المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١٥

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم

‌باب نفقة الأقارب والرقيق والبهائم

يجب على الأولاد نفقة الوالدين- أي: بكسر الدال- وإن علوا، ذكوراً كانوا أو إناثاً؛ أي إذا [كانوا] أحراراً.

الأصل في وجوب نفقة الأبوين من الكتاب آيات: منها قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15]، ومن المعورف القيام بكفايتهما. وقوله:{وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} [العنكبوت: 8]، ومن الإحسان إليهما النفقة. وقوله:{فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] مبالغة في برهما.

ومن السنة: ما روى [الأعمش]، عن إبراهيم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أَطْيَبُ مَا يَاكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلدُهُ من كَسْبِه" يدل عليه قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 2]، يعني: ولده.

ص: 236

ويعضده [أنه] روى ذلك في متن الحديث، وفيه:"فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ".

وروى حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة- رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنَّ أَوْلَادَكُم هِبة مِنَ اللهِ لَكُمْ، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، وَأَمْوَالُهُمْ لَكُمْ إِذَا احْتَجْتُمْ إِلَيْها".

فإذا ثبت وجوب نفقة الوالدين، ألحقنا بهما آباءهما وأمهاتهما، إن لم يدخلوا في عموم ما ذكر، كما ألحقوا بهما في عتقهم بالملك، وسقوط القود عنهم بالقتل، ورد الشهادة، لوجود البعضية.

قال: وعلى الوالدين نفقة الأولاد وإن سفلوا؛ ذكوراً كانوا أو إناثاً، أي: إذا كانوا أحراراً.

والأصل في وجوب نفقة الأولاد على الآباء من الكتاب آيات، منها: قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].

وقوله: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] يعني: المطلقات، فلما لزمت أجرة الرضاع؛ كان لزوم النفقة أحق.

وقوله: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31] فلولا وجوب النفقة عليه ما قتله خشية إملاق من النفقة.

ص: 237

ومن السنة: ما روى الشافعي بإسناده، عن أبي هريرة- رضي الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إِنَّ مَعِيَ دِينَاراً؟ فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ".

وما روى مسلم عن عائشة- رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ما يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ماله بغير إذنه؛ فهل علي في ذلك [من] جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خُذِي مِنْ مَالِهِ [بِالْمَعْرُوفِ] مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ".

وما روى النسائي في حديث طويل: "وابدأ بمن تعول"، فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: "امْرَاتُكَ تَقُولُ: أَطْعِمنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي، خَادِمُكَ يَقُولُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْني، وَلَدُكَ يَقُولُ: إِلَى مَنْ تَتْرُكْنِي".

فإذا ثبت وجوب نفقة الولد على الوالد ألحقنا به أباه وإن علا، إن لم يتناوله إطلاق ما ذكرناه؛ لأنه لما قام مقام الأب في الولاية وما ذكر من الأحكام، وجب أن يقوم مقامه في التزام النفقة.

وأما وجوبها على الأم؛ فلأن البعضية فيها محققة، وفي الأب مظنونة، فلما تحملت بالبعضية المظنونة كان تحملها بالمتيقنة أولى.

وأما وجوبها على أبيها وأمها؛ فلأنه حق واجب بالقرابة المحضة، لا يعتبر فيه التعصيب؛ فاستوى فيه القريب والبعيد، والوارث وغير الوارث، والعصبة وغير العصبة؛ كالعتق بالملك، ورد الشهادة.

وفي الأم وجه: أنه لا تجب عليها النفقة بحال.

والمشهور الأول.

ولا فرق في ذلك بين الوارث وغير الوارث، ولا بين الموافق له في الدين والمخالف.

وقيل: لا تجب على المسلم نفقة الكافر.

والفرق- على المذهب- بين النفقة والميراث: أن الميراث يجب؛ لأجل

ص: 238

الموالاة والمناصرة، وهي منقطعة باختلاف الدين.

وأما النفقة [فتجب] بالقرابة والملك والزوجية؛ فإنها محققة، مع اختلاف الدين.

فائدة تقدم الوعد بها: استنبط الأصحاب من حديث هند [غير] وجوب نفقة الزوجة والولد- ثلاثة عشر حكماً:

أن صوتها ليس بعورة.

وأنه يجوز لمن منع حقه أن يشكو، أو يتظلم.

وأنه يجوز ذكر الغائب بما يسوءه عند الحاجة؛ فإنها وصفته بالشح.

وأنه يجوز لمن له حق على غيره- وهو ممتنع- أن يأخذ من ماله بغير إذنه.

وأنه لا فرق بين أن يكون من جنس حقه، أو من غيره.

وأنه يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، وعلى الغائب.

وأجيب عنهما: بأنه أفتى، ولم يقض.

وأن للأم [طلب] نفقة الولد [قاله القاضي الحسين.

وأنها تأخذ نفقة الولد] من مال الوالد، إذا كانت [يدها تمتد] إليه.

وأبعد بعض الأصحاب، فلم يثبت لها ذلك إلا أن يفوض القاضي ذلك إليها، ورأى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليطاً منه لها على الأخذ بمثابة تسليط القاضي.

فعلى هذا: ليس لها أن تقترض عليه، وعلى الأول هل يجوز؟ فيه وجهان.

وأنها تكون قيمة بالولد؛ فإنه جوز لها الأخذ والإنفاق في حياة الأب لامتناعه؛ فكذلك بعد موته.

وأنه يجوز أن يذكر المرء بالكنية عند العظيم من الناس.

وأنه يجوز للإمام أن يستمع إلى أحد الخصمين، دون الآخر. قالهما القاض الحسين.

وأنه يجوز [للمرأة] أن تخرج من بيتها؛ لتستفتي؛ قاله الرافعي، وفيه نظر؛ فإن هنداً خرجت عام الفتح متقدمة على سائر النساء؛ لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا

ص: 239

النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة: 12]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً"، فقالت هند: لو أشركنا بالله شيئاً ما دخلنا في دين الإسلام، فقال:"أُبَايعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ"، فقالت هند: هل تركتم لنا من ولد؟ ربيناهم صغاراً فقتلتموهم كباراً، فقال:"أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَزْنِينَ"، فقالت هند: أف أو تزني الحرة؟ فقال: "أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَلَّا تَسْرِقْنَ شَيْئاً"، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح .. " الحديث.

وظاهر الحال يدل على أنها لم تخرج لتستفتي؛ فكيف يحسن الاستدلال به على ذلك؟

قال: فأما الوالدون فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمني أو فقراء مجانين؛ لتحقق الحاجة حينئذ، فلو كان لهم مال لم تجب؛ لأنها مواساة؛ فتجب مع الحاجة، وتسقط مع القدرة على الكفاية، وكذا لو كان مكتسباً بيده.

وحكم العجز بالمرض والعمى- عند صاحب "التهذيب"- حكم العجز بالزمانة.

قال: فإن كانوا فقراء أصحاء، أي: ولم يكونوا ممن يكتسبون بأيديهم، والفرع بهذه المثابة- ففيه قولان:

أصحهما: أنها لا تجب، للقدرة على الكسب؛ إذ هو نازل منزلة المال بدليل الزكاة.

والثاني: أنها تجب؛ لقوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15] وليس من الصحبة بالمعروف أن يكلفهما الكسب ما لم تجر به عادتهما، مع كبر السن.

وفي "النهاية": أن المذهب المعتد به: القطع بأن عدم الكسب ليس بشرط،

ص: 240

وحكاية طريقة قاطعة [بالوجوب].

فرع: قدرة الأم على النكاح مع كثرة الطلاب، لا تسقط عن الابن نفقتها.

نعم لو تزوجت، سقطت نفقتها بالعقد ولو كان الزوج معسراً إلى أن تفسخ النكاح؛ [كي لا] تجمع بين نفقتين.

ولو نشزت، وهي في عصمة زوج، لا تستحق النفقة على الولد؛ لقدرتها على النفقة؛ بطاعة الزوج حكى ذلك الماوردي.

والأب الرقيق لا تجب نفقته على ولده، بل على السيد؛ وكذلك المكاتب، بل في كسبه.

وفي المكاتب احتمال وجه- أبداه الماوردي-: أن نفقته تجب على الولد؛ لسقوط نفقته بالكتابة عن سيده.

ومن نصفه حر ونصفه رقيق فيه وجهان:

أحدهما: تجب عليه نصف نفقته.

والثاني: لا تجب.

حكاهما القاضي الحسين وغيره.

فرع: إذا كان الابن معتوهاً، هل للأب أن يأخذ قدر نفقته من ماله، أو لابد من أن يأذن الحاكم لغيره ليدفعها إليه؟ فيه وجهان، والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يحتاج إلى غيره؛ كما في الولد الصغير.

قلت: والذي يظهر: أن ذلك محمول على ما إذا بلغ عاقلاً، ثم حصل له العته، فإن في عود ولاية الأب على ماله خلافاً مذكوراً في موضعه.

أما إذا اتصل عتهه بصباه، فالذي يظهر: أنه يجوز وجهاً واحداً؛ لأن ولايته مستمرة؛ كما في حال الصبا.

ص: 241

تنبيه: زمني- مقصور، يكتب بالياء-: جمع "زمن".

قال: وأما الأولاد فلا تجب نفقتهم إلا أن يكونوا فقراء زمني، أو فقراء مجانين، أو قراء أطفالاً؛ أي لا يتهيأ منهم العمل؛ لأن الله- تعالى- نص على وجوب كفاية الأطفال بقوله:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} [البقرة: 233] إلى آخرها؛ وذلك لعدم القدرة على الاكتساب، والمجانين والزمنى كذلك؛ فألحقوا بهم.

وأوجب أبو ثور النفقة مع اليسار.

قال: فإن كانوا [أصحاء بالغين]، أي: غير مكتسبين بأيديهم والأصل بهذه المثابة لم تجب نفقتهم، لأن الأصل في وجوب نفقة القرابات الصبا، وألحق به الزمانة والجنون؛ لمشابتهتهما حالة الصبا [وإذا] كانوا أصحاء متمكنين من الحيلة والتكسب- خرجوا عن أن يكونوا ملحقين بالصبيان.

قال: وقيل: فيه قولان كالأب، وهذا الطريق أظهر عند الرافعي.

وقد أجريت الطريقة الأولى في الأب أيضاً، لكن الفرق- على ما حكاه الشيخ وجماعة- أن حرمة الوالد [آكد] من حرمة الولد، بدليل: وجوب إعفافه، وعدم وجوب القصاص عليه بقتله، فتأكد وجوب نفقته؛ لقبح تكليفه اكتساب النفقة مع قدرته عليها، والطفل إذا بلغ إلى حد يقدر على الاكتساب فيه، حكمه في هذا المعنى حكم البالغ، حتى يفصل فيه بين أن يكون [ممن يليق به الاكتساب بيده أم لا، هكذا قاله الرافعي.

وفي "النهاية": أنه لا يشترط أن يكون] الولد عاجزاً عن الكسب، بل اتفق الأصحاب على أن استكسابه وإن كان يرد مقدار نفقته، فعلى الأب الإنفاق عليه، مع أنه لا خلاف أن الأب لو أراد أن يعلمه بعض الحرف؛ لاستصلاح معاشه، والنظر في عاقبة أمره- فله ذلك، وإذا علم حرفة، فكيف ينتظم في النظر تعطيلها، وقد ينساها إذا تركها؟ وإذا كان يتجه لهذا الرأي إعماله، فأي معنى لإحباط منفعته؟ وقد رأيت لبعض الأصحاب أنه ليس للأب أن يجشم ولده الكسب، وهذا ثلمة عظيمة.

ص: 242

نعم: إن كان ذلك يحط من منصبه، فليس له ذلك.

وعلى الجملة: ما اتفق عليه الأصحاب من وجوب نفقته على الأب، مع كونه كسوباً تأثيره يظهر فيما إذا ترك الاكتساب بالهروب، أو لم يطعه، مع تكليفه، فلما جاع- عاد طالباً للنفقة؛ فإنه تجب نفقته؛ بخلاف البالغ.

وما ذكرناه من الطرق هو المشهور للأصحاب، ولم يفرقوا بين اكتساب واكتساب.

ومنهم من وضع الخلاف [أولاً] في اشتراط العجز عن الكسب اللائق به، ثم قال: إن شرط ذلك ففي اشتراط العجز عن كل كسب بالزمانة وجهان، ورأوا الأعدل والأقرب: الاكتفاء بعجزه عما يليق به من الاكتساب، وإجراء النفقة، مع القدرة على الكنس وحمل القاذورات وعلى ذلك جرى الإمام والغزالي.

قال الرافعي: وهذا حسن.

فرع: لو كان مال الولد غائباً، فعلى الوالد أن ينفق عليه قرضاً موقوفاً:

فإن قدم ماله سالماً- رجع الأب بما أنفق عليه، سواء أنفق بإذن الحاكم أو بغير إذنه، إذا قصد الرجوع؛ لأن أمر الوالد في حق ولده أنفذ من حكم الحاكم.

وإن هلك مال الولد قبل قدومه، لم يرجع عليه بما أنفق من حين تلف المال؛ لأنه بان أن نفقته واجبة عليه، حكاه الماوردي.

تنبيه: اقتصار الشيخ من الأقارب على ذكر الأصول والفروع، مع شمول الاسم لغيرهما- يعرفك أن [هذا] الحكم مختص بهما، ولا يتعداهما إلى غيرهما.

وقد خالف أبو ثور في وجوب نفقة الولد على الوارث؛ استدلالاً بقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233]، وأشار الشافعي إلى الجواب عن ذلك بأنها لو كانت على الوراثة لوجب على الأب ثلثا نفقة الولد، وعلى الأم الثلث، وقد قال الله تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَاّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233].

وأما قوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} فقد قال ابن عباس: ألا تضار الأم بانتزاع الولد منها.

ص: 243

ثم النفقة الواجبة بالقرابة قدر الكفاية؛ لحديث هند، فيعطى من الطعام ما يستقل به، ويتمكن من التردد والتصرف به، ولا يقتصر معه على ما يسد الرمق، ولا ينتهي بما يعطى إلى [حد الشبع.

وقال ابن خيران: إنها تتقدر بما تتقدر به نفقة الزوجة].

والظاهر المشهور: الأول؛ لأنها تجب على سبيل المواساة؛ لتزجية الوقت، ودفع حاجته الناجزة، فيعتبر أصل الحاجة وقدرها.

ولا يشترط انتهاؤه إلى حد الضرورة.

وهل المعتبر كفاية مثله أو كفايته في نفسه؟ وفيه شيء سأذكره في آخر الباب.

ويجب لها مع الطعام الإدام؛ كي لا تختل القوى.

وفي "التهذيب" ما ينازع في وجوب الإدام.

وتجب له الكسوة والسكنى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة، وجب مؤنة الخادم- أيضاً- وكذا لو احتاج إلى الدواء وأجرة الطبيب وجب، قاله الرافعي في قسم الصدقات.

قال: ومن وجبت نفقته وجبت نفقة زوجته- أي: أباً كان أو ابناً- لأن ذلك من تمام الكفاية، وهذا ما حكاه القاضي أبو حامد [وغيره وجهاً، ونسبه صاحب "الإكمال" إلى الشيخ أبي حامد]، واستبعده القاضي الروياني، والأظهر في نفقة زوجة الابن: أنها لا تجب، وادعى صاحب "الإجمال": أن عليه معظم الأصحاب.

والفرق أن الابن يجب عليه أن يعف أباه؛ فوجب عليه أن ينفق على زوجته؛ إذ لو لم يجب ذلك- لاختارت الفسخ، ووجب عليه أن يزوجه بامرأة أخرى، وهكذا فلا يحصل القيام بالواجب، والابن لا يجب إعفافه؛ فانتفى هذا المعنى.

وما ذكره في الأب مفروض في الزوجة الواحدة، أما لو كان له زوجتان فأكثر فالأصح: أنه تجب نفقة واحدة منهما يدفعها إلى الأب.

وفي "البسيط" وجه: أن نفقتهما تسقط.

وكما تجب نفقة زوجة القريب تجب كسوتها.

قال في "التهذيب": ولا يجب الإدام، ولا نفقة الخادم؛ لأن فقدهما لا يثبت الخيار.

ص: 244

قال الرافعي: وقياس ما ذكر من أن الابن يتحمل ما وجب على الأب وجوبهما؛ لأنهما واجبان على الأب مع إعساره.

وحكم أم ولد القريب حكم زوجته.

ولو كان للوالد أولاد ففي "التتمة": أنه يجب على الابن الإنفاق عليهم من جهة أن نفقتهم واجبة على الأب، فيتحملها عنه كنفقة الزوجة، والظاهر: عدم الوجوب، والفرق: أن نفقة الأولاد لا تجب مع الإعسار؛ بخلاف نفقة الزوجة، ولأنه لو لم ينفق على زوجته لفسخت النكاح؛ فيتضرر الأب.

قال: ولا تجب نفقة الأقارب على العبد؛ لأنه أسوأ حالاً من المعسر، وهي لا تجب عليه.

والفرق بينها وبين نفقة الزوجة من وجهين:

أحدهما: أنها تجب بطريق المعاوضة، والعبد من أهل المعاوضة، ونفقة القريب [تجب] مواساة، والعبد ليس من أهل المواساة،

والثاني: أن نفقة الزوجة تجب مع اليسار والإعسار؛ فوجبت على العبد مع إعساره، ونفقة القريب تجب في حال اليسار؛ فسقطت عن العبد بإعساره.

قال: ولا تجب على المكاتب؛ لأنها مواساة، وليس من أهلها؛ لأن ما في يده إما غير مملوك له- كما حكيناه من قبل- أو مملوك مستحق في كتابته؛ فصار باستحقاقه فقيراً.

قال: إلا أن يكون له ولد من أمته؛ فتجب نفقته-[أي] سواء أولدها بإذن السيد أو بغير إذنه- لأنه تابع له إن عتق وعائد إلى سيده إن رق؛ فالنفع عائد إلى من له الملك.

ويلتحق بذلك ولد المكاتبة من النكاح إذا قلنا: إنه تابع لها، وتجب قيمته إذا قتل لها، أما إذا قلنا: إنه مملوك للسيد، أو تكون قيمته للسيد إذا قتل، مع القول بأنه تابع لها- فلا ينفق عليه؛ [لأنها واجبة على السيد.

ولو كان أبو الولد مكاتباً، فإن كان من غير سيدها- لم يجز أن ينفق

ص: 245

عليه]، وإن كان من سيدها، وقلنا: إنه مملوك للسيد- أطلق الأصحاب القول بجواز [الإنفاق] عليه.

قال الرافعي: ولا يصح [القول] بتجويز [الإنفاق] من ماله على ملكه بغير إذنه.

وإن قلنا: إنه يتبعها، فلا؛ لاحتمال أن يعتق أحدهما دون الآخر.

ومن نصفه حر ونصفه رقيق إذا كان يقدر [على النفقة] بما اكتسبه بنصفه الحر: هل تلزمه نفقة القريب؟ فيه قولان محكيان في "تعليق" القاضي الحسين.

وقال في "البسيط" الظاهر أنها تلزمه. وهو ما جزم به في "الوسيط"؛ لأنها كالغرامات.

وهل تلزمه نفقة تامة، أو نصف القيمة؟ حكى ابن كج والقاضي الحسين في ذلك وجهين.

قال: ولا تجب إلا [على] من فضل عن نفقته ونفقة زوجته- أي: في يومه وليلته- لما روى عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك تصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك" خرجه مسلم.

والمعنى في تقديم نفقة الزوجة على القريب: أنها تجب لحاجته؛ فقدمت كنفقة نفسه.

ولأنها تجب بطريق [المعاوضة] فقدمت على ما يجب بطريق المواساة.

واعترض الإمام بأنها إذا كانت كذلك كانت نفقتها كالديون، ونفقة القريب في مال المفلس تقدم على الديون، وخرج لذلك احتمالاً في المسألة، وأيده بما روي أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، معي دينار. فقال:"أنفقه على نفسك". فقال: معي آخر؟ فقال: "أنفقه على ولدك". فقال: معي آخر؟ فقال: [أنفقه على أهلك"]، فقدم نفقة الولد على نفقة الأهل كما قدم نفقته على نفقة الولد.

ص: 246

ويقرب من هذا ما حكاه القاضي الحسين في "التعليق" وجهاً: أن نفقة الأب مقدمة على نفقة الزوجة؛ لأن له سبيلاً إلى إسقاطها بالطلاق.

وفي "التتمة" وجه: أن نفقة الولد الصغير مقدمة على نفقة الزوجة، وإنما لم تجب عند انتفاء الفضل؛ للحديث، وفي "التهذيب" وغيره حكاية وجه: أن نفقة الولد الصغير تجب مع الإعسار، فيقترض، أو يقترض عليه إلى اليسار.

وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه الصحيح من المذهب كنفقة الزوجة؛ لأن ذلك من توابع النكاح وحقوقه، والأظهر الأول.

ويباع في نفقة القريب ما يباع في الدين من المسكن والخادم وغيرهما.

وفي المسكن والخادم وجه كما في الدين.

وإيراد القاضي الحسين في "التعليق" قد يقال: إنه يشعر به؛ فإنه قال: ولا يلزم أحد بنفقة أحد من الأقرباء حتى يفضل عن مؤنته من طعامه ومسكنه وملبسه وما ينام عليه، وما يستعمله في وضوئه وأكله وشربه مما لا غنى لمثله عنه.

وليس كذلك؛ لأنه صرح- قبل ذكر ذلك- بأنه يباع؛ فتعين حمل ذلك على كراء المسكن. وكيف يباع عقاره؟ فيه وجهان:

أحدهما: يباع منه كل يوم بقدر الحاجة.

والثاني: يستقرض عليه إلى أن يجتمع ما يستكمل بيع العقار له.

وحكم القدرة على الإنفاق عليه بالاكتساب حكم القدرة بالمال، عند الجمهور.

وفيه وجه: أنه لا يجب كما في قضاء الدين.

وفي "ابن يونس" حكاية الخلاف فيمن لم تجر عادته بالاكتساب، والجزم بالوجوب فيمن جرت عادته به.

وفي "التتمة": حكاية الاختلاف في الاكتساب لأجل نفقة الولد، والقطع بعدم وجوبه [كنفقة الوالد] وفرق بأن نفقة الوالد سبيلها سبيل المواساة، ولا يكلف أن يكتسب ليصير من أهل المواساة، وأما الولد فسبب حصوله الاستمتاع؛ فألحقت نفقته بالنفقة الواجبة للاستمتاع، وهي [نفقة] الزوجة، وهذا يدل على

ص: 247

اعتباره جريان الخلاف في الاكتساب لنفقة الزوجة، وقياس نفقة القريب عليها.

لكن في كلام الإمام وغيره: أن في وجوب الاكتساب لنفقتها وجهين مرتبين على وجوب الاكتساب لنفقة القريب، وهي أولى بالمنع؛ لالتحاق نفقتها بالديون.

قال الإمام: وينتظم بحسب ذلك: أنا إذا أوجبنا الاكتساب لنفقة القريب لا نوجب النفقة للقريب الكسوب، وإنما يجري ما قدمناه من الخلاف فيه إذا كان من له النفقة غير كسوب، ومن فيه الكلام كسوباً.

فرع: إذا كان الولد صغيراً أو مجنوناً مكتسباً، والأب أو الجد ممن تجب نفقته لو كان للابن مال- فلهما أن يؤجراه، أو يأخذا من أجرته نفقتهما.

ويجيء في جواز أخذهما النفقة بأنفسهما من مال المجنون الوجه الذي تقدمت حكايته، وفي وجوب استكسابه إشكال الإمام في وجوب نفقته على الأب.

ولا يجب عليه قبول الهبة والوصية؛ صرح بذلك القاضي الحسين.

قال: وإن كان له ما ينفق على واحد- أي: أو بعض نفقته- وله أم وأب، فقد قيل: الأم أحق لزيادة ضعفها وامتيازها عن الأب بالحمل والوضع والرضاع والتربية، وقد روي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أبر؟ قال "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أباك"، وهذا هو الأصح.

قال: وقيل: الأب أحق؛ مكافأة لتقدمه في وجوب النفقة عليه، مع امتيازه بالعصوبة.

قال: وقيل: يجعل بينهما؛ لاستوائهما في القرابة الموجبة للنفقة.

قال: وإن كان له أب وابن، فقد قيل: الابن أحق؛ لثبوت نفقته بنص القرآن.

وقيل: اأآب أحق؛ لزيادة حرمته وهذا هو الأصح عند النووي وفي "الجيلي".

ص: 248

قال الشيخ أبو حامد: والوجهان إذا كان الابن بالغاً أو مراهقاً، أما لو كان صغيراً، كان أولى وجهاً واحداً.

قال ابن الصباغ: والقاضي ذكر ثلاثة أوجه، الثالث: أنهما سواء. ولم يفصل بين الصغير والكبير والطفل.

ونسب الرافعي الثالث إلى اختيار القفال.

وتجري الأوجه في الأب والبنت والأم والابن، وفي الجد وابن الابن، وكذا في الجد والابن على أحد الطريقين، وفي الثاني: يقدم الابن.

قال: وإن كان له ابن، وابن ابن، فقد قيل: الابن أحق؛ لابتداء وجوبها عليه، دون نفقة ابن الابن التي انتقلت إليه عن أبيه ولأنه أقرب. وهذا هو الأصح، ولم يحك الماوردي سواه.

قال: وقيل: يجعل بينهما؛ لأن الابن لا يمنع [نفقة ابن الابن بدليل حال القدرة؛ فصارا كالابنين أو البنتين، والحكم فيهما الاستواء]، اللهم إلا أن يختص أحدهما بمزيد عجز؛ بأن كان مريضاً أو رضيعاً، فيقدم على ما حكاه في "البحر".

وهذا الخلاف يجري فيما لو اجتمع أب وجد.

ولو كان الأبعد زمناً ففي "التهذيب": أنه أولى.

فروع:

أحدها: ابن وبنت، الصحيح أنهما كالابنين.

وفيه وجه: أن البنت أولى؛ لضعفها، وهذا إذا استويا أما لو كان أحدهما صغيراً لا يقوم بنفسه، والآخر يقوم بها أو أحدهما صحيحاً، والآخر مريضاً- فالصغير والمريض أولى؛ حكاه الماوردي.

الفرع الثاني: ابن بنت، وبنت ابن، حكى الروياني أن بنت الابن أولى؛ لضعفها [وعصوبة] أبيها.

الفرع الثالث: أب أب، وأب أم، الأول أولى؛ لاجتماعهما في الدرجة، وانفراده بالتعصيب، فلو اختلفت الدرجة، واستويا في العصوبة، أو عدماها، فالأقرب أولى، وإن كان الأبعد عصبة تعارض القرب والعصوبة؛ فاستويا.

ص: 249

الفرع الرابع: جدتان لإحداهما ولادتان، وللأخرى ولادة واحدة- فإن كانا في درجة واحدة فذات الولادتين أولى، وإن كانت أبعد فالأخرى أولى.

ومثل هذا يجري فيما إذا اجتمع في بنت البنت قرابتان، دون بنت [بنت] أخرى من غير عصوبة.

تنبيه: حيث قلنا: يوزع الفاضل، فذاك إذا كان يسد مسداً، أما إذا لم يسد فالقرعة، وإذا لم يكن ثم من تجب عليه نفقة الموجودين لولا العجز عن تمام نفقتهما، أما إذا كان مثل أن يكون الأب هو العاجز عن نفقة أحدهما [وله أب موسر، وجب على الأب نفقة أحدهما] وعلى أبيه نفقة الثاني، ثم لهما الإنفاق عليهما بالشركة، أو يختص كل واحد منهما بواحد، فإن اختلفوا عمل بقول من يدعو إلى الاشتراك.

وهكذا الحكم فيما لو كان للأبوين المحتاجين ابن لا يقدر إلا على نفقة أحدهما، وللابن ابن موسر، لكن عند الاختلاف يرجع إلى اخيتار الأبوين في النفغقة إن استوت نفقتهما.

وإن اختلفت اختص أكثرهما نفقة بمن هو أكثر يساراً، كذا قالهما في "البحر".

قال الرافعي: والقياس أن يسوي بين الصورتين، بل ينبغي في الصورة الثانية أن يقال: تختص الأم بالابن؛ تفريعاً على الأصح، وهو تقديم الأم على الأب، وإذا اختصت به تعين الأب لإنفاق ابن الابن.

قال: وإن احتاج، وله أب وجد موسران، فالنفقة على الأب؛ لأنه أحق بالمواساة من الأبعد.

قال: وإن كان له أم وأم أم فالنفقة على الأم؛ لما ذكرناه.

وذكر الشيخ هاتين المسألتين؛ ليعرف بهما ما في معناهما، وضابطه: أن كل من أدلى بشخص لا يلاقيه الوجوب دونه ولا يساويه، وهذا مما لا خلاف فيه، فجد الأب مع الجد كالجد مع الأب، وأم أم الأم مع الأم؛ كأم الأم مع الأم فيما ذكرناه .... وهكذا.

قال: وإن كان له أب وأم أو جد وأم، فالنفقة على الأب والجد:

ص: 250

أما وجوبها على الأب؛ فلقصة هند.

وأما وجوبها على الجد؛ فلأنه مشارك للأب في الولادة والتعصيب، وقد يقع عليه اسم الأب، قال الله تعالى- {يَا بَنِي آدَمَ} وقال:{مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78]؟

وفي طريقة المراوزة حكاية وجه منسوب إلى القفال: أن الابن البالغ توزع نفقته على أبيه وأمه، دون الصغير؛ لأن وجوب نفقته عليه من أثر الولاية عليه. وعلى هذا: فهل يستويان، أو تجب عليهما أثلاثاً؟ فيه وجهان، والراجح الثاني.

وحكاية وجهين في الجد مع الأم؛ تفريعاً على أن الأب ينفرد بالوجوب:

أحدهما: أنها على الأم دونه.

والثاني: أنها توزع عليهما، وفي كيفية التوزيع الوجهان، والظاهر الأول، وبه يظهر لك أن الأب إذا اجتمع مع الجدة أم الأب كان الوجوب عليه من طريق الأولى، وكذلك إذا اجتمع أب أب، وإن علا مع أم الأم وإن علت.

قال: وإن كان له أم أب، وأم أم، فقد قيل: هما سواء؛ لاستوائهما في الدرجة والأنوثة، وهذا هو الأصح، وادعى القاضي الحسين أنه الذي عليه أكثر الأصحاب.

قال: وقيل: النفقة على أم الأب؛ لإدلائها بعصبة. هذا ما يوجد في طريق العراق، وهو كذلك في طريق المراوزة- أيضاً- لكن مأخذ العراقيين في الاختلاف النظر إلى التساوي في الدرجة أو إلى الإدلاء بالعصبة، أو القرب بالإدلاء بالعصبة، وهو مطرد عندهم فيما إذا وجدت الجدتان من جهة الأب خاصة، وإذا اجتمع معهما جد في درجتهما، غير جد الأب وإن علا، ومثال ذلك أم أم الأب، وأبو أم أب، وأم أب اب- فعلى الأول: يشتركون في الوجوب، وعلى الثاني: تختص به أم أب الأب.

وقال الماوردي: وأرى وجهاً ثالثاً، وهو عندي أصح: أنه إذا اجتمع فيه مع تساوي الدرجة وارث [وغير وارث]- فإن الوارث أحق بتحملها من غير الوارث، فإن اشتركا في الميراث، تحملها منهم من كان أقرب إدلاء بعصبة، وإن اختلفت رحمهم تحملها الأقرب فالأقرب، وارثاً كان أو غير وارث.

ص: 251

فعلى هذا: يشترك في تحملها أم أب الأب وأم أم الأب؛ لاشتراكهما في الميراث، ويسقط عن أب أم [الأب]؛ لسقوط ميراثه.

قال الماوردي: وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون التفريع. [وأجراه] في الحالة الأولى مع جزمه بتقديم الإرث من أي جهة كان.

ولا يجري ما قاله العراقيون فيما إذا كانت الجدتان من جهة الأم؛ إذ لا يتصور أن يكون فيها عصبة، والمتبع فيها- عند التساوي- القسمة، وعند التفاوت في الدرجة الأقرب.

ويجيء على طريقة الماوردي فيما إذا اجتمع أب الأم وأم الأم: أن النفقة تجب على [أم] الأم، دون أب الأم.

وإذا اجتمع أم أم الأم، [وأبو أم الأم]، وأبو أب الأم، وأم أب الأم- فعلى طريق العراقيين يكون عليهم بالسوية، وعلى طريق الماوردي يكون على أم أم الأم؛ لأنها الوارثة من جميعهم، فإن عدمت، وجبت بعدها على أب أم الأم؛ لأنه أقرب [إدلاءً بوارث]، فإن عدم وجبت على أب أب الأم، دون أم أب الأم.

والمراوزة لهم طرق في مناط الترجيح عند اجتماع جدتين وجدين من قبل الأب، ومن قبل الأم يتفرع عليها هذه المسألة وغيرها، وجملتها خمس طرق:

إحداها: اعتبار القرب، وإن استويا في القرب، ففي التقديم [بالإرث] وجهان [فإن استويا في أصل الإرث فيستويان أو تكون النفقة بحسب الإرث؟ فيه وجهان].

والثانية: اعتبار الإرث، فإن استويا في الإرث، وأحدهما أقرب، فالنفقة عليه؛ فإن تساويا في القرب، فالنفقة عليهما، ثم يسوي، أو يراعى قدر الإرث؟ فيه وجهان.

والثانية: اعتبار الإرث؛ فإن استويا في الإرث، وأحدهما أقرب، فالنفقة عليه؛ فإن تساويا في القرب، فالنفقة عليهما، ثم يسوي، أو يراعى قدر الإرث؟ فيه وجهان.

وإن كانا غير وارثين، فالنظر إلى الإدلاء بالوارث.

والثالثة: اعتبار ولاية المال في حالة ما، أو الإدلاء بمن له ولاية المال إن عدم ذلك، أو القرب ممن له ولاية المال، إن عدم الإدلاء به.

والرابعة: اعتبار الذكورة، فإن كانا ذكرين، أو أنثيين فالاعتبار بالإدلاء

ص: 252

بالذكر، فإن استويا في الإدلاء فالاعتبار بالقرب.

والخامسة: الاعتبار بالإرث والذكورة جميعاً، فإن اختص أحدهما بالمعنيين فالنفقة عليه.

وإن وجدا فيهما، أو لم يوجدا، أو وجد أحدهما في أحدهما، والثاني في الثاني- فيعتبر القرب.

فالقول الأول من مسألة الكتاب قال به من ذهب إلى الطريقة الأولى والثانية والخامسة؛ لانتفاء المرجح.

والقول الثاني قال به من ذهب إلى الطريقة الثالثة والرابعة.

ومما يتفرع على هذه الطرق: إذا كان له أب أب، وأب أم- فعلى الأول: النفقة [عليهما. وعلى أب الأب على الباقي.

وإذا كان له أب أم، وأم أب- فعلى الأول والخامس: النفقة عليهما] وعلى أم الأب في الباقي.

فرع: إذا كان له جدتان متحاذيتان، ولإحداهما ولادتان فهي أولى، وإن كان لإحداهما ولادتان، والأخرى أم عصبة – فهما سواء.

تنبيه: سكت الشيخ عن جانب الفروع؛ لاستغنائه بما ذكره في جانب الأصول؛ فإن الابن وولده، والبنت وولدها بمنزلة الأب مع الجد والأم مع الجدة، والابن والبنت إذا اجتمعا بمنزلة الأب والأم؛ فالنفقة واجبة على الابن.

وفي طريقة المراوزة حكاية وجه في البنت مثل الذي حكيناه في الأم.

والبنت مع ابن الابن بمنزلة الأم مع الجد؛ فتكون النفقة على ابن الابن.

وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنها عليهما بالسوية، ولا يجيء فيهما ما قيل في الأم: أنه يجب عليها الثلث- على رأي- لأن البنت وابن الابن ميراثهما مستو؛ بخلاف الأم والجد.

وبنت الابن وبنت البنت بمنزلة أم الأم وأم الأب، وفيهما قولان:

أحدهما: التساوي؛ لاستوائهما في الدرجة والأنوثة.

ص: 253

والثاني: النفقة على بنت الابن؛ لأنها تدلي بعصبة.

والضابط الذي يتخرج عليه مسائل هذا القسم: أن الموجودين متى استويا في الدرجة والوراثة أو عدمها، والذكورة والأنوثة- فالنفقة عليهما، فإن كان أحدهما غائباً أخذت حصته من ماله، وإن لم يكن له مال حاضر استقرض عليه.

قال ابن الصباغ: وينبغي إذا لم يجد من يقرض أن يلزم الحاضر أن يقرضه؛ لأن نفقته عليه، إذا انفرد، وهذا ما أبداه القاضي الحسين في "التعليق".

وإن اختلفا، فمن الأًحاب من ينظر إلى القرب أولاً، ومنهم من ينظر إلى الذكورة أولاً.

كل ذلك على ما ذكرناه من قبل، والأظهر- عند الإمام والبغوي وغيرهما-: الطريق الأول، ويدل على قوة القرب أن من اعتبر الإرث أو الذكورة قطع عند استوائهما فيهما بالاعتماد على القرب، والمعتبرون للقرب ترددوا عند استوائهما في الدرجة في أنه هل يعتبر الإرث أو الذكورة؟ واختيار العراقيين من ذلك ما أشرنا إليه، ولنذكر من المسائل ما يظهر لك فائدة الاختلاف في المأخذ:

فمنها: إذا كان له ابن ابن، وابن بنت النفقة [عليهما- إن اكتفينا بالقرب، وعلى ابن الابن على ما عداه.

ومنها: بنت ابن، وابن بنت] النفقة على بنت الابن إن اعتبرنا الإرث، وعلى ابن البنت إن اعتبرنا الذكورة، وهما مذكوران في "الحاوي"، وعليهما إن اكتفينا بالاستواء في الدرجة، والأوجه الثلاثة مذكورة في "الشامل".

ومنها: بنت، وابن بنت، إن راعينا الذكورة فهي على ابن البنت، وإن راعينا القرب أو الوراثة، فهي على البنت، وقد حكاهما في "المهذب".

فرع: لو كان له ابن وولد خنثى مشكل، فإن قلنا عند اجتماع الابن والبنت: النفقة عليهما؛ فكذلك هاهنا، وإن قلنا: النفقة على الابن فوجهان:

أحدهما: النصف على الابن، والنصف الآخر يستقرضه الحاكم، فإن بان أنه ذكر، وجب عليه، وإلا فالرجوع على الابن، كذا قاله الرافعي.

والأولى أن ييقال: وإن بان أنه أنثى رجع به على الابن؛ لأنه قد لا يظهر أنه ذكر ولا أنثى، ويستمر إشكاله.

ص: 254

وأظهرهما- وهو ما حكاه ابن الصباغ-: أنه يؤخذ الجميع من الابن؛ لأنه بصدد أن يكون الجميع عليه، فهو أولى بالمطالبة.

وحكى الماوردي- بدل الوجه الأول- أنها عليهما نصفين بالسوية، فإن بان أنه أنثى رجعت عليه بما أنفقت.

فرع آخر: لو كان له بنت وولد خنثى، إن قلنا لو اجتمع الابن والبنت- تكون النفقة عليهما، فكذلك هاهنا، وإن خصصناها بالابن فوجهان:

أحدهما: الإنفاق على الخنثى؛ لاحتمال كونه ذكراً، فإن بان أنه أنثى رجعت على أختها بالنصف.

والثاني: لا يؤخذ منه إلا النصف؛ لأنه المستيقن، ويؤخذ من البنت النصف، فإن ثبتت ذكورته رجعت بما أنفقت عليه.

قال ابن الصباغ: وهذا أقيس، والله أعلم.

وقد بقي قسم ثالث، وهو اجتماع واحد من الأصول وواحد من الفروع، قال الأئمة: يجيء فيه الطرق؛ فيقدم الأقرب في طريق، والوارث في طريق، والولي في طريق، والذكر في طريق.

وإذا وجبت النفقة على وارثين، فيجيء الخلاف في أن التوزيع يكون بالسوية أو بحسب الإرث، وتفصيل هذه الجملة بذكر صور:

أب وابن، فيه ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ:

أحدها: أن النفقة على الأب؛ لأنها ثابتة بالنص، ويحكى هذا عن اختيار أبي عبد الله الحسين.

ص: 255

والثاني: [على] الابن؛ لأن عصوبته أقوى، ولأنه أولى بالقيام بشأن أبيه؛ لعظم حرمته، وهذا أظهر في "الحاوي"، وأصح عند البغوي والروياني، واختيار صاحب "التلخيص".

والثالث: أنها عليهما؛ لاستوائهما في القرب، وهذا والذي يليه هما المذكوران [في "الحاوي"، وهو والأول هما المذكوران] في تعليق البندنيجي.

وعلى هذه الوجوه ما إذا اجتمع أب وبنت، وما إذا اجتمع جد وابن ابن.

وفي أم وبنت طريقان:

أظهرهما: مجيء الأوجه.

والثاني: القطع بأنها على البنت، ويحكى هذا عن القاضي أبي حامد وغيره، وكأنهم اعتمدوا في الإيجاب على الأب معنى الولاية، واستصحاب ما كان في الصغر والذكورة؛ وكذا الخلاف فيما لو اجتمع الابن والأم.

ويجري الطريقان في جد وابن، وطريق الجزم بالوجوب على الابن هو المذكور في "الحاوي".

ويجريان- أيضاً- في أب وابن ابن.

قال في "التهذيب": والأصح: أنه لا نفقة على الأصول ما دام يوجد واحد من الفروع، قريباً كان أو بعيداً، ذكراً كان أو أنثى.

قال: وإن مضت مدة، ولم ينفق فيها على من تلزمه نفقته من الأقارب- أي: الصغير منهم والكبير- لم تصر ديناً عليه- أي: وإن كان متعدياً بذلك- ولم يفرضها القاضي؛ لأنها وجبت، لدفع الحاجة الناجزة، وقد زالت.

ولأن التمليك فيها غير واجب، بدليل الاكتفاء بالغداء والعشاء مع القريب، وما لا يجب فيه التمليك، وانبنى على الكفاية يستحيل مصيره ديناً في الذمة.

وهذا بخلاف نفقة الزوجة التي احترز الشيخ عنها بقوله: "من الأقارب"، فإنه يجب فيها التمليك، وتستحق معاوضة في مقابلة الاستمتاع، والأعواض لا تسقط بمضي الزمان.

ص: 256

وفي الصغير وجه حكاه الشيخ أبو علي: أنها تصير دينًا في الذمة.

قال الإمام: ولا ينبغي أن يعتد به، ولولا علو ذلك الحاكي؛ لما استجزت حكايته.

أما إذا فرضها القاضي، ففي "الجيلي": أنه لا أثر لذلك، وفي "الرافعي": أنها تثبت قي ذمته.

وكذا لو أذن في الاستقراض؛ لغيبته أو امتناعه، أو استقرض البالغ عند تعذر مراجعة القاضي [وأشهد، أو لم يشهد] على أحد الوجهين، أو الأم إذا جعلنا لها الأخذ من ماله عند الامتناع من الدفع، على أحد الوجهين – عند عدم الإشهاد أيضًا، أو الجد عند عدم الأب على أضعف الوجهين في "النهاية".

ولو أنفق الجد من ماله بإذن الحاكم، يرجع على الأصح، وفي "البحر" وجه: أنه لا يرجع.

ولو أنفقت الأم من مالها على الطفل في غيبة الزوج وعدم القدرة على ماله، فهل ترجع؟ ينظر: إن أشهدت رجعت، وإلا فإن لم نجوز لها الاقتراض فلا يثبت لها الرجوع، [من طريق الأولى، وإن جوزناه ففي الرجوع وجهان.

ثم إذا أثبتنا لها الرجوع] فذاك فيه إذا لم تقصد التبرع، فأما إذا قصدته فلا ترجع.

قال الإمام: ويجب أن يقال: إنما ترجع على أحد الوجهين إذا قصدت الرجوع.

فرع: لو تلفت النفقة في يد القريب وجب إعطاء غيرها، وكذا إن أتلفها، لكن يجب عليه إذا أتلفها غرم بدلها يطالب به عند اليسار.

قال: وإن احتاج الوالد – أي: وإن علا من قبل الأبوين – إلى النكاح، وجب على الولد إعفافه، أي: إذا لم يقدر الوالد عليه – على المنصوص – أي: في كتاب الدعاوى والبينات – لأنه تدعو حاجته إليه، ويستضر بفقده؛ بسبب تعرضه للزنى؛ فوجب على الولد؛ كالنفقة.

وقيل: فيه قول مخرج: أنه لا يجب؛ لأنه قريب مستحق النفقة؛ فلم يستحق الإعفاف كالابن، وهذا خرجه ابن خيران، قال الجيلي: من إعفاف الأم؛ فإنه لا يجب – على الأصح، وعزاه إلى الشافعي.

وقيل: خرجه مما إذا استحق النفقة في بيت المال؛ فإنه لا يستحق الإعفاف على الأصح، وعزاه إلى شرح "التلخيص".

ص: 257

وقيل: خرجه مما إذا وجبت نفقة الولد على الأب؛ فإنه لا يجب إعفافه.

وحكى – أيضًا – في "البحر" وجهًا: أنه يجب على الأب والجد.

والمذهب الأول؛ لأن فوات نفس الابن محتمل لإبقاء نفس الوالد؛ فأولى أن يحتمل فوات ماله، بخلاف الابن.

والأم تأخذ من الزوج ما نوجبه على الابن؛ بسبب أبيه؛ فلا يمكن الإلحاق بها.

فعلى هذا: في محل الوجوب ثلاثة طرق:

أشبهها – عند الرافعي -: أنه يجب حيث تجب النفقة، فيجب في حال الزمانة، وكذا مع الصحة، على أحد القولين.

وهل يجب للأب الكافر؟ على الوجهين.

الثاني: أنا إن أوجبنا النفقة للصحيح فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، الذي عليه أكثر الأصحاب منهما – على ما حكاه في "الشامل" -: عدم الوجوب.

وهذه [هي] المذكورة في "المهذب" و"الحاوي"، ويتخرج منها: أنه لو كان قادرًا على النفقة، عاجزًا عن مؤنة التزويج – ففي وجوب إعفافه الخلاف، وقد صرح به وجهين، والأظهر الوجوب.

والثالث: أن النفقة إذا لم تجب، فكذلك الإعفاف؛ وإن وجبت، ففي وجوب الإعفاف قولان.

والفرق: أن الحاجة إلى النفقة أهم؛ ولذلك يجوز للمضطر أكل طعام الغير، ولا يجوز مثل ذلك في الجماع.

والمراد بالحاجة إلى النكاح: أن يخاف [العنت أو] يضر به التعزب، ويشق عليه.

وأبدى الإمام احتمالًا في الثاني: أنه لا يكفي، وقد حكاه مجلي وجها إذا لم يكن فاسقًا، أما إذا كان فاسقًا فإنه يعتبر في حقه زيادة الشهوة وجهًا واحدًا، ويقبل قوله في الحاجة من غير يمين، لكن لا يحل له الطلب إلا عند وجود الحاجة.

والمراد بالإعفاف: أن يهيئ له مستمتعًا يعفه عن الفاحشة؛ بأن يعطيه مهر حرة مسلمة، أو كتابية.

ص: 258

وفي الكتابية وجه: أنها لا تكفي.

وفي الأمة وجه: أنها تكفي.

أو يقول له: انكح وأنا أعطى المهر. أو يباشر النكاح عن إذن الأب، ويعطي المهر أو يملكه جارية تحل له، أو ثمنها.

وبهذا يظهر لك أن الأب إذا قدر على شراء جارية لا يجب على الابن إعفافه.

وليس للأب أن يعين النكاح، ولا يرضى بالشراء، ولا أن يعين امرأة رفيعة المهر؛ لفضيلة جمال أو شرف.

وإذا اتفقا على تعيين المهر، فتعيين المرأة بعد ذلك إلى الأب.

ولا يجوز أن يزوجه أو يملكه عجوزًا شوهاء كما لا يجوز أن يطعمه في النفقة طعامًا فاسدًا.

ولو أيسر الأب بعد أن ملكه جارية، [أو ثمنها] – لم يكن له الرجوع؛ كما لو دفع إليه النفقة، فلم يأكلها حتى أيسر؛ كذا قاله في "المهذب" وغيره، وفيما قاله في النفقة نظر؛ من حيث إنه لا يجب فيها التمليك، وقد زالت الحاجة، وهي باقية على ملك الولد.

ولو ماتت الأمة، أو الزوجة التي حصلها له الابن، [أو فسخ نكاح الزوجة بعيب أو ردة، أو بأن أرضعت من كانت زوجة له – فيجب على الابن] تجديد الإعفاف.

وحكى الشيخ أبو حامد وجهًا: أنه لا يجب، وهو في "المهذب" محكي في الموت.

وعلى المذهب: لو طلقها، أو خالعها، أو أعتق الأمة – نظر: إن كان بعذر من شقاق، أو نشوز وغيرهما، ففيه وجهان:

أظهرهما – وهو المذكور في "التهذيب" -: أنه يجب التجديد، كما في الموت، إن كان بغير عذر فلا.

وأطلق في "المهذب" الجواب بالمنع من غير تفصيل.

وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا طلق عليه فعليه أن يزوجه مرة اخرى، أو يسريه،

ص: 259

[فإن طلق الثانية، لم يزوجه بعد ذلك، ولكن يسريه] ، ويسأل الحاكم أن يحجر عليه؛ حتى لا ينفذ إعتاقه.

وإذا وجب التجديد: فإن كان الطلاق بائنًا فذلك في الحال، وإن كان رجعيًا فبعد انقضاء العدة.

فرع: إذا اجتمع أصلان محتاجان، فإن وفي مال الابن بإعفائهما وجب، وإلا قدم الأقرب إذا استويا في العصوبة، أو عدمها، فإن كان الأبعد عصبة، دون الأقرب: كجد الأب، وأب الأم – فالعصبة أولى.

قال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على المذهب: أنهما سواء، حكاه في "العدة" عنه، على ما نقله العمراني.

وفي "الرافعي": أن الشيخ أبا عليّ حكاه وجهًا، وإذا استويا خصص أحدهما بالقرعة.

قال: وإن احتاج الطفل إلى الرضاع وجب إرضاعه – أي: على من تجب عليه النفقة – إن لم يكن له مال؛ وكذا مؤنة خدمته؛ لأن ذلك في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير.

قال: وإن [كان أبواه] على الزوجية، وأرادت أمه أن ترضعه – أي: متطوعة – لم يمنعها الزوج؛ لأنها أشفق على الولد من الأجنبية، ولبنها أصلح له وأوفق، وهل هذا على سبيل الوجوب [أو الاستحباب؟ فيه وجهان:

أحدهما – وهو اختيار القاضي أبي الطيب -: أنه على سبيل الوجوب] وهو نازع إلى أن الأب إذا وجد متبرعة، وطلبت الأم إرضاعه بأجرة: أنه يجب عليه الأجرة؛ لما سنذكره، وإلى هذا المأخذ أشار الإمام، ونسب هذا الوجه إلى رواية صاحب "التقريب" وطرده فيما إذا كانت تنقطع عن توفية حق الزوج؛ لزمان اشتغالها.

والثاني: أنه على سبيل الاستحباب؛ فله منعها من إرضاعه، وهو الذي عليه جماهير الأصحاب، وجزم به في "المهذب" وقال: إن المنع مكروه، وكذلك

ص: 260

البندنيجي؛ لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع، وهذا نازع إلى القول المقابل؛ لما أشرنا إليه، وسيأتي أنه الذي صححه بعضهم.

وقال الماوردي: الصحيح: أنه ينظر في سبب المنع: فإن كان لأجل الاستمتاع وفي أوقاته كان له المنع، [وإن كان لغير الاستمتاع وفي غير أوقاته لم يكن له المنع] فإن قلنا: ليس له المنع، أو توافقا عليه – فهل تزاد نفقتها [للإرضاع]؟! فيه وجهان:

أحدهما – وبه قال أبو إسحاق والإصطخري -: نعم، وهو الذي حكاه القاضي الحسين.

والأصح – وبه قال عامة أصحابنا، كما حكاه البندنيجي -: المنع؛ لأن النفقة لا يختلف بحال المرأة وحاجتها.

قال الرافعي: والأولى أن نقول: هذه الزيادة تحتاج إليها لتربية الولد، وعلى أبيه القيام بالكفاية.

قال: وإن امتنعت من إرضاعه، أي غير اللبأ – لم [تجبر عليه]؛ أي: إذا وجد غيرها؛ لقوله تعالى: (وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)[الطلاق: 6] وإذا امتنعت فقد حصل التعاسر.

ولأنه في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير، وهي لا تجب على الأم مع يسار الأب؛ فكذلك هاهنا.

وقال المزني [و] أبو ثور: [و] يجب عليها إرضاعه حولين، أما إرضاع اللبأ الذي لا يعيش [الولد] بدونه فواجب عليها؛ لإبقاء النفس.

قال الرافعي: والمراد من إطلاقهم: أنه لا [يعيش إلا به، أي: لا يستوي ولا تشتد بنيته إلا به، وإلا فشاهدنا من] يعيش بلا لبأ.

وقال الإمام: ما ذكره الأصحاب هو المذهب، وعليه التعويل، وتمام البيان في ذلك: أنا لا نشترط فيما يلزمه من ذلك القطع بهلاك المولود، ولكن إذا ظننا هلاكًا، او وقوعه في سبب يفضي إلى الهلاك بدرجة – فيجب السعي في دفعه؛

ص: 261

فحينئذ وقوع السلامة من ذلك لا يمنع من هذا الاحتمال.

ثم لها أن تأخذ الأجرة على ذلك إن كان لمثله أجرة.

وقال الماوردي – فيما لو احتيج إلى ذلك بعد البينونة -: ولو قيل: لا أجرة لها؛ لأنه حق واجب قد تعين عليها، وعجز الأب عنه؛ فجرى مجرى نفقته إذا أعسر الأب وأيسرت – لكان له وجه.

وهذا يجيء في مسألتنا من طريق الأولى؛ لما ستعرفه؛ وهو ما حكاه ابن يونس.

وأما إذا لم توجد مرضعة غيرها وجب عليها أيضًا، ولا يختص هذا بالأم، بل لو لم توجد إلا مرضعة أجنبية وجب عليها.

قال: وإن طلبت الأجرة، فقد قيل: يجوز استئجارها، واحتج له بقوله تعالى:(فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)[الطلاق: 6] ، ولو لم يجز استئجارها لم يكن لها أجر وهذا [هو] الأصح في "الرافعي"، والذي حكاه القاضي الحسين، وقاسه على جواز استئجارها على الخياطة وغيرها.

قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه يحق الاستمتاع بها في تلك الحالة؛ فلا يجوز أن يعقد عليها عقدًا آخر؛ وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ، وطرده الماوردي فيما لو استأجرها لخياطة ثوب، وقال: إذا خاطته، لا تستحق الأجرة، وصارت متطوعة به. وإلى ذلك أشار الرافعي بقوله: وربما طرد ذلك في استئجارها للخدمة وغيرها.

وطرد ابن يونس الوجهين فيما إذا أجرت نفسها لإرضاع طفل آخر.

فعلى الأول: إذا استأجرها: فإن الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع، ولا

ص: 262

ينقصه – فلها مع الأجرة النفقة، وإن كان يمنع أو ينقص فلا نفقة لها، على ما حكاه في "التهذيب".

وقال في كتاب العدد: إذا كان الولد من غيره، واحتاجت إلى الخروج، أو حصل إخلال في التمكين -: فإن وجب عليها الإرضاع حتى لا يجوز للزوج منعها لعدم مرضعة، فأذن: فهل تسقط نفقتها؟ فيه وجهان؛ كما لو سافرت بإذنه في حاجتها، وهذا بعينه يتجه جريانه هاهنا.

وفي "الذخائر" حكاية وجهين – من غير تفصيل – فيما إذا أرضعت ولد غيره بإذنه.

وعلى الثاني: إذا أرضعت على طمع الأجرة ففي استحقاقها أجرة المثل وجهان:

قال ابن خيران: تستحق؛ لأنها لم تبذل منفعتها مجانًا.

وقال أكثرهم: لا تستحق، ولو استحقت لجاز استئجارها.

فرع: هل يجوز لها أن ترضع ولد غيره بأجرة؟ الذي ذكره الماوردي: أنه لا يجوز.

وكذلك لو أرادت التطوع برضاع غير ولدها، وخدمة غير زوجها.

وفي "الشامل" في كتاب الإجارة حكاية وجه: أنه يجوز بغير إذنه، ويثبت له الخيار في فسخه، وجزم بالجواز فيما إذا كان بإذنه.

وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه قيل: لها أن ترضع ولد غيره بالأجرة؛ كما لها أن تغزل.

ثم قال: وهذا فاسد؛ لأن الشافعي نص في امرأة المفقود: إذا حضر الزوج الأول فله أن يمنعها من أن ترضع ولد الثاني إلا اللبأ؛ فكذلك له أن يمنعها من أن تشتغل بإرضاع ولد الغير.

وإذا قلنا بجواز ذلك، قال في "البيان": كل موضع لزمت فيه إجارة الزوجة نفسها، ولم يكن للزوج فسخها، فهل يمنع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": أنه يمنع، لكن لا تستحق عليه النفقة.

قال: وإن كانت بائنة جاز استئجارها؛ لانتفاء المانع المذكور، فإن طلبت أجرة

ص: 263

المثل قدمت على الأجنبية، أي: إذا طلبت – أيضًا – أجرة المثل، لأن الله تعالى إنما جعل للأب أن يرضع ولده غيرها إذا تعاسرت، [وهي لم تتعاسر] ، ولأن المؤنة عليه فيها مثل المؤنة في غيرها، ولها فضل الحنو والشفقة، وحق الحضانة؛ فلا يفوت [عليها] ، وتكون أولى به.

قال: وقيل: إن كان للأب من يرضعه [من غير] أجرة ففيه قولان:

أصحهما: أن الأم أحق؛ لقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)[الطلاق: 6] ولما ذكرناه.

ولأن الرضاع وجب لحق الولد، ولبن الأم أصلح له، وقد رضيت بعوض المثل؛ فكانت أحق به، وهذا ما نقله المزني عن نصه في بعض المواضع، وقال: إنه أحب إليّ.

والقول الثاني – وهو المنقول في عامة الكتب، وصححه الرافعي -: أن للأب الانتزاع، وإرضاعه للأجنبية؛ لقوله تعالى:(وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ)[البقرة: 233].

وبالقياس على ما لو طلبت أكثر من أجرة المثل. وقد قطع بهذا القول قاطعون، منهم: أبو إسحاق، والإصطخري، وابن سريج، وابن أبي هريرة.

وقال أبو إسحاق: لا يُعرف للشافعي إلا هذا القول، وما حكاه المزني ليس فيه ما يدل على خلافه.

وهذا الخلاف [يشابه ما إذا تبرع] أجنبي بحفظ مال الطفل، وأبى الأب إلا بأجرة – فأصح الوجهين: أن الأب لا يجاب.

ويجري الخلاف فيما لو طلبت أجرة المثل، ووجد من ترضى بدونها، على ما حكاه أكثرهم.

وفي "الحاوي": أنه ينظر في قدر نقصان الأجرة:

فإن كان بقدر زيادة الإدرار و [فضل] الاستمراء [كانت الأم أحق؛ لأن نقصان الأجرة يصير في مقابلة اللبن، وترجح الأم بفضل حنوها.

ص: 264

وإن كان النقصان من أجرة المثل أكثر من فضل الإدرار والاستمراء] كان على القولين؛ كما لو وجد متطوعًا.

فعلى الأول: لو اختلفا: فقال الأب: وجدت متبرعة وأنكرت – فهو المصدق بيمينه، وكان يتجه أن يخرج وجه: أنه لا يحلف، كما سيأتي فيما إذا ادعى إرادة سفر النقلة.

وعلى الثاني: للأب انتزاعه منها كما ذكرناه، ولا يكلف أن يأتي المرضعة [وترضعه في بيتها، ولا تمنع الأم من زيارته، قاله ابن الصباغ، وسيأتي في باب الحضانة] ذكر خلاف فيه.

قال: ولا تجب أجرة الرضاع لما زاد على حولين؛ لأن الله – تعالى – جعلهما تمام مدة الرضاع، ولا يجوز أن يفصل عن أمه قبل تمامهما من غير رضا الأبوين.

وفيه احتمال للإمام إذا لم يتضرر به الولد.

وإن اتفقا على فطامه قبل تمام الحولين جاز إذا لم يتضرر الولد.

ويجوز لكل منهما فصاله بعد الحولين، على ما حكاه البغوي وغيره.

فصل: ومن ملك عبدًا أو أمة، لزمه نفقتهما وكسوتهما؛ أي: سواء كان العبد صغيرًا أو كبيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مكتسبًا أو غير مكتسب، صحيحًا أو زمنًا؛ لما روى الشافعي بإسناده عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق"، وفي رواية:"إلا ما يطيق".

وروى مسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملكه قوته".

ص: 265

ولأن السيد مالك لتصرف عبده وكسبه؛ فوجب أن يكون ملتزمًا لنفقته وكسوته؛ لما يلزمه من حراسة نفسه.

وقد اتفق العلماء على إيجاب النفقة للملوك، والمرا بالنفقة: الطعام والإدام، وذلك غير مقدر، بل الواجب فيه قدر الكفاية؛ كنفقة القريب، وفي قدر الكفاية وجهان:

أحدهما: كفاية مثله في الغالب، [و] لا يعتبر حاله في نفسه.

والثاني: يعتبر حاله في نفسه؛ فتراعى رغبته وزهادته، فإن لم يكفه ما يكفي مثله غالبًا فعلى السيد الزيادة، وهذا ما اختاره ابن الصباغ.

وقال الماوردي: إن كان يؤثر فقد الزيادة في قوته وبدنه لزمت السيد، وإلا فلا.

قال الرافعي: وينبغي أن تجيء هذه الوجوه [قويها وضعيفها] في نفقة القريب.

وجنس النفقة: غالب القوت الذي يطعم منه المماليك في البلد. فإن كان دون قوت السادة لم يجب عليهم أن يطعموهم إلا منه.

وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن [كان] أخوه تحت يده – فليطعمه مما يأكل، ويكسوه مما يلبس" – فهو محمول على مكارم الأخلاق، أو في حق من قوته من جنس قوت العبيد، وكسوته متقاربة؛ للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة.

والمرجع في الأدم والكسوة – أيضًا – إلى العرف.

ويجري على حال السيد في اليسار والإعسار؛ فيجب من رقيق الجنس وخشنه، ولا يجوز الاقتصار في الكسوة على ستر العورة، وإن لم يتأذ بالحر والبرد.

فرع: لو كان السيد يطعم ويلبس دون المعتاد غالبا، إما بخلا أو رياضة – فيلزمه رعاية الغالب للرقيق، أو له الاقتصار على ما اقتصر عليه السيد؟ فيه وجهان، أشبههما الأول.

ص: 266

قال: فإن كانت الأمة للتسري فضلت على أمة الخدمة في الكسوة؛ للعرف، [وهذا هو الأصح.

وقيل: لا تفضل؛ لتساويهما في المقتضى للوجوب] وهو الملك، وكالعبد إذا كان شريفًا.

وهذا الخلاف يجري في الطعام – أيضًا – وفي ذات الجمال وإن لم تكن سرية.

ومنهم من أجراه في العبد الشريف، والظاهر التسوية.

واعلم أن ظاهر إطلاق الأئمة يدل على أن هذا الخلاف في الوجوب؛ لأنهم عللوه بأنه من المعروف، ولفظ الإمام: يجب التفاوت.

وفي "المهذب" أن ذلك استحباب.

قال: والمستحب أن يجلس – أي: بضم الياء – الغلام الذي يلي طعامه معه، فإن لم يفعل – أي: المالك، ويحتمل أن يريد المملوك – أطعمه منه؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه قد كفاه حره ودخانه فليقعده ليأكل معه، وإلا فليناوله أكله من طعامه"، وروى:"إذا كفى أحدكم خادمه طعامه ودخانه فليجلسه معه، فإن أبى فليروغ له اللقمة واللقمتين".

والأكلة بالضم: اللقمة، وروغها، أي: رواها دسمًا.

وقيل: إنهما سواء في الاستحباب.

وقيل: يجب عليه الترويغ والمناولة، فإن أجلسه معه فهو أفضل.

وقيل: الواجب أحدهما، لا بعينه.

والظاهر الأول.

وأصل الاستحباب في إطعام الطعام اللذيذ يشمل الذي يليه وغيره.

ص: 267

والمراد بالطعمة: ما يسد مسدًّا، دون الذي يهيج الشهوة ولا يقضي النهمة.

فائدة: لو دفع الطعام إلى العبد، ثم أراد إبداله – ذكر القاضي الروياني: أنه لا يجوز له ذلك عند الأكل، ويجوز قبله.

وقال الماوردي: إن تضمن الإبدال تأخير الكل لم يجز، والله أعلم.

قال: ولا يكلفه من الخدمة ما يضر به؟ للخبر، ولقوله – عليه السلام: ["لا ضَرَرَ ولا إِضْرَارَ".

قال الشافعي: ومعنى قوله- عليه السلام:] "وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ"، يعني – والله أعلم -: إلا ما يطيق [الدوام عليه، لا ما يطيق] يوماً أو يومين أو نحو ذلك ثم يعجز.

ومعنى كلام الشافعي: أنه لا يجوز أن يكلفه ما يطيقه يومين أو ثلاثة، ولا يطيقه على الدوام.

قال: ويريحه في وقت القيلولة- وهي النوم نصف النهار – دفعاً للضرر، وكذا إذا عمل بالنهار أراحه بالليل، وبالعكس.

ويستعمله في الشتاء النهار، مع طرفي الليل، ويتبع في ذلك العادة الغالبة.

قال: وفي وقت الاستمتاع عن كانت له زوجة؛ لأن إذنه في النكاح يتضمنه، وقد تقدم الكلام فيه في كتاب النكاح.

قال: وإن سافر به أركبه عقبة، أي: وقتاً مؤقتاً؛ حتى لا يكلفه ما لا يقدر على المداومة عليه عادة.

والعقبة: بضم العين.

قال: ولا يسترضع الجارية إلا ما فضل عن ولدها، أي: المملوك له، أو ولده؛ لأنه لو استرضعها أكثر من ذلك، لأضر بها بسبب ولدهان وقد قال تعالى:{لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233].

ولأن نفقته عليه، وطعامه اللبن، وكما لا يجوز أن ينقص من طعامه غير اللبن عن كفايته، كذلك [من] طعامه اللبن.

وفي "التتمة" حكاية وجه: أنه إذا أراد أن ينتزعه منها، ويرضعه من غيرها –

ص: 268

جاز؛ لأنها ملكه، والاستمتاع بها حقه.

والصحيح: الأول؛ لأن فيه إحالة بينه وبينها، وليس له ذلك؛ لإفضائه إلى الوله، صرح به الإمام.

أما إذا كان مملوكاً لغيره، أو حرًّا، فله أن يسترضعها من شاء؛ لأن الولد إرضاعه واجب على مالكه، أو والده؛ كذا قاله الماوردي.

ولو رضي السيد بأن ترضعه مجاناً لم يكن لها الامتناع؛ لأن ذلك محض حقه. ويجوز له في أوقات الاستمتاع أن يضم ولدها منه أو المملوك له إلى غيرها.

وأبدى الإمام فيه تخريج الوجه الذي حكاه عن صاحب "التقريب" في الزوجة. وله إجبارها على الفطام قبل الحولين إذا اجتزأ الولد باللبن، وعلى الإرضاع بعد الحولين وإن كان يجتزئ بغير اللبن، إلا إذا تضررت به، وليس لها الاستقلال بالفطام ولا الإرضاع.

قال: وإن مرضا أنفق عليهما؛ لأن نفقتهما مقدرة بالكفاية؛ فأشبها الأقارب.

فرع: تجوز المخارجة، وهي ضرب خراج معلوم على الرقيق يؤديه كل يوم أو أسبوع، مما يكتسبه. وقد صرح بذلك الشيخ في باب التدبير، وليس للعبد أن يجبر سيده عليها، ولا للسيد إجبار العبد عليها؛ كعقد الكتابة.

وعن القاضي أبي حامد تخريج قول: أن للسيد ذلك.

وإذا تراضيا، فليكن له كسب [دائم يفي] بذلك الخراج، فاضلاً عن نفقته وكسوته إن جعلهما في كسبه، وإذا ما يكسبه، فالزيادة مِيرة من السيد إلى عبده.

وإن ضرب عليه خراجاً أكثر مما يليق بحاله، وألزمه به منعه السلطان منه، ويجبر نقصان بعض الأيام بالزيادة في بعضها.

ولا يخفى أن ذلك عقد جائز، فإن فسخ وفي يد العبد فاضل من كسبه فهو للسيد.

فصل: وإن ملك بهيمة وجب عليه القيام بعلفها؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي اطَّلَعْتُ في النَّارِ، فَرَأَيْتُ امْرأَةٌ تُعَذَّب، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا رَبَطَتْ هِرَّةً، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَاكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ

ص: 269

حَتَّى مَاتَتْ؛ فَعَذَّبَها اللهُ سبحانه وتعالى".

ولأنها ذات روح تتضرر بترك الأكل؛ فوجب عليه القيام به كما في العبد.

ثم للبهيمة ثلاث أحوال:

إحداها: أن تكون معلوفة، لا ترعى، فعليه [ان يعلفها، ويسقيها حتى ينتهي إلى أول شبعها وريها، دون غايتها، وليس له أن يعدل بها إلى المرعي إذا لم تألفه.

الثانية: أن تكون راعية، لا تعلف، فعليه] إرسالها في المراعي حتى تشبع من الكلأ وتروى من الماء، ويعتبر في هذه الحالة أمران:

أحدهما: أن يكون في الموضع الذي ترعى فيه [ماء] مشروب.

والثاني: ألا يكون فيه سباع، فإن لم يتهيأ له ذلك كانت القسم الأول.

والثالثة: أن تكون جامعة بين الأمرين، فإن كانت مكتفية بكل منهما كان مخيراً؛ وإن لم تكتف إلا بهما فعليه الجمع بينهما.

تنبيه: العلف بفتح اللام: ما تطعمه البهيمة من شعير وتبن وحشيش وغيرهما، وبإسكان اللام: مصدر علفها علفاً، ويجوز هاهنا الوجهان.

قال: ولا يحمل ما يضر بها بالقياس على العبد.

قال: ولا يحلب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها؛ لأنه خلق غذاء للولد؛ فلا يجوز منعه منه كما في ولد الأمة.

والمراد: أن يفضل عما يقيمه؛ حتى لا يموت، كذا قاله الروياني.

وذكر في "التتمة": أنه لا يجوز الحلب إذا كان يضر بالبهيمة لقلة العلف، وأنه يكره [تركه] إذا لم يكن في الحلب إضرار بها؛ لما فيه من تضييع المال، والإضرار بالبهيمة. وان المستحب ألا يستقصي في الحلب، ويبقى في الضرع شيئاً. وأن يقص الحالب أظفاره؛ كي لا يؤذيها بالقرص.

والنحل يبقى له في الكوارة شيء من العسل إلا أن يكون الانتشار في الشتاء،

ص: 270

ويتعذر الخروج؛ فيبقى له أكثر، وإن قام مقام العسل شيء آخر لم يتعين إبقاء العسل، وقد قيل: تشوى دجاجة وتعلق على باب الكوارة؛ فيأكل منها.

وديدان القز تعيش بورق الفرصاد، فعلى مالكها تخليتها لتأكل منه، وإذا جاء وقت استكمالها الغزل جاز تجفيفها بالشمس وإن كانت تهلك؛ لتحصيل فائدتها.

قال: وإن امتنع من الإنفاق على رقيقه أو بهيمته – أجبر على ذلك، أي: إذا كان له مال ولكنا لم نصل إليه؛ لأنه حق وجب عليه القيام به، فإذا امتنع من أدائه، أجبر عليه؛ كنفقات الزوجات.

وكيفية إجباره: أن يؤمر بالإنفاق عليه، [أو بان] يبيعه، أو يؤجره إن أمكن إيجاره، أو يعتقه إن كان يمكن أو يذبح ما يحل أكله.

أما إذا كان له مال ظاهر فيباع عليه، وفي كيفية بيعه وجهان:

أحدهما: شيئاً فشيئاً.

والثاني: يستقرض عليه على أن يجتمع شيء صالح؛ فيباع منه بقدره، فإن لم يمكن بيع بعضه، باع جميعه، صرح به الماوردي.

قال: فإن لم يكن له مال، أي: وأصر على الامتناع – أكري عليه إن أمكن إكراؤه؛ لأن بذلك يحصل المقصود.

قال: فإن لم يمكن بيع عليه، أي: منه بقدر الحاجة كما تقدم؛ لأنه الممكن، وللحاكم أن يجبره على البيع، فإن تعذر بيع البعض، بيع الكل؛ فإن تعذر بيع الكل، أنفق عليه من بيت المال؛ فإن لم يكن فيه مال، فهو من محاويج المسلمين، يقومون بكفايته.

وقد أبدى الشيخ أبو محمد في بيع بعض اللقطة لأجل النفقة احتمالاً: أنه لا يجو كي لا تأكل نفسها، وهو ما أبداها أبو الفرج الزاز، وقد يتجه جريان مثله هاهنا.

قال: فإن كان له أم ولدن ولم يمكن إكراؤها ولا تزويجها، فيحتمل أن تعتق عليه- أي: بضم التاء الأولى- كما للزوجة فسخ النكاح، إذا تعذرت عليها

ص: 271

النفقة الفائتة عليها، وهذا موافق لما حكاه في "التتمة" عن الأودني: أن السيد يؤمر بعتقها.

ويحتمل ألا تعتق؛ لأن الزوجة بالفسخ يمكنها أن تتوصل إلى تحصيل النفقة الفائتة عليها، وهذه لا تتمكن من ذلك، بل نفقتها في بيت المال بعد العتق، وكذلك هي في حال الرق إذا عجز السيد عنها، كما ذكرناه.

وفرق القاضي الحسين بينهما: بأن الأمة لما لم يكن لها رفع ملك اليمين بالعجز عن الاستمتاع، فكذلك بالعجز عن النفقة، بخلاف الزوجة. وبأنها لا تصل إلى النفقة بمثل السبب الذي استحقت على سيدها برفع الملك؛ بخلاف المرأة؛ فإنها تصل إلى النفقة بمثل السبب الذي استحقت به على زوجها النفقة؛ وهو النكاح.

وهذا الخلاف كالخلاف المحكي في الكافر إذا أسلمت أم ولده. والله عز وجل أعلم.

ص: 272