن عليها عدة واحدة عن النص.

وقد نقل الفوراني: أن بعضهم خرج قولاً من هذا النص إلى المسألة قبلها [ومن المسألة قبلها] إلى هذه، وجعلهما على قولين، وهما ما حكاهما العمراني في "الزوائد" عن طريقة الشيخ أبي حامد.

ص: 86

وبعضهم أقر النصين، وفرق بأن عرض الحربي وماله عرضة الإبطال والنهب، بخلاف المسلم.

والصحيح هو الأول عند الإمام والقاضي الروياني، وعليه جرى الأودني وعند البندنيجي والبغوي: أن التداخل في حق الحربيين أصح؛ جرياً على ظاهر النص.

ومعنى التداخل: أنها تكتفي بعدة واحدة من يوم إصابة الثاني، وتدخل بقية الأولى فيها.

وفيه وجه: أنها تسقط بالكلية، وهذا ما حكاه القاضي الحسين.

فرع: لو أسلمت المرأة ولم يسلم الثاني؛ فلا بد من أن تكمل العدة الأولى، ثم تعتد عن الثاني. ولو أسلمت مع الثاني، ثم أسلم الأول، وأراد الرجعة: فإن قلنا بسقوطها فلا، وإن قلنا بدخولها فنعم، كذا حكاه الرافعي.

ولو أراد الثاني أن ينكحها: فإن قلنا بدخولها فلا حتى تنقضي تلك البقية، وإن قلنا بسقوطها فنعم. أما لو وطئها الثاني وهو عالم بأنها في العدة، وأن العقد عليها حرام- فهو زنى لا يوجب العدة ولا يقطعها؛ لأنها لم تصر فراشاً.

فرع آخر: لو وطئها المطلق بعد أن وطئها الثاني، وفرق بينهما؛ فتكمل العدة الأولى، ويدخل فيها من عدة الوطء الثاني مثل ما بقي من العدة الأولى، ثم تعتد عن الثاني، ثم تأتي بما بقي من عدة الوطء، قاله القفال في "فتاويه".

تنبيه: قول الشيخ: ووطئها الزوج انقطعت العدة، يعرفك أن اختياره: أن انقطاعها يكون بالوطء، وهو الصحيح، ونسبه الإمام إلى القفال.

وقيل: بالعقد، ونسبه الإمام إلى الشاشي- أي: المروزي- وهذا يدل على أنه غير القفال، وقيده من عند نفسه بما إذا اتصل به الدخول، أما إذا لم يتصل فلا أثر له، وكلام غيره يقتضي إطلاقه.

ص: 87

وقيل: ينقطع بالزفاف بعد العقد والخلوة وإن لم يوجد وطء، وأبدى الإمام في هذه تردداً.

وقوله: فإذا فرق بينهما أتمت العدة، يعرفك أن البناء يكون من حيث التفريق، وهو الأصح.

قال الإمام: وإليه نظر القفال.

ومنهم من قال: من آخر وطئه. قال الإمام: وهو قول الشاشي.

فرع: للزوج أن يراجعها بعد التفريق في عدته إن كان الطلاق رجعياً، وفي جواز تجديد النكاح إذا كان بائناً وجهان حكاهما المراوزة، والأصح منهما عند القفال: لا، وبه أجاب صاحب "التهذيب" والقاضي الروياني وغيرهما.

ومقابله هو المحكي عن الشيخ أبي حامد.

قال: وإن كانت حاملاً، أي: من الأول، مثل: أن أتت به لدون ستة أشهر من حين وطء الثاني، ولدون أربع سنين من وقت الطلاق- لم تنقطع العدة؛ لأن الحمل لا يتبعض، وهو لا يجوز أن يكون من الثاني؛ فتعين أن تعتد به عن الأول.

قال: فإذا وضعت استقبلت العدة من الثاني- أي: بالأقراء- بعد مضي النفاس؛ [لتعين] ذلك لوفاء الحق.

ويجوز للزوج الأول أن يراجعها في مدة الحمل إن كان الطلاق رجعياً، لكن قال الروياني فيما لو كان الوطء وطء شبهة من غير نكاح: لا يجوز له ذلك في زمن اجتماع الثاني معها؛ لأنها حينئذ خارجة عن عدة الأول وفراش لغيره، وهذا في مسألتنا أولى؛ لأن النكاح الفاسد له فراش، بخلاف وطء الشبهة، ومقتضى

ص: 88

ذلك في مسألتنا: أن تنقطع العدة أيضاً، لكن لا كالانقطاع السابق.

وإن كان الطلاق بائناً فهل يجوز تجديد النكاح؟ فيه الوجهان السابقان، وهما يجريان- أيضاً- فيما لو كانت حاملاً من الثاني، وأراد الثاني نكاحها فيه، صرح به الإمام.

والفرق بين النكاح والرجعة: أن الرجعة في حكم الاستصحاب؛ ولهذا تجوز للمحرم، بخلاف النكاح، ولأنا لو لم نجوز له الرجعة لأدى إلى إبطال حقه.

ثم إذا راجع أو جدد النكاح فهل له وطؤها في زمن الحمل؟ فيه وجهان، وميل المتولي إلى أنه لا يحل، ومنهم من رجح مقابله.

ويجري الوجهان فيما لو وطئت المرأة بشبهة في صلب النكاح وهي حامل من الزوج.

ويجوز للزوج الثاني أن يتزوجها في عدته وبعد انقضائها، وفيه قول محكي عن القديم: أنها تحرم عليه على التأبيد؛ تقليداً لقضاء عمر، ولأنه استعجل الشيء قبل أوانه؛ فعوقب بحرمانه؛ كما لو قتل مورثه.

ثم هذا القول يجري وإن تفرقا بأنفسهما، أو يختص بما إذا فرق الحاكم بينهما كما في فرقة اللعان؟ فيه وجهان، وقد نقل الروياني إجراء هذا القول في كل وطء شبهة أفسد الفراش.

وأنكر البصريون من أصحابنا هذا القول أعلى ما حكاه الشاشي وغيره- وقالوا: إنما حكاه عن مالك، ويؤيده أن عمر- رضي الله عنه رجع إلى قول علي أنه إذا انقضت عدتها كان خاطباً من الخطاب؛ كما حكاه في "المهذب" عنهما.

قال: وإن وطئها الثاني، وظهر بها حمل، يمكن أن يكون من كل واحد منهما- أي: بأن أتت به لستة أشهر من وطء الثاني، ولأربع سنين فما دونها من وقت الطلاق- اعتدت به عمن يلحقه- أي: بإلحاق القائف بشرطه الذي تقدم في بابه- ثم تستقبل العدة من الآخر؛ لأنه إذا ألحق بالزوج كان انقضاء العدة به؛ لأمرين:

أحدهما: أنه ولده.

والثاني: سبق حقه. وأما إذا لحق بالثاني؛ فلأنه لا يجوز أن يلحق الولد بشخص، وتنقضي به عدة غيره؛ فلأجل ذلك قدمت عدة الثاني على عدة الأول، وإنما تستقبل العدة عن الآخر؛ لتعين ذلك لوفاء الحق، وهذا هو المذهب.

ص: 89

وعن القاضي الحسين: أنها إذا كانت ترى الدم على الحمل، وقلنا: إنه حيض- تنقضي به عدة الآخر، وضعفه الإمام والغزالي.

تنبيه: المراد من الاستقبال: ابتداء العدة إن كان الحمل ملحقاً بالأول، والبناء على العدة السابقة إن كان الحمل من الثاني.

فرع: هل يجوز للزوج أن يراجعها إن كان الطلاق رجعياً، أو يجدد النكاح إن كان بائناً؟ يحتاج الكلام في ذلك إلى مقدمة، وهي أن الحمل إذا كان من الثاني كان للزوج الرجعة في بقية عدته إن كان الطلاق رجعياً، ولا فرق في ذلك بين مدة النفاس وغيرها؛ لأنها من جملة العدة؛ كالحيض الذي يقع فيه الطلاق، وفي مدة النفاس وجه: أنه لا رجعة فيها.

وإذا ثبتت الرجعة؛ فلو طلقها لحقها الطلاق، ولو مات أحدهما ورثه الآخر، وتنتقل بوفاته إلى عدة الوفاة، وهل له الرجعة قبل الوضع وتجديد النكاح إن كان بائناً؟ فيه وجهان:

أحدهما- محكي عن أبي إسحاق، وذكر أنه الصحيح-: نعم.

والثاني- وهو الصحيح في "التهذيب"-: لا، ويروى مثله عن الماوردي.

وفي "التهذيب": أنه إذا طلقها قبل الوضع يلحقها الطلاق، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر، وإذا مات تنتقل إلى عدة الوفاة بعد الوضع، وإن كان لا تصح رجعته؛ لأنا نجعل زمان الرجعة كزمان صلب النكاح. هكذا لفظه.

رجعنا إلى المقصود: فإن فرعنا على الوجه الذي قال به أبو إسحاق، فإذا راجعها في زمن الحمل صحت رجعته.

وإن فرعنا على الثاني لا نحكم بصحتها؛ لجواز أن يكون الحمل من الثاني، فلو بان بعد الوضع أن الحمل منه بإلحاق القائف، فهل نحكم الآن بأن الرجعة صحت وحلت محلها؟ فيه وجهان مأخوذان من الخلاف فيما إذا باع مال مورثه

ص: 90

على ظن أنه حي، فبان ميتاً، والأظهر الحكم بالصحة، قاله الرافعي.

ولو راجع بعد الوضع فيما يمكن أن يكون من عدة غيره، لا نحكم بصحتها؛ لجواز أن يكون الحمل منه؛ فإن ألحقه القائف بالثاني ففي الحكم بصحة الرجعة الوجهان.

ولو راجع في حال الحمل وفيما يمكن أن يكون من عدته، ففي صحة الرجعة وجهان، أصحهما- وبه قال القفال-: الصحة.

ولو أراد أن يجدد النكاح: فإن قلنا: إن ثبوت عدة الغير في ذمتها يمنعه من تجديد النكاح في عدته لم يصح.

وإن قلنا: إنه لا يمنع، فالحكم فيه كما في الرجعة سواء؛ إلا أن الوجه الذي ذهب إليه القفال وصحح قال الإمام: الصحيح هاهنا: مقابله.

فرع آخر: إذا ألحقه القائف بهما، أو نفاه عنهما، أو أشكل عليه، أو لم تكن قافة- لزمها أن تعتد بعد وضع الحمل بثلاثة أقراء؛ إذ بذلك تخرج عما عليها بيقين، وهذا إذا لم تحض على الحمل، أو حاضت على الصحيح.

تنبيه: ذكر الشيخ- رحمه الله في الحمل حالتين:

إحداهما: أن يكون من الزوج الأول.

والثانية: أن يمكن أن يكون من كل واحد منهما، وهي تشتمل على صورتين:

إحداهما: أن يلحقه القائف بالأول.

والثانية: أن يلحقه بالثاني، وبهذه يظهر الحكم في حالة أخرى، وهو إذا أمكن أن يكون من الثاني دون الأول؛ بأن تأتي به لستة أشهر فما فوقها إلى أربع سنين، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول إن كان بائناً، وكذا إن كان رجعياً- على أحد الوجهين- بناء على أن الولد لا يلحقه، فإن الحكم فيها ما تقدم.

وأما إذا قلنا: إنه يلحقه؛ فهو كما لو أمكن أن يكون من كل منهما.

ووراء ذلك حالة أخرى، وهي إذا لم يمكن أن يكون من واحد منهما؛ بأن أتت به لدون ستة أشهر من نكاح الأول، أو من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من حين الطلاق.

وقد قال الماوردي فيها: إن الطلاق إن كان بائناً لم يلحق بواحد منهما، ولم

ص: 91

تنقض به عدة واحد منهما باتفاق أصحابنا.

وإن كان الطلاق رجعياً، فعلى قولين:

أحدهما: أن الحكم كذلك؛ فعليها بعد الوضع أن تتم عدة الأول، ثم تستأنف عدة الثاني.

والقول الثاني: أن الولد يلحق بالأول، وتنقضي به عدته، ثم تستأنف عدة الثاني.

وحكى الشيخ في "المهذب" وغيره في أصل المسألة وجهين، وكذلك الماوردي في باب اجتماع العدتين، وإن كان حكى في موضع آخر ما حكيناه عنه أولاً:

أحدهما- وهو الأشبه-: أنها لا تعتد به عن واحد منهما، وهو ما حكاه القاضي الحسين، ويحكى عن الشيخ أبي حامد- على ما حكاه ابن الصباغ.

فعلى هذا: يكون الحكم- كما ذكره الماوردي في الوجه الأول.

والثاني: أنها تعتد به عن واحد لا بعينه، ثم إذا وضعت اعتدت عن الآخر بثلاثة أقراء؛ لإمكان كونه من أحدهما بوطء شبهة يفرض بعد الطلاق [أو يفرض] من وطء قبل وطئه الظاهر، والإمكان كاف في انقضاء العدة، وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً؛ قياساً على ما لو علق طلاقها بالولادة، فولدت، ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر من ولادة الأول؛ فإنه منفي عنه، وتنقضي عدتها به، وهذا قد حكيناه في باب ما يلحق من النسب، وعزاه الرافعي والماوردي، والإمام إلى الشيخ أبي حامد، وقال الإمام: إنه الصحيح عند أئمة المذهب؛ فإن المعتمد في انقضاء العدة الإحبال، وهو [مستحق] في حق كل واحد منهما.

ووجهه الشيخ في "المهذب": بأن أحدهما لو أقر به للحقه؛ فانقضت به العدة؛ كالمنفي باللعان، وفيما قاله نظر من وجهين:

أحدهما: أن الماوردي حكى عند الكلام فيما إذا طلقها طلاقاً بائناً ثم أتت بولد لأكثر من أربع سنين: أن العدة عنده تنقضي بالشهور، أو الأقراء التي كانت

ص: 92

قد اعتدت بها؛ لأن ما انتفى عنه لعدم الإمكان امتنع أن تنقضي به العدة؛ كزوجة الصغير إذا ولدت بعد موته عنها تعتد بالشهور.

فإن قالوا: ولد الصغير لا يلحق به [إذا ادعاه.

قيل: كذلك هذا الولد لا يلحق به] لو ادعاه؛ كما لا يلحق بالزاني ما لم يدع نكاحاً أو شبهة، وهذا يخالف ما حكاه الشيخ مطلقاً.

الثاني: أن ولد الملاعنة قد نفاه باللعان مع إمكانه، وهذا نفاه الشرع؛ لاستحالته؛ فافتقرقا.

فرعان:

أحدهما: إذا لم تعتد بالحمل عن واحد منهما، وكانت ترى الدم، وقلنا: إنه حيض- فهل يحتسب بأقرائها؟ فيه وجهان، أشبههما: الاحتساب، وهو ما أورده ابن الصباغ، وللزوج الرجعة بعد الوضع في بقية عدته، وهل له الرجعة في حال الحمل؟ فيه الوجهان السابقان.

الثاني: إذا قلنا: تنقضي بوضع الحمل إحدى العدتين، فراجعها الأول في مدة الحمل، أو في الأقراء بعد الوضع- لم يحصل، وإن راجعها مرة في الحمل ومرة في الأقراء، ففي صحة الرجعة وجهان محكيان عن "الحاوي"، وهما كالوجهين السابقين.

فرع: إذا وطئت المنكوحة بالشبهة فإنها تعتد عن [هذا] الوطء، فلو طلقها الزوج ولم تكن حاملاً من وطء الشبهة، فهل تستمر على عدة الشبهة، أو تستقبل عدة الطلاق، ثم تبني على عدة الشبهة؟ فيه وجهان، أظهرهما في "تعليق" القاضي الحسين: الثاني. ولم لم يطلقها الزوج، لكن وطئها وهي في عدة الشبهة- فهو حرام، ولا يقطع وطؤه عدة الشبهة؛ لأن وطء الزوج لا يوجب العدة؛ فلا يقطع العدة؛ كما لو زنت المعتدة، قاله القفال في "فتاويه".

وهل يحرم عليه التلذذ بها؟ فيه وجهان محكيان في الاستبراء.

وما حكاه الرافعي في باب القسم والنشوز- قبل الفرع الأول-: من أنه لا يجوز له الخلوة معها، يجوز أن يكون إذا كانت حائلاً، أو بناء على أنه لا يحل له التلذذ بها.

ص: 93

قال: وإن وطئها الزوج في العدة بشبهة- أي: وكانت بالأشهر أو الأقراء- دخلت فيها البقية؛ لأنهما من جنس واحد ومن شخص واحد؛ فلا معنى للتعدد.

وقيد الشيخ الوطء هاهنا بالشبهة؛ وكذلك الغزالي في "الوسيط"؛ لأمرين:

أحدهما: أن تصور المسألة بوطء لا إثم فيهز

الثاني: أن الوطء إذا كان بشبهة شمل المعتدة عن طلاق بائن أو رجعي، ولو لم يذكر الشبهة لكان مختصاً بالطلاق الرجعي؛ إذ لا فرق فيه بين العلم بتحريم الوطء أو الجهل به؛ لأنه وجد في نكاح متشعث؛ فالعدة في نفسها شبهة.

وأما إذا كان بائناً وهو عالم بالتحريم، فيكون الوطء زنى لا أثر له، والله أعلمز

قال: وله الرجعة فيما بقي من العدة الأولى، أي: إن كان الطلاق رجعياً؛ لأنها من عدة الطلاق الرجعي.

وسكت الشيخ عن تجديد النكاح؛ لظهور جوازه فيه وفي غيره إذا لم يكن قد استوفى عدد الطلاق.

وحكى عن الحليمي أن بقية عدة الطلاق تسقط، وتتمحض العدة الواجبة عن الوطء.

قال الرافعي: وقياسه ألا تثبت الرجعة في البقية، لكن الإجماع صد عنه، وقد ينقطع أثر النكاح في حكم دون حكم.

قلت: قد حكيت عنه من قبل فيما إذا وجب عليها عدتان لشخصين؛ وقلنا: تكتفي بعد واحدة، وإن بقية العدة الأولى تسقط – أنه لا رجعة له؛ وكذا سيأتي مثله فيما إذا حملت من وطئه في العدة؛ فكيف يحسن ادعاء الإجماع بعدم جريانه.

وقيل: الواجب عليها الاعتداد ببقية عدة الطلاق، ولا يوجب الوطء إلا ما وراء ذلك إلى تمام ثلاثة أقراء، أو ثلاثة شهور.

وفي "ابن يونس" حكاية وجه عن الخراسانيين: أنه يكتفي ببقية العدة الأولى.

قال: وإن حبلت من الوطء الثاني، فقد قيل: تدخل فيها البقية؛ لأنهما من واحد، فأشبه المتجانستين، وهذا هو الأشبه والأصح في "الجيلي".

قال: وله الرجعة إلى أن تضع؛ لأنها في عدة الطلاق الرجعي، والحمل لا يتبعض.

ص: 94

وفيه وجه حكاه البغوي والرافعي: أنه لا رجعة له؛ بناء على أن عدة الطلاق قد سقطت، وهي الآن معتدة عن الوطء، وهذا ما أشرت إليه من قبل.

فإن قلنا بثبوت الرجعة ثبتت جميع الأحكام المتعلقة بها، وإلا فلا تثبت.

قال: وقيل: لا تدخل؛ لأنها جنسان فلا يتداخلان، كما لو زنى وهو بكر، ثم زنى وهو ثيب.

قال: فتعتد بالحمل عن الوطء؛ لأنه منه، فإذا وضعت أكملت عدة الطلاق بالأقراء؛ إذ هو الممكن، وله الرجعة في الأقراء، وكذا في زمن النفاس؛ لأنها في عدة الطلاق.

قال: وهل له الرجعة في الحمل؟ قيل: له الرجعة؛ لأنه زمان لم تكم فيه عدة الطلاق بالأقراء، وهذا هو الأصح في "الجيلي".

وقيل: ليس له؛ لأنها في عدة وطء الشبهة، وكذا الخلاف في النفقة.

وقيل: يجب وجهاً واحداً.

ولو وطئت بالشبهة وهي حامل من النكاح فهل تدخل عدة الشبهة في العدة الأولى؟ فيه الوجهان.

فإن قلنا بعدم الدخول فتعتد بعد الوضع بثلاثة أقراء، وله الرجعة في الحمل دون الأقراء.

ولو لم يدر أن الحمل من النكاح أو من الوطء في العدة، وقلنا بعدم التداخل- لزمها أن تعتد بعد وضعه بثلاثة أقراء، ولا يخفى حكم الرجعة مما تقدم في الفروع.

وهذا كله إذا لم تر الدم على الحمل، أو رأته وقلنا: إنه ليس بحيض، أما إذا قلنا: إنه حيض فهل يحسب من العدة؟ فيه وجهان:

أظهرهما: نعم، وبه قال الشيخ أبو حامد، وهو الذي حكاه في "المهذب" و"الشامل" و"التهذيب" موافقاً فيه القاضي الحسين؛ لأن البراءة معلومة، والحكم بعدم التداخل مع اتحاد الشخص ليس إلا للتعبد، رعاية لصورة العدتين، وقد حصل.

[و] مقابله: هو قول الشيخ أبي محمد، وإليه مال الإمام.

فإن قلنا: تنقضي، فلو كان الحمل حادثاً من الوطء، ومضت الأقراء قبل الوضع- فقد انقضت عدة الطلاق، [وليس للزوج الرجعة قبل ذلك؛ فلو وضعت

ص: 95

الحمل قبل تمام الأقراء فقد انقضت عدة الوطء] وعليها بقية عدة الطلاق، قال في "التهذيب": وللزوج الرجعة قبل الوضع وبعده إلى تمام البقية بلا خلاف.

واعلم أن ما ذكرناه مصور بما إذا لم يستمر منه هذا الأمر، ولم يعاشرها معاشرة الأزواج، [أما إذا كان يعاشرها معاشرة الأزواج] بعد الطلاق، مثل: أن يخلو بها ليلاً ويؤاكلها ويفاخذها ويقبلها، ولم يطل زمن المفارقة:

فإن انضم إلى ذلك الوطء، وكان الطلاق بائناً، وهو عالم بالتحريم- لم يمنع ذلك من انقضاء العدة. وإن كان رجعياً.

قال في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين: لا تشرع في العدة ما دام يطؤها، قال القاضي: قولاً واحداً.

وإن لم يوجد منه وطء ففي انقضاء العدة وجهان أطلقهما المتولي من غير فصل بين الطلاق البائن والرجعي، وكذلك الغزالي في "الوسيط"، وحكى عن المحققين: أن القياس الاحتساب، ثم حكى عن القاضي الفرق بين أن يكون الطلاق رجعياً فيمتنع، أو بائناً فلا يمتنع، وبهذا الوجه أخذ القفال، وأجاب البغوي، والقاضي الروياني في "الحلية".

ص: 96

وأجرى هذا الخلاف فيما إذا طلق زوجته الأمة، وأخذ السيد في معاشرتها، هل يمنع ذلك من الاحتساب بالعدة؟

أما إذا طال زمان المفارقة، ثم جرت خلوة- ففيه احتمالان:

أحدهما: تنقطع العدة.

وأشبههما: البناء على ما مضى.

ثم على القول بعدم انقضاء العدة فذاك بالنسبة إلى لحوق الطلقة الثانية والثالثة.

أما بالنسبة إلى ثبوت الرجعة فلا تثبت بعد مضي ثلاثة أقراء بعد الطلاق، كذا قاله الفراء في "الفتاوى"، وفي "فتاوى" القفال ما يوافقه، وصرح به الروياني في "حليته".

فرع محكي عن "فتاوى" البغوي: إذا طلق زوجته ثلاثاً، ثم تزوجها في عدته، ظاناً أنها تزوجت بغيره بعد انقضاء عدتها- فينبغي أن يقال: زمان استفراشه إياها كزمان استفراش الرجعية.

ولتعلم أن ما ذكرناه فيما إذا كانت المطلقة حائلاً، أما إذا كانت حاملاً فلا أثر لذلك.

قال: وإذا راجع المعتدة، أيك بغير الحمل في أثناء العدة، ثم طلقها قبل الدخول- استأنفت العدة في أصح القولين، وهو اختيار المزني على المشهور؛ لقوله – تعالى-:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وهذه مطلقة، ولأن الرجعة رفعت تحريم الطلاق؛ فارتفع بها حكم الطلاق، وصار الطلاق الثاني هو المختص بالتحريم؛ فوجب أن يكون مختصاً بوجوب العدة بعد التحريم؛ كما لو ارتدت بعد المسيس ثم أسلمت، ثم طلقها؛ فإنها تستأنف العدة.

وحكى الشاشي عن المزني: أنه لا عدة عليها.

قال: وبنت في القول الثاني- وهو القديم- لأنه لما ملك الرجعة في الطلاق الثاني بسبب الإصابة في النكاح الأول وجب أن تبني عدة الطلاق الثاني على عدة الطلاق الأول؛ فعلى هذا لا يحسب زمن الرجعة من العدة.

وإذا كانت الرجعة في خلال طهر، مثل: أن راجعها في الطهر الثلاث فهل يحسب ما مضى قرءاً؟ فيه وجهان:

أحدهما- وهو الذي نسبه الغزالي إلى القفال-: نعم.

فعلى هذا: لا شيء عليها والصورة هذه.

ص: 97

والثاني: لا، وعليها قرء ثالث، وهذا ما نسبه الغزالي إلى الشيخ أبي محمد.

والروياني عكس النسبة.

والظاهر من الخلاف: الثاني، وهو الذي أورده المتولي.

أما إذا كانت العدة بالحمل انقضت العدة بوضعه، فلو كان الطلاق بعد الوضع:

فإن مسها- إما قبل الوضع، أو بعده- فعليها استئناف العدة بالأقراء.

وإن لم يمسها، فإن قلنا: الحائل تستأنف، فكذلك هذه، وإلا فوجهان:

أظهرهما: أنها تستأنف.

والثاني: لا عدة عليها، ولا يجري هذا الوجه في الأقراء والأشهر.

فرع: لو راجعها، ثم خالعها: فإن قلنا: إن الخلع طلاق، فهو كما تقدم، وإن قلنا: فسخ، فوجهان:

أحدهما: أن الحكم كذلك.

والثاني: أنها تستأنف، كذا حكاه الماوردي والبندنيجي، وفي "المهذب" و"الشامل".

وحكى الإمام عن العراقيين القطع بأنها تبني، وهي طريقة حكاها ابن الصباغ فيما إذا فسخت الأمة بسبب العتق، وهذا الخلاف يجري في سائر الفسوخ.

ولو طلق الرجعية في العدة بنت، على إحدى الطريقين، وهي التي قال بها أبو إسحاق، ورجحها غير واحد من الأصحاب.

والطريق الثانية: أنها على القولين كما لو تخللت الرجعة، وبها قال الإصطخري وابن خيران، ورجحها القفال، والظاهر البناء وإن ثبت الخلاف.

قال: وإن تزوج المختلعة في أثناء العدة، ثم طلقها قبل الدخول، أي: في النكاح الثاني فقد قيل: تبنى على العدة. قال الإمام: بلا خلاف، والماوردي: قولاً واحداً؛ لأن الطلاق الثاني لا يوجب العدة؛ لكونه قبل الدخول، وعليها بقية العدة الأولى؛ فوجب عليها أن تأتي بها خشية من اختلاط المياه واشتباه الأنساب.

قال: وقيل: فيه قولان.

أحدهما: تبني، ووجهه ما ذكرناه.

والثاني: تستأنف، وهذا لم نره إلا في هذا الكتاب، وهو مذهب أبي حنيفة- رحمه الله وقد يوجه بأنها لما كانت في العدة أمكن أن يكون ذلك سبباً في تأثير الطلاق

ص: 98

زيادة في العدة، كما قيل فيما إذا عتقت الأمة في عدة من طلاق بائن؛ فإنها تتم عدة حرة على قول، لما ذكرناه.

ولو خالعها- والحالة هذه- قال البندنيجي: فإن قلنا: إنه طلاق، بنت أيضاً، وإن قلنا: فسخ، فعلى طريقين، منهم من قال: تستأنف هاهنا؛ لأنهما جنسان. هذا آخر كلامه، فيما وقفت عليه، فإن صحت النسخة فهو مقارب لما ذكره الشيخ، ومشكل أيضاً.

ولو طلقها بعد الدخول في الثاني استأنفت بلا خلاف، وتدخل فيها البقية.

ولو مات فهل تدخل البقية في عدة الوفاة؟ فيه وجهان.

وفي "التهذيب" وغيره: أنها تسقط؛ كما لو مات عن رجعية.

ثم هذا كله إذا صححنا نكاح المختلعة لمطلقها، وهو المذهب، وإذا قلنا: إن النكاح يقطع العدة الأولى، وهو الصحيح، أما إذا قلنا بمذهب المزني، وهو أن نكاح المختلعة لا يصح له كما لا يصح من غيره، أو بمذهب ابن سريج: أن العدة لا تنقطع بالنكاح ما لم يوجد الوطء؛ كما لو تزوجها أجنبي- فلا تتصور المسألة.

وقد أفسد الأصحاب مذهب المزني؛ بأن نكاح غيره يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وذلك لا يوجد فيه.

ومذهب ابن سريج؛ بأن الزوجية مع العدة منه لا تجتمعان، ولا كذلك الأجنبي؛ فإن نكاحه ليس بصحيح حتى يثبت له فراش قبل الوطء.

ثم خلاف ابن سريج يجري يما لو طلق زوجته الأمة، ثم اشتراها؛ فإن المذهب أن العدة تنقطع بالشراء، وعند ابن سريج لا تنقطع ما لم يوجد الوطء، كذا حكاه في "التتمة"، وسنذكر بقية الكلام فيه في باب الاستبراء، إن شاء الله تعالى.

فرع: لو وطئ امرأة بشبهة، فحملت منه، ثم تزوجها في العدة، ثم طلقها بعد الدخول- فهل تنقضي عدة الطلاق بوضع الحمل؟ فيه الوجهان المحكيان عن ابن سريج فيما لو مات قبل الوضع والحالة هذه، هل تنقضي بالوضع عدة الوفاة؟ أحدهما: لا تنقضي حتى يمضي أقصى الأجلين من وضع الحمل ومن عدة الوفاة.

قال: وإذا اختلفا في انقضاء العدة بالأقراء، فادعت انقضاءها في زمن يمكن

ص: 99

انقضاء العدة فيه- فالقول قولها، أي: مع يمينها؛ لقوله- تعالى-: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] حرج عليهن في الكتمان كما حرج على الشهود في كتمان الشهادة بقوله: {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ....} [البقرة: 283] إلى آخرها، ثم الشاهد يجب قبول قوله؛ فكذلك قبول قول النساء. ولأن ذلك لا يطلع عليه إلا من جهتها؛ فوجب قبول قولها فيه عند إمكان صدقها، كما يجب على التابعي قبول ما يخبر به الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لم [يكن له سبيل إلى الاطلاع عليه إلا من جهته.

وأقل زمان] يمكن انقضاء عدة الحرة فيه بالأقراء إذا كان الطلاق في طهر: اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان: لحظة بعد الطلاق طهراً، ثم يوم وليلة حيض، ثم خمسة عشر يوماً طهراً، ثم يوم وليلة حيض، ثم خمسة عشر يوماً طهراً، ثم لحظة الطعن في الحيض. وهذا على المذهب، ويجيء من تفريع ما حكيناه من قبل وجهان آخران:

أحدهما: اثنان وثلاثون يوماً ولحظة؛ بناء على ما خرجه ابن سريج، وهو: إسقاط الأولى، وقد صرح به الإمام.

والثاني: ثلاثة وثلاثون يوماً ولحظة؛ بناء على اعتبار مضي يوم وليلة من الحيضة الثالثة.

وإن جمعنا بين ما خرجه ابن سريج وبين هذا كان أقل المدة ثلاثة وثلاثين يوماً لا غير.

وإن جعلنا أقل الحيض يوماً بغير ليلة، نقصت المدة في كل تقدير ليلة.

وإن كان الطلاق في حيض فأقل الزمان سبعة وأربعون يوماً ولحظة على الصحيح؛ لأنه يقدر وقوع الطلاق [في آخر الحيض، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوماً]، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، ثم ترى الدم، وعلى ما عداه لا يخفى التفريع.

وهذا إذا لم تكن مبتدأة، أما إذا كانت مبتدأة، وطلقت قبل أن تحيض، ثم ظهر حيضها، فيبنى أمرها على أن القرء هو المحتوش أم لا؟ فإن لم نشترط الاحتواش فحكمها في مدة الإمكان حكم غيرها، وإن اشترطناه فأقل مدة الإمكان في حقها

ص: 100

- على الصحيح- ثمانية وأربعون يوماً ولحظة، وذلك بأن تطلق في آخر جزء من طهرها.

وأما الأمة فأقل زمان يمكن انقضاء عدتها فيه بالأقراء إذا كانت طاهرة ستة عشر يوماً ولحظتان: لحظة بعد الطلاق، ثم يوم وليلة حيض، ثم خمسة عشر يوماً طهر، ثم لحظة الطعن في الحيض. وهذا على المذهب، ولا يخفى خلافه في الوجوه فيما تقدم.

وإن طلقت في الحيض [فأحد وثلاثون] يوماً ولحظة، على الصحيح.

وإن طلقت ولم تحض قط، ثم ظهر بها الدم بعد الطلاق، وقلنا: القرء: الطهر المحتوش بدمين- فأقل مدة الإمكان في حقها اثنان وثلاثون يوماً ولحظة.

وإن طلقت في الحيض فالأقل أحد وثلاثون يوماً ولحظة.

وهذا كله إذا لم يكن ثم نفاس، أما إذا كان مثل أن علق طلاق الحرة بولادتها، فإن قلنا: إن الدم الذي تراه المرأة في الستين يجعل حيضاً، وهو الأظهر، فأقل مدة تصدق فيها سبعة وأربعون يوماً ولحظة كما لو طلقت في الحيض، وإن لم يجعل حيضاً فلا تصدق فيما دون اثنين وتسعين يوماً ولحظة ستون منها مدة النفاس، ويحسب ذلك قرءاً، وبعدها حيضتان وطهران، واللحظة للطعن في الحيضة الثالثة، هكذا ذكره في "التهذيب".

ولم يعتد صاحب "التتمة" بالنفاس قرءاً، واعتبر مضي مائة وسبعة أيام ولحظة، وهي مدة النفاس ومدة ثلاثة أطهار وحيضتين، واللحظة للطعن [في الحيضة].

وأما الأمة فلا يخفى عليك- بعد تأمل ما ذكرناه- أقل مدتها والحالة هذه.

إذا تقرر ذلك، فلو ادعت انقضاء العدة قبل ذلك فقولها مردود؛ لاستحالته، ثم فيه وجهان حكاهما الماوردي:

أحدهما: إذا استكملت أقل الممكن انقضت عدتها، ولم تستأنف الدعوى؛ لدخول ذلك في دعوى الأول، وهذا ما قاله الشيخ أبو حامد، على ما حكاه ابن الصباغ وغيره، وأبداه القاضي الحسين احتمالاً، وقطع به الشيخ أبو محمد.

والثاني: لا تنقضي العدة ما لم تستأنف الدعوى، وهذا ما رجحه الإمام.

ص: 101

وحكى القاضي أبو الطيب: أنها إن كانت مقيمة على ما أخبرت به أولاً لم تنقض عدتها.

وإن قالت: ذهلت في الإخبار، والآن انقضت عدتي، قبل قولها، وهذا ما صححه ابن الصباغ.

ولو أشكل الحال، فلم يدر هل كان الطلاق في طهر أو حيض، فالقول قولها فيه.

فإن ادعت وقوعه في الحيض فهو أغلظ؛ فيقبل قولها فيه، ولا يمين إن أكذبها الزوج.

وإن ادعت وقوعه في الطهر، فيقبل قولها- أيضاً- وللزوج إحلافها إن أكذبها، كذا قاله الماوردي.

ثم ما ذكرناه فيما إذا ادعت أن ذلك عادتها، أما لو ادعت أن عادتها أن تحيض خمسة أيام مثلاً من الشهر وتطهر عشرين يوماً، فلا يخلو حالها من أن تدعي تغير العادة أو لا، فإن [لم] تدع تغير العادة، فإن كان طلاقها في طهر فأقل ما تنقضي به العدة خمسون يوماً وساعة، وإن كان في حيض فتسعون يوماً وساعة. فلو ادعت في أحد الطلاقين أقل من ذلك لم يقبل منها إن كانت باقية على عادتها، وإن ادعت انتقال عادتها في الحيض إلى أقله وكذلك في الطهر، ففي قبول قولها وجهان:

أحدهما- وهو قول أكثر الأصحاب-: القبول؛ لإمكانه.

والثاني- وهو قول أبي سعيد الإصطخري-: أنه لا يقبل قولها في الانتقال عن العادة، هكذا حكاه الماوردي.

وفي "تعليق القاضي الحسين": أن الوجه الثاني أظهر، وعليه يدل النص في "الكبير"، أي:"الأم". وعن الشيخ أبي محمد: أنه المذهب.

قال القاضي الروياني: "وهو الاختيار في هذا الزمان، وإذا قالت لنا امرأة: انقضت عدتي، فالواجب أن نسألها عن حالها: كيف الطهر؟ وكيف الحيض؟ ونحلفها عند التهمة؛ لكثرة الفساد"، وهذا لفظه.

فإن ادعت المرأة انقضاء العدة بالشهور، وأنكر الزوج، فالقول قوله؛ لأنه اختلاف في وقت الطلاق.

ص: 102

ولو قال: طلقتك في رمضان، فقالت: بل في شوال- آخذناها بذلك، وقد تقدم طرف من الكلام في الاختلاف في العدة في باب الشرط في الطلاق، فليطلب منه.

قال: وإن اختلفا في إسقاط جنين تنقضي به العدة، فادعت ما يمكن انقضاء العدة به- أي: مع كونها تحيض- فالقول قولها؛ لما سبق، ولا تكلف إحضار السقط؛ لأنها لو أحضرته لم يعلم أنه منها إلا بقولها، قاله الماوردي.

فأما إذا كانت ممن لا تحيض، فظاهر كلام الرافعي: أنه لا يقبل قولها؛ لأنه جعل كونها تحيض شرطاً في قبول قولها، وعلله بأن من لا تحيض لا تحبل.

واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أمرين:

أحدهما: أن تكون صورة المسألة ما إذا اتفقا على وضع شيء، واختلفا في أنه مما تنقضي به العدة أم لا، وبهذا صور الجيلي مسألة الكتاب.

والثاني: أن تكون صورتها ما إذا اختلفا في أصل الوضع، فادعته المرأة، وأنكره الرجل.

والقول في الصورتين قولها، غير أن القاضي الحسين في "التعليق" قيد قبول قولها في الصورة الثانية بما إذا كانت غائبة وحكى الشيخ أبو محمد فيها وجهاً: أنه لا يقبل قولها.

ثم أقل زمان تصدق فيه إذا اعتبرنا التخطيط، وادعت أنها وضعته مخططاً- مائة وعشرون ولحظتان من يوم النكاح؛ لحظة لإمكان الوطء، والثانية لإسقاطه فيها، ومائة وعشرون يوماً لوقت المقام في البطن؛ فإنه روي عن ابن مسعود أنه- عليه السلام قال:"بدْءُ خَلْقِ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ [يَوْماً] نُطْفَةً، وَأَرْبَعِينَ يَوْماً عَلَقَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْماً مُضْغَةً، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكاً، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيَكْتُبُ أَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيُّ أَمْ سَعِيدُ".

وإن لم نعتبر التخطيط، وادعت أنها وضعته غير مخطط- فأقل زمان تصدق فيه ثمانون يوماً ولحظتان من يوم العقد، كذا قاله القاضي الحسين.

ص: 103

وذكر الماوردي: أن [إمكانه] أن يكون بعد ثمانين يوماً من وطئه، أي: من حين إمكان وطئه.

ولو ادعت أنها ولدت ولداً كاملاً، ففي [قبول قولها] وجهان:

أحدهما: يقبل؛ كما في السقط والحيض، وهذا أظهر عند الرافعي وغيره، كما حكاه في كتاب الرجعة.

فعلى هذا: يعتبر أن يمضي بعد النكاح ستة أشهر ولحظتان: لحظة لإمكان الوطء، ولحظة للولادة، وستة أشهر أقل مدة الحمل.

والثاني- ذكره أبو إسحاق، وادعى الإمام أنه المشهور-: أنه لا يقبل، لأن الولادة مما يمكن الإشهاد عليها؛ فإن الغالب أن المرأة إذا طلقت شهدها القوابل، وليس كونها مشهودة مما يندر، بخلاف إسقاط الجنين؛ فإن ذلك يفجؤها؛ فتصير دعواها فيه بمثابة دعواها الحيض.

وفي "الذخائر": أن أصحابنا قالوا: هو متروك على أبي إسحاق.

وفي "الرافعي" في كتاب الرجعة حكاية وجه فيما إذا ادعت وضع ولد ميت، ولم تظهره: أنها لا تصدق.

ثم هذا كله بالنسبة إلى انقضاء العدة، وأما بالنسبة إلى ثبوت النسب والاستيلاد إذا ادعت الأمة الولادة فلا بد من البينة.

وحكى المحاملي والرافعي في كتاب اللعان أنه: هل يعرض على القائف معها؟ فيه وجهان، فإذا ألحقه القائف بها لحق الزوج أيضاً.

وفي "النهاية" في كتاب اللعان- أيضاً-: أن القائف لو ألحقه به هل ينزل منزلة البينة على ثبوت الولادة؟ على وجهين ذكرهما بعض المصنفين، وأصحهما: أن الولادة لا تثبت.

وحكى بعده: أنه لو علق الطلاق بولادتها، فادعت أنها ولدت- لا يقبل قولها إلا على رأي ابن الحداد.

قال: وإن اختلفا: هل طلق قبل الولادة أو بعدها، أي: مثل أن اتفقا على

ص: 104

الوضع في يوم الجمعة مثلاً، وتدعي هي الطلاق يوم الخميس، ويدعيه الزوج يوم السبت- فالقول قوله؛ لأن الطلاق من فعله، فرجع إليه في وقته كما يرجع إليه في أصل ووقعه، مع أن الأصل عدم وقوع الطلاق قبل يوم السبت.

قال: وإن اختلفا: هل ولدت قبل الطلاق أو بعده، أي: مثل أن يتفقا [على] أن الطلاق وقع في يوم الجمعة مثلاً، وادعت أنها ولدت في يوم السبت، وادعى الزوج أنها ولدت في يوم الخميس- فالقول قولها؛ لأنها أعرف بحالها، والأصل عدم الولادة قبل يوم السبت.

قال: وإن اختلفا: هل انقضت عدتها [بوضع] الحمل أم لا، فقال الزوج: لم تنقض عدتك بوضع الحمل فعليك أن تعتدي بالأقراء، وقالت: بل انقضت- وصورة ذلك: أن يتفقا على وجود الوضع والطلاق، وتدعي المرأة الوضع بعد الطلاق، ويدعي الزوج الطلاق بعد الوضع- فالقول قوله، أي: مع يمينه؛ لأن الأصل ثبوت الرجعة وقت العدة.

وحكى الماوردي في هذه الصورة أنهما يتحالفان والبادئ باليمين السابق بالدعوى، ثم في كيفية اليمين وجهان:

أحدهما: يحلف الزوج بالله ما طلقها إلا بعد ولادتها، وتحلف الزوجة بالله ما ولدت إلا بعد طلاقه.

والثاني: أن الزوج يحلف بالله: لقد ولدت يوم الجمعة مثلاً، وما طلقها إلا في يوم السبت، وتقول الزوجة: والله ما طلقني إلا في يوم الجمعة، ولقد ولدت يوم السبت.

فإن حلفا حكمنا بسقوط الرجعة وثبوت العدة؛ لأن ذلك أغلظ في حقها وأنفى للتهمة، وإن نكلا حكمنا بقول أسبقهما في الدعوى، وإن نكل أحدهما حكم للحالف وإن كان السابق بالدعوى غيره.

[ووراء ما] ذكره الشيخ صدور خمس:

إحداهما: أن يتفقا على وقت الولادة ويشكا في الطلاق هل تقدم أو تأخر- فعليها لاعدة، وللزوج الرجعة، والورع ألا يفعل.

ص: 105

الثانية: أن يتفقا على وقت الطلاق، ويشكا في الولادة هل تقدمت أو تأخرت- فيحكم بسقوط العدة والرجعة.

الثالثة: لو قال الزوج: علمت أني طلقت بعد الولادة، وقالت: لم أعلم- قال الماوردي: القول قول الزوج، ولها إحلافه على الرجعة دون العدة.

وحكى الإمام عن القفال: أنه ليس لها المطالبة؛ فإنها ما أتت بدعوى صحيحة؛ فلا تلزمه الإجابة. وفي "الشامل" و"التتمة": أنه يقال لها: ليس هذا بجواب، فإما أن تصدقيه أو تكذيبه، فإن لم تفعل جعلناها ناكلة، وحلفناه.

الرابعة: لو قالت للزوج: علمت أنك طلقت قبل الولادة، وقال الزوج: لست أعلم- قال الماوردي: القول قول الزوجة، ولا عدة عليها ولا رجعة، وله إحلافها في سقوط العدة دون الرجعة.

وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أنا نقول له: قد ادعت المرأة بأمر فأجبها، ولا نقنع بهذا، فإن لم تجب جعلناك منكراً، ثم نعرض عليك اليمين، فإن نكلت حلفت هي، واستحقت دعواها.

الخامسة: أن يعترف كل منهما بالإشكال، ففي "المهذب": أنا لا نحكم بينهما بشيء، لأنهما لم يدعيا حقاً.

وفي "الحاوي" وغيره: أن عليها العدة بالأقراء، وله أن يراجعها، والورع ألا يراجعها، والله أعلم.

فائدة: قال الإمام: [ومما تجب] الإحاطة به: أنا ذكرنا طرقاً مختلفة في تداعى الزوجين في انقضاء العدة ووقوع الرجعة، والذي ذكرناه من التقسيم في هذه المسالة اتفق عليه الأصحاب في طرقهم، ومساقه [ما أوردناه] لا غير، والسبب فيه: أن الخلاف إذا آل إلى إنشاء الرجعة وانقضاء العدة، فيتعارض في الحكم تصديق المرأة لصور دقيقة المدرك. ويعترض- أيضاً- بتنزيل الدعوى رجعة، وعطف قول الزوجة: انقضت عدتي، على زمان منقض، وشيء من تلك المعاني لا يجري في هذه المسألة، ومن تأمل ما ذكرناه [ثم]، وتأمل هذه المسألة، استبان الفرق بينهما.

ص: 106