الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
باب عقد الذمة [وضرب الجزية]
الذمة: العهد والالتزام، وضرب الجزية: إثباتها وتقريرها. ويسمى [المأخوذ: ضريبة، "فعيلة"؛ بمعنى "مفعولة"، جمعها ضرائب.
والجزية: عبارة عن المال] المأخوذ بالتراضي من الكفار؛ لإسكاننا إياهم في دار الإسلام، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم، على اختلاف في ذلك.
وهي مأخوذة من "المجازاة" و"الجزاء"؛ لأنها جزاء عن سكني دارنا، أو عن حقن دمائهم، أو عن كفنا عن قتالهم، على حسب الاختلاف السابق.
والأخير مختار القاضي الحسين، وقال:[إن] جعلها في مقابلة مقامهم في دارنا مدخول؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام كالرجل ولا جزية عليها، وكذلك جعلها في مقابلة حقن الدماء مدخول؛ لأن الجزية تتكرر بتكرر السنين، وبدل حقن الدم لا يتكرر بتكرر الأزمنة، ولأنها لو كانت بدل حقن الدماء لما ارتفع [حقن الدماء] بحال؛ كما لو صالح من دم العمد على مال، وهو يرتفع بنقض العهد.
وقال الإمام: الوجه أن نجمع مقاصد الكفار ونقول: هي مقابلة بالجزية.
وقيل: إن "الجزية": "فعلة"، من: جزي يجزي: إذا قضي؛ قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48]، أي: لا تقضي. وتقول
العرب: جزيت ديني، أي: قضيته، وجمعها: جزى، كقربة وقرب.
والأصل فيها – قبل الإجماع – من الكتاب قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، أي: حتى يلتزموها؛ كما جاء في قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى قوله تعالى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]، والمراد: حتى يلتزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في وقت استحقاقها، بالإتيان بلفظ الشهادتين المتضمن لذلك.
وقد قيل: إن آية الجزية ناسخة لهذه الآية، وقيل: لا، بل هي خاصة بأهل الكتاب وهذه عامة في كل مشرك.
ومن السنة: ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال:"إذا لقيت عدوك من المشركين، فأدعهم إلى إحدى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكيف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، [فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم] أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن الله وقاتلهم". خرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.
وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، ومن أهل أيلة وهم ثلاثمائة رجل.
ولأن في أخذها معونة للمسلمين وإهانة للمشركين، [وربما بعثهم] على الإسلام.
قال – رحمه الله –: ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العظام؛ فاختص بمن له النظر العام، ولأن الولاية في المال المستفاد بهذا العقد [للإمام ونائبه؛ فوجب أن تكون ولاية العقد لهما كما في العقد] على مال اليتيم.
وعن كتاب ابن كج نقل وجه: أنه يصح من الآحاد، كالأمان.
وعلى الأول: لو عقدها واحد من المسلمين من غير إذن الإمام، فلا يغتال المعقود له بل يلحق بمأمنه.
ولو أقام سنة فصاعدا، فهل يؤخذ منه لكل سنة دينار؟ فيه وجهان، أشبههما: المنع؛ لأن القبول ممن لا يقبل الإيجاب لغو؛ فكأنه لم يقبل شيئا.
وهل يجب هذا العقد عند طلب الكفار له؟ فيه كلام تقدم في باب "قتال المشركين".
قال: ولا يعقد لمن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبده الأوثان والمرتدة؛ لأن الله – تعالى – أمر بقتل جميع المشركين إلى أن يسلموا، بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة: 5]، وخص منهم في كتابه العزيز أهل الكتاب بالآية السالفة، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من له شبهة كتاب – وهم المجوس – بما سنذكره من الخبر، وبفعله؛ فبقي الحكم فيمن عدا المذكورين؛ لعموم الآية.
والمرتدة: جمع مرتد.
قال: ومن دخل في دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل؛ لأنه دخل في دين لا حرمة له؛ فلم يعقد له كعبدة الأوثان.
والواو في قول الشيخ: "والنصارى
…
والتبديل" يتعين أن تكون بمعني ["أو" إن] استعملت لفظة "من" للإفراد، كما نبهنا على جواز ذلك في الباب [قبله]، ويكون معنى الكلام: ومن دخل في دين اليهود أو النصارى بعد النسخ أو التبديل.
ويجوز أن تكون بمعنى: "أو" – أيضا -[إذا استعملت لفظة]"من" للجمع كما هو معناها، والظاهر أنه المراد.
[و] يجوز أن تبقى على حالها ويكون قد أثبت هذا الحكم للجمع، وخص كل حالة ببعض الجمع؛ [كما] في قوله تعالى:[{فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103]، وفي قوله تعالى:[{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41]، أي: لينفر الخفاف منكم خفافا والثقال ثقالا، ويكون تقدير الكلام: والداخلون في دين اليهود والنصارى، أي: بعضهم في هذا الدين وبعضهم في الآخر بعد النسخ والتبديل، أي: بعضهم بعد النسخ وبعضهم بعد التبديل، أو كلهم كذا أو كذا.
والمحوج إلى ذلك: أنه لا يمكن جعل الواو في قوله: "والتبديل"[الواو]
المشركة؛ لأن المراد [أن] من دخل بعد النسخ فلا تعقد له [الذمة] وإن دخل في دين غير مبدل، وكذا من دخل قبل النسخ وبعد التبديل في الدين [المبدل] [لا تعقد له، كما صرح به أبو الطيب والبندنيجي والمصنف وكثيرون؛ لما ذكرناه من التعليل.
وفي "الرافعي" على هذه الطريقة حكاية قولين في جواز العقد لأولاد [من] دخل قبل النسخ وبعد التبديل في الدين المبدل] كأولاد المرتدين، وهذه طريقة الفوراني والطبري في "العدة"، وضعفها الإمام، وحكى طريقة أخرى: أنها تعقد لمن دخل قبل النسخ [وبعد التبديل]، سواء دخل في الدين المبدل أو لا، وقال: المذهب: القطع بها؛ لأنهم وإن بدلوا فمعلوم أنه بقي [منه] ما لم يبدل؛ فلا ينحط التمسك به عن شبهة كتاب المجوس.
وحكى الرافعي: أن أبن كج لم يورد سواها، وأن الروياني [اعتمدها] في "البحر".
وحكى عن القاضي أبي الطيب أنه قال: لا أحفظ الشرط المذكور عن الشافعي، وإنما فرق في كتبه بين ما قبل نزول القرآن وما بعده، وهذا أولى؛ [تغليبا] لحقن الدم.
ثم المراد بالذين دخلوا [بعد النسخ: الداخلون] بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به القاضي أبو الطيب في أوائل الباب.
وعن "التحرير": أنهم الداخلون بعد نزول القرآن، وعلى ذلك ينطبق ما عزي لـ "البحر" حكاية عن الشافعي – رضي الله عنه – كما تقدم، وقد أورده القاضي أبو الطيب في [باب] تبديل أهل الذمة من كتاب الجزية.
وبين العبارتين فرق؛ لأن هذه [العبارة] تقتضي أن من دخل في الدين المذكور بعد أن نزل قوله تعالى: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، لا تعقد له الذمة؛ لأنها أول آية أنزت عليه صلى الله عليه وسلم والعبارة الأولى تقتضي أن تعقد له؛ لأنه في هذه الحالة لم يؤمر بإنذار ولا رسالة، ولم يزل كذلك إلى نزل عليه قوله تعالى: {يأيها المدثر*قم فأنذر*
…
} إلى قوله: {والزجر فاهجر} [المدثر: 1 - 5]، ففي هذه الحالة تمت نبوته، وتحققت رسالته.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر مع الأول عن رواية أبي إسحاق المروزي – وقال: إنه الأظهر -: أن شريعة موسى – عليه السلام – نسختها [شريعة] عيسى – عليه السلام – فمن دخل فيها بعد بعثته لا تعقد لأولاده، وهذا ما حكاه البندنيجي عن الشافعي – رضي الله عنه، وجزم به في "المهذب"، وعزا إلى المزني أنها تعقد لمن دخل قبل النسخ أو بعده، وسواء دخل في دين المبدلين أو غيره.
قال: ويجوز أن يعقد لليهود والنصارى، أي: من العرب والعجم؛ لعموم الآية؛ فإنها دلت على عقدها لأهل الكتاب، ولم يقع فيها فصل بين عجمي وعربي، واليهود والنصارى أهل كتاب بالاتفاق؛ قال الله تعالى:{أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} [الأنعام: 156]، وقد روى أبو داود عن أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من أكيدر دومة، بعد أن أسره وحمله إلى المدينة، وكان من غسان أو من كندة على اختلاف فيه، وأخذها من أهل اليمن وأكثرهم عرب.
وأكيدر: بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها دال مهملة [مكسورة وراء مهملة.
ودومة:] من بلاد الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة.
وممن تهود من العرب: كنانة وكندة وحمير وبنو الحارث بن كعب، وومن تنصرهم: ربيعة وغسان وبعض قضاعة.
ولا فرق في اليهود والنصارى فيما ذكرناه بين أن يكونوا لم يبدلوا أو قد بدلوا؛ لأن لهم في الحالة الأولى شرف دينهم الذي كان حقا، وشرف آبائهم الذين ماتوا على دين حق، وفي الحالة الثانية: شرف آبائهم [فقط].
قال: والمجوس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، كما رواه الشافعي – رضي الله عنه – وروي عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وقد أخذها منهم أبو بكر – رضي الله عنه – فيما فتحه من أطراف العراق، [وأخذها عمر – رضي الله عنه – ممن كان بالعراق] وفارس منهم، وأخذها عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أيضا – فكان أخذها منهم سنة عن رسول الله وأثرا عن الخلفاء الراشدين، وقد ذكرنا في باب قتال المشركين أثرا عن علي – رضي الله عنه – في ذلك.
قال: ولمن دخل في دين اليهود والنصارى، ولم يعلم هل دخل قبل النسخ والتبديل أو بعده.
هذا الفصل ينظم في هذا الحكم صورتين:
إحداهما: يثبت فيها بالمفهوم.
والأخرى: يثبت فيها بالمنطوق.
فالأولى: إذا دخلوا في دين اليهود والنصارى قبل التبديل والنسخ؛ فيجوز أن يعقد لهم؛ لأنهم دخلوا في دين حق إذ ذاك؛ فكان كما لو دخلوا في عصر موسى وعيسى، على نبينا وعليهم السلام.
ولا فرق فيهم – أيضا – بين من بدل بعد ذلك أو لم يبدل.
ويلتحق بهذه الحالة ما إذا دخل بعد التبديل، لكن [في الدين الذي لم يبدل]، كما صر به البندنيجي.
وهذه الصورة ظاهر كلام الشيخ في ابتداء الكلام يأباها؛ فينبغي أن يحمل كلام الشيخ على ما عداها، كما نبهت عليه [من] قبل.
والثانية – وهي التي صرح بها -: إذا شككنا هل دخلوا قبل النسخ والتبديل أو بعده، فيعقد لهم – أيضا – كما نص عليه في "الأم"؛ لأنهم دائرون بين أمرين: أحدهما: يقتضي حقن الدم، والآخر: إباحته، فغلب حكم الحقن عملا بالأصل؛ فإن الأصل في الدماء الحقن، ومع هذا لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، كما تقدم؛ لأن الأصل في الأبضاع والميتات التحريم، فتمسكنا فيهما عند الشك في المبيح بالأصل؛ كصنعنا في المجوس، وقد حكينا طرفا من ذلك في كتاب النكاح، وممن وقع الشك في أنهم دخلوا بعد التبديل أو قبله: تنوخ، وبنو تغلب، وبهراء.
قال: وأما السامرة والصائبة فقد قيل: يجوز أن يعقد لهم، وقيل: لا يجوز هذا الفرع ينبغي على أصل تقدم في باب ما يحرم من النكاح، وهو أن السامرة طائفة من اليهود، والصائبة طائفة من النصارى [أم لا]؟ وقد حكينا فيه أربع طرق:
إحداها – وهي التي صار إليها الجمهور، ونص عليها الشافعي – رضي الله عنه – أنهم إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول الأديان فليسوا منهم، وإن وافقوهم في أصول الاعتقادات، وخالفوهم في فروعها – فهم منهم.
وعلى هذه الطريق يكون حكم عقد الذم لهم كذلك، وهي التي صححها النووي والفوراني.
الثانية: أنهم منهم كما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم" على ما نقله البندنيجي.
والقائلون بها قالوا: ما ذكر من النص الأول كان قبل أن يظهر له حالهم، ثم بأن له أمرهم بعد ذلك، فأجابا بأنهم منهم، وهذا قول أبي إسحاق، ونص الخلاف في المسألة، وقال القاضي أبو الطبيب: إنه المذهب. فعلى هذا: يعقد لهم الذمة، وتحل مناكحتهم وذبائحهم.
الثالثة: أنهم ليسوا منهم كما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في بعض كتبه، كما نقله الإمام، فعلى هذا: لا يعقد لهم الذمة.
وهذه والتي قبلها هما ما في الكتاب.
الرابعة: أن في كونهم منهم قولين، وكذا هما في عقد الذمة [لهم].
وقال الإمام في كتاب النكاح: لا وجه للخلاف فيمن يكفرهم اليهود والنصارى، ولا يعدونهم منهم، ولا يبعد التردد في الذين يبدعونهم ولا يخرجونهم من زمرتهم في سقوط الجزية بالبدعة، وقال هنا: إنا لو تحققنا تعطيلهم، أي: باعتقادهم أن مدبر العالم الأنجم السبعة، ومدبرها الفلك الأعلى الحي الناطق، أو أنهم يقولون بقدم النور والظلمة وإسناد الحوادث إليهما – فلا شك أنا لا نأخذ الجزية منهم. ولو بقي الأمر مشكلا في حالهم فهل يجوز عقد الذمة لهم [أم لا]؟ فيه احتمالان، والظاهر: الأول، وبه جزم القاضي الحسين والماوردي.
قال: ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث، أي: وهو ابن ادم لصلبه، وغيرهما من الأنبياء – عليهم السلام – فقد قيل: يعقد لهم؛ لأن الله – تعالى – أخبرنا أنه أنزل عليهم صفحا، قال الله تعالى {أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وافى} [النجم: 36، 37]، {وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196]، وهذه تسمى كتبا، وإذا كان كذلك اندرجوا في قوله تعالى:{ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29].
وإنما قلنا: [إن] هذه تسمى كتبا؛ لأن الشافعي – رضي الله عنه – لما سأله الرشيد في المحنة، فقال له: كيف معرفتك بكتاب الله؟ قال [له]: عن أي
كتبه تسألني؛ فإن الله أنزل على آدم ثلاثين صحيفة، [وأنزل على إدريس ست عشرة صحيفة]، وأنزل على إبراهيم ثماني صحف. فدل هذا [على] أن الصحف كتب، ولأن المجوس يقرون بالجزية وليس لهم كتاب؛ بل شبهة [كتاب]؛ فكان هؤلاء بذلك أولى، وهذا قول أبي إسحاق وغيره، كما حكاه الصنف وغيره، وهو الذي صححه النووي والرافعي وصاحب "المرشد"، وكلام الإمام يقتضي ترجيحه.
قال: وقيل: لا يعقد لهم؛ لأن هذه الكتب لم ينزل بها جبريل، وإنما أثبتت بما حصل [لهم] من الإلهام، وليس فيها بيان الأحكام من الأمر والنهي، وإنما هي مواعظ وتسبيح وتهليل؛ [فلم تلتحق بالكتابين]، ولأنا لا نثق بأقوالهم، ولا ندري صدقهم من كذبهم.
قال القاضي الحسين: وهذا ما صار إليه الأكثرون. وكلامه قد يفهم أن أبا إسحاق منهم؛ فإنه حكى عنه أنه قال: لو تصور لنا ثبوت كتاب [سوى الكتابين، [لأعطينا أهله حكم أهل الكتابين] في حقن الدم، ولكنه لا يثبت؛ إذ لا طريق إلى معرفته إلا من جهة مدعيه، ولا يمكننا معرفته بقولهم؛ إذ لا حكم له، وليس كذلك؛ بل هو مصرح فيما إذا ثبت لهم كتاب]: بأن حكمهم حكم اليهود في حل مناكحتهم وذبائحهم وعقد الذمة معهم، وإن لم يثبت وشككنا فيه: بأن حكمهم حكم المجوس، كذا صرح به ابن الصباغ عنه. [و] في هذه الحالة يجب أن يقال بعد حل المناكحة والذبيحة، وإن جوزنا عقد الذمة لهم كما صرح به بعضهم.
وفي "الرافعي": أن منهم من أجرى خلافاً في حل ذلك في هذه الحالة، وجزم بالحل عند تحقيق كتابهم، وكذا عند إسلام اثنين منهم [وشهادتهما بصحة الكتاب.
والماوردي أبو الطيب حكيا الوجهين في حالة التحقيق، ونسبا الإباحة إلى قول أبي إسحاق كما حكيناه عنه، وقال الماوردي: إنه ظاهر المذهب، [وحكى في موضع آخر بعده أن من] ادعى أن له كتابا غير التوراة والإنجيل فله ثلاثة أحوال:
أحدها: [أن يتحقق دينهم ويعلم كتابهم؛ فهم كاليهود والنصارى في كل شيء].
والثاني: أن يتحقق كذب قولهم، وأنه لا كتاب لهم؛ فيكونون كعبدة الأوثان.
والثالث: أن يحتمل ما قالوه الصدق والكذب؛ فلا يقبل قول كفارهم، فإن أسلم منهم عدد يكون خبرهم مستفيضا حكم بقولهم في ثبوت كتابهم، وإقرارهم بالجزية، واستباحة مناكحتهم، وحل ذبائحهم. وإن لم يسلم منهم من يكون خبرهم مستفيضا متواترا فهؤلاء لا يعلم خبرهم [إلا] منهم في حال كفرهم، فيقرون بالجزية؛ لأن ما يبذلونه لا يحرم علينا أخذه، وأصل دمائهم محظور؛ فلا يحل لنا قتلهم بالشك، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم.
قال: ولا يعقد لمن ولد بين وثني وكتابية؛ لأن الولد من قبل الأب؛ ولهذا يشرف بشرفه، والأب ممن لا يعقد له الجزية؛ فكذلك الولد.
[وهذا إذا لم يدن بعد بلوغه بدين أهل الكتاب، فلو كان يدين به فهل يكون حكمه حكم أمه، فيه وجهان في "النهاية" في باب الصيد والذبائح، والأصح: لا].
قال: وفيمن ولد بين كتابي ووثنية قولان:
أصحهما: أنه يعقد له؛ تغليبا لجانب الأب.
ووجه مقابله: أنه لم يتمحض كتابيا؛ فأشبه المتولد بين الوثني والكتابية، وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وصاحب "التقريب" في الصورتين؛ إلحاقا لعقد الذمة بحل المناكحة وحل الذبيحة.
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي في الصورة الثانية طريقة
قاطعة بالقول [الأول؛ لأنا في الذبيحة والمناكحة غلبنا حكم التحريم، عملا بالأصل] فيهما؛ فكذلك ها هنا يجب أن يغلب حكم التحريم في حقن الدم؛ لأنه الأصل.
وقضية هذا [التعليل]: أن تطرد هذه الطريقة في الصورة الأولى، وقد حكى ذلك الرافعي عن رواية الشيخ أبي حامد، [وهي المذكورة] في "التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين و"الإبانة" في الصورتين، وصححها الإمام وقال: الوجه القطع بها. بعد أن حكى طريقة أبي إسحاق.
وجمع في "الحاوي" بين الصورتين، وحكى فيهما أربعة أوجه:
أحدها: أنه ملحق بأبيه [كيفما كان دون أمه].
والثاني: أنه ملحق بأنه كيفما كانت.
والثالث: أنه ملحق بأتمهما دينا؛ كما يلحق به في قدر الدية، ويلحق بالمسلم منهما؛ فعلى هذا: إن كان أبوه وثنيا وأمه كتابية ألحق بها، وإن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق به.
والرابع: أنه يلحق بأغلظهما كفرا؛ لأن التخفيف رخصة مستثناة، فعلى هذا: أيهما كان وثنيا ألحق به، ولا يقر بالجزية.
ولا يجري هذا الخلاف فيما إذا كان أحدهما مجوسيا والآخر كتابيا لأن الفريقين من أهل عقد الذمة.
فرع: إذا حاصرنا قلعة، فبذل أهلها الجزية، وزعموا أنهم أهل كتاب – وجبت إجابتهم على الشرط [الذي ذكرناه] في باب قتال المشركين، ولا نطالبهم بإقامة بينة على دينهم؛ لعدم إمكان ذلك.
قال ابن الصباغ: لكن يشترط عليهم أنه متى بان أنهم عبدة أوثان، أو دخل آباؤهم في الدين الذي ادعوه بعد نزول القرآن –نبذ إليهم عهدهم وقاتلهم. وإذا عقد لهم ثم أسلم منهم اثنان، وظهرت عدالتهما، وشهدا بأنهم ليسوا كما زعموا،
وأنما هم عبدة أوثان – نبذ إليهم عهدهم، قال البندنيجي والمصنف وغيرهما، وقال الإمام إنا نتبين أن الذمة غير منعقدة، ونعاملهم معاملة عبدة الأوثان، لكن هل نغتالهم أو نلحقهم بدار الحرب؟ فيه تردد، والظاهر: الأول، وبه جزم القاضي الحسين في "تعليقه"؛ لأنهم دخلوا على بصيرة بفساد الأمان فلا يعذروا.
وهكذا الحكم فيما إذا اعترفوا كلهم بأنهم أهل وثن، ولو اعترفوا بعضهم دون بعض عومل كل منهم بمقتضى قوله.
قال: ولا يصح عقد الذمة إلا بشرطين: التزام أحكام الملة، أي: يلزموا أن تجري أحكام ملة الإسلام عليهم من غير تصريح بحكم حكم منها، كما صرح به البندنيجي.
قال: [وبذل الجزية]، أي: التزام بذل الجزية في كل سنة. وذلك بأن يقول الإمام أو نائبه. أقررتكم، أو: أذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام، على أن تنقادوا لأحكام الإسلام، وتبذلوا في كل سنة كذا وكذا، ويقول الذمي: قبلت، أو: رضيت [بذلك]، أو يبتدئ الكافر فيقول: أقررني بكذا على شرط كذا، فيقول له الإمام أو نائبه: أقررتك.
ووجه اعتبار الشرطين قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29] أي: يلتزموها كما تقدم بيانه، {عن يد} أي: عن قوة وبطش، أو: عن منة لكم عليهم بإبقائهم وحقن دمائهم؛ لأن "اليد" يعبر بها عن القدرة والمنة جميعاً، {وهم صاغرون} أي: بالتزام أحكام الإسلام، كما فسره الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم" وغيرها، وقال الأصحاب: أنه أصح الأقوال في التفسير؛ لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله أشد صغارا، وهذا كما يقال: آخذ حقي منك وأنت صاغر.
ومن جهة المعنى: أن الجزية مع الانقياد والاستسلام كالعوض عن التقرير، فيجب التعرض له كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة، وهذا هو الصحيح، وقال القاضي الحسين بعد حكاية أنه لا بد من [ذكر] الشرطين كما ذكره
الشيخ – رحمه الله: إن فيه إشكالا؛ لأن جريان أحكام الإسلام عليهم من مقتضيات العقد، والتصريح بمقتضى العقد لا يشترط في صحة العقد؛ كما لا يشترك في صحته ألا ينتصب للقتال مع المسلمين وإن كان من جملة الشرائط، فلو قيل: يكتفي بمطلق العقد، لم يبعد؟ وقد أقام بعضهم هذا جها، ووراءه وجوه [أخر]:
أحدها: أنه لا يشترط تعيين مقدار الجزية، بل ينزل المطلق من العقد على الأقل، قال الإمام: وهذا غير سديد.
الثاني - حكاه الرافعي وغيره عن أبي إسحاق -: أنه يشترط التصريح في العقد بكف اللسان عن الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه؛ إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين.
وفي "الإشراف": أن أبا إسحاق طرد مذهبه في اشتراط عدم الزنى بمسلمة وإصابتهم باسم نكاح، وافتتان المسلمين عن دينهم، وقطع الطريق عليهم، والدلالة على عورات المسلمين.
والفرق بين هذا وبين الشرط الأول من وجهين:
أحدهما: أنا على الأول لا نشترط التصريح، وعلى هذا نشترطه.
والثاني: أنه ثم التزم أنا نجري عليه أحكامنا، فالملتزم فعلنا، وهذا من فعله، كذا أشار إليه البندنيجي.
واستغنى المراوزة باشتراطهم في العقد الانقياد والاستسلام عن اشتراط [الانكفاف عن هذه الأشياء]، فقالوا: الأصح: أنه لا يشترط؛ لأن في شرط الانقياد والاستسلام غنية عنه.
الثالث: حكى الماوردي أن للشافعي – رضي الله عنه – في المراد بالأحكام التي فسر [بها الصغار] قولين:
أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة.
والثاني: [التحكم] بالأحكام الشرعية.
فعلى الأول: لا تلزمهم أحكامنا، وعلى الثاني: تلزمهم أحكامنا.
فرع: هل يجوز عقد الذمة مؤقتا؟ فيه طريقان:
أحداهما: أن فيه قولين، ومنهم من أوردهما وجهين:
أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: الجواز، وفي "الرافعي": المنع؛ لأنه [بدل عن] الإسلام، والإسلام لا يصح مؤقتا؛ فكذلك عقد الذمة.
والثاني: القطع به.
وهذا في التأقيت بوقت معلوم، أما لو قال الإمام أو نائبه: أقركم ما شئت، قال الإمام: فمن لم يمنع التأقيت بالوقت المعلوم لم يمنع هذا، ومن منع ذلك، اختلفوا في هذا، وسبب الاختلاف ما روي أنه – عليه السلام – قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب:"أقركم ما أقركم الله تعالى"، والوجه: منع هذا منا، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم على توقع النسخ وانتظار الوحي.
وأجاب آخرون عن الخبر بأنه جرى في المهادنة حين وادع يهود خيبر، لا في عقد الذمة، وجزموا بمنع ذلك من غيره صلى الله عليه وسلم.
ولو قال: أقركم ما شئتم، جاز اتفاقا؛ لأن لهم أن ينبذوا العهد متى شاءوا، فليس فيه إلا التصريح بمقتضى العقد.
قال: والأولى أن يقسم الجزية على الطبقات، أي: على القوم المتباينين.
و"الطبقات" جمع: طبقة.
قال: فيجعل على الفقير المعتمل، أي الكسوب، دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير؛ اقتداء بعمر، رضي الله عنه.
أشار الشيخ بذلك إلى فعل عمر – رضي الله عنه – بأهل الكوفة لما بعث إليهم عثمان بن حنيف؛ فإنه جعل على الغني ثمانية وأربعين [درهما]، وعلى
المتوسط أربعة وعشرين [درهما]، وعلى الفقير اثني عشر درهما، والاثنا عشر هي قيمة الدينار كما تقدم في باب الديات.
ولأن في ذلك الخروج من الخلاف؛ فإن أبا حنيفة – رحمه الله – يرى أن القسمة على هذا النحو واجبة كما حكاه الإمام، وكذا القاضي الحسين عنه، وأنه مخير بين [أن يدفع] الذهب أو الدراهم كما نص عليهما عمر – رضي الله عنه – وإن كان من أصله: أن يقابل الدينار بعشرة دراهم، ودليلنا عليه: ما سنذكره.
والاعتبار في [الغني والفقر والتوسط] بوقت الأخذ، لا بوقت العقد.
ولو ادعى أحدهم بعد الضرب [عليهم] كما ذكرنا: أنه فقير أو متوسط، قبل قوله، إلا أن تقوم بينة على خلافه.
قال: وأقل ما يؤخذ دينار؛ لما روى [أبو داود] عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم يعني: محتلما – دينارا أو عدله من المعافر – وهي ثياب تكون باليمن -. وأخرجه
الترمذي وقال: إنه حسن. وعن بعضهم: أنه روي مرسلا، وأنه أصح.
ومعنى "عدله": أي بدله؛ كما في قوله تعالى: {أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95]، وقيل: إن "العدل" و"العدل" لغتان، وهما المثل.
والثياب منسوبة إلى قبيلة من اليمن، وقيل: إلى موضع باليمن يقال له: معافر.
وروي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم [كتب إلى أهل اليمن: "أن يأخذ من أهل الكتاب من كل محتلم دينارا"، ولم يفرق بين الغني والمتوسط، مع العلم بأن أحوالهم مختلفة في ذلك، وكذا روي أنه صلى الله عليه وسلم:] ضرب على أيلة ثلاثمائة [دينار، وكانوا ثلاثمائة] نفر، وهم متفاوتون في اليسار والإعسار لا محالة.
ومن جهة المعنى: أن الجزية تؤخذ لحقن الدم وسكنى الدار، وذلك يستوي فيه المكثر والمقل.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ – رحمه الله – وغيره [يقتضي] أن الواجب هو الذهب، حتى لو أراد أن يأخذ عنه دراهم كان الواجب قدر قيمته كما دل عليه ظاهر الخبر، وهذا ما قال الإمام: إنه رأى في كلام الأصحاب ما يدل عليه، لكنه ذكر ذلك بعد أن جزم بأن الأقل الدينار أو الاثنا عشر درهما مسكوكة من
النقرة الخالصة، وأن للإمام الخيار في أخذ أيهما شاء.
قال: وأكثره ما يقع التراضي عليه؛ لأنه عقد يعتبر فيه التراضي فجاز بما وقع الاتفاق عليه مما لم يرد الشرع بخلافه؛ كالبيع والإجارة.
قال الأصحاب: ولا يجوز للعاقد إذا قدر على العقد بمائة دينار أن ينقص منها دانقا، لكنه لا يجبر الكافر على الزيادة عن الدينار، فمتى طلب زائدا عليه، وامتنع الكافر من بذل الزائد – وجب قبول الدينار منه.
فرع: إذا بذل الكافر أكثر من دينار وهو جاهل بأن أقل الواجب دينار، لا يجوز للإمام أن يعرفه: إن [أقل] الواجب عليك دينار، وإنك لو امتنعت من بذل الزائد عليه، لم ألزمك سواه. بخلاف ما إذا بذل واحد من المسلمين زائدا عما وجب عليه من الزكاة؛ فإن الإمام يعرفه: إن الواجب عليك كذا، قال القاضي الحسين وغيره: والفرق: أن الزكاة وجبت بالشرع؛ [فروعي فيها إيجاب الشرع]، وأما الجزية فتجب بالمعاقدة والتراضي؛ فروعي فيها ما يقع به التراضي.
قال: ويجوز أن يضرب الجزية على الرقاب، أي: بأن يجعل على كل رقبة شيئا معلوما، للخبر المتقدم.
قال: ويجوز أن يضرب على الأراضي، أي: على ما يخرج من الأراضي مما تجب فيه الزكاة من [تمر] وزرع، ويجوز أن يضرب على مواشيهم كما فعل عمر – رضي الله عنه – في نصارى العرب.
أشار الشيخ بما ذكره إلى أن للإمام أن يضرب [الجزية] على من يعقدها معهم، على ما تجب في جنسه الزكاة من أموال الكفار كالثمار والزروع والمواشي باسم الصدقة، عربا كانوا أو غير عرب؛ اقتداء بعمر – رضي الله عنه –
فإن من تنصر من الأعراب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم بهراء وتنوخ وبنو تغلب، لما طلب عمر منهم الجزية أبوا من دفعها؛ أنفة من ذل الجزية، وقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما تؤدي العجم! خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض. وعنوا به الصدقة، فقال عمر – رضي الله عنه – لا آخذ من مشرك صدقة فرضها الله – تعالى – على المسلمين طهرة، فقالوا:[خذ] منا ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فأبى؛ فارتحلوا، وأرادوا أن يلتحقوا بالروم؛ فصالحهم عمر – رضي الله عنه – على أن يضعف عليهم الصدقة ويأخذها جزية باسم الصدقة، وكان بمحضر من الصحابة – رضي الله عنهم – فلم ينكره منكر.
وحكى الإمام والرافعي وجها: أن هذا العقد يختص بالعرب؛ اقتصارا على ما نقل عن عمر – رضي الله عنه – ولا يبعد تخصيص العرب بمزية، وهذا كما أن الرق يجري على العجم بلا خلاف، وفي جريانه على العرب الخلاف السابق.
ثم إذا فعل الإمام أو نائبه ذلك لمصلحة اقتضاها رأيه، فقال: ضعفت عليكم الصدقة، أخذ من الداخلين في العقد الملتزمين الجزية من [كل من] ملك خمسا من الإبل شاتين، ومن [كل من] ملك أربعين من الغنم شاتين، ومن كل من ملك من البقر ثلاثين تبيعين، ومن كل من ملك عشرين مثقالا من الذهب دينارا، ومن [كل من] ملك مائتي درهم عشرة دراهم، ومن كل من ملك وسقا من الحبوب أو الثمار الخمس إن كان قد سقاه بماء السماء، والعشر إن كان قد سقاه بنضح أو دالية، ومن كل من ملك ركازا أو استخرج من معدن شيئا الخمس على الشرط المعتبر [فيه]، وهذا مما [لم] يختلف فيه الأصحاب، واقتدوا فيه بفعل عمر – رضي الله عنه – نعم، اختلفوا في أمور:
منها: [أنا هل] ننصف النصاب كما ضعفنا المأخوذ؟ فيه قولان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره:
أحدهما - رواه الربيع -: أن ما كان عفوا في المسلمين من وقص أو دون
النصاب فهو عفو منهم، [وهذا] أصح في "النهاية" و"الرافعي"، وبه جزم الماوردي.
والثاني - رواه البويطي -: أنه يجعل كالنصاب على النصف؛ فيكون في عشرين شاه [شاة]، وفي مائة درهم خمسة دراهم، وكذلك ينصف الوقص، فمتى بلغت مائة شاة ونصف شاة فقد زاد نصف الوقص؛ فتجب ثلاث شياة، وتجب في البعيرين نصف شاة، وفي سبعة أبعرة ونصف ثلاث شياة، وفي الزرع إذا بلغ وسقين ونصفاً العشر أو نصفه.
قال الإمام: والقائل بهذا يوجب فيما زاد على النصاب من الوقص ولم يبلغ نصابا بحساب التضعيف. وحكى الإمام في الوقص وجها ثالثا نسبة إلى القفال: أن كل ما يؤدي إلى [التشقيص مع] التضعيف فلا يؤخذ، وإن كان لا يؤدي إليه أخذ من الوقص.
فعلى هذا: إذا ملك سبعا ونصفا من الإبل فعليه ثلاث شياة؛ إذ لا تشقيص على حساب التضعيف، ولو ملك من الإبل ثلاثين ونصفا فعليه بنت مخاض وبنت لبون، وفي خمس وثلاثين [من البقر] تبيع ومسنة، وقال: هذا ما يقتضيه حساب التضعيف، مع الأخذ من الوقص واجتناب التشقيص، وبيان ذلك: أنه إذا ملك ثلاثين [ونصفا فيقدر تضعيف ما يزيد على الخمس والعشرين وهو خمس ونصف]، فإذا ضعف الزائد بلغ أحد عشر، وبه يبلغ المال ستا وثلاثين، وواجبها بنت لبون؛ فتؤخذ بنت مخاض في خمس وعشرين، وتؤخذ بنت لبون بتقدير بلوغ المال ستا وثلاثين بتضعيفه.
ومن لم يبال بالتشقيص يقول: من ملك ثلاثين ونصفا من الإبل فيجب في الخمس والعشرين بنتا مخاض، ويجب في الخمس والنصف ما يجب في الأحد عشر من أجزاء بنت لبون إذا أضيف إلى ست وثلاثين.
ومنها: الجبران هل يضاعف؟ فيه وجهان، والصحيح – كما قال الإمام والقاضي الحسين وغيرهما-: لا؛ فلا يجب إلا شاتان وعشرون درهما إذا وجب عليه سن ولم يكن عنده إلا دونه؛ لأنا لو ضعفنا [الجبران لكان ضعف المضعف، والزيادة على المضعف لا وجه بها، مع أنه لا خلاف في أنا لو دفعنا جبرانا] لم ندفع إلا جبرانا واحدا.
ومنها: النصاب المعتبر في حقهم هل يشترط وجوده من أول الحول [إلى آخره؛ كالزكاة، أو لا يعتبر وجوده إلا في رأس الحول][عند الوجوب؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وتظهر فائدتهما فيما لو كان موجودا في آخر الحول] دون أوله، فعلى الأول: لا شيء فيها، وعلى الثاني يؤخذ الضعف، ولو كان موجودا في أول الحول دون آخره، قال: ينظر: فإن كان عدمه بالتلف فلا شيء فيه، وإن عدم بنقله إلى مال غير زكائي أخذ منهم؛ لأنهم مهتمون ولا يتدينون بأدائها فأخذت منهم، والمسلمون لا يتهمون؛ لأنهم يتدينون بأدائها.
قال: ولا يجوز أن ينقص ما يأخذ من أراضيهم ومواشيهم عن دينار.
أراد الشيخ بهذا الكلام بيان أن محل جواز الضرب على الأراضي والمواشي إذا لم ينقص ما يؤخذ من كل [واحد] عن دينار؛ لأن المأخوذ جزية كما ذكرنا، لكن باسم الصدقة؛ لرعونة المأخوذ منه، روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال:"هؤلاء – يعني: نصارى العرب – قوم حمقى، أبوا الاسم ورضوا بالمعنى"؛ ولهذا يصرف مصارف الجزية، وإذا كان جزية لم يجز أن ينقص عن دينار؛ لما ذكرناه.
ثم حالة عدم النقص تتحقق بأن يشترط عليهم أن ما ينقص من المأخوذ من
كل [واحد] منهم عن الدينار يكمله، وأن من لا مال له مما يجب فيه الزكاة [يعطي الدينار] كما أشار إليه الشافعي – رحمه الله[في] كتاب الجزية من "الأم" حيث قال: إنما يجوز أن يصالحوا على ذلك بأن يقال [لهم]: من كان منكم له مال [أخذ منه ما شرط على نفسه إذا كانت قيمته ديناراً فأكثر؛ [فأما إذا] لم يكن له مال] يجب فيه ما شرط، [أو كان له مال] يجب فيه إلا أنه [أقل] من قيمة دينار، فعليه تمام دينار.
قال [الشافعي – رضي الله عنه]، كما حكاه القاضي أبو الطيب -: وعلى هذا يحمل فعل عمر – رضي الله عنه – وإن لم يحك عنه.
وقال أبو إسحاق المروزي [في "الشرح"]: الأشبه بفعل عمر – رضي الله عنه – أنه [لم] يشترط ذلك عليهم، وإنما كان كذلك؛ لأن أموالهم كانت الحرث والماشية، وعلم أنها تفي بالجزية أو تزيد عليها؛ فحمل الأمر على الغالب؛ ولأجل ذلك قال أبو إسحاق: إذا كان الغالب يوفيه ما لهم بالدينار جاز العقد من غير شرط، فإن عرض في أموالهم عارض، فنقص ما يؤخذ منها على الدينار من كل شخص – طولبوا [بتكميله، وهذا] ما اختاره [في "المرشد"]، وظاهر النص كما [قال] البندنيجي: الأول.
ثم قال: ولو لم يغلب على الظن أن ما لهم من أموال الزكاة لا يفي المأخوذ منه بالدينار، فلا يجوز هذا العقد، ولا يجري الوجهان. وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي [الحسين]، وظاهر المذهب في "الحاوي"، ووراءه وجوه:
أحدها: حكى القاضي الحسين فيما إذا عقد الصلح، ولم يكن يبلغ
المأخوذ منهم قدر الدينار – أنه يطالبهم بالزيادة؛ حتى يتم ما يكون قدر دينار.
والثاني والثالث – حكاهما الماوردي –:
أحدهما: أن جواز ذلك لا يتقيد بحالة حصول الدينار من كل واحد؛ بل يجوز وإن نقص عن الدينار، [بل] وإن عدم أخذ شيء من بعضهم كما إذا كان فيهم من لم يبلغ [ماله] نصابا، ومن لم [يملك مالا] يزكى.
قال: وهو الظاهر من فعل عمر – رضي الله عنه – ووجهه: أنه يجوز أن يزيد المال في وقت آخر، أو يتجدد فيحصل جبر الفائت بما أخذ منه.
والثاني: أن ذلك يجوز إذا علم أن المأخوذ من أرباب الأموال لو وزع على الجميع أن تنقص حصة كل واحد [منهم] عن دينار، ولا يضر كون المأخوذ من بعضهم لا يفي بالدينار، ولا عدم الأخذ من آخر؛ لعدم مال زكائي له.
وقال: إن فعل عمر – رضي الله عنه – محمول على ذلك، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي – رضي الله عنه – نص على عدم جواز هذا العقد في هذه الحالة، إلا أن يقول في الصلح: إن الأغنياء منهم يؤدون عن الفقراء، أو عن نفر من عشيرته، فأما إذا قال: أنا أعطي كذا على ألا يجب على الفقير منا شيء، [فلا يجوز؛ لأنه] لا يقر أحدا في ديارنا [من غير] جزية، [و] هذا قد قاله البندنيجي أيضا.
قال القاضي [الحسين]: وعلى هذا: لو أن حصنا أو بلدة مشتملة على مائة نفر، فقال شخص: أنا أعطي مائة دينار عني وعن أهل البلد – جاز. ولو قال: أنا أؤدي المائة على أن لا جزية عليهم، لم يجز.
وحكى الماوردي وجها آخر: أنه يجوز؛ بناء على جوازه في المسألة السالفة.
واعلم أن ما ذكرناه [من] تضعيف الصدقة ليس بمتعين حتى ولا يجوز غيره، بل قال الأصحاب: إذا رأى الإمام أن يربع ويخمس على وجه المصلحة [فعل]، صرح به القاضي الحسين وغيره، إذا كان المأخوذ من كل [واحد] منهم قدر الدينار، وأوجب الشيخ أبو حامد عقد الذمة [لهم] بهذا الاسم إذا طلبوا في هذه الحالة، ورأى الإمام المنع منه]؛ لما فيه من تشبيههم بالمسلمين في المأخوذ منهم، وحط الصغار من غير عوض [مالي].
ولو نقص المأخوذ من كل منهم عن دينار، لم يجز العقد؛ كما تقدم. نعم، لو كان المأخوذ من بعضهم يوفي بالدينار عن كل واحد منهم مع ما يأخذ منهم، ففيه وجهان في "الحاوي".
[فرعان:
إذا قال] من بدل اسم الصدقة؛ أنفة من اسم الجزية: قد أسقطت اسم الصدقة عني ورضيت باسم الجزية؛ ففيه وجهان:
أحدهما – وهو المشهور، وبه جزم المصنف، وابن الصباغ -:[أنه يسقط] مضاعفة الصدقة عنه؛ لأنها في مقابلة ما أسقطه.
والثاني – وهو الأصح في "الحاوي" -: أنها لا تسقط؛ لأن حكم الجزية موجود في الحالين؛ فلم يكن لاختلاف الاسم تأثير، [وهذا يوافق ما] ذهب إليه الشيخ أبو حامد من وجوب العقد بهذا الاسم عند بذل الدينار.
[الثاني]: إذا باع صاحب الأرض [الأرض] التي ضربت الجزية عليها
صح البيع، وتحول المضروب عليها إلى رقبته، قاله في "المهذب" و"المرشد".
[وفي "الرافعي"]: أنه إن بقي مع البائع ما يفي الحاصل منه بالمشروط عليه فذاك، وإلا انقلبت الجزية إلى رقبته، ولو أسلم سقط المضروب [عليها]؛ لأنها جزية [فسقطت] بالإسلام.
فائدة: إذا لم يصح عقد الذمة من الإمام؛ لفقد شرط مما ذكرناه أو غيره – فلا يثبت القدر المسمى، وإنما الرجوع إلى دينار على كل حالم في السنة، قاله الإمام، وصرح به القاضي الحسين عن نص الشافعي – رضي الله عنه – حيث قال: قال الشافعي – رضي الله عنه –: فإن شرط ألا يجري الحكم عليهم فالصلح فاسد ولهم أخذ ما صولحوا عليه في المدة التي كف عن قتالهم، وعليهم أن ينبذ إليهم؛ حتى يصالحوه على ما يجوز، ومن صالحهم على شيء مما زعم أنه لا يجوز الصلح عليه، وأخذ عليهم جزية أكثر من دينار في السنة – رد الفضل عن الدينار.
نعم، لو صالحهم الإمام على المقام بالحجاز فالعقد فاسد.
قال المصنف والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم: ويجب عليهم في هذه الحالة المسمى؛ لأنهم إذا أقاموا به مع فساد العقد فلا بد من بدل، ولا شيء مضبوط يرجع إليه.
قال: ويجوز أن يشترط عليهم [بعد الدينار] ضيافة من يمر بهم من المسلمين، أي: المجاهدين وغيرهم، كما صرح به البندنيجي وغيره إذا رضوا بذلك؛ لما روي أنه ?:"ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار [في كل سنة]، وكانوا ثلاثمائة نفس، وأن يضيفوا من يمر بهم من المسلمين ثلاثا، ولا يغشوا مسلما". وقد روي أن عمر – رضي الله عنه – "ضرب الجزية على
[أهل] الشام، على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ثمانية وأربعين درهما، وضيافة ثلاثة أيام".
والمعنى [في ذلك: أنه فيه] مصلحة الأغنياء والفقراء من المسلمين:
أما الأغنياء فإنهم قد يتأبون من البيع منهم [إذا مروا بهم] فيلحقهم الضرر، فإذا علموا أن ضيافتهم عليهم باعوا منهم، كذا قاله أبو الطيب.
وأما الفقراء فإنهم يضطرون إلى المرور بهم لقضاء حوائجهم وإصلاح أشغالهم، وهم لا يتصدقون عليهم؛ فيلحقهم الضرر، فشرعت دفعا [له]، وهذا على وجه الاستحباب كما ذكره الرافعي.
وهل يدخل أهل الذمة في استحقاق الضيافة عند الطروق، إذا كان الشرط مطلقا؟ فيه تردد حكاه الإمام.
وقد أفهم كلام الشيخ [أنه لا يجوز جعل] الضيافة من الدينار، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق وابن أبي هريرة، وجزم به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وجمهور البغداديين، وصححه القاضي الحسين والرافعي.
وحكى وجه آخر: أنه يجوز [أن يكون] من الدينار؛ لأنه ليس على أهل الذمة إلا الجزية، وهذا ما قال به أكثر البصريين؛ حيث جوزوا [أن يجعل بدلا عن الدينار كله إذا كان مبلغ ما في السنة معلوما يبلغ] قدر الدينار فما زاد، وإيراده في "الوسيط" و"الوجيز" يقتضي ترجيحه، وهو خلاف نص الشافعي – رضي الله عنه – فإن القاضي الحسين قال عند قوله: ولا بأس أن يصالحهم على خراج أراضيهم: قال الشافعي – رضي الله عنه –: لو صالحهم على الضيافة وحدها،
لم يجز؛ لأن المسلمين ربما لا يدخلون، وربما لا يأكلون من طعامهم؛ فهو مجهول.
وعلى القول بالجواز، قال القاضي الحسين والغزالي: يحسب كل منهم [في آخر] الحول ما أنفقه، فإن بلغ دينارا فذاك، وإلا [طولب بإتمام] الدينار، ومفهوم هذا: أنا على القول الأول لا نفعل ذلك.
وقد صرح المارودي بما ذكره القاضي تفريعا على القول الثاني، وبما أفمه لفظة تفريعاً على القول الأول، وتبعه فيه الروياني، فيه نظر؛ لأن الضيافة لا تثبت إلا بالشرط، وحينئذ فالإمام إما أن يكون قد صرح في العقد بالدينار و [اشتراط] الضيافة معه [بأن الضيافة هي نفس الجزية، أو بأنها محسوبة من الجزية التي قدرها عليهم، أو ذكر الضيافة وسكت عن الدينار.
فإن كان قد صرح بالدينار والضيافة معه] فيجب أن يطلبوا بالباقي من الضيافة عن القدر المشروط؛ لأنها زيادة التزموها على أقل الواجب، فكملت كالزيادة من الذهب.
وإن كان قد جعل نفس الضيافة الجزية، أو جعلها بعض الدينار كما يفهمه لفظ الغزالي – رحمه الله – فعلى القول الثاني ما ذكروه صحيح، وعلى القول الأول العقد باطل؛ فيكون الواجب كما ذكرنا دينارا والمنفق في الضيافة محسوبا منه إن [كان الطارقون مستحقين للجزية، [و] لا زائد عليه، وتفريعهم يقتضي خلافه.
و] إن كان قد ذكر الضيافة وسكت عن الدينار؛ فالتفريع على القول الثاني كما في الحالة قبله، وعلى القول الأول العقد باطل؛ بناء على أن ذكر الجزية في العقد شرط كما هو الصحيح، وحينئذ فيكون الحكم كما تقدم.
نعم، قال يقال: إن مراد الماوردي الحالة الأولى، وكلامه يرشد إليها، وإنما لم
يلزموا على القول الأول بإتمام المشروط من الضيافة؛ لأن عقده [على] هذا القول لا يجب بيان عدد الضيفان، [فإذا لم يعينوا] فلا شيء [عليه] بعد من إضافة [يمكن] المطالبة به.
نعم، لو شرط ضيافة قوم محصورين فقد يقول: يلزم الإتمام، والله أعلم.
ومما فرعه المارودي على القول الثاني: أنه لا يكون لغير أهل الفيء من الضيافة حظ، وهل يختص بها المجتازون من جيش المجاهدين، أو يكون لهم [ولغيرهم؟] فيه قولان؛ بناء على [أن][مصروف مال] الفيء هل يختص بالجيش، أو يعم جميع [أهل الفيء، وصرح بأنها على القول الأول، يعم جميع] المجتازين من المسلمين، ولا يختص بها قوم دون قوم، وفي هذا الإطلاق أيضاً نظر؛ فإن المسألة إن كانت مصورة بما إذا شرط كون الضيافة [زائدة على الدينار فينبغي ألا يختلف الحكم فيها على القولين، وإن كانت الضيافة] هي الدينار من غير زيادة فيجب أن يقال على القول الأول بالبطلان وبعدم الصرف إلى جميع المجتازين من المسلمين؛ لما تقدم من التقرير.
فإن قلت: نلتزم الصورة الأولى، [ونقول] إذا جوزنا جعل الضيافة بدلا عن الدينار عند الانفراد، فإذا شرطت مع الدينار فكأنا شرطنا عليهم دينارين، وجعلنا الضيافة أصلا؛ كما أن أخذ الدينارين أصل فلا يجوز الصرف لغير مستحقي الفيء، وإذا لم يجعل الضيافة قائمة مقام الدينار فكأنها تابعة له، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
قلت: إن صح الجواب على هذا التقرير فسد به [ما حصل به] الجواب
في الصورة السابقة فتأمله، والله أعلم.
قال: ويبين أيام الضيافة في كل سنة، أي: بأن يقول: أقررتكم على أن عليكم عن كل مكلف منكم دينارا، وعليكم ضيافة ألف نفس في السنة أو أكثر منها أو أقل، كما حكى عن الروياني، وهو في "الحاوي" ويقتضيه كلام الشيخ والبندنيجي وغيرهما الآتي من بعد، أو يقول: على أن كل [منكم ضيافة] مائة نفس أو أكثر أو أقل، كما ذكره غيرهم.
قال: ويذكر قدر من يضاف من الفرسان أو الرجالة، أي: في كل يوم، مثل أن يقول: ويقوموا [بضيافة] عشرة [أنفس] في كل يوم [منهم] فرسان ستة، ورجالة أربعة.
قال: ومقدار الضيافة من يوم أو يومين أو ثلاثة، أي: بالنسبة إلى كل شخص؛ لأن ذلك كله أنفى للغرر، وأقطع المنازعة، وهذا البيان صرح [به] البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: بأنه على وجه الوجوب؛ فلا يصح العقد بدونه.
وحكى الرافعي [أن] في "البحر": أنه لو لم يذكر عدد أيام الضيافة في الحول، واقتصر على ذكر ثلاثة أيام مثلا عند قدوم كل قوم – كان فيه وجهان: إن جعلناها أصلا كالدينار فلا يجوز، وإلا فيجوز، وهما كذلك في "الحاوي"، والمراد: أن الضيافة إن جعلت [بدلا] عن الدينار وجوزناها فلا يجوز، وإن لم تجعل الضيافة بدلا عن الدينار فيجوز، وهذا يقتضي الجزم بأنه لا يشترط ذكر عدد الضيافة تفريغا على مذهب العراقيين وأكثر البغداديين، وبه يجتمع مع ما ذكرناه عن البندنيجي وغيره في الاشتراط وجهان، وكذا الحكم في اشتراط عدد الضيفان يجتمع فيه وجهان؛ لأن الماوردي قال: إذا شرطت الضيافة وراء أقل الجزية، فلا يشترط التعرض للعدد، وإنما يشترط إذا جعلت من [نفس] الجزية.
قال: ولا يزاد على ثلاثة أيام؛ لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الضيافة ثلاث، وما زاد عنها صدقة"، وفي رواية "مكرمة"، وفي رواية " [لا يحل] لأحد أن يثوي عند صاحبه حتى يجرحه"، وروي أنه قال:"الضيافة ثلاثة [أيام]، والإجازة: يوم وليلة".
وأراد بالإجازة: إعطاء الجائزة، من قولهم: أجازه يجيزه، إذا أعطاه الجائزة، ومعناه: أنهم يزودونه ليوم وليلة إذا رحل، وتضيفه في المقام ثلاثة أيام، ولأن الضيافة مختصة بالمسافرين، ومن قصد إقامة أكثر من ثلاثة أيام انقطع سفره.
وعن ابن كج: أنه يشترط على المتوسط ثلاثة أيام، وعلى الغني ستة أيام.
وقال الإمام: إذا حصل التوافق على الزيادة في الليالي فلا معترض.
تنبيه: "الضيافة" من: ضاف، إذا مال؛ لأن الضيف يميل إلى المضيف.
قال أهل اللغة: يقال: أضفت الرجل، وضيفته: إذا أنزلته ضيفا، وضفته وتضيفته: إذا نزلت عليه ضيفا.
و"الضيف" يكون واحدا وجمعا، ويجمع أيضا على: أضياف، وضيفان، وضيوف، والمرأة ضيف وضيفة.
قال: ويبين قدر الطعام والأدم، والعلف وأصنافها؛ نفيا لجهالة العوض، والأعدل في تقدير الطعام ثلاثة أرطال من الخبز في كل يوم، ومن الأدم ما يكفي ذلك، كما ذكرناه في النفقات.
وفي علف الدواب يرجع إلى العادة الغالبة، وهي تختلف بالخيل والجمال
والحمير، وظاهر كلام الشافعي – رضي الله عنه – يدل على أن بيان العلف لا يشترط؛ فإنه قال – كما حكاه ابن الصباغ وأبو الطيب-: إنه لو أطلق ذكر العلف لا يدخل فيه الشعير، وإنما هو التبن والحشيش. ولم يورد الماوردي غير المنصوص عليه، وقال: هو وغيره: إنه عند اشتراط الشعير يجب القيام به، قال: ويكون ذلك من جنس طعامهم وإدامهم؛ نفيا للمشقة عليهم.
قال الماوردي: فإن كانوا يقتاتون الحنطة ويتأدمون باللحم، كان عليهم أن يضيفوهم بذلك، وإن كانوا يتاتون الشغير ويتأدمون بالألبان، أضافوهم بذلك [وأما ما سواه] من الثمار والفواكه فإن كانوا يأكلون ذلك غالبا في كل يوم شرط عليهم في زمانها، وليس للأضياف أن يكلفوهم ما ليس بغالب لأقواتهم ودوابهم، ولا ذبح جمالهم ودجاجهم، ولا الفواكه النادرة والحلوى، ولا ما [لا] يتضمنه شرط صلحهم.
قال: ويقسم ذلك على عددهم، أي: إن استوت جزاهم وتنازعوا، كما صرح به البندنيجي والماوردي وغيرهما، وعلى قدر جزاهم، أي: إن اختلفت وتنازعوا؛ لأن هذا هو اللائق بالحال. وهذا بناه الماوردي على الصحيح في أن الضيافة تكون وراء الدينار، وحكى وجها آخر: أنهم متساوون في الضيافة، إن تفاضلوا في الجزية إذا جعلت الضيافة أصلا وجوزناه.
واعلم أن كلام الشيخ – رحمه الله تعالى – يقتضي أمرين:
أحدهما: جواز ضرب الضيافة على عددهم من غير بيان ما على كل واحد منهم في الابتداء كما حكيناه من قبل، وفي كلام القاضي الحسين ما يتنازع في ذلك؛ فإنه قال: وعلى الإمام أن يبين لكل واحد [منهم] عددا معلوما يضيفه في كل شهر أو جميع السنة، وعلى هذا ينبغي أن ينزل كلام الشيخ أيضا بأن يقرأ: ويقسم – بفتح الياء وإسكان القاف – ويكون الضمير عائدا إلى عاقد الذمة لكن الظاهر الأول.
الثاني: أنها تضرب على الغني والمتوسط [والفقير] المعتمل الذي تقدم
ذكره، وهذا هو المحكي عن الشيخ أبي حامد، ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والإمام والغزالي سواه، وهو محكي عن الشيخ أبي محمد.
قال القاضي الحسين: فيوظف على الغني عشرة مثلا، وعلى المتوسط خمسة، وعلى الفقير ثلاثة، على ما يؤدي إليه اجتهاده، ولا تفاوت بينهم في صفة الطعام والإدام، كي لا يؤدي إلى إضرار الأغنياء؛ لأن الضيف يميل إليهم [رغبة في] أطعمتهم الناعمة. وتبعه في هذا الإيراد الإمام.
وفي "الرافعي": أنه يجعل على الغني عشرين، وعلى المتوسط عشرة، وعلى الفقير خمسة.
وفي "المهذب" و"الحاوي": أن الفقير لا يشترط عليه الضيافة؛ لأنها تتكرر فلا يسهل عليه القيام بها.
وهذا ظاهر نص الشافعي – رضي الله عنه – كما سنذكره من بعد، واعتبر الماوردي في جواز ضرب الضيافة أن يكون بالمضروب [عليه] قوة بها، إما لخصب بلادهم وإما لكثرة أموالهم، فإن ضعفوا عنها لم يؤخذوا بها.
وفي "الرافعي" – بعد نسبة ما حكيناه عن المذهب إلى الروياني وقوله: إنه الأشبه – أن الأحسن ما ذكره صاحب "التهذيب"، وهو الاشتراط على المعتمل دون غير المعتمل. وهذا ما نبهت على أنه ظاهر كلام الشيخ هنا، ويمكن حمل كلامه في "المهذب" على الفقير [غير المعتمل، وإليه يرشد قوله: ولا تجب على الفقير [وإن وجبت عليه الجزية]، يعني]: وإن وجبت عليه الجزية على قول.
قال الرافعي: ويمكن أن يبنى الخلاف على أن الضيافة تحسب من الجزية أو وراء الجزية، فإن قلنا بالأول يشترط عليه، ولا يزاد فيما ينفقه على الدينار، وإن قلنا بالثاني فلا.
[قلت: ولو صح ما ذكره لم يكن ذلك خلافا مبنيا؛ بل هو منزل على حاله، فإن شرطت مع الدينار جازت، وإلا فلا].
قال: وعليهم أن يسكنوهم في فضول مساكنهم وكنائسهم، [أي: في مدة الضيافة؛ لأن الضيافة تستلزمها عادة، وقد روي:"أن عمر – رضي الله عنه كتب إلى الشام: [أن يؤخذ أهل الذمة] بتوسيع أبواب كنائسهم]؛ ليدخلها الراكب إذا نزلها".
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الإسكان يلزمهم من غير تنصيص عليه، وكلام غيره من الأصحاب مصرح باشتراطه كما يشترط غيره، وقالوا: إنه يجوز شرطه على الفقراء الذين لا يضيفون في بيوتهم.
تنبيه: "فضول المنازل": [جمع"فضل"، وهو ما زاد على الحاجة؛ فلا يجوز إخراج أرباب المنازل] منها إذا ضاقت ولم يسعهم الفضول، وهذا ما حكاه البندنيجي عن النص؛ حيث قال: قال الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": وإن لم تسعهم فضول منازل الأغنياء نزلوا في فضول منازل الفقراء وذوي الحاجة، ولا ضيافة عليهم، فإن لم يسعهم فضول منازلهم لم يكن لهم إخراج أربابها منها ونزولهم فيها، ويجب أن يكون الفضل الذي ينزل فيه الضيف يقيه من الحر في وقته [والبرد في وقته].
وكذا يجب أن يهيئوا موضعا للدواب.
قال الماوردي: ولو شرط عليهم أن انقطع مركوبه حملوه إلى طرف بلاد الضيافة جاز، وإن لم يشترط عليهم لم يلزمهم.
فروع:
حكاها الماوردي وغيره:
إذا ضرب الإمام الضيافة عليهم، ثم أراد نقل المؤن إلى الدينار، وأخذه منهم – ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز ذلك إلا برضاهم، قال الإمام: والصحيح
عندي: أن الضيافة إن رأيناها محسوبة من الدينار الذي هو الأصل، فللإمام ردها إلى الدينار، وإن كانت الضيافة زائدة على الدينار فالوجه: القطع بعدم قدرته على ذلك بدون رضاهم.
[ثم] إذا قلنا بجواز رجوعه إلى الدينار فهل يبقى الدينار لعموم المصالح كالضيافة، أم يختص بأهل الفيء؟ فيه وجهان، أظهرهما في "الرافعي": الثاني؛ لأن القياس في الضيافة – أيضا – الاختصاص، إلا أن الحاجة اقتضت التعميم، وإذا ردت إلى الأصل ثبت الاختصاص كما في الدينار المضروب ابتداء.
إذا طلب الضيف [ثمن] الطعام لم يلزمهم ذلك، ولو أراد أخذ الطعام ليذهب به ولا يأكله عندهم، فله ذلك، بخلاف طعام الوليمة لا يجوز إخراجه؛ لأن هذه معارضة وتلك مكرمة.
ليس للضيف طلب طعام الأيام الثلاثة في اليوم الأول، وإذا امتنعوا من الإتيان بالطعام في وقته فهل للضيف المطالبة به في الغد؟ إن قلنا بأنه زائد على الدنيا فلا يجوز، وإلا فيجوز.
[لا يلزم] أهل الذمة أجرة الطبيب والحمام وثمن الدواء.
إذا تنازعوا في إنزال الضيف فالخيار إليه، [وإن تزاحم] الضيفان على واحد فالخيار [إليه، وإن لم يزاحم الضيفان على واحد فالخيار] للذمي، وإن كثر عددهم وقل المضيفون فالسابق أحق، وعند التساوي الرجوع إلى القرعة.
قال الشافعي:رضي الله عنه: فإن غلب بعضهم بعضا ودخل المنزل كان أحق [به]، حكاه البندنيجي.
قال: ومن بلغ من أولادهم، أي: في دارنا، واختار المقام – واستؤنف له عقد الذمة على ظاهر النص؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه، وقد ثبت له حكم الاستقلال؛ فعومل معاملة من لا أب له، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب
[وابن الصباغ]، واختاره في "المرشد"، وقال الإمام: إنه الأشبه.
وقيل: تؤخذ منه جزية أبيه، أي: من غير استئناف عقد؛ لأنه لما تبعه في النسب والأمان تبعه في الذمة. ولا تؤخذ منه على هذا جزية قوم أمه إذا كانت أكثر من جزية أبيه؛ لأن الأم لا جزية عليها، [وهذا بخلاف الدية]، وهذا القول أصح في "تعليق" القاضي الحسين، وبه جزم الفوراني، وقال الإمام: إن ظاهر النص يدل عليه. ولذلك قال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي – رضي الله عنه – ونسب الأول إلى قول الشيخ أبي حامد، [وقال]: إنه فاسد؛ لأن الشافعي – رضي الله عنه – جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبويه جزية [أبيه دون] أمه ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد عند بلوغهم.
ثم لا فرق في جريان القولين عندنا بين أن يكون الأب قد قال: التزمت في حق ابني إذا بلغ مثل ما التزمت في حق نفسي، أو لا، قاله الإمام وغيره.
التفريع:
[إن قلنا بالأول:] ضرب عليه من الجزية ما يقع به التراضي، والأولى أن يتلطف به إلى أن يقبل جزية أبيه إذا كانت أكثر من أقل ما رضي به، فإن أبي إلا بذل أقل الجزية – وجب العقد له.
وإن قلنا بالثاني: قيل له إن رضيت بجزية أبيك تركناك، وإن أبيت فقد نقضت العهد؛ فنعاملك معاملة ناقض العهد، فإن أبى رد إلى مأمنه كما جزم به أبو الطيب والبندنيجي والقاضي الحسين، فإن عاد وبذل أقل الجزية عقد له.
وفي "الرافعي": حكاية طريقين فيه عند الامتناع من بذل [جزية] أبيه:
أحدهما: أنه على الخلاف الآتي فيما إذا امتنع المستقل بالعقد من بذل الزيادة.
[والثاني: أنا نقبل منه عند الامتناع من بذل الزيادة] على أقل الجزية ما بذله في الحال؛ لأنه لم يقبل بنفسه حتى يجعل بالامتناع ناقضا للعهد.
تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يبلغ الولد رشيدا أو سفيها، والأمر كذلك، لكن إذا قلنا: إنه تؤخذ منه جزية أبيه، أخذت من مال السفيه وإن كانت أقل [من] الجزى، وإن قلنا باستئناف عقد الذمة فللسفيه الاستقلال به؛ لحقن دمه بأقل الجزى، وهل يجوز العقد بأكثر منه؟
قال القاضي الحسين في "تعليقه": سئل عن ذلك – يعني القفال- فقال: يلزمه، أذن الولي [أو لم يأذن]؛ كما لو صالح عن دم العمد على أكثر من الدية، وهذا ما أورده في "الوسيط" فقها وتوجيها.
[ثم] قال القاضي: وفي لزوم الزيادة دون إذنه نظر؛ لأنه يمكنه حقن دمه دونها؛ إذ الإمام يلزمه حقن الدم بالدينار الواحد، بخلاف ما لو وجب عليه قصاص، فصالح على أكثر من الدية – يلزمه الزيادة؛ لأنه لا يتوصل إلى [حقن دمه] بدونها إذا لم يرض المستحق إلا بها.
وفي "النهاية" نسبة التجويز إلى القاضي وتضعيفه بما أبداه القاضي احتمالا، وقد أبدى ابن الصباغ هذا الاحتمال أيضا، وحكى عن الروياني مثله؛ ولأجل ذلك جزم في "التهذيب" بعدم أخذ الزيادة.
ولو امتنع السفيه من بذل الجزية، ورام اللحوق بدار الحرب – فليس للولي عقدها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني وغيرهم، وكلام الغزالي في "الوسيط" يفهم خلافه؛ لأنه قال: ولو عقد الولي الزيادة لم يكن للسفيه المنع كما يشتري له الطعام في المخمصة قهرا؛ لصيانة روحه. والأشبه الأول، وكلام الغزالي يمكن عوده إلى مسألة القصاص التي قاس عليها ما نحن فيه، كما صرح به الإمام فيها، لا إلى مسألة الجزية، لكن كلامه في
"الوجيز" مصرح بالأول؛ فلعله أخذه من ظاهر كلامه في "الوسيط" من غير مراجعة غيره في ذلك الوقت، والله أعلم.
قال: وتؤخذ الجزية في آخر الحول؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر السنين؛ فكان وقت أخذه آخر الحول كالزكاة والدية، وحكى الأصحاب قولين تظهر فائدتهما من بعد في أن الحول هل هو مضروب [للوجوب كالزكاة]، أو يتعلق الوجوب بأول الحول، والمدة مضروبة للأداء.
وفي "النهاية": أن عبارات الأصحاب قد اختلفت في إضافة الوجوب إلى أول السنة: فمن قائل: يجب الجميع بأول السنة ثم الاستقرار على التدريج، ومن قائل إنها تجب شيئا فشيئا، وعلى هذا يتخرج أن الإمام هل له أن يطالب بقسط ما مضى أم لا؟ وفيه وجهان حكاهما الإمام أيضا، والظاهر المنع؛ إتباعا لسير الأولين، وأنه هل يجوز للإمام أن يشترط تعجيل الجزية؟ فيه وجهان في "التهذيب"، ووجه الجواز إلحاقها بالأجرة.
فرع: إذا بلغ الصبي في أثناء الحول، واختار المقام عندنا – خير بين ثلاثة أشياء: بين أن يدفع عند تمام الحول قسط الماضي؛ ليكون حوله [مع] حول أصحابه، وبين أن يؤخر قسط بعض الحول إلى تمام الحول الثاني فيعطيه معه، وبين أن يصبر إلى أن يتم حول من [حين] بلوغه فيعطي ما عليه.
قال: ويؤخذ ذلك منهم برفق، كما تؤخذ سائر الديون [؛ لما روى أبو داود عن عروة بن الزبير: أن هشام بن حكيم بن حزام وجد رجلا – وهو على حمص – يشمس ناسا من النبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"، وأخرجه مسلم.
و] لأنها عوض عن حقن دمائهم وسكناهم في دار الإسلام فكانت كالأجرة في الإجارة والثمن في البيع، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في أواخر كتاب الجزية عن نص الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم"، وكذلك البندنيجي حكاه عن النص قبيل باب الهدنة، وذكر أن الشافعي – رضي الله عنه – قال: يكفي في الصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا بكلام قبيح.
وقد حكى تفسير الصغار في الآية بهذا عنه – أيضا – المراوزة وقالوا هنا: إنها تؤخذ منهم على وجه الإهانة فيطأطئ الذمي رأسه عند التسليم، ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمته – وهي من اللحيين مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، فيقول: يا عدو الله، أد حق الله. واستدلوا لذلك بقوله تعالى:{وهم صاغرون} [التوبة: 29]، لكنهم اختلفوا في أن ذلك واجب أو مستحب، على وجهين، أصحهما في "الوسيط" و"الرافعي": الثاني؛ لأنها تسقط بتضعيف الصدقة، وبنوا على الوجهين جواز توكيل المسلم في أدائها، والحولة عليه بها، وضمان المسلم بها.
وقال الإمام: الأصح عندي تصحيح الضمان؛ فإن ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه ونفي الضمان – حتى يقال: لا يلزم الضامن شيء – بعيد. ثم قال: ويتجه عندنا طرد الخلاف فيما إذا وكل الذمي ذميا فإن كل ملتزم للذمة معني بالصغار في نفسه، ولا خلاف في جواز توكيل المسلم [في] عقد الذمة؛ لأنه ليس في صغار.
تنبيه: الرفض ضد العنف، وقد رفق به، يرفق – بالضم – وأرفقته، وترفقت به.
قال: ولا يؤخذ من امرأة؛ لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} الآية [التوبة: 29.][وهذا خطاب للذكور].
وروي عن عمر – رضي الله عنه – أنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن اضربوا
الجزية، ولا تضربوها على النساء، والصبيان إلا من جرت عليه المواسي.
ولأن الجزية تؤخذ في مقابلة حقن الدم وسكني الدار، [والمرأة] محقونة الدم، وهي مال بدليل ملكها بنفس الأسر؛ فلم تجب عليها جزية لسكني الدار كسائر الأموال.
والخنثى فيما نحن فيه ملحق بالمرأة. نعم، لو بانت ذكورته فهل تؤخذ منه جزية الأحوال الماضية؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، رحمه الله تعالى. ثم لا فرق في المرأة بين أن تكون زوجة لذمي استتبعها معه في العقد [كما سنذكره] أو لا، وذلك في صورتين:
إحداهما: أن تولد في دارنا.
والثاني: أن تكون في دار الحرب، وقد طلبت أن يعقد لها الذمة؛ لتخرج إلى دار الإسلام وتقيم، وفي هذه الحالة يجوز أن يأذن لها بشرط أن يجري عليها أحكام [الإسلام] من غير جزية وهذا [مما] لا خلاف فيه وإن كان للشافعي – رضي الله عنه – قولان معزيان [إلى "الأم"] حكاهما أبو حامد الإسفراييني، وأشار إليهما ابن أبي هريرة فيما إذا حاصرنا قلعة لا رجل فيها، وسأل من فيها من النسوان عقد الذمة لهن، فشرط أن يجري عليهن أحكام الإسلام ويبذلن الجزية:
أحدهما: لا [يجير] ويتوصل إلى فتح القلعة وسبيهن، وهذا ما نقله أبو بكر الفاسي في "عيون المسائل" عن نصه؛ معللا بأن الجزية تؤخذ لقطع الحرب، ولا حرب في النساء، وهن غنيمة، وصححه الغزالي وإمامه بعد روايته [وجها]، واختاره في "المرشد"، وفرق بينه وبين الصورة قبلها بأنها ثم تصير
تبعا للمسلمين، وربما حملها ذلك على الإسلام، وهنا بخلاف ذلك [مع أنه] لا مصلحة [في إقرارهن] في قلعة منفردات.
والثاني: يلزم عقد الذمة بالشرط المذكور ولا يأخذ منهن شيئا باسم الجزية، فإن أخذ رد عليهن إلا [أن] يعلمن عدم [وجوب ذلك فيكون هبة تملك بالقبض، [ولهن الامتناع قبل القبض]، وكلام الفوراني مصرح بأنا على هذا القول نأخذ منهم الجزية، وقد حكاها الماوردي وجها عن ابن أبي هريرة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين تفريعا على هذا القول: أنها تؤخذ في سنة واحدة، ولا تتكرر بتكرر السنين، وحكاه الإمام عمن يوثق به، وقال: إنه كلام مضطرب.
قال: ولا عبد؛ لأنه روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: لا جزية على مملوك.
وفي "الحاوي" أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا جزية على عبد"؛ ولأنه لا يملك وهو مال، والمال لا جزية عليه.
والمدبر والمكاتب [وولد أم الولد] كتابع لها؛ كالقن، وكذا من [بعضه حر وبعضه رقيق على المذهب كما قال الرافعي، وإيراد المصنف والماوردي يقتضي ترجيحه.
وقيل: إنه يؤدي من الجزية بقدر ما فيه من الحرية؛ لأنه يملك بها، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وكما لا تجب على العبد لا تجب على سيده. نعم، لو عتق العبد، فإن كان ممن لا يعقد لهم الذمة ألحق بدار الحرب، [وإن كان ممن يعقد لهم الذمة فإن بذل الجزية أقر بدار الإسلام، وإلا ألحق بدار الحرب] وفي قدر جزيته إذا كان سيده ذميا ثلاثة أوجه حكاها الماوردي:
أحدها: قدر جزية معتقدة؛ لأنها لزمته بعتقه.
والثاني: جزية حر من عصبته؛ لأنه أخص بميراثه ونصرته.
والثالث: ما يقع به التراضي لتفرده بها دون غيره، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وهو مع الأول، مذكوران في "المهذب".
والتفريع على الأوجه كما تقدم في الصغير [إذا بلغ]، ولو كان معتقه مسلما فالاعتبار بما يقع به التراضي، ويتجه أن يجيء الوجه الثاني.
قال: ولا صبي ولا مجنون؛ لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} الآية [التوبة: 29].
والصبي والمجنون ليسا من أهل القتال قال – عليه السلام –: "رفع القلم عن ثلاث"، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل:"خذ من كل حالم دينارا" أي: محتلم؛ فدل بمفهومه على عدم الوجوب على الصبي ومن طريق الأولى [على] المجنون.
وعن "البيان" حكاية وجه: أنها تؤخذ من المجنون؛ تنزيلا للجنون بمنزلة المرض، ونسبه بعض الشارحين إلى بعض الخراسانيين.
قال الرافعي: ولا عبرة [به].
فرع لو شرط على الرجال أن يؤدوا عن أبنائهم ونسائهم غير ما يؤدون عن
أنفسهم، قال الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": جاز ذلك إذا كان من أموالهم، ولزم كما يلزم ما اتفقوا [على زيادته عن] أقل الجزى، ولو كان الملتزم من أموال الصبيان والنسوان، لم يجز.
قال: وفي الشيخ الفاني والراهب قولان.
القولان في المذكورين ومن [في] معناهما – كما تقدم في باب قتال المشركين – مبنيان كما قال [القاضي أبو الطبيب و [القاضي] الحسين] وابن الصباغ وغيرهم على جواز قتلهم:
فإن قلنا بجوازه أخذت منهم [الجزية] إذا بذلوها، وهو ظاهر النص وصححه النووي، واختاره في "المرشد" وغيره، وحكى القاضي الحسين والفوراني وغيرهما طريقة جازمة به؛ لأنهم كانوا من أهل القتال.
وإن قلنا بمنع قتلهم جاز إقرارهم في دار الإسلام من غير جزية كالنساء والصبيان، قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وقال القاضي الحسين: إنهم يلحقون بمأمنهم.
قال: وفي الفقير الذي لا كسب له قولان:
أحدهما: لا تجب عليه؛ لما روي أن عمر – رضي الله عنه – جعل أهل السواد ثلاث طوائف: الغني، والمتوسط، والمعتمل، ولو كانت تجب على من لا صنعة له لكانوا أربع طوائف، [ولأنها حق مالي تجب في كل حول؛ فوجب ألا تجب على الفقير الذي [لا] صنعة له]؛ كالزكاة، والدية على العاقلة، وهذا [ما] نص عليه في "سير" الواقدي. فعلى هذا: تعقد له الذمة على أن يكون في دار الإسلام، فإذا أيسر وقدر على العمل استؤنف له الحول من ذلك الوقت.
والثاني: تجب عليه؛ لقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا
الكتاب حتى يعطوا الجزية} الآية [التوبة: 29].
والقتال يعم الموسر والمعسر [الفقير]؛ فكذلك الجزية، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"خذ من كل حالم دينارا"، مع علمه بأن فيهم الفقراء، ولأن الجزية في مقابلة حقن الدم وسكني الدار، والغني والفقير فيهما سواء؛ فكذلك في وجوبها مع أن ما حقن به الدم لا يسقط بالإعسار [؛ كالدية، وما استحق به المقام في مكان لا يسقط بالإعسار] كالأجرة، وهذا ما نص عليه في سائر كتبه، واختاره [المزني و] النووي.
وعلى هذا قال: ويطالب بها إذا أيسر، أي: تعقد له الذمة، ويطالب بالجزية إذا أيسر كما يعامل في حالة الإعسار، ويطالب بالبذل عند يساره.
قال البندنيجي: فإذن على القولين تعقد له الذمة.
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن أبوي علي؛ ابن أبي هريرة وصاحب الإفصاح احتمال وجه آخر على هذا القول: أنه لا يقر إلا بإعطاء الجزية فإن تمحل وحصل قدر الجزية في كل سنة وأداها؛ أقر، وإلا أخرج من دار الإسلام.
وحكى [القاضي] الحسين والفوراني أن من أصحابنا من قال: لا يترك في دار الإسلام مجانا قولا واحدا، وإنما القولان في أنه هل يضرب عليه، ثم يمهل إلى أن يوسر أو يلحق بالمأمن، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: وإن كان فيهم من يجن يوما ويفيق يوما، فالمنصوص – أي: في باب "ما يرفع الجزية"-: أنه تؤخذ منه الجزية – أي: كاملة – في آخر الحول، ولا ينظر إلى الجنون المتقطع؛ تغليبا لحكم الأهلية ووجوب الجزية، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد كما نقلها العمراني [في "زوائده" عنه]، والقائل بها يوجب
تمام [الجزية] من طريق الأولى إذا كان زمن الإفاقة أكثر، وأما إذا [كان] أقل فقد حكى الإمام عنه: أنه [لا أثر للإفاقة]؛ فغلب الأكثر.
قال: وقيل: يلفق أيام الإفاقة، فإذا بلغ قدرها حولا، أي: مثل أن مضى عليه حولان؛ [وجبت] عليه الجزية؛ لأنه لو كان في جميع الحول مجنونا لم تجب، ولو كان في جميعه مفيقا وجبت؛ فوجب – إذا كان في نصفه مفيقا وفي نصفه مجنونا – أن تسقط بقدر الجنون وتجب بقدر الإفاقة.
قال: وهو الأظهر؛ لما ذكرناه، وهو الذي أورده في "المهذب" والماوردي، ونص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في موضع آخر والقائلون به حملوا قول الشافعي – رضي الله عنه: لا ترفع عنه الجزية بجنونه، على أيام الإفاقة. وعلى هذا جرى القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
وحكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي: أن من يجن ويفيق لا يجب عليه جزية أصلا، وإن كان زمن الإفاقة أكثر، إلا أن يكون الجنون في حكم العارض كيوم في شهر؛ فيكون الاعتبار بالإفاقة، ولا نظر للجنون في هذه الحالة.
وحكى الفوراني وغيره عن القفال: أنه إن كان في آخر الحول مفيقا طولب بالجزية، وإلا فلا. وهذا القائل لا يفصل بين أن يكون من الجنون مساويا لزمن الإفاقة، أو أحدهما أكثر من الآخر؛ كما صرح به الإمام عنه.
ولو كان يجن نصف الحول ويفيق نصفه، قال البندنيجي: إن كانت الإفاقة في النصف الأخير واستمرت، فإذا حال الحول وجبت [عليه] لهذه البقية قولا واحدا.
وكيف تؤخذ؟ الكلام فيها كما ذكرنا في الصبي إذا بلغ في أثناء الحول، وإن كانت في النصف الأول، فهل عليه جزية ما مضى؟ على قولين؛ كما لو أسلم في أثناء الحول، وهما في "المهذب" أيضا.
فرع: لو وقع في الأسر من [يجن ويفيق]، قال الإمام: إن غلبنا حكم الجنون فيرق ولا يقتل، وإن غلبنا حكم الإفاقة فلا يرق بالأسر، والظاهر: الحقن. قال: والإشكال فيه أن الجنون والإفاقة لا يجتمعان حتى يقال: اجتمع في الشخص الواحد الحاظر والمبيح؛ فيغلب الحاظر، ويتجه أن يعتبر وقت الأسر، وهو الذي اقتصر عليه الغزالي في ["الوجيز، وقال] في "الوسيط": إنه الصحيح.
قال الرافعي: وهو في الحقيقة كوجه التلفيق في مسألة الجزية.
قال: ومن مات منهم أو أسلم بعد الحول أخذت منه جزية ما مضى، أي قلت أم كثرت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"الزعيم غارم"، وهو قد ضمنها بالعقد وتمام الحول فوجب عليه الغرم، لعموم الخبر، ولأن الجزية دين يجب استيفاؤه والمطالبة به في حالة الكفر؛ فوجب ألا [يسقط بالإسلام]، أصله: الجراح وسائر الديون.
فرع: إذا كان على الميت دين آخر، وضاق المال عن وفاء الجميع – فهل يضارب بقدرها مع الغرماء، أو تقدم الجزية على حقوق الآدميين؟ أو تقدم ديون الآدميين على الجزية؟ فيه الأقوال الثلاثة المذكورة في الزكاة، وهي جارية فيما إذا أفلس بعد الحول؛ كما ذكره البغوي وغيره.
والذي أورده البندنيجي وغيره من العراقيين في الأولى: المضاربة، وهو ظاهر النص في المختصر، وبذلك يحصل في المسألة طريقان، وهما مبنيان على اختلاف نقله الإمام عن الأصحاب في أن الجزية ينحى بها نحو حقوق الله تعالى كالزكاة، أو نحو حقوق الآدميين؛ لأنها ليست من القرب، ومصرفها المرتزقة.
وفي "الوسيط" حكاية الطريقين على غير هذا النحو:
أحدهما: القطع بالتقديم.
والثاني: إثبات الأقوال.
قال الرافعي: وهذا من سبق القلم، ولا صائر إلى القطع بتقديم الجزية.
قال: ومن مات أو أسلم في أثناء الحول، فقد قيل: يؤخذ منه لما مضي؛ لأن الجزية في مقابلة حقن الدم والمساكنة، وقد حصل بعض ذلك؛ فوجب أن يجب بقسط ما مضى كما في أجرة الدار، وهذه طريقة أبي إسحاق، ورأي القاضي ابن كج تخصيصها بصورة الموت.
قال: وقيل فيه قولان:
أحدهما: لا يجب [عليه] شيء؛ لأنه حق مالي يتكرر بتكرر الحول فلم يجب ببعض الحول شيء منه؛ كما في الزكاة؛ لأن المستأمن يقيم بعض الحول بلا جزية، ولو كانت تجب بسقطه لما جاز؛ [كما لا يجوز] أن يقيم حولا بغير جزية، وقد قطع بهذا القول بعض الأصحاب.
والثاني: يجب لما مضى بقسطه وهو الأصح؛ [لما ذكرناه]. وقد وافق الشيخ في التصحيح الرافعي والقاضي الحسين وغيرهما.
وقيل: الفرق بين الجزية والزكاة: أن الزكاة يتعلق وجوبها بالحول، والجزية تجب بالعقد ويتحتم أداؤها بالحول، والمستأمن لم تجب عليه الجزية بعقده، وهذا قد وجبت عليه الجزية، وإنما تحتمت؛ فافترقا، وقد تبين لك بما ذكرناه أن في المسألة ثلاث طرق، وأظهرها: طريقة القولين، وهي التي اقتصر على إيرادها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي وكذا الماوردي، وقال: إنهما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي – رضي الله عنه – في حول الجزية هل هو مضروب للوجوب، أو للأداء؟ فعلى الأول: لا يجب، وعلى الثاني: يجب.
وقال القاضي الحسين: إن الجزية [هل تجب بأول الحول وتستقر جزءا فجزءا
إلى أن يتم الحول]؛ كالأجرة، أو تجب بآخر الحول؟ فيه جوابان مستنبطان من القولين في مسالة الكتاب. ثم في محل الخلاف طريقان:
أحدهما: محله إذا مات وقد مضى أكثر من أربعة أشهر، أما إذا مضت أربعة أشهر أو أقل منها؛ فلا يلزمه شيء.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه لا فرق في [جريان القولين] بين أن يموت وقد مضت أربعة أشهر أو [أقل منها أو أكثر].
حكاهما الإمام والرافعي في باب عقد الهدنة.
فرع: إذا غاب الذمي ثم عاد، وقال: أسلمت من وقت كذا، فلا جزية علي، وأنكر الإمام ذلك – حكى صاحب "الإشراف" فيه قولين:
أحدهما: القول قول الإمام؛ لأن الأصل بقاء الكفر.
والثاني: القول قول الذمي؛ لأن الأصل عدم [وجوب الجزية]؛ إذ الجزية تجب عند حولان الحول.
وحكى في وضع آخر: أنه إذا ادعى ذلك فاتهمه الإمام حلفه؛ واليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان.
وإذا نكل على وجه الوجوب حكم القاضي بالجزية؛ للعقد السابق على طريق ابن القاص، بخلاف مذهب ابن سريج، وحكى غيره وجها: أنه يحبس إلى أن يحلف أو يقر.
آخر: يهود خيبر كغيرهم في ضرب الجزية عليهم، وسئل ابن سريج عما يدعونه من أن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كتب [لهم] كتابا بإسقاطها، فقال: لم ينقل أحد من المسلمين ذلك.
قال ابن الصباغ: وفي زماننا [قد أظهروا] كتابا، وذكروا أنه بخط علي، [وأنه كتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم وبأن تزويدهم وكذبهم فيه؛ فإن فيه شهادة سعد بن معاذ ومعاوية – رضي الله عنهما – وتاريخه بعد موت سع وقبل إسلام معاوية.
وعن "البحر": أن ابن أبي هريرة أسقط الجزية عنهم؛ لأنه عليه السلام ساقاهم وجعلهم بذلك حولا؛ ولأنه قال: "أقركم ما أقركم الله تعالى" فأبهم.
قال الماوردي: وهذا شيء تفرد به ابن أبي هريرة، ولا أعرف له [منه] موافقا، وأحسبه لما رأى الولاة [على] هذا خرج لفعلهم وجها.
قال: وإن مات الإمام، أو عزل وولي غيره، ولم يعرف مقدار الجزية؛ أي: لعدم من يخبره بذلك من المسلمين، ولا وجد في الديوان شيئا يدل عليه – رجع [فيه] إلى قولهم؛ لتعذر معرفته من غيرهم، وطريقة – كمال قال الماوردي -: أن يسألهم فرادى فإن توافقوا على قدر يجوز العقد به أقرهم عليه بعد أحلافهم، قال: واليمين واجبة.
[وقال] القاضي أبو الطيب و [القاضي] الحسين وابن الصباغ والبندنيجي: إنها مستحبة؛ لأنها لا تخالف الظاهر، بخلاف ما لو اعترفوا بدينارين، وقالوا: الدينار جزية والآخر هدية؛ فإن اليمين هنا واجبة.
قال البندنيجي وابن الصباغ: لأنها تخالف الظاهر، وتخالف الزكاة على
أحد الوجهين؛ فإنها مواساة، وهذه معاوضة، وإن اختلفوا: فذكر بعضهم أنه أقرهم بدينار، وآخرون أنه أقرهم بأكثر منه – ألزم كلا منهم بما أقر به، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، ويكتب الإمام في ديوان الجزية: أنه رجع فيه إلى قولهم حين أشكل عليه أمرهم فاعترفوا بكذا؛ لجواز أن يجد بينة عادلة تشهد بخلاف ما ذكروه فيرجع عليهم بالتفاوت، أما إذا عرف مقدار الجزية بأن استفاضت بها الأخبار، وانتشر ذكرها في الأمصار، أو شهد بها عدلان من المسلمين – اعتمد على ذلك، وهل يقوم مقام ذلك كونها في ديوان الجزية مكتوبة مع عدم الريبة لكونها تحت ختم؟ فيه وجهان في "الحاوي".
قال: ويأخذهم الإمام بأحكام المسلمين من ضمان المال والنفس والعرض، أي: بالنسبة إلى المسلمين؛ لأنهم يعتقدون وجوب ذلك، وقد التزموا إجراء حكم الإسلام عليهم بعقد الذمة؛ كما تقدم.
وأما بالنسبة إلى أهل الذمة وغيرهم فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن أتوا ما يوجب الحد بما يعتقدون تحريمه: كالزنى والسرقة، أقام عليهم الحد؛ لما روى مسلم عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فأمر [بهما] رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله بن عمر: فكنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها الحجارة بنفسه.
وفي رواية أبي داود: "يجنأ عليها يقيها الحجارة"، وخرجه البخاري.
ويجنأ – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الجيم وبعدها نون مفتوحة وهمزة – يقال: جنئ، [يجنأ] على الشيء: إذا أكب عليه.
فثبت هذا الحكم على الزنى بالنص، وقيس الباقي عليه.
فإن قيل: هذا الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدل على المدعي؛ لأمرين:
أحدهما: أن الكلام في أهل الذمة، واليهوديان لم يكونا من أهل الذمة كما نقله الإمام في نكاح المشركات عند الكلام في وجوب الحكم بين أهل الذمة.
الثاني: أن كلام الشيخ يقتضي إقامة الحد، سواء رضوا بحكمنا أو لم يرضوا،
والحديث يدل على حالة [الرضا] بالحكم.
قلت: الجواب على الأول: [أنه إذا] جاز ذلك في غير أهل الذمة وهم أهل العهد ففي أهل الذمة [من طريق] أولى؛ لالتزامهم جريان أحكام الإسلام عليهم مع اعتقادهم الوجوب.
وعن الثاني: لا نسلم أن الحديث دال على اعتبار رضاهم، ولئن دل عليه هذا الخبر؛ فقد جاء في "صحيح" مسلم و"سنن" أبي داو عن البراء بن عازب قال: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي يحمم، فدعاهم فقال:"هكذا تجدون حد الزنى [في كتابكم]؟ "، فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم، قال:"نشدتك الله الذي أنزل التوراة على موسى، [أهكذا] تجدون حد الزنى في كتابكم؟ "، فقال: اللهم لا، ولو أنك نشدتني [بهذا] لم أخبرك. حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقالوا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم الجلد، وتركنا الرجم، فقال رسول الله ?:"اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به فرجم.
والتحميم كما قال الماوردي في باب حد الزنى: تسويد الوجه، مشتق من "الحممة"، وهي الفحمة.
على أن الإمام قال: ما ذكره العراقيون من إقامة حد الزنى والسرقة عليهم حسن، ولم أر في طريق المراوزة ما يخالفه، والذي أراه في ذلك: أن من زنى منهم بمسلمة، أو سرق مال مسلم؛ فالحكم جار عليهم، فأما إذا زنى كافر بكافرة، أو سرق كافر مال كافر، فالذي أراه: يخرج هذا [على] القولين في
وجوب الحكم بينهم، فإنهم لما حرموا الزنى والسرقة في دينهم كذلك حرموا الغضب وتغييب الودائع، ونحوها، ثم ذلك يخرج على القولين؛ فكذلك الزنى والسرقة.
وهذا الاحتمال قد صرح به منقولا الماوردي في كتاب السرقة، [والتفرقة] بين أن يزني بمسلمة، أو يسرق مال مسلم، أو يكون ذلك في أهل الذمة، وقد حكى الرافعي في كتاب النكاح شيئا منه عن صاحب "التهذيب" وغيره؛ حيث قال: إنهم قالوا: إقامة حد الزنى والسرقة عليهم للإمام إذا قلنا: يجب الحكم بينهم، أما إذا قلنا: لا يجب الحكم بينهم؛ فلا يقام الحد عليهم إلا بالرضا.
ورأيته في "التهذيب" في هذا الكتاب، وقال: إنه لا فرق في ذلك بين أن يسرق مال مسلم أو ذمي، أو يزني بمسلمة أو ذمية، وقد ذكرت في باب اللعان شيئا يتعلق بهذه المسألة فيطلب منه.
وإذا تأملت ما حكيته عن الإمام والماوردي والبغوي ظهر لك [في المسألة] ثلاثة أوجه.
قال الماوردي: وإذا لم يحدهم [حد الزنى] على الزنى بذمية فذاك [لا ينقض عهدهم]، لكن لا يقرون على ارتكاب الزنى في دار الإسلام؛ لأنها تمنع من ارتكاب الفواحش فيستتابون [منه]، فإن تابوا، وإلا نبذنا إليهم عهدهم.
قال القاضي أبو الطيب: ثم لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون حكم [أهل] الذمة [فيما اعتقدوا تحريمه] موافقا لحكم الإسلام، أو لا؛ لقوله تعالى:{وإن أحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49]؛ ولأن حكم التوراة والإنجيل [قد نسخ]؛ فوجب أن يحكم بالناسخ دون المنسوخ.
قال: وإن لم يعتقدوا تحريمه كشرب الخمر، أي: ونكاح ذوات المحارم المجوس بحكم العقد – لم يقم عليهم الحد؛ لأنهم يقرون على الكفر بالجزية لاعتقادهم؛ فكان إقرارهم على ما دونه مما يعتقدون إباحته أولى، ولا فرق في ذلك بين أن يرضوا بحكمنا عند الترافع إلينا أو لا.
وحكى الإمام في كتاب الغضب عن أئمة الخلاف وجها في وجوب الحد [على شارب الخمر إذا رضي بحكمنا، وقال: إن في كلام الشيخ أبي علي رمزا] إليه، وتوجيهه هين إن صح النقل، وقد يعتضد [بما نص عليه] الشافعي – رضي الله عنه[إذ] قال: "إذا شرب الحنفي النبيذ حددته، وقبلت شهادته؛ فإذا كان اعتقاد الحنفي استحلال النبيذ لا يعصمه من الحد، فعقد الذمي لا يعصمه من الحد إذا رضي بحكمنا، لكن المذهب الأول، والفرق بينه وبين الحنفي على المذهب فيه - أيضا -: أن المعنى الذي لأجله وجب الحد على شارب الخمر موجود في النبيذ، وهو مقطوع به، فاطرح الخلاف، والحنفي مزجور بالحد زجر وغيره، وليس الذمي مزجورا بحد الشرب، مع العلم بأنه يشرب الخمر استحلالا وتدينا، وعلى كل حال: ليس لهم إظهار ذلك، فإن أظهروه عزروا؛ لأنه إظهار منكر في دار الإسلام، وهو لا يجوز.
قال: ويلزمهم، أي: بالشرط، أن يتميزا عن المسلمين في اللباس، أي: في دار الإسلام كما قيده في "المهذب"؛ ليعرفوا بما يليق بهم في الحياة والممات، والتمييز يكون بلبس الغيار، والأولى أن تلبس كل طائفة ما اعتادته.
قال الأصحاب: وعادة اليهود لبس العسلي وهو: الأصفر، وعادة النصارى لبس الأكهب والأدكن، وهو نوع من [أنواع] الفاختي.
قال ابن الصباغ: والدكنة: السواد.
وعادة المجوس: لبس الأسود والأحمر.
ويكفي ذلك في بعض الثياب الظاهرة من العمامة [أو غيرها] كما قاله
الماوردي وغيره، وكلام القاضي الحسين [وغيره] يقتضي الاكتفاء بخرقة من الألوان، وأنها تكون مخيطة على أكتافهم دون الذيل، وتبعه البغوي في ذلك.
وقال الرافعي: يشبه أن يقال: لا يختص ذلك بالكتف، والشرط: الخياطة [على موضع لا يعتاد، وألحق إلقاء المنديل ونحوه على الكتف بالخياطة]، وهو بعيد.
قال الماوردي: ولو لبس اليهود والنصارى لونا واحدا جاز، وإذا تميزوا بلباس وصار مألوفا لهم منعوا من العدول عنه إلى غيره؛ كي لا يقع الاشتباه والإشكال.
قال: فإن لبسوا قلانس، لبس المجوس القلانس؛ لأنها عادتهم، ميزوها عن قلانس المسلمين بالخرق، أي: التي ذكرناها؛ ليقع الامتياز بها، وقد أطلق بعضهم تسمية الخرق بالعسلية، ومنهم القاضي الحسين، وتقوم مقام الخرق في تمييز القلانس – كما قال الرافعي – الذؤابة والعلامة في رأسها، وهو في ذلك متبع للبندنيجي حيث قال: وإذا لبسوا القلانس [ميزوها، فيجعلون] في أعلاها عذبة، ولا يعملون في ذلك آذانها، كقلانس القضاة.
قال: ويشتدون الزنانير في أوساطهم، أي: فوق الثياب؛ لما روي أن عمر – رضي الله عنه – كتب إلى أمراء الأمصار في أهل الكتاب أن يجزوا نواصيهم، وأن يربطوا الكستيجات في أوساطهم، وتزوي المناطق، ليعرفوا بزيهم من بين أهل الإسلام.
والكستيجات: الزنانير، وهي التي عناها بالمناطق في الرواية الأخرى.
والزنار: خيط مستغلظ يستوي فيه سائر الألوان، كما قاله [الماوردي، ولا
يكتفى بشدها باطنة]، قال القاضي الحسين: لأنهم يتدينون بعقدها باطنا.
قال الرافعي والماوردي: وليس لهم إبداله بالمنطقة والمنديل ونحوهما، وإنما جمع بين الغيار والزنار – كما قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ – ليكون أثبت للعلامة؛ فإن المسلم قد يلبس الغيار [الملون] وقد يشد وسطه في حال العمل، فإذا جمع بينهما [زال الشبه]، وهذا يقتضي أن [يكون] الإتيان بهما معتبرا.
وفي "ابن يونس": أن التمييز يحصل بأحد الأمرين، ومراده ما ذكره الرافعي وغيره: أنه يجوز الاكتفاء بشرط أحدهما، فلو شرطهما وجب الوفاء بهما.
قال: ويكون في رقابهم خاتم، أي: طوق من رصاص أو نحاس، أو جرس يدخل معهم الحمام، أي: التي يدخلها المسلمون كما صرح به الرافعي – رحمه الله تعالى – لأن الغيار بالثياب لا يمكن في جوف الحمام، وقد روى أبو عبيدة في كتاب الأموال عن عمر – رضي الله عنه[أنه] كتب إلى الأمراء أن يختموا رقاب أهل الذمة بخاتم رصاص، وهكذا الحكم في الحالة التي يتجردون فيها عن الثياب يكون الخاتم ونحوه في رقابهم.
قال الأصحاب: ويمنعون من إرسال الضفائر وفرق الشعر، كما يفعله الأشراف والأجناد؛ قاله الماوردي، وكذا البندنيجي، وقال: إنهم إذا تحذفوا فلا يتحذفون في الشواش التي هي عادة الأشراف، بل يزال الشعر عن موضع التحذيف كله.
وفي "الرافعي" و"الحاوي" وغيرهما: أنهم يؤخذون بجز النواصي؛ لأثر عمر، رضي الله عنه.
قال: ولهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان، أي: إذا تميزوا بما ذكرناه؛ لأن التمييز قد حصل.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه لا يجوز لبس الطيلسان؛ لأنه أجل ملابس
المسلمين، وقال: إنه ليس بشيء.
نعم، هل يمنعون من التظاهر [بلبس الديباج والحرير؟ [حكي فيه وجهين، والظاهر منهما في "الرافعي": الجواز]؛ قياسا على مرتفع الثياب من القطن والكتان.
وفي "تعليق" القاضي الحسين الجزم بمقابله؛ فإنه قال: قد ذكرنا أنه يفرق بين المسلمين [وبينهم في الملبس؛ فلا يكون لباسهم فاخرا غاليا في الثمن كلباس المسلمين].
تنبيه: [الطيلسان – بفتح الطاء واللام، وكسرها، وضمها، وهما شاذان، وهو: معرب، وجمعه: طيالسة].
قال: وتشد المرأة الزنار؛ لما روي [أن] عمر – رضي الله عنه – كتب إلى أمراء الآفاق أن يلزموا [نساء] أهل الذمة بعقد الزنانير.
قال: تحت الإزار، أي: وفوق الثياب؛ كي لا يصف عجيزتها، وينكشف رأسها؛ فكان ذلك أستر لها، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجزم به البندنيجي والبغوي.
وقيل: فوق الإزار؛ ليظهر كالرجل، وإلى هذا صار الشيخ أبو محمد، وحكى الرافعي عن بعضهم: أنه أشار إلى أن يجعل تحت الإزار، لكن بشرط أن تظهر شيئا منه، واعتبر القاضي الحسين: أن تجعل على ثيابها علامة تتميز بها إذا خرجت عن المسلمات، وعليه ينطبق قول الماوردي: وأما نساء أهل الذمة فيؤخذون بلبس الغيار في الخمار الظاهر الذي يشاهد، وحكى الإمام فيه وجهين.
قال: ويكون في عنقها خاتم، أي: من رصاص أو نحاس، لا من ذهب وفضة، يدخل معها الحمام؛ لتتميز به، وهذا بناء على جواز دخولها الحمام مع المسلمات، أما إذا منعناهن من [العقد] من ذلك؛ كما هو وجه حكاه القاضي
الحسين ورجحه البغوي – كن كالرجال إذا دخلوا حماما لا مسلم فيه.
قال الماوردي والغزالي: ويمنعن من فرق الشعر والذوائب في الحمامات دون منازلهن، ولا يؤخذن بتحذيف شعرهن.
قال: ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض [أو أحمر] وغير ذلك؛ لتتميز به، وهذا هو الصحيح.
وروي الإمام وجها آخر: [أنهن لا يؤخذن] بالغيار؛ لأنهن [لا يخرجن إلا نادرا] فلا يحتاج فيهن إلى التمييز، [وهو جار – كما قال الرافعي – فيما يحصل به التمييز في الحمام، وما ذكرناه من الغيار والتمييز] في الحمام واجب أو مستحب؟ حكى الرافعي والماوردي فيه وجهين، وطردهما الماوردي في المنع من ركوب الخيل، والذي يوافقه إيراد الجمهور منهما: الوجوب، ومنهم الإمام، لكنه حكى الخلاف فيما سنذكره من الدواب والمراكب فقال: قال قائلون: نكلفهم التمييز؛ كما في الغيار، ومنهم من جعل ما عدا الغيار أدبا.
قال: ولا يركبون الخيل، أي: من أي نوع كانت؛ لقوله تعالى: {ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60]، فأمر بإعدادها أولياءه؛ [ليجاهدوا عليها أعداءه] وقال صلى الله عليه وسلم "الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وعنى به الغنيمة، وهؤلاء مغنومون؛ [فلم يجز] أن يصيروا غانمين.
وروي أنه قال: "الخيل ظهورها" عز، وهم قد ضربت عليهم الذلة، وقد
تقدمت حكاية وجه: أنهم لا يمنعون، وقد حكاه ابن كج – أيضا – والقاضي الحسين، وتوسط الشيخ أبو محمد، فمنع من [ركوب] الشريفة، وجوز ركوب البراذين الخسيسة، ولا خلاف في منعهم من التقلد بالسيوف وحمل السلاح ولجم الذهب والفضة.
قال: ويركبون البغال والحمير؛ لأنه لا شرف فيها، وألحق الغزالي البغال النفسية بالخيل في المنع، وهو في ذلك تبع للإمام، والفوراني جزم به، ولم يقيده بالنفسية، والأظهر: الأول، واقتصر الأكثرون عليه.
قال: بالأكف عرضا، أي: من جانب واحد بحيث تبقى رجلاه مدلاة إلى جانب، وظهره إلى جانب آخر.
ووجهة: ما روي أبو عبيد: أن عمر – رضي الله عنه – كتب إلى أمراء الأجناد أن يركبوا أهل الذمة على الأكف عرضا – ولا يركبون كما يركب المسلمون.
وعن الشيخ أبي حامد: أنهم يركبون مستويا، ولكن يكون الركاب من خشب، وهو الذي أورده الماوردي عن ابن أبي هريرة، كما نقله الرافعي: أنه لا حجر في الركوب، وقال: إنه يحسن أن يتوسط فيفرق بين أن يركب إلى مسافة قريبة من البلد فيركب عرضا، وبين أن يسير [مسافرا إلى] مسافة شاسعة – أي: بعيدة – فلا يكلف ذلك؛ بل يخصص الركوب عرضا بالحضر.
قال ابن كج: وهذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصغار [فلا يلزمون الصغار]؛ كما لا تضرب عليهم الجزية.
تنبيه: الأكف: بضم الهمزة والكاف، وتخفيف الفاء، جمع أكاف [بكسر الهمزة]، ويقال - أيضا -: وكاف بكسر الواو، [وتقول: آكفت] الحمار، وأوكفته: شددت عليه الإكاف.
قال: ولا يصدرون في المجالس، أي: مجلس المسلمين؛ إهانة لهم، ولا
يبدءون بالسلام؛ لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم، [في الطريق] فاضطروهم – أو ألجئوهم – إلى أضيق الطرق". خرجه أبو داود، ومسلم، والترمذي.
وحكى الماوردي في كتاب السير وجها [آخر]: أنه يجوز أن نبدأهم بالسلام؛ [لأنه لما كان السلام] أدبا وسنة [كان] المسلم بفعله أحق، فعلى هذا يقول له المسلم: السلام عليك، وعلى الأول إذا سلم الكافر ابتداء، قال في "التهذيب": فلا يجيبه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه يرد عليه، وكذلك [قال] في "الحاوي": إنه يرد عليه. وقال: إن في كيفية الرد وجهين حكاهما في كتاب السير:
أحدهما: أنه يقول: وعليك السلام، ولا يزيده عليه.
والثاني: [أنه] يقول: "وعليك"؛ لأنه ربما نوى شرا بسلامه، ويشهد له ما روى مالك والبخاري عن عبد الله بن دينار أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم، فقولوا: وعليكم".
وفي لفظ "لمسلم" والنسائي: "فقل: عليك" بغير واو.
قال الخطابي: وهو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه
[بعينه] مردودا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه، لكن الذي يرويه [عامة المحدثين] بالواو.
والسام عند بعضهم: الموت، وعلى هذا تكون الرواية المشهورة أولى.
وفسر بعضهم السام: بالسآمة، وهي: الملالة، أي: تسأمون دينكم، وعلى هذا يظهر ما قاله الخطابي، لكنه لم يذكر سوى التفسير الأول.
قال: ويلجئون إلى أضيق الطرق؛ للخبر.
قال الأصحاب: وليكن الإلجاء بحيث لا يقع في وهدة، ولا يصدمه جدار، وهذا عن ضيق الطريق، فإن خلت الطريق عن الزحمة فلا حرج.
فرع: لا يجوز لمسلم أن يوادهم؛ قال الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله
…
} الآية [المجادلة: 22] قاله الرافعي والبغوي.
قال: ويمنعون أي: بالشرط – كما قاله الماوردي – أن يعلوا على المسلمين في البناء؛ لأن في ذلك استكبارا لهم وتعظيما، ويخشى منه الاطلاع على عورات المسلمين، وقد استأنس الأصحاب [له] بقوله صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
وعن كتاب ابن كج حكاية قول: أنهم لا يمنعون من ذلك، وعن بعضهم: القطع به، وحمل ما نقل من ترك الإطالة على إطالة جدران الكنيسة.
وعلى الأول: إذا لم يشترط عليهم ذلك، قال الماوردي في "الأحكام": فالمستحب ألا يعلوا.
قال: ولا يمنعون من المساواة؛ نظرا إلى أن المانع في الحالة السابقة خشية الاطلاع على العورات، والحديث قد دل على منع العلو على الإسلام، ولم يوجد.
وقيل يمنعون؛ لقوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} [البقرة: 61]، فينبغي أن نستحقرهم في جميع الأشياء، ولأن القصد تمييزهم [عن المسلمين في
المساكن كما تميزوا في اللباس والمركوب، والمساواة] تنفي التمييز، والحديث دال على علو الإسلام ولا علو مع المساواة، وهذا ما رجحه أبو الطيب، وصاحب المرشد، وصححه البندنيجي والرافعي والنووي.
فرع: هل يجوز [لهم] إخراج الرواشن إلى طريق المسلمين السابلة؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، وجه المنع: إلحاق ذلك بالإحياء، وهكذا الخلاف في آبار حشوشهم إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم.
قال: وإن تملكوا دارا عالية [البناء] أقروا عليها.
قال الشافعي – رضي الله عنه: أنه على هذا ملكه، وهكذا الحكم فيما إذا كانوا قد بنوها عالية قبل الصلح معهم.
نعم، يمنعون في الصورتين من الإشراف على المسلمين، وألا يطلعوا سطوحها إلا بعد تحجيرها، وإن لم يؤمر المسلمون بتحجير أسطحتهم، ويمنع صبيانهم من الإشراف [وإن [لم] يمنع صبيان المسلمين من الإشراف] على المسلمين، قاله الماوردي.
فرع: لو هدمت الدار العالية وأرادوا إعادتها، فطريقان:
إحداهما: أن الحكم كما لو أرادوا إنشاءها ابتداء، وهذه طريقة البندنيجي وأبي الطيب وابن الصباغ.
والثانية: أن في جواز إعادتها كما لو كانت وجهين، وهذه طريقة الماوردي والقاضي الحسين.
ولا نزاع في أنهم لو استأجروا دارا عالية لم يمنعوا من سكناها، قاله في "المرشد".
تنبيه: في قول الشيخ: على المسلمين، ما يفهمك أنهم لو كانوا منفردين في محلة لا يختلط بهم المسلمون، ولا تتصل محلتهم بمحلة المسلمين، بل يفصم بينهما الخراب – أنه لا يكون حكمهم كذلك.
وفي "الحاوي" في هذه الحالة: أنه لا يمنع بعضهم [من] أن يعلوا على بعض إذا كانوا من أهل ملة واحدة، ولو كانوا من أهل ملتين فهل يمنعون من العلو؟ فيه وجهان، [ونقلهما الجيلي عن "الكافي".
وعلى كل حال فهل يمنع الجميع من الإطالة على جميع بناء المسلمين في ذلك المصر؟ فيه وجهان]، المجزوم به منهما [في "تعليق" القاضي الحسين]، والمختار في "المرشد": أنه لا حجر عليهم في هذه الحالة.
قلت: ويظهر أن يجيء [في هذه الحالة] وجه آخر: أنهم يمنعون من الإطالة [على أقرب بناء إليهم من بناء المسلمين دون بناء سائر البلد؛ كما أن الأصح فيما] إذا كان بناؤهم بين المسلمين أن يمنعون من الإطالة والمساواة لأقصر بناء جيرانهم، ومن هو أقرب منهم دون من عداهم، سواء كان بماء الجار معتدلا، أو في غاية الانخفاض، ووراء الأصح في هذه الصورة أمران:
أحدهما: [فيما] إذا كان بناء الجار في غاية الانخفاض نظر الإمام.
والثاني – وجه حكاه الرافعي عن "الكافي" والورياني، وهو مذكور في "الحاوي"-: أنهم يمنعون من إطالة بنائهم على بناء أحد من المسلمين في جميع ذلك المصر.
ثم ما ذكرناه من المنع لمحض حق الله تعالى حتى يمنع وإن رضي الجار، قال الرافعي: وأظهر الوجهين أنه محتوم، والثاني:[عن] رواية صاحب "التقريب": أنه محبوب، [قال الإمام]: وهو بعيد غير معتد به.
قال: ويمنعون من إظهار المنكر، أي: كالصليب، والأعياد التي لهم، ورفع أصواتهم على أمواتهم، ونكاح المحارم.
قال: والخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، أي: وإن كان
[ذلك] في كنائسهم؛ لما في ذلك من المفاسد، وسواء شرط عليهم ذلك في العقد أو لم يشترط، كما قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وفي "الحاوي": أن ذلك لا يجب إلا بالشرط، وحكى الغزالي وغيره وجها أنهم [لا] يمنعون من الناقوس في الكنيسة – أيضا – تبعا لها.
قال: ويمنعون من إحداث بيع وكنائس، أي: للتعبد [فيها] في دار الإسلام، أي: وإن لم يشترط عليهم [ذلك] كما صرح به أبو الطيب.
وفي "الحاوي": أنه لا يجب إلا بالشرط.
ووجه المنع من ذلك: ما روي أن مسروق بن عبد الرحمن قال: لما صالح عمر – رضي الله عنه – نصارى الشام وكتب إليهم كتابا أنهم لا يبنون في بلادهم ولا فيما حولهم ديرا ولا كنيسة ولا صومعة راهب، ذكره أبو الوليد على كتاب المزني.
وروي [عن] ابن عباس أنه قال: أيما مصر مصرته العرب فليس لأحد من أهل الذمة أن يبني فيه بيعة، وما كان قبل ذلك فحق على المسلمين أن يفوا لهم به؛ يعني: لا يخربونه.
ولأن ذلك معصية؛ فلم يجز إحداثه في بلاد الإسلام.
وهكذا الحكم في إحداث [بيت] نار المجوس، والصوامع، ومجتمع صلواتهم، فلو فعلوا ذلك على غفلة منا نقص عليهم، أما الكنائس التي يراد بناؤها لنزول المارة فيها قال الماوردي: إن شركوا فيها بين المسلمين وبينهم جاز
لهم إحداثها، وإن جعلوها مقصورة على أهل دينهم دون المسلمين، ففي تمكينهم من بنائها وجهان.
ولا فرق فيما ذكرناه بين ما خطه المسلمون كبغداد؛ فإن المستنصر خطها، والبصرة والكوفة؛ فإنهما خطتا في زمن عمر – رضي الله عنه – وكان تخطيط البصرة في سنة سبع عشرة من الهجرة على يد عتبة بن غزوان، وقيل: إنه لم يعبد بها صنم [قط]- وبين ما خطه المشركون وملكه المسلمون: إما عنوة، أو صلحا، ولم يشترطوا فيه إحداث شيء من ذلك، [أو أسلم] أهل تلك البلدة، كالمدينة على ساكنها أفضل – الصلاة والسلام – أما إذا شرط الإمام لهم في الصلح أن يحدثوا ما شاءوا من ذلك؛ نظر:
فإن كان في بلد فتحها المسلون عنوة، أو خطوها – فالصلح باطل. قال الأصحاب: وما يوجد في البصرة ونحوها من الكنائس لا ينقض؛ لاحتمال أنها كانت في قرية أو برية، فاتصلت بها عمارات المسلمين، فإن عرف إحداث شيء منها بعد بناء المسلمين وعمارتهم – نقض.
وإن كان في بلد فتحت صلحا ففي "الحاوي": أنه لا يجوز أيضا.
وعن الروياني في "الكافي" وغيره: أنه يجوز، وعليه ينطبق قول ابن الصباغ حيث قال: فإن صالحهم على أن تكون الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا، فيكون الحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من إحداث ذلك وعمارته، وهذا [ما] حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق.
وإذا وجد في البلدة التي فتحت عنوة كنيسة أو بيعة ونحوها، فهل يجب هدم ذلك، أو يجوز مصالحتهم على إقرارها لهم بالجزية؟ فيه وجهان في الطريقين:
وجه جواز المصالحة على إبقائها، وهو الصحيح في "الحاوي": أثر ابن
عباس – رضي الله عنهما[السابق، وقد روي أن عمر بن عبد العزيز] كتب إلى عماله: لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار.
والأصح في "الوجيز" و"الرافعي": وجوب الهدم؛ لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء فيمتنع جعلها كنيسة، وقد حكى الإمام عن طائفة من الأصحاب القطع به.
وفي "الحاوي": [أنا إذا قلنا]: لا يجوز مصالحتهم عليها، فهل يجوز بيعها منهم لتكون كنيسة على حالها استحبابا لما كانت، أو لا؟ فيه وجهان.
ولا خلاف فيما إذا ملك المسلمون البلدة بالصلح على أن تكون [في أيديهم] بجزية معلومة يؤدونها، وعلى بقاء البيع والكنائس لهم – أنها تبقى؛ لأنه إذا جازت مصالحتهم على أن تكون [جميع] البلدة لهم فجوازها على أن يكون بعضها لهم من طريق الأولى.
وعلى هذه الحالة يحمل ما فرعه الشيخ حيث قال: ولا يمنعون من إعادة [ما أستهدم منها، أي: من الكنائس إذا سقط جميعها، ووجهه: أن إعادة] بنائها بمنزلة استدامتها، فإذا جازت الاستدامة جاز البناء، ولأنهم لا يمنعون من عمارتها وتشييدها إذا خيف وقوعها؛ فكذلك لا يمنعون من الإعادة، وهذا هو ما صححه القاضي أبو الطيب، وقال البندنيجي: إنه المذهب، وعلى هذا فهل لهم توسيع خطتها؟ فيه وجهان، أصحهما: المنع؛ لأن الزيادة كنيسة جديدة متصلة بالأولى.
[قال] وقيل: يمنعون؛ لأن عمر – رضي الله عنه – شرط على نصارى الشام ألا يجدوا ما خرب منها؛ ولأنه يشبه الاستحداث، وهذا قول الإصطخري واختاره ابن أبي هريرة.
وقال الماوردي: الصحيح عندي من إطلاق هذين الوجهين: أن ينظر في خرابها، فإن صارت دراسة مستطرقة كالموات منعوا؛ لأن البناء استئناف إنشاء،
وإن كانت شعثة باقية الآثار والجدران جاز لهم بناؤها، وإن هدموها لاستئنافها لم يمنعوا؛ لأن [عمارة المستهدم استصلاح، وإنشاء الداثر استئناف. [انتهى].
ولا خلاف في إنهم لا يمنعون] من عمارة بعض جدرانها التي استرمت، لكن هل يجب إخفاء العمارة؟ فيه وجهان، أصحهما – وبه جزم في "الوجيز"-: لا، وعلى هذا يجوز أن يطينها من داخل وخارج، وعلى مقابله: يمنعون من التطيين من خارج.
وإذا أشرف الجدار فلا وجه إلا أن يبنوا جدارا داخل الكنيسة.
قال الرافعي: ويمكن أن يكتفي من يقول بوجوب الإخفاء بإرخاء ستر تقع العمارة وراءه، أو بإيقاعها في الليل.
أما إذا فتحت البلد صلحا، ولم يشترطوا إبقاء الكنائس ونحوها – ففي "الحاوي": أن الحكم في إبقاء الكنائس القديمة كما إذا فتحت عنوة، وفي "الوجيز" وغيره: حكاية وجهين [في وجوب الإبقاء، والأشبه: عدمه، وبذلك يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه]:
[أحدها]: يجب الإبقاء.
والثاني: لا يجوز [الإبقاء].
والثالث: يجوز أن يبقى بالبيع منهم.
قال: وإن صولحوا في بلدهم على الجزية لم يمنعوا من إظهار المنكر والخمر، والخنزير، والناقوس، والجهر بالتوراة والإنجيل، وإحداث البيع، والكنائس؛ لأن الدار لهم وليست [بدار إسلام].
وأشار الغزالي [إلى] خلاف في هذه الحالة بقوله: والظاهر: أنهم لا يمنعون من إحداث كنيسة. وكذلك قول القاضي الحسين: ولا يتعرض لهم فيها
على ظاهر المذهب، يفهم الخلاف.
وهل يمنعون من ركوب الخيل؟ أبدى الماوردي فيه لنفسه وجهين، ووجه المنع بأنهم ربما يتقوون بذلك على المسلمين.
ولا شك في أنهم يمنعون من إيواء الجواسيس، ونقل الأخبار، وما يتضرر به المسلمون في ديارهم.
تنبيه: البيع: بكسر الباء [وفتح الياء]، واحدتها: بيعة: بكسر الباء وإسكان الياء.
واستهدم: بفتح التاء.
قال: ويمنعون من المقام بالحجاز؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه[أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لأخرجن اليهود [والنصارى] من جزيرة العرب؛ فلا أنزل فيها إلا مسلما] وأخرجه مسلم والترمذي.
وروى أبو داود عن ابن عباس – رضي الله عنهم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:] أوصى بثلاثة، فقال:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم"، قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسيتها. وأخرجه البخاري ومسلم مطولا.
والثالثة قيل: هي تجهيز أسامة.
وقيل: يحتمل أنها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري وثنا"، وفي "الموطأ": ما يشير إلى ذلك.
ووجه الدليل مما ذكرناه: أن الحجاز هو نفس الجزيرة عند بعضهم، وهو الذي أورده القاضي الحسين والشيخ أبو محمد، فعلى هذا وجه الدلالة ظاهر.
وعند بعضهم: هو بعض الجزيرة، كما سنذكره، وهو الأظهر، وبه جزم أصحابنا العراقيون والماوردي وغيرهم.
وقالوا: ما أطلقه صلى الله عليه وسلم من الجزيرة، المراد به: الحجاز، ويدل عليه ما روى أبو عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن [قال]: "أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب". فلم يتفرغ أبو بكر – رضي الله عنه لإخراج اليهود والنصارى من الحجاز، وأهل نجران من الجزيرة؛ لقصر مدته واشتغاله بقتال أهل الردة ومانعي الزكاة فأخرجهم عمر – رضي الله عنه – بعده في زمن خلافته؛ كما نقله الإمام مالك وأبو الطيب وغيرهما، ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة، وإن كانت من جزيرة العرب فدل على ما ذكرناه.
ويقال: إن عمر – رضي الله عنه – أجلى من اليهود من الجزيرة زهاء أربعين ألفا، وإن بعضهم التحق بأطراف الشام، وبعضهم بسواد الكوفة.
وسبب إخراج أهل نجران من الجزيرة – وإن لم تكن من الحجاز – أنه ? كان قد صالحهم على ألا يأكلوا الربا فنقضوا العهد وأكلوه.
قال: وهي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها.
هكذا فسر الشافعي – رضي الله عنه – الحجاز في "الأم"؛ كما نقله البندنيجي.
قال الأصمعي وغيره: وسمي ذلك حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد. وفي
"صحاح" الجوهري عن الأصمعي: أنه سمي به؛ [لاحتجازه] بالحرار الخمس، ومنها: حرة بني سليم، وحرة واقم، ويقال: احتجز الرجل بإزاره، إذا شده على وسطه.
واليمامة: مدينة بطرف اليمن على أربع مراحل من مكة – شرفها الله تعالى – ومرحلتين من الطائف، وسميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: هو أبصر من زرقاء اليمامة.
والمخاليف – بفتح الميم وبالخاء المعجمة – جمع "مخلاف" بكسر الميم، وهي قرى مجتمعة.
وعلى هذا التفسير الذي ذكره الشافعي – رضي الله عنه – تكون الطائف والوج – وهو وادي الطائف – وخيبر [من الحجاز؛ لأن الطائف والوج من مخاليف مكة]، وخيبر من مخاليف المدينة؛ كذا قاله الغزالي.
وفي "النهاية": أن المراوزة قالوا: الذي يحرم إقرار المشركين فيه: [مكة، والمدينة ومخاليفها.
وقال العراقيون: إنه] مكة والمدينة واليمن.
والمخاليف حكمها حكم البلاد في جميع الطرق، وقد يتجه عد اليمن من الحجاز؛ لأنه مجتمع العرب؛ ولأجل ذلك حي في "الوجيز" في دخول اليمن في الحجاز وجهين، ورد الرافعي الوجهين إلى أن اليمن هل يدخل في [حد] الجزيرة أم لا؟ وهو الأقرب إلى كلامه في "الوسيط"، والأول هو المفهوم من كلامه في "الوجيز"، ووراء ما ذكره الشافعي – رضي الله عنه – من [تفسير "الحجاز"] أقوال:
منها – عن الحربي –: أن تبوك وفلسطين من الحجاز.
ومنها – عن الكلبي – أن حدود الحجاز: ما بين جبلي طيئ إلى طريق العراق.
وقد ذكرنا أن الحجاز على الطريقة المشهورة: بعض الجزيرة، وقد اختلف
القائلون بهذا الطريق في حد الجزيرة:
فعن الإمام مالك: أنها الحجاز واليمن وما لم يبلغه ملك فارس والروم.
وعن سعيد بن عبد العزيز: أنها ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر.
قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: ويشبه أن يريد بالوادي وادي القرن.
وحكى البخاري عن المغيرة، قال: هي مكة، والمدينة، واليمامة، واليمن.
وقال الأصمعي – وهو المحكي عن الشافعي، كما نقله الماوردي-: هي من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض: فمن جدة وما والاها من ساحل البحر، إلى أطراف الشام.
وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين يبرين إلى منقطع السماوة في العرض.
والحفر - بفتح الحاء -: هو التراب يستخرج من الحفرة، والحفر هذه ركايا احتفرها أبو موسى الأشعري على جانب الطريق من البصرة إلى مكة، تكون منها على خمسة أميال، وهي مياه عذبة.
ويبرين – بفتح الياء آخر الحروف، وسكون الباء الموحدة وكسر الراء -: رمل لا يدرك أطرافه عن يمين مطالع الشمس من حجر اليمامة.
والسماوة: موضع بالبادية ناحية العواصم.
واختلف الناس في السبب الذي لأجله سميت الجزيرة جزيرة:
فقيل: لانحياز الماء عن موضعها بعد أن كان يجري عليها.
وقيل: الجزر: القطع؛ ومنه سميت الجزيرة؛ لأنها قطعة منه أو: لأن الماء جزر عنه، أي: انقطع، وجزيرة العرب سميت بها؛ لأنها جزرت عنها المياه التي حولها لبحر البصرة، وعمان، وعدن، والفرات.
وقيل: لأن حواليها بحر الحبش وبحر فارس ودجلة والفرات، [فالبحران يحيطان بجانبها الجنوبي]، والدجلة والفرات أحاطا بجانبها الشمالي.
واعلم أنهم كما يمنعون من المقام بالحجاز يمنعون من المقام بسواحل بحره وجزائره وجباله، كما صرح به البندنيجي وغيره، وحكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم".
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنهم إذا أقاموا في الطرق المعترضة التي لا تسلك في أوساط البلاد المعدودة، كما بين مكة والمدينة ونحو ذلك، لا يمنعون منه.
ولا نزاع في أنهم لا يمنعون من ركوب بحر الحجاز؛ لأنه ليس موضع إقامة، صرح به البندنيجي وغيره.
وحكى ابن الصباغ أن الشافعي – رضي الله عنه – قال في "الأم": ولا يبين لي أن أمنعهم من [ركوب بحر الحجاز.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنهم لا يمكنون من] المقام في المراكب في "البحر" إلا قدر ما ينزلون في البر، وأقصاه ثلاثة أيام مقام المسافر، ولعله أراد: إذا أذن فيه الإمام، [وأقام في موضع واحد كما سنذكره في البلاد.
قال: وإن أذن لهم، أي: الإمام] أو نائبه، في الدخول، أي: لغير الحرم من بلاد الحجاز؛ لتجارة أو رسالة – لم يقيموا أكثر من ثلاثة أيام، أي: في موضع واحد غير يوم الدخول ويوم الخروج كما صرح به الإمام وغيره.
والأصل فيه: ما روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه أجلى أهل الذمة من الحجاز، وضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثة أيام.
وهكذا الحكم في الإذن لأهل الحرب في دخول ما عدا الحرم من الحجاز.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون له من الشغل ما ينقضي في الأيام الثلاثة، أو لا ينقضي؛ لأنه يمكنه التوكيل فيه.
نعم، لو مرض جاز أن يقيم في الموضع الواحد إلى أن يبرأ؛ لما في ذلك من
المشقة، صرح به القاضي الحسين وغيره من العراقيين.
وفي "النهاية": أنه ينظر: إن تمكن من الانتقال من غير أن تعظم المشقة عليه كلف الانتقال، وإن خيف عليه الموت ترك إلى أن يبرأ، وإن لم يخف [عليه] الموت ولكن [كان] ينال مشقة عظيمة – فوجهان، أصحهما: الانتقال.
قلت: وقياس ما ذكره: أن يترك في حالة يخشى عليه الموت [فيها من الانتقال، إلى أن ينتهي إلى حالة لا يخشى عليه فيها الموت] وإن لحقه مشقة عظيمة [على أصح الوجهين، أو إلى ألا تلحقه مشقة عظيمة] على مقابله، ولا يترك إلى أن يبرأ.
ولا خلاف أن له الانتقال في حالة الصحة من موضع إلى موضع من بلاد الحجاز؛ بشرط ألا يقيم في كل موضع أكثر من ثلاثة أيام، ولا يقوم إذن [غير] الإمام [ونائبه في ذلك مقام إذنهما، صرح به الماوردي وغيره.
[نعم]، لو دخل غير تاجر الحجاز بأمان مسلم، فهل يجب عليه شيء؟ فيه وجهان، والمذهب: المنع.
قال الإمام: ومن يوجب شيئا فلا متعلق له غير الدينار، وهو أقل الجزية، ولا أحد يصير إلى تعشير ما معه من ثوب ومركوب.
ولا يتوقف جواز الإذن منهما على اشتراط [مال] يؤخذ منهم في حالة الدخول للرسالة، بل لا يجوز أن يشترط عليهم في هذه الحالة، وكذلك لا يتوقف الإذن في الدخول [بالتجارة] التي بالمسلمين إليها حاجة على اشتراط مال.
نعم، لو لم يكن بالمسلمين إلى ما يحضرونه حاجة كالعطرة ونحوه، ففي "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه إذا رأى المصلحة في الإذن بغير
شيء كان له ذلك، وإن رأى المصلحة في الاشتراط لم يجز أن يأذن [الإمام]، إلا أن يشترط عليهم عوضا على حسب ما يراه.
وفي "تعليق" البندنيجي، والقاضي الحسين: أنه لا يجوز أن يأذن في حالة عدم المصلحة للمسلمين في الدخول إلا بعوض، وحكى الغزالي وغيره في المسألة وجهين، ورأى الإمام ترجيح الأول، والمعظم على الثاني.
قال الأصحاب: والأولى: أن يشترط على أهل الذمة نصف العشر، وعلى أهل الحرب العشر؛ لأن عمر – رضي الله عنه – هكذا شرط على من دخل الحجاز، وفيه وجه: أنه لا يجوز الزيادة على ذلك.
ثم إذا أطلق الإذن للكافر الذمي أو الحربي في الدخول بالتجارة، لم يستحق عليه شيء على المذهب في "تعليق" البندنيجي، وهو الصحيح عند الشيخ حيث قال: وقيل: إن كانوا من أهل الذمة، [أي: وقد أطلق الإذن لهم من غير شط]- أخذ منهم لدخول الحجاز [نصف] العشر من تجارتهم، وإن كانوا من أهل الحرب أخذ منهم العشر؛ لتقدير ذلك في الشرع بفعل عمر – رضي الله عنه – فحمل مطلق الإذن عليه.
قال: وليس بشيء؛ لأنه أمان من غير شرط؛ فلم يستحق به مال كالهدنة.
قال الرافعي: والوجهان قريبان من الخلاف السابق في أنه هل يجوز حط أصله، أو أحد الخلافين مبنى على الآخر؟
وأنت إذا تأملت ما حكيته عن البندنيجي وابن الصباغ – عرفت أنه غير مبني عليه؛ فإنهما حكيا الخلاف المذكور في الكتاب، وجزما في مسألة حط الجميع بأحد الوجهين.
ثم حيث وجب أخذ العشر، أو نصف العشر من الحربي أو الذمي – إما بالشرط أو غيره – فهل يتكرر المأخوذ بتكرر الدخول في السنة الواحدة من غير شرط في التكرر؟
قال الأصحاب: أما في الذمي فلا، بل لا يؤخذ منه سوى مرة واحدة في
السنة، وأما في الحربي فالمذهب: أن الحكم فيه كالذمي كما حكيناه عن البندنيجي، وهو ظاهر النص في "الشامل".
ومن أصحابنا من قال: يؤخذ العشر في كل مرة، وإلا فيفضي إلى فوات ذلك؛ لأنه يتجر طول الحول، فإذا قارب حولان الحول انقطع دخوله؛ فيتعذر الأخذ منه، ويخالف الذمي؛ لأنه تحت قبضة الإمام فيمكنه أن يأخذ منه إذا تأخر عن الدخول رأس الحول.
وهذا يفهم أنا على المذهب لا نأخذ العشر أو نصفه إلا بعد مضي حول من حين الدخول كما يفعل [في الجزية]، وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية طريقة طاردة للوجهين في الذمي أيضا.
ولا خلاف في عدم تكرر الأخذ بانتقاله من موضع إلى موضع من دار الإسلام.
أما إذا شرط في الصلح أن يأخذ في كل سنة مرتين، أو في كل شهر مرة، أو يأخذ في كل دفعة يحملون فيها شيئا – كان ذلك جائزا، حكاه القاضي الحسين عن النص، ومن منع من أخذ الزيادة على ما قرره عمر – رضي الله عنه – ورأى عدم التكرار عند عدم الشرط، لم يجوز ذلك الشرط كما أشار إليه الغزالي؛ لأنه زيادة على ما فعله عمر، رضي الله عنه.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أهل الحرب وأهل الذمة في دخولهم الحجاز بين الرجل والمرأة؛ لأنها ممنوعة من دخول الحجاز [كالرجل، بخلاف ما لو ترددت في غير الحجاز] من بلاد الإسلام، لا يجوز أن يشترط عليها شيء من مالها؛ لأنها غير ممنوعة من المقام فيها، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
قال: ولا يمكن مشرك، أي حربيا كان أو ذميا، من دخول الحرم، أي: حرم مكة شرفها الله تعالى بحال، أي: سواء أراد الدخول لأداء رسالة، أو طلب تجارة بعوض، أو غيره، أو لسماع كلام الله تعالى، أو تعلم شيء من العلوم؛ لقوله
تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]، [وإن] كان نزول هذه الآية في سنة تسع من الهجرة، والمراد بالمسجد [فيها]: جميع الحرم؛ لأنه قد يعبر به عنه؛ قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى ليلا بعبده من المسجد الحرام} [الإسراء: 1]، وكان [من] بيت خديجة كما نقله الماوردي والبغوي، أو من بيت أم هانئ؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره، وكلاهما في الحرم؛ ولا قائل بأنه يستعمل في مكة دون بقية الحرم.
ويدل على أن المراد ما ذكرناه سياق الآية، وهو قوله تعالى:{وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28]، أي: إن خفتم انقطاع التجارة والميرة عنكم فاعتصموا بفضل الله، ومعلوم أن ما يجلب إلى البلد، لا إلى المسجد نفسه، وقد روى الشافعي – رضي الله عنه – بإسناده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج، ولا لمشرك أن يدخل الحرم"، وروي أنه – عليه السلام – قال:"لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم"، وخالف الحرم الحجاز؛ لعظم شأنه: من النسك، وتحريم صيده وشجره؛ فكذلك لم نقس عليه.
وعلى هذا: إذا جلبوا تجارة أو حضروا لأداء رسالة أقاموا فيما وراء الحرم على النعت السابق، ويخرج إليهم من يقصد البيع لهم والشراء منهم، ويرسل الإمام من يسمع الرسالة، فإن أبوا إلقاءها إلا للإمام أو نائبه المقيم في الحرم خرج إليهم.
ثم حد الحرم من طريق المدينة: مسجد التنعيم، وهو على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق: على سبعة أميال عند ثلة جبل بالمقطع، ومن طريق الطائف: على سبعة أميال أيضا عند طرف عرنة، ومن طريق اليمن: على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة: على تسعة أميال [من شعب أبي عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو من
طريق جدة: على عشرة أميال] عند منقطع الأعشاش، ومن بطن عرنة: على أحد عشر ميلاً. كذا جمعته من كلام المصنف والماوردي، والهروي في "الإشراف" وغيرهم، وذلك مضبوط بالأعلام المشهورة.
فرع: لو دخل كافر الحرم أخرج، فإن كان جاهلا بالمنع لم يعزر، وإن كان عالما [به] عزر، فلو مرض فيه أخرج ولو خيف موته، ولا يلحق حرم المدينة بحرم مكة؛ لعظم شرفه بتعليق النسك به.
قال: فإن دخل ومات ودفن، أي: ولم يتقطع – نبش وأخرج؛ لأن جيفته أعظم من دخوله حيا، أما إذا انقطع فقد نص الشافعي – رضي الله عنه – على أنه لا يخرج، ويجعل كالفائت لتعذره.
وعن "البحر" وجه: أنه تجمع عظامه إن أمكن ويخرج، وهو ما أورده الإمام، ثم الإخراج يكون إلى الحل من بلاد الحجاز؛ لأنه يجوز أن يدفن الكافر فيها ابتداء كما يقر فيها مريضا، ويخالف الحرم؛ لعظم شرفه.
ورأى الإمام تخصيص جواز الدفن في الحجاز ابتداء بما إذا تعذر نقله إلى غير الحجاز، وأنه يواري مواراة الجيف، وقال فيما إذا كان في طرف الحجاز: لا يدفن فيه؛ [لسهولة النقل.
وفي "التهذيب" و"المرشد": أنه إن أمكن نقله قبل أن يتغير، نقل ولم يدفن فيه]، وإن خيف عليه التغير دفن؛ للضرورة.
والجمهور على الأول.
وحكى الإمام فيما إذا دفن في الحجاز مع إمكان النقل إلى غيره فهل ينبش؟ فيه وجهان، والظاهر منهما: وهذا التفصيل إن أمكن جريانه فيما إذا مات في الحرم بالنسبة إلى الدفن في الحجاز أو غيره لم يبعد المصير إليه.
قال: ولا يدخلون سائر المساجد؛ لما [في ذلك] من استذلالهم له؛ فإنهم يتدينون بإذلاله.
قال: إلا بإذن؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أستر ثمامة بن أثال وربطة إلى سارية
من سواري المسجد، وأنه أنزل ثقيف وسبي قريظة و [بني] النضير في المسجد حتى أمر بهم فبيعوا.
وجواز الإذن منوط بالحاجة، مثل: أن يدخل ليسلم أو ليسمع كلام الله تعالى، أو ليستفتي كما ذكره الماوردي وصاحب "المرشد" وغيرهما، ولا يدخلون للأكل والشرب، بخلاف المسلمين؛ فإن المسلم وإن دخله لذلك فهو يعظمه، قال ابن الصباغ وغيره.
ولا خلاف في جواز الإذن من الإمام ونائبه، وكذا من آحاد المسلمين عند أبي الطيب والقاضي الحسين وابن الصباغ وغيرهم.
وفي "الحاوي": أن الدخول إن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام، لم يصح الإذن فيه إلا من الإمام، أو يجتمع عليه أهل تلك الناحية؛ بشرط ألا يستضر به أحد من المسلمين، وإن كان لاجتياز، أو لبث يسير: فإن كان من الجوامع التي ترتب الأئمة فيه إلا بإذن السلطان، لم يصح الإذن في دخوله إلا من السلطان، وإن كان من مساجد القبائل والعشائر التي أئمتها بغير [إذن السلطان، لم يعتبر إذن السلطان في دخوله. وفيمن يصح] إذنه وجهان:
أحدهما: كل من صح أمانة لمشرك كما مر في بابه، وهو الأظهر.
والثاني: لا يصح إلا ممن كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار.
وجلوس الحاكم في المسجد للحكم إذن للكافر في دخوله إذا كانت له خصومة. ولو دخل الكافر من غير إذن نظر: فإن شرط عليهم ألا يدخلوها عزر الداخل، وإلا فوجهان حكاهما القاضي الحسين، والأصح منهما – وبه جزم المصنف وغيره -: وجوب التعزيز، فعلى هذا: لو دخل لسماع القرآن بدون إذن فهل يعزر؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أيضا.
قال: وإن كان جنبا فقد قيل: لا يمكن من اللبث [في المسجد]؛ لأنه إذا منع منه المسلم فالكافر أولى، وهذا أصح في "الجيلي".
قال: وقيل: يمكن؛ لأن المسلم يعتقد تعظيمه، والكافر بخلافه، وهذا ما اختاره صاحب "المرشد" والنووي، واستدل له بربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال في المسجد؛ فإنه لا يخلو عن احتلام، وغسله إن اتفق في كفره [لم يعتد] به.
قال: ويجعل الإمام على كل طائفة منهم رجلا، أي: من المسلمين؛ كما ذكره الرافعي والماوردي، يكتب أسماءهم وحلاهم – أي: بكسر الحاء – فيتعرض [لنسبه] ولونه وسنه وغيرها، ويصف وجهه ولحيته وجبهته وحاجبيه وعينيه [وشفتيه] وأسنانه، وآثار وجهه إن كانت.
قال: ويستوفي عليهم ما يؤخذون به، أي: كبلوغ بعض أولادهم، وإفاقة مجنونهم، وعتق عبيدهم، وحضور غائبهم، ويسار فقيرهم.
ووجهة ذلك: اعتبار المصلحة الظاهرة، وكذا يستوفي لهم هذا الرجل ما يتعلق بحقوقهم، فيكتب اسم من مات منهم، أو أسلم، أو جن، أو افتقر، أو زمن ونحوه؛ ليسقط عنه الجزية، ولا يجوز أن يكون الرجل ذميا؛ لأنه لا يعتمد خبره. نعم، لو جعل الذمي عريفا عليهم لتجهيزهم لأداء الجزية، وشكوا إليه من يتعدى عليهم من المسلمين، ومن يتعدى منهم – جاز، صرح به الماوردي وغيره.
وقال الماوردي في "الأحكام" في باب الفيء: إنه يجوز نصب الذمي لأخذ الجزية منهم والعشر، وهل يجوز نصبه لأخذ الخراج المضروب على رقاب الأرضين إذا صارت في أيدي المسلمين وصارت معاملته معهم؟ فيه وجهان.
قال: وعلى الإمام حفظ من كان منهم في دار الإسلام، ودفع من قصدهم بالأذية، أي: من مسلم وكافر، واستنقاذ من أسر منهم، أي: أو أخذ من أموالهم؛ لأنهم بذلوا الجزية لحفظ أنفسهم وأموالهم، والتزمنا ذلك بالعقد معهم؛ فوجب
الوفاء به، فلو شرط في العهد ألا يدفع عنهم كان [الشرط] باطلا والعقد فاسدا، صرح به أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ؛ لأنه لا يجوز اشتراط تمكين المشركين من استطراق دار الإسلام.
ولا يجب رد ما أخذ منهم من الخمور والخنازير؛ لأنها ليست بمال عندنا، كذا صرحوا به، وفيه نظر من جهة أنه قد ذكرنا في الغضب: أن المسلم إذا غصب خمرا من ذمي وجب ردها عليه، وهو المذهب، وكان قياسه أن تنزع لهم، أما إذا لم يكونوا في دار الإسلام، بل كانوا [في وسط الحرب – فلا مطمع في الذب عنهم، ولو كانوا] منفردين ببلدة في جوار دار الإسلام، قال الفوراني: إن كان فيها مسلمون وجب الذب عنهم أيضا، وإن لم يكن فيها مسلم نظر: إن كان بين بلدهم وبلد أهل الحرب بلد للمسلمين أو مال لهم، فالحكم كذلك عند الماوردي، وأطلق غيره – كالفوراني وغيره – حكاية وجهين في وجوب الذب عند انفرادهم ببلدة:
وأصحهما في "الرافعي": الوجوب عند الإمكان؛ إلحاقا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة.
ومقابله: هو الأقيس عند الإمام.
ومحلهما: إذا جرى العقد مطلقا، أما إذا جرى بشرط الذب عنهم [وجب الوفاء بالمتلزم، صرح به الفوراني وغيره.
وقال الإمام: إذا قلنا: لا يجب الدفع عنهم عند الإطلاق، فالرأي ألا يلزم بالالتزام، ولو شرط ألا يذب عنهم] في هذه الحالة صح الشرط؛ لأنه ليس فيه تمكين أهل الحرب من دخول دار الإسلام، قاله أبو الطيب وغيره.
قال الماوردي: ولا يلزمه الذب عنهم؛ إلا أن يخاف عليهم الاصطلام؛ فيجب استنقاذ نفوسهم دون أموالهم.
وقال فيما إذا كان بين أهل الحرب وبين أهل الذمة بلد للمسلمين أو مال،
وشرط عدم الكف عنهم: إن الشرط باطل، ويلزم الذب عنهم. وقياس ما تقدم: فساد العقد، وأطلق الإمام حكاية وجه: أن شرط ترك الذب فاسد، والظاهر الأول.
نعم، هل يكره؟ نقل عن نصه في موضع: أنه يكره، وفي موضع آخر: لا [يكره].
قال الأصحاب: وليس ذلك باختلاف قول؛ بل الأول محمول على حالة الابتداء بالشرط منا؛ [لأنه يؤذن بالضعف، والثاني محمول على حالة الابتداء بالشرط منهم].
قال: فإن لم يفعل حتى مضى الحول لم تجب الجزية؛ لأنها في مقابلة الحفظ، ولم يوجد.
قال البندنيجي: ويستأنف الحول من حين المعاونة، ولو لم يفعله في بعض الحول سقط ما يقابله، قاله الماوردي.
فرع: لو أغار أهل الحرب على أهل الذمة، فقتلوا منهم، وأتلفوا أموالهم، فظفر بهم الإمام – لم يقتص منهم؛ لأنهم لم يلتزموا حكم الإسلام.
ولو أغار عليهم أهل الهدنة، فقتلوا منهم، أو أتلفوا – أخذهم بضمان ذلك.
نعم، لو كانوا قد نقضوا العهد قبل الغارة على أهل الذمة ففي أخذهم بضمان ما أتلفوه من نفس أو مال القولان في أهل الردة.
قال: وإن تحاكموا إلينا مع المسلمين وجب الحكم بينهم، أي: سواء كان المسلم طالبا أو مطلوبا؛ لمنع الظلم عن المسلم، ومنعه عن الظلم، ولأن المسلم لا يمكنه النزول على حكم الكفار؛ فتعين فصل الخصومة بحكمنا.
قال: وإن تحاكموا بعضهم في بعض ففيه قولان.
أحدهما: يجب الحكم بينهم، أي: بحكمنا؛ لقوله تعالى: {وأن احكم بينهم
بما أنزل الله} [المائدة: 49]، وهذا أمر، [وظاهر] الأمر يقتضي الوجوب، ولأنه يلزمه أن يدفع عنهم من قصدهم من مسلم أو ذمي أو حربي؛ فلزمه أن يحكم بينهم كالمسلمين، وهذا أصح عند الماوردي والإمام البغوي والروياني وغيرهم، واختاره المزني.
والثاني: لا يجب؛ لأنهم كفار فلم يجب الحكم بينهم؛ كما لو كانوا معاهدين، وقد دل الكتاب العزيز على عدم وجوب الحكم بين أهل العهد بقوله تعالى:{فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42]؛ فإنها نزلت في يهود المدينة الذين هادنهم النبي ? وهم قريظة وبنو النضير وبنو المصطلق من غير جزية، قال الشافعي – رضي الله عنه –: ولا أعلم مخالفا بين أهل العلم فيه. وهذا ما [نص عليه في الجديد كما حكاه القاضي الحسين، وهو المذكور في "المختصر"، و] اختاره الشيخ أبو حامد وابن الصباغ، وقد اختلف في محل القولين على طرق حكاها ابن الصباغ وغيره في نكاح المشركات:
أحدها: أنهما في حقوق العباد، فأما حقوق الله تعالى فتجب قولا واحدا.
والثاني: أنهما [في حقوق الله تعالى، فأما] في حقوق العباد فتجب قولا واحدا.
والثالث – وهو أظهرها على ما حكي [عن] الشيخ أبي حامد -: طرد القولين في الحالين.
وحكى الماوردي في كتاب السرقة طريقة [أخرى]، وهي أن ما تحاكموا فيه إن ثبت بغير مراضاة [الخصمين]: كالقصاص في الجنايات، والغضب في الأموال – لزمه استيفاؤه؛ لأن دار الإسلام تمنع من التعدي والتغالب، وإن كان عن مراضاة كديون المعاملات؛ ففي وجوب الاستيفاء القولان.
وعند الاختصار يجيء في حقوق الله تعالى والعباد خمسة أقوال:
منها ثلاثة [أقوال] حكاها الماوردي في باب حد الذميين.
ثالثها: يجب الحكم في حقوق العباد، ولا يجب في حقوق الله تعالى.
[ورابعها: يجب في حقوق الله تعالى] ولا يجب في حقوق الآدميين، وعلى هذا ينطبق إقامة حد الزنى ونحوه عليهم، وإن لم يرضوا بحكمنا كما تقدم.
وخامسها: يجب فيما ثبت بغير التراضي، ولا يجب فيما ثبت بالتراضي وهذا كله إذا اتحدت ملمتها، أما لو اختلفت فطريقتان:
منهم من قال: في وجوب الحكم القولان – أيضا – وهي طريقة أبي إسحاق.
ومنهم من جزم بالوجوب، وهي طريقة ابن أبي هريرة، وقال الإمام في نكاح المشركات. إن عليها معظم الأئمة. وصححها الرافعي، ولم يحك القاضي الحسين في هذا الكتاب سواها، وقال: إنه لا يختلف المذهب في ذلك.
قال الإمام: والقائل بهذه عول في الفرق على أن المختلفين قد لا يجتمعان على حاكم؛ فيؤدي إلى أن تبقى الخصومة ناشبة، وهذا يتحقق بين المتفقين، وفي ذلك [فضل] نظر، وهو أنه إذا لم يكن لأهل الذمة في بلد الخصومة حاكم فما قرره الأصحاب من دوام الخصام في المختلفين محقق هاهنا؛ فيلزم على موجب ذلك: أن يجب على حاكمنا الحكم إذا لم يكن لهم حاكم، وكذا إذا كان وامتنع [أحد الخصمين]؛ إذ يبعد أن يلزمهم حكم الكفر، ويكون وزير حاكمهم حتى يعدى من جهتهم.
ومن تأمل ما ذكرته علم ضعف القول بعدم الوجوب، والطريقان جاريان فيما إذا ترافع إلينا ذمي ومعاهد، لكن الأظهر هنا طرد القولين، وهي التي أوردها ابن الصباغ في نكاح المشركات، والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين:[طريقة] الجزم.
وفي "الحاوي" في كتاب الجزية الجزم بعدم الوجوب؛ تغليبا لحكم الإسقاط. ومحله – كما نبه عليه في كتاب السرقة – إذ لم يكن بسبب قصاص وغضب؛ فإن كان وجب قولا واحدا؛ كما ذكره في السرقة.
التفريع:
إن قلنا بالأول، فإذا استعدى خصم على خصم وجب أعداؤه وإحضار الخصم؛ ليحكم بينهما، ووجب على المعدي إليه الحضور، وإن قلنا بالثاني لم يجب الإعداء.
قال القاضي الحسين هنا: بل لا يجوز له ذلك. وقال في كتاب اللعان: إنا على هذا نجبرهما على الترافع إلى حاكم أهل دينهما، ولا نمكنهما من التخاصم والتواثب. وهذا ما أشار إليه الإمام واستبعده.
ثم إذا أعدى القاضي كان المعدي إليه بالخيار [في الحضور]، ولا يحضر جبرا، قال القاضي الحسين: وإذا حضر فلا يحكم عليه ما لم يرض بحكمنا، فإذا رضي به حكم.
قال الإمام: وينفذ حكمه، ولا خيرة له بعد ذلك الحكم.
وفي "المهذب": إنه إذا حكم لم يلزم [ذلك] الحكم.
قال ابن يونس: إلا إذا التزموه بعد الحكم. وهذا موافق لما سنذكره عن الماوردي في أهل الهدنة.
قلت: ويمكن أن يكون مأخذ اختلاف النقلين [اختلاف القولين] في أن حكم المحكم يلزم بنفسه، أو لابد من التراضي عليه بعد الحكم؟ على أنه [لو] رتب ذلك فيل: إن قلنا: إن حكم المحكوم ينفذ بنفسه بعد حكم الحاكم هنا، على القول بعدم وجوب الحكم عليه؛ فرضاهما ابتداء بالحكم من طريق الأولى، وإن قلنا بتوقف نفوذ حكم المحكوم على التراضي به [بعد الحكم]، فهاهنا [أولى، وهو] محل النظر؛ فيجوز أن يقال بالتوقف أيضا، ويجوز أن يقال: لا؛ لأن الحاكم أهل للحكم بالجملة بخلاف المحكم – لم يبعد، والله أعلم.
ووراء ما ذكرناه أمران غريبان:
أحدهما: ما أفهمه كلام الغزالي: أنا على القولين لا نحكم إلا [إذ] رضي الخصمان جميعا؛ حيث قال: ولا نحكم إلا إذا رضي الخصمان جميعا بحكمنا.
قال الرافعي: ويمكن حمله على ما قاله الأصحاب بأن يجعل هذا الكلام من تتمة قوله: "ولا يجب الحكم بين المعاهدين".
الثاني: قال الماوردي في "باب حد الذميين": [إنا] إذا قلنا بعدم وجوب الحكم وعدم وجوب الحضور فذاك إذا لم يشترط [عليهم] في عقد [الذمة] التزام أحكامنا، [أما إن شرط عليهم في عقد الذمة أن تجري عليهم أحكامنا] فيلزم الحاكم أن يعديهم، ويحكم بينهم، ويلزمهم الحضور إليه والتزام حكمه. وهذا منه نزعة [إلى ما] ذكرناه عن القاضي الحسين: أنه لا يشترط التصريح بالتزام أحكامه الملة، أما إذا قلنا بوجوبه فلا يمكن اجتماع هذين الكلامين.
قال: وإن تبايعوا بيوعا فاسدة، أي: كما إذا تبايعوا درهما بدرهمين، أو الخمر والخنزير [ونحو ذلك].
قال: وتقابضوا، ثم [ترافعوا إلينا]، لم ينقض ما فعلوا؛ لانتهاء الأمر ونجازه في الشرك مع أنهم مقرون على ما استقر بينهم.
قال: وإن لم يتقابضوا نقض عليهم؛ لأن العقد لم يتأكد بقبض فأجرى عليهم حكم الإسلام، لكن هل يجوز للمسلمين أخذ أثمان ذلك منهم مع العلم بصورة الحال؟ فيه كلام استوفيته في كتاب الرهن، وهذا بخلاف ما لو تناكحوا
[نكاحا فاسدا] وترافعوا إلينا؛ فإنا ننظر: إن كان في حال الترافع يجوز ابتداء العقد في الإسلام أقررناهم، ولا ننظر إلى شرائط العقود كما نفعل في حالة إسلامهم، وإن كان لا يجوز كما إذا كانت في العدة، أو مطلقة منه ثلاثا ولم يدخل بها زوج بعده، أو محرما له – فإنا لا نمضيه؛ لأن النكاح قد استمر حكمه بعد الترافع.
وفي "الحاوي" في كتاب السرقة: أنهم إذا نكحوا ذوات محارمهم، فإن كانوا لا يعتقدون إباحته [في دينهم كاليهود، لم يقروا على عهدهم، وصار منهم كالزنى، [وإن اعتقدوا إباحته] كالمجوس أقروا عليه.
وفي غير "الحاوي": أنه] لو كان الترافع من مجوسي ومجوسية في طلب النفقة، أو بين كتابي ومجوسية ففي جواز تقريرهم وإلزامهم النفقة وجهان، والظاهر: التقرير والحكم بالنفقة؛ كما لو أسلما.
ومقابله – وهو المنع – ينسب إلى الإصطخري، واختاره القاضي الحسين، ورجحه الإمام؛ لأن المجوسية لا يجوز نكاحها في الإسلام.
ولو ترافعوا في نكاح شخص لأختين، [وقد طلبتا] فرض النفقة – قال الإمام ففيه تردد، والذي أرى القطع به: المنع؛ لقيام المانع، وحيث لا يجوز التقرير، قال فالقاضي المرفوع إليه يعرض عنهما، أو يفرق بين الزوجين؟ فيه وجهان.
أرجحهما عند الإمام: الإعراض، وإنما يفرق إذا رضوا بحكمنا.
ووجه الثاني: أنهم بالرفع أظهر، وأما [ما] خالف الملة فأشبه ما إذا أظهروا خمورهم، وهذا ما حكاه البندنيجي، وأسنده القاضي الحسين في كتاب الجزية في نكاح المحرمة، والمعتدة ونحوهما إلى النص؛ لتعلقه بحق الغير.
فرع: لو باع الذمي من ذمي آخر درهمين بأربعة دراهم، وقبض البائع درهمين من الثمن ثم ترافعوا – قال الأصحاب: إن كان المشتري قصد بما دفعه الأصل
فالقول قوله، وبطل القدر الزائد عنه، وإن كان قد قصد بما دفعه الفائدة – بقي الأصل في ذمته، ولا يسترجع من الآخذ شيء، وإن كان قد قصد الدفع عنهما بقي في ذمته نصف الأصل وهو درهم واحد، وإن لم يكن قد قصد شيئا فوجهان:
أحدهما: يكون نصفه للأصل ونصفه للربح، وقد سبق حكمهما.
والثاني: له أن يصرفه الآن إلى أيهما شاء من الأصل والربح، صرح به القاضي الحسين، وهو وزان ما ذكرناه فيما إذا كان عليه دين برهن ودين بغير رهن، فدفع للمدين شيئا من جنس دينه.
قال: وإن ترافعوا إلى حاكم لهم، فألزمهم التقابض، أي: وتقابضوا، ثم ترافعوا إلى حاكم المسلمين – أمضى ذلك [الحكم] في أحد القولين، كما لو تقابضوا بالتراضي، وكما لو أسلموا بعد التقابض بإلزام قاضيهم، وهذا أصح عند الرافعي والنووي وغيرهما. ولا يمضيه في الآخر؛ لأنه قبضه عن كره؛ فأشبه ما لو لم يقبض، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وعن الشيخ أبي محمد: إجراء الخلاف – أيضا – فيما لو أسلموا بعد التقابض بإلزام قاضيهم.
وقال الإمام: إنه منقاس؛ لأن الالتزام بالترافع أضعف من الالتزام بالإسلام، وإذا ألزمنا المترافعين حكم الإسلام فلأن نلزمه المسلمين أولى، والخلاف يجري فيما إذا أتلف بعضهم لبعض خمرا أو نحوها، فألزمهم [حاكمهم إقباض البدل]، فقبض بالإلزام، ثم طرأ منهم إسلام، أو ترافع [بعضهم]، وضعف الإمام القول برد القيمة.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ – رحمه الله تعالى – يقتضي أمرين:
أحدهما: أن حاكمنا يمضي حكم حاكمهم على القول الأول، كما يمضي حكم أحد حكام المسلمين.
وقال البندنيجي: إنا حيث نقرهم على أحد القولين لا نقرهم من حيث إنه إمضاء لقضاء قاضيهم وإنفاذه، ولكن بحكم ما وقع من القبض. ويعضده أن الماوردي حكي أن الإمام إذا قلد على أهل الذمة واحدا منهم حاكما، كان حكمه غير لازم لهم، وكان فيه كالمتوسط بينهم، خلافا لأبي حنيفة.
قلت: ويعضد هذا قول [الغزالي: إنه لا يقبل المسلم نكاح كافرة من قاضيهم]، وعلى هذا [يكون معنى] قول الشيخ:"أمضاه": أنه لا يتعرض له. لكن الذي دل عليه كلام الإمام والقاضي الحسين كما سبق [اعتبار أفعال] قاضيهم، ويشهد له الخبر المذكور في أمر اليهود حين مروا على الرسول صلى الله عليه وسلم بواحد منهم محمم، ولم ينكر عليهم إقامة الحد، بل سأل:[هو] التحميم أو غيره؟ فلو لم يكن لقاضيهم حكم لأنكر نفس إقامة الحد، والله أعلم.
الثاني: أنه على القول الآخر لا يمضيه، وعدم إمضائه تارة يكون بتركه وإهماله كما قال أصحابنا فيما إذا رفع [إلى قاض] من قضاة الإسلام حكم
آخر، وكان لا يراه: هل يمضيه، أو لا يمضيه، بل يتركه ولا يتعرض له؟ وتارة يكون بأن ينقضه، وهو الأقرب هاهنا، وبه صرح البندنيجي وغيره حيث قالوا: يكون كما لو ترافعوا قبل القبض.
وهذا كله عند الترافع، أما إذا لم يترافعوا إلينا فلا يتعرض لهم إلا أن يظهروا [ذلك]، [فإن أظهروه]، قال في "الحاوي": إن لم يتعلق بالمنكرات الظاهرة كالبيوع الباطلة، والمناكح الفاسدة – لم يتعرض لهم، وإن كان من المنكرات الظاهرة كنكاح ذوات المحارم، وبيع الخمور والخنازير – فيمنعون منها، وفي فسخ عقودهم عليها وجهان.
وقد حكى المتولي في نكاح المحارم في حالة عدم الإظهار مع العلم بفعلهم لذلك الوجهين، وقال: إن الصحيح عدم التعرض لهم، وبه جزم القاضي الحسين؛ لأن الصحابة عرفوا من حال المجوس:[أنهم ينكحون المحارم]، ولم يتعرضوا لهم.
ومقابله – حكاه الزبيري قولا -: إن الإمام يفرق بينهما؛ كما لو عرف أن المجوسي نكح مسلمة أو مرتدة
قال: وإن أسلم [منهم] صبي مميز، أي: أتى بالشهادتين – لم يصح إسلامه؛ لأنه غير مكلف بالشرع؛ فلم يصح إسلامه كغير المميز والمجنون؛ فإنه لا يصح إسلامهما إجماعا، وهذا ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – قديما وجديدا؛ كما نقله الإمام.
فعلى هذا [قال الشافعي – رضي الله عنه]-: يفرق بينه وبين أبويه؛ كي لا يفتن عن دينه. انتهى.
فإذا بلغ ووصف الإسلام يكون مسلما من حين وصفه بعد البلوغ، وإن [وصف الكفر] استحب أن يهدد، فإن أصر على الكفر رد إلى أهله، قاله البغوي وغيره.
وما ذكرناه من الحيلولة قد ادعى الإمام في أثناء كلامه في مسائل الهدنة أنه مما أجمع عليه [الأصحاب]؛ لأن صدور ذلك منه يغلب على الظن تعلق قلبه بالهدى، وظن توقع الإيمان إذا غلب لم يعطل، وقال في باب اللقيط قبيل فصل أوله:"لا دعوى [للمرأة] ": لم أر أحدا من الأصحاب يشير إلى جواز تركة تحت حضانة الكافر، ولا يبعد في القياس ألا ينتزع من يد الكافر، [ولكن يستحب نزعه مع استرضاء الأب الكافر]؛ فإن نزعه من يده التزام أمر وإبطال حق. وقال في أوائل الباب: إن الشافعي – رضي الله عنه – قال في بعض مجاري كلامه: إذا نطق صبي مميز من صبيان الكفار بالإسلام، وظهر لنا إضماره بالإسلام – نحول بينه وبين الكفار. و [هذا] الذي ذكره الشافعي – رضي الله عنه – مما اختلف أصحابنا فيه تفريغا على مذهبه الصحيح:
فقال بعضهم: هذه الحيلولة محتومة.
وقال بعض أصحابنا: مما قاله الشافعي – رضي الله عنه – محمول على أنا نتوصل إلى ذلك برفق ونستعطف فيه أبويه، فإن أبيا لم نحل بينه وبينهما؛ فإن لفظ الصبي في ذلك لا حكم له، وهذا ما أورده المتولي حيث قال: يستحب أن يفصل بينه وبين أقاربه الكفار.
وقيل: يصح إسلامه في الظاهر دون الباطن.
معنى [هذا] الوجه – كما قاله ابن الصباغ في كتاب الظهار -: أن إسلامه يكون مراعى، فيفرق بينه وبين أبويه، فإن بلغ ووصف الإسلام كان مسلما من حين تلفظ بالشهادتين، وإلا فلا، ووجهه: بأنه لا يوثق منه بما كان في الصغر، إلا إذا أنضاف إليه الإتيان بعد البلوغ بالشهادتين، ووراء ذلك وجهان آخران:
أحدهما – حكاه ابن الصباغ وغيره عن الإصطخري:- أنه يصح إسلام؛ كما
تصح صلاته وصيامه، ولأنه يمكنه معرفة التوحيد بالنطق والاستدلال؛ فصح منه كالبالغ، وقد حكاه في "المهذب" في باب قتال المشركين ولم ينسبه لأحد، وادعى الغزالي أن هذا الوجه خرج من قول الشافعي – رضي الله عنه: حيل بينه وبين الكفار. وذلك قاله الماوردي في عقد الهدنة ونسبه إلى [ابن] أبي هريرة، وخطأه، وادعى الإمام أنه القوي توجيها.
والثاني – حكاه الإمام عن رواية شيخه عن الشيخ أبي إسحاق -: أنه إذا عقل الصبي وعلم الإسلام وعقده فهو من الفائزين إذا مات على عقده هذا صبيا، وإن كان لا يتعلق بإسلامه أحكام الدنيا، وعن هذا عبر المعبرون: بأنه يصح إسلامه في الباطن دون الظاهر.
قال الإمام: وما عندي أن هذا الخبر يختلف فيما صار إليه، والفرق على المذهب بينه وبين الصلاة: أن الصلاة حيث صحت منه كانت نفلا، والإسلام لا يتنفل به، بل [الإتيان به] يكون فرضا، وأداء الفرض لا يصح من الصبي.
قال: فإن امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام الملة، انتقض عهدهم؛ لأن الذمة لا تنعقد إلا بهما، فلم تبق دونهما. ولا فرق في امتناعهم بين أداء الجزية، أو القدر الزائد على الدينار إذا التزموه بالعقد، وفي معنى الامتناع من الشرطين: قتال المسلمين؛ فينتقض به العهد، سواء [شرط] عليهم في العقد أو لم يشترط، وسواء انفردوا به أو قاتلوا مع أهل الحرب؛ لأن قتالهم يوجب علينا أن نقاتلهم، وذلك ينافي عقد الذمة؛ فدل على نقض العهد، وقتالهم مع أهل البغي قد ذكرنا حكمه في باب قتال أهل البغي، وهذا هو الصحيح، ووراءه أمور:
أحدها: حكى القاضي الحسين في باب حكم المرتد عند امتناعهم من بذل الجزية [بعد أن التزموها وأدوها] عن ابن سريج رواية ثلاثة أوجه:
أحدها – وهو اختيار المزني -: أنهم يجبرون على أداء الحزية؛ لأنهم التزموا ذلك بعقد [الذمة]؛ فلا حاجة إلى تركه إليهم، ويلحقهم بدار الحرب فيزيدوا في أعدائنا.
والثاني: أنه يقال لهم: إما أن تعطلوا، وإلا سبيناكم الآن ونقتلكم، وصار امتناعكم من بذل الجزية نقصا لأمانكم.
والثالث – وهو أشبه مذهب الشافعي – رضي الله عنه – وهو المنصوص: أنه لا يجبر على الجزية، ولا يسترق في الحال، ولكن ينبذ إليه عهده، ويلحقه بمأمنه.
الثاني: حكى صاحب "التهذيب" وجها: أنه يقنع منهم بالدينار إذا امتنعوا من بذل الزيادة عليه، وكانوا جاهلين بأن الزيادة على الدينار [لا] تلزمهم.
الثالث: حكى ابن كج قولين فيما إذا امتنعوا من إجراء الأحكام عليهم في انتقاض العهد.
وقال الإمام: إن امتنع هاربا فلا أراه ناقضا، وإن امتنع راكبا في عدة وقوة فينبغي أن يدعى إلى الإسلام، فإن نصب القتال انتقض عهده بالقتال.
الرابع: حكى الإمام عن القاضي الحسين حصر الانتقاض في نصب القتال.
[ثم] قال الإمام: ولست أبعد أن الأولين ذكروا القتال، وعدوا منع الجزية من أسبابه، وعبروا بالامتناع عن القتال، وإذا كان كذلك آل الأمر إلى أن الناقض بنفسه وذاته القتال؛ فإنه مناف للأمان.
قلت: وعلى ذلك ينطبق ما حكاه [القاضي] أبو الطيب وابن الضباغ فيما إذا امتنعوا من الضيافة، وقد التزموا زيادتها فوق الدينار، فإن كان الامتناع من البعض أجبر عليه، وإن [كان من] الجميع قوتلوا، فإذا قاتلوا انتقض
العهد والذمة، قال ابن الصباغ: ولا يسقط ما مضى.
وإذا أردنا أن نجمع بين ذلك وبين ما ذكره الشيخ هنا قلنا بعد قوله: "وإن امتنعوا من بذل الجزية والتزام أحكام الملة": أي بالقتال، [ويؤيده أنه] سكت عن ذكر القتال، وعده من جملة النواقض، والله أعلم.
فرع: إذا امتنع الواحد منهم من بذل الجزية، فإن كان مع بقائه على التزامها لم يكن ذلك نقضا لعهده، وأخذت منه جبرا، بخلاف الجماعة؛ لأن إجبار الجماعة [عليها] متعذر، وإجبار الواحد ممكن، وإن امتنع من أدائها لامتناعه من التزامها – كان نقضا للعهد كالجماعة، قاله الماوردي، وما قاله فيما إذا امتنع من الأداء لا غير مع القدرة، هو ما أبداه الإمام احتمالا لنفسه بعد حكايته عن الأصحاب انتقاض العهد – أيضا – واستحسنه.
ولو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنه بعضهم – انتقض عهد المقاتل، قال الماوردي: ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده، وهذا قد حكاه البندنيجي في المهادنين.
وقال في أهل الذمة: إنه إذا انتقض عهد بعضهم لم ينتقض في حق الباقين، سواء سكتوا على فعلهم أو لم يسكتوا؛ لأن عقد الذمة أقوى من عقد الهدنة.
قال: وإن زنى أحدهم بمسلمة، أو أصابها [باسم نكاح]، أو آوى عينا للكفار، أي: جاسوسا، أو دل على عورة للمسلمين، أي: على خلل؛ لأن العورة في اللغة: [هي] كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب، أو فتن مسلما عن دينه، أو قتله، أو قطع عليه الطريق – نظر: فإن لم يكن قد شرط ذلك في عقد الذمة، أي: لفظا –لم ينتقض؛ لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها؛ لأنها محرمة لا تحل بمقصوده؛ فلم يمنع تعاطيها من استمرار حكمه.
قال: وإن شرط عليهم، أي: باللفظ – فقد قيل: ينتقض؛ لما روي أنه رفع إلى أبي عبيدة بن الجراح نصراني استكره امرأة مسلمة على الزنى، فقال: ما على هذا
صالحناكم. وضرب عنقه.
ولأنهم خالفوا ما شرط عليهم، وفيه ضرر على المسلمين؛ فانتقض به العهد كقتال المسلمين، وهذا ما قال ابن الصباغ: إنه المنصوص في الأشياء السبعة، وإن الأصحاب ألحقوا القتل بها، وصححه النووي وصاحب "المرشد"، ويحكي عن اختيار القفال، [و] قال القاضي الحسين: إنه المذهب.
وقيل: لا ينتقض؛ لأن ما لم ينقض إذا لم يكن مشروطا لا ينقض إذا كان مشروطا.
أصله: إظهار الخمر، وترك الغيار، ونحوهما، وهذا ما حكاه ابن الصباغ وجها، وقال الرافعي: إنه ينسب إلى اختيار القاضي أبي الطيب، ورجحه صاحب "التهذيب" وجماعة، وهذه طريقة الصيدلاني – أيضا – وغيره من محققي الأصحاب.
وحكى القاضي الحسين والإمام عن العراقيين من أصحابنا: رواية وجه آخر: [أنه] ينتقض العهد بذلك، سواء شرط في العقد أو لم يشرط.
وحكى ابن كج عن بعضهم: القطع به، وهو قضية ما أطلقه الماوردي [من الانتقاض] في باب [حد] السرقة، ولم يحك سواه، وبنى هاهنا [الخلاف] المذكور في ذلك على أن ذلك يجب [بالعقد] من غير شرط، أو لا يجب إلا بالشرط؟ وفيه قولان:
فإن قلنا بالأول انتقض العهد بها، سواء شرط أو لا.
وإن قلنا بالثاني – كان الحكم كما ذكره الشيخ.
وعن الشيخ أبي محمد رواية طريقة ثالثة، وهو أنه إن شرط ذلك في العقد
انتقض وجها واحدا، وإلا فوجهان.
وعند الاختصار يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما أوردها الغزالي وصاحب "التقريب" وصاحب "الإفصاح" والقاضي الحسين، والإمام عن العراقيين، ثالثها: إن شرط انتقض، وإلا فلا، قال الإمام: وكنت أحب لو قال قائل: لا ينتقض العهد [بها] بصدور المضرات، ولكن للإمام أن ينقض العهد بها إن شاء، ولم يصر إلى هذا أحد في هذا الفصل، والقول به ممكن.
واحترز بقوله: "في هذا الفصل"، عما حكيناه عن بعض الأصحاب فيما إذا قاتل أهل الذمة أهل العدل مع أهل البغي في حالة ذكرناها ثم: أنه لا ينتقض، ولكن للإمام نقضه، وفي القتل الموجب للقصاص وقطع الطريق طريقة قاطعة بأنه كالقتال؛ لأن شهر السلاح وقصد النفوس والأموال مجاهرة تناقض الأمان.
تنبيه: ما المراد بالشرط في العقد؟
الذي دل عليه كلام الأصحاب: الكف عن ذكر ذلك وفعله، وكلام الماوردي مصرح به.
وقال الإمام: المراد به شرط الانتقاض إذا فعل ذلك، لا شرط الانكفاف عن هذه الأشياء؛ فإن نفس الذمة مزجرة عن هذه الأمور؛ فلا معنى لذكرها، وقال: إن هذا مما اتفق عليه الأصحاب.
فرع: لو أشكال الحال، فلم يعرف هل شرط عليهم في العقد أم لا؟
قال في "المرشد": يجب تنزيله على أنه مشروط؛ لأن مطلق العقد يحمل على ما تقرر في عرف الشرع، وهذا العقد في عرف الشرع كان مشتملا على هذه الشرائط؛ ولهذا قال [ابن] عمر لما وجد من أهل الذمة سب النبي صلى الله عليه وسلم: ما على هذا أعطيناكم الأمان.
قلت: ويظهر أن يقال: الأصل عدم الشرط وعدم إباحة الدم، وبقاء صحة العقد، والله أعلم.
قال: وإن ذكر الله عز وجل، أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو دينه بما لا يجوز، أي: مما لا يتدينون [به] ولا يعتقدونه – فقد قيل: ينتقض العهد.
وقيل: إن لم يشترط لم ينتقض، وإن شرط فعلى الوجهين.
هذان الطريقان مبنيان على أن [من] شرط [صحة] العقد: التعرض فيه لاشتراط عدم ذلك منه، أو ليس [ذلك] بشرط في الصحة، وفيه طريقان للأصحاب:
الذي اختاره أبو إسحاق المروزي منهما: الأول.
والذي عليه عامة الأصحاب: الثاني.
فإن قلنا بالأول انتقض به العهد؛ كما إذا امتنعوا من أداء الجزية والتزامها وإن قلنا بالثاني كان حكمه حكم الأشياء السبعة السابقة التي لا يشترط في صحة العقد اشتراط تجنبها. وهذه الطريقة اختارها في "المرشد".
وبني الماوردي الطريقتين على قولين في أن ذلك يلزم بالعقد [أو] بالشرط؟ فإن قلنا بالأول انتقض العهد وإن [لم] يجر [شرط]، وإلا كان كالحالة السابقة.
أما ما يتدينون به، وهو [غير] معتقدهم كقولهم في الله – سبحانه وتعالى: ثالث وثلاثة، وإن عزيزا والمسيح ابناه – فهو بمثابة إظهار الخمر ونحوه، ومن هذا القبيل قولهم في القرآن: إنه ليس من عند الله، أو: ليس بمعجز، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه كاذب، وإنه قتل اليهود بغير حق، وهذه طريقة، وهي
المحكية عن الصيدلاني، ورجحها الرافعي.
ووراءها طريقة أخرى، وهي أن محل الخلاف في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء يعتقدونه ويتدينون به، أما إذا ذكروه صلى الله عليه وسلم بما لا يعتقدونه ولا يتدينون [به]، كما إذا نسبوه إلى الزنى أو طعنوا في نسبه، فيلحق ذلك بالقتال، وينتقض به العهد، سواء شرط عليهم ترك ذلك أو لم يشترط.
قال الرافعي: وهذه قضية ما في "تعليق" إبراهيم المروزي، وما حكاه الروياني عن بعض الخراسانيين.
قلت: وهي التي أوردها القاضي الحسين، لكنه اختار فيما إذا ذكروه بما يعتقدونه فيه: أنه [إن شرط انتقض، وإلا فلا].
وعلى كل قول يستوفي منهم القتل إن كان ما فعلوه يوجبه: كالقتل والزني في حالة الإحصان، وكذا ذكر الله – سبحانه – ورسوله [وكتابة] ودينه [بما لا ينبغي كما قاله البندنيجي، ولعله أراد ذكر الله – سبحانه – ورسوله [وكتابه] ودينه] بما لا يعتقدونه [ولا] يتدينون به، وحينئذ فيكون استحقاق القتل بسب النبي صلى الله عليه وسلم منطبقا على قول أبي بكر الفارسي الذي ادعى الإجماع عليه: إن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حدا. لكن قال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه ليس بصحيح؛ لأن الله – تعالى – قال: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29].
[فإن قلت]: إذا كان في بعض الصور مقتولا لا محالة، فأي فائدة [في الخلاف] في بقاء عهده، أو نقضه؟
قلت: فائدته إذا قلنا ببقاء العهد تظهر في ماله؛ فيصرف لمن كان يصرف إليه
لو مات على الذمة، وإن قلنا بنقض العهد [فتظهر أن يبنى] على أن من انتقض عهده يرد إلى مأمنه، أم يغتال في الحال؟ فإن قلنا بالثاني كان ماله فيئا، وإن قلنا بالأول ظهر أن يلحق بمن مات من المعاهدين في دار الإسلام، وله مال [فيها]، وفيه قولان يأتيان.
[وقد حكى ابن كج في كون ماله فيئا إذا قيل بانتقاض عهده، وقتل – وجهين، من غير بناء على ما ذكرناه، والله أعلم.
وكذا يستوفي منهم الحد إن كان ما فعلوه يوجبه، وإن أوجب التعزيز عزروا.
وقد ذكرت حكم من ذكر الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز من المسلمين [في باب الردة] فإنه أشبه به.
قال: وإن فعل ما منع منه مما لا ضرر فيه كترك الغيار وإظهار الخمر وما أشبههما عزر؛ لإظهار ما منع منه إما بالشرط أو بإطلاق العقد.
قال: ولم ينتفض العهد؛ لأنه ليس في منافاة الأمان فلا إضرار [على المسلمين]، أو لأنهم يعتقدونه دينا ومذهبا.
ثم إذا أظهروا الخمور والخنازير فهل نتلفها؟
قال القاضي الحسين: إن لم يكن قد شرط عليهم ألا يظهروها [لم يكن له ذلك، وإن كان قد شرط عليهم ألا يظهروها فله] إتلافها بالإراقة والقتل.
واعلم أن ذكر الشيخ المثالين المذكورين؛ للتنبيه على انه لا فرق في ذلك بين ترك الغيار وشبهه من ركوب الخيل وغيره كما سنذكره، و [لا] بين إظهار الخمر وشبهه من إظهار صلبانهم، وفعل ما يسنح من صلاتهم، وأصوات نواقيسهم، والعلو على المسلمين في البناء، واتخاذ بيعة أو كنيسة في بلاد الإسلام.
وقد حكى الماوردي أن ترك إظهار الخمر وشبهه لا يجب بالعقد ويجب بالشرط، ولبس الغيار لا يجب بالعقد، وهل يجب الشرط؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه يجب، فإذا شرط عليهم وفعلوا خلاف الشرط؛ ففي انتفاء العهد به قولان، وإن قلنا: لا يجب بالشرط، فليس عليهم إلا التعزيز. وهكذا الحكم إذا فعلوا أمرا حراما، وقلنا: لا ينتقض به العهد، كما ذكره القاضي الحسين.
وألحق الماوردي بالغيار أن يكون على أبوابهم أثر تتميز به دورهم، وإخفاء دفن موتاهم، وعدم إظهار النواح والندب على موتاهم، وعدم دخولهم مساجدنا، وعدم تملكهم رقيقا مسلما، عبدا كان أو أمة.
قال: وإن خيف منهم نقض العهد لم ينبذ [إليهم] عهدهم؛ لأنه عقد لازم من جهتنا لحقهم؛ بدليل وجوبه عند طلبهم؛ فلم يجز إبطاله عليهم بمجرد الخوف مع كونهم في قهر الإمام وقبضته، فإذا تعاطوا شيئا مما يخافه عاملهم بموجبه.
وحكى الإمام في أثناء الفصول السابقة: أن من أصحابنا من يجوز نبذ العهد إذا ظهرت تهمة تجر ضررا، والمشهور الأول. نعم، للذمي نبذ العهد بلا سبب، وإذا نبذه بلغ مأمنه على الأصح، وفيه وجه: أنه يكون بعد نبذه كافرا لا أمان له، قال الإمام:[و] لا وجه له.
فرع: إذا شرط عليهم في العقد انتقاضه بفعل شيء لا ينتقض به عند عدم الشرط أو معه، فهل ينتقض؟
قال القاضي الحسين: لا؛ لأنه إنما يفعل ذلك تخويفا لهم ومبالغة في الزجر عنه.
وقال الإمام بعد حكايته عن الأئمة: وهذا كلام لا أستجيز الاكتفاء به، بل هو مبني على أصل، وهو أن عقد الذمة مؤقتا هل يجوز أم لا؟ فمن جوزه يجب أن يقول: إذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم فلا عهد [لكم] أو انتقض
العهد بالإظهار، ومن قال: الذمة المؤقتة فاسدة، فقضيته أن يحكم بفساد هذا العقد من ابتدائه، ولا يجوز للإمام عقد مثله.
وفي كلام الصيدلاني والأصحاب ما يشير إلى أن الذمة باقية والشرط فاسد، ثم قال: وهو فقيه؛ لأن الذمة لم تربط بوقت زماني، وإنما أرسلت إرسالا [لا] يتصور أن تتأيد الذمة لو فرض عدم ما شرط انتفاؤه فيئول [الفساد] إلى الشرط، بخلاف التأقيت بالزمان.
قال: ومن فعل ما يوجب نق العهد، أي: من غير قتال – رد إلى مأمنه في أحد القولين، أي: بعد استيفاء ما وجب عليه بسبب ما فعله كما ذكرنا؛ لأنه في أحد القولين، أي: بعد استيفاء ما وجب عليه بسبب ما فعله كما ذكرنا؛ لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله قبل الرد إلى مأمنه؛ كما لو دخل بأمان صبي، وهذا ما نص عليه في كتاب الجزية؛ فعلى هذا قال الماوردي:[و] لا يجوز أن يأووا في دار الإسلام، وبعد بلوغ مأمنهم يكونون حربا.
وقال القاضي أبو الطيب في باب تبديل أهل الذمة: إن له الإقامة بعد ذلك؛ ليقضي حوائجه ويجمع ما له مدة الهدنة أربعة أشهر.
وعلى كل حال، يظهر أن يلزمهم ضمان ما يتلفونه قبل انتهائهم إلى مأمنهم، كما حكيناه عن الإمام في باب قتال أهل البغي.
قال: وقتل في الحال في القول الآخر؛ لأثر أبي عبيدة بن الجراح، وبحالف من أمنه صبي؛ فإنه يعتقد أن له أمانا، وهنا هو مفرط بنقض العهد، وهذا ما نص عيه في كتاب النكاح من "الأم"، وهو الصحيح في "المهذب" وغيره، فعلى هذا قال الماوردي وغيره: يتخير الإمام [فيه] بين الاسترقاق والمن والفداء؛ كما في الأسير. نعم، لو أسلم قبل الاسترقاق، قال البندنيجي وغيره: سقط القتل والاسترقاق، وقال الماوردي: سقطت؛ فلا يجوز القتل والاسترقاق والمفاداة، بخلاف الأسير؛ [لأن له أمامنا متقدما لم يكن للأسير فصار حكمه به أخف من الأسير، وهذا ما حكاه الروياني عن الشيخ أبي حامد، وادعى أن سائر الأصحاب وافقوه.
ولو لم يسلم، لكنه بذل الجزية فهل يعصم بها دمه؟ يظهر أن يقال: إنه يترتب على الأسير] إذا بذلها وقد ذكرنا فيه خلافا في باب قتال المشركين، فإنا قلنا في الأسير: إنه يعصم بها دمه، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان؛ ولهذا الترتيب نظير سأذكره في [باب] عقد الهدنة، إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وابن الصباغ: الجزم بعصمة دمه؛ لأنهما قالا فيما إذا امتنع الكل من بذل ما التزموه زائدا على الدينار من ضيافة: إنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد، فإن طلبوا بعد ذلك عقد الذمة وبذلوا قدر الدينار وجب قبوله والكف عنهم. ولا يقال: لعل هذا تفريغ على عدم اغتيالهم؛ لأنهم إذا قاتلوا لم يجز قول تبليغ المأمن كما صرح به الأصحاب – ومنهم الماوردي والإمام – وهم فقد قاتلوا.
قلت: يمكن حمل ذلك على ما إذا خرجوا عن قبضة الإمام بالقتال وامتازوا عن الأسير، وما ذكرناه مفروض فيما إذا كانوا في قهره وقبضته، على أن ما ذكر من كونهم إذا قاتلوا لا يبلغون المأمن [قد ذكرت في باب قتال أهل البغي عند استغاثتهم بأهل الذمة ما] ينازع في ذلك، فليطلب منه، والله أعلم.
تنبيه: المأمن – بفتح الميم الثانية: موضع الأمن.
قال البندنيجي في باب تبديل أهل الذمة: وكل موضع قلنا: يرد فيه إلى مأمنه، فالمراد [به] أقرب بلاد الحرب من دار الإسلام.
وعلى ذلك جرى ابن كج وقال: إنه لا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك إلى أن يكون بين [أول بلاد] الكفر وبلده الذي يسكنه بلد للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه، وعن "البحر": أنه لو كان له مأمنان فعلى الإمام إلحاقه بالذي يسكنه منهما، ولو كان يسكن بلدين فالاختيار إلى الإمام.
فرع: إذا انتقض عهد أهل الذمة فهل ينتقض عهد ذراريهم ونسائهم؟ فيه وجهان في "الحاوي"، أصحهما – وبه جزم ابن الصباغ والبندنيجي في النسوان، واختاره في "المرشد" -: أنه لا ينتقض؛ لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم يوجد [منهم] خيانة، وحكى البندنيجي الخلاف في الأولاد [و] الصغار قولين في باب تبديل أهل الذمة، وخص محلهما بما إذا لم يكن لهم أم، أو كانت [وليست] من أهل الجزية، أما إذا كانت من أهل الجزية أقروا معها في دار الإسلام، وكذلك حكى هذا التفصيل والخلاف الإمام عن العراقيين في كتاب السير، واستحسن الفرق بين الحالين، وقال: إن الأوجه من القولين على قياس المراوزة التقرير، وجزم في هذا الكتاب بأن نقض العهد إن كان بالقتال ونبذ العهد فلا خلاف في الاغتيال والاستئصال في النفس والذرية والمال.
[ثم] إذا قلنا بعدم انتقاض العهد فيهم فلا يجوز سبيهم، ويجوز تقريرهم في دار الإسلام، فإن سألوا الرجوع إلى دار الحرب، قال الماوردي: أعدنا النساء دون الصبيان؛ لأنه لا حكم لاختيار من لم يبلغ، فإن طلبهم أهلهم، قال الماوردي: إن كان الطالب هو المستحق لحضانتهم ردوا إليه،
وإلا منعوا منه.
وقال البندنيجي فيما إذا انتقض عهد العاقد بسبب كونه توثن بعد تهوده أو تنصره: فإنا نرده إلى مأمنه وأولاده إذا لم نحكم بانتقاض العهد فيهم على التفصيل الذي ذكرناه، حكمهم حكم زوجته ورقيقه ومدبره وأمهات أولاده ومكاتبه، فإن [اختاروا أن يخرجوا معه فذلك إليهم، وإن] اختاروا المقام في دار الإسلام لم يجبروا على الخروج، ويقال له: وكل في بيع الرقيق.
فرع: عكس هذا:
وهو إذا عقد البالغ العاقل [لنفسه] الذمة، فهل يتبعه أحد ممن ليس له أهلية الاستقلال بالعقد.
قال الأصحاب: لا شك أنه يتبعه مماليكه وأمواله مع الشرط وبدونه، ولا يتبعه الأجانب بدون الشرط ومع الشرط، فإطلاق بعضهم يقتضي التبعية حيث قالوا: لو كان في قلعة رجل واحد ونساء فبذل الجزية جاز، وصار النساء تبعا له في العصمة، ونزل الإمام ومن تبعه هذا على ما إذا كن من أقاربه كما سنذكره، وقالوا: لا يتبع الأجانب بحال وتتبعه كل امرأة بينهما وبينه قرابة وإن لم تكن محرما له، ولا على عمود نسبه بالشرط، ولا يتبعه بدون الشرط، وكذا حكم الصبية والمجانين من أقاربه، وفي تبعية أولاده الأطفال من غير شرط وجهان، وجه التبعية – وهو الأظهر، وبه جزم في "الوجيز" -: قرينة الحال؛ فإن الرجل لا يتوطن بلده إلا مع صغار أولاده [في الغالب]؛ فصار كالتصريح بالشرط، وفي تبعية الزوجات طريقان:
أحدهما – وهو الأظهر -: أنهن كالصبيان.
والثاني: كالقرابات.
وفي اندراج الأصهار والأحماء مع الشرط خلاف [مشهور] والله سبحانه أعلم.