المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب حد الزنى - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١٧

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌باب حد الزنى

‌باب حد الزنى

"الزنى" يقصر فيكتب بالياء، وهو الأحسن، ويجوز أن يكتب بالألف عملا بلفظه، ويمد فيكتب بالألف ولا يجوز كتابته بالياء.

[و] هو - كما قال الماوردي وغيره - عبارة عن أن يطأ الرجل المرأة بغير عقد ولا شبهة عقد، وملك ولا شبهة ملك، عالما بالتحريم.

[و] قال الغزالي: إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج، [أي]: من غير حائل، محرم قطعا، مشتهى طبعا، إذا انتفت عنه الشبهة.

قال الرافعي: وفي قوله: "محرم قطعا" غنية عن قوله: "إذا انتفت الشبهة عنه" وفيه نظر؛ لأن المراد بكونه: "محرم قطعا" أن يكون لا خلاف فيه، وذلك قد يوجد مع وجود الشبهة، كما إذا وطئ الجارية المشتركة بينه وبين غيره، وأخته المملوكة وما سنذكره.

واحترزنا بقولنا: "من غير حائل" عما إذا لف على ذكره خرقة وأولج.

وفيه خلاف حكاه الزبيلي في "أدب القضاء"[له]، واستقصاه في كتاب الظهار.

ص: 167

والزنى من المحرمات [و] الكبائر؛ قال الله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32].

وقد روي عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه[أنه] قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؟ قال:"أن تجعل له ندا وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك؛ خشية أن يأكل معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزني بحليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها:{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} الآية [الفرقان: 68].

ولا يخفى أن إيلاج الحشفة في الفرج يقوم مقام إيلاج جميع الذكر، [وكذا إيلاج مقدار الحشفة من الذكر] من مقطوع الحشفة على الأصح.

قال: إذا زنى البالغ العاقل المختار، وهو مسلم أو ذمي أو مرتد، وجب عليه الحد.

أما وجوبه على المسلم المتصف بما ذكره، فوجهه – قبل الإجماع – ما سنذكره.

وأما عن وجوبه على الذمي؛ فلأن أهل الملل – كما قال الرافعي -: مجمعون على تحريمه، وقد التزم إجراء الأحكام عليه؛ عليه حده كالمسلم.

وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يهوديين زنيا، وكانا محصنين.

وأما وجوبه على المرتد فمن طريق الأولى تجرى أحكام الإسلام عليه.

واحترز الشيخ بذكر البلوغ والعقل عن الصبي والمجنون؛ فإنه لا يجب عليهما الحد للخبر المشهور.

وفي "الجيلي": أن الروياني حكى في وجوب حد الزنى على الصبي المراهق وجهين، والأصح: الأول. نعم، يؤدبه الولي بما يزجره عن ذلك.

ص: 168

والذي رأيته في "البحر" في الفروع المذكورة، بعد كتاب الأقضية: أنه إذا زنى بامرأة وعنده: أنه ليس ببالغ، فبان أنه كان بالغا: هل يلزمه الحد؟ فيه وجهان.

واحترز بالاختيار عن [ذكر] المكره؛ فإن لا يجب عليه الحد، فرق بين الرجل والمرأة، وهو بناء على تصور الإكراه في حق الرجل، وهو الصحيح، كما هو متصور في حق المرأة بلا خلاف، بأن تضبط وتجامع.

وقيل: [إن] الإكراه لا يتصور في حق الرجل؛ لأن انتشار الذكر متعلق بالاختيار، فعلى هذا: يجب عليه الحد.

وقد أفهم عدول الشيخ عن لفظ "الكافر" إلى "الذمي": أن المراد بالذكر: من يجب عليه الحد، ويقام عليه، وإلا فأهل الحرب يجب عليهم حد الزنى؛ لاعتقادهم تحريمه.

وقد تقدم في باب عقد الذمة [أن إقامة حد الزنى على أهل الذمة] هل هو مبني على وجوب الحكم بينهم عند الترافع أو غير مبني؟ فليطلب منه.

واعلم أن ما ذكره الشيخ قد فهم منه فاهمون إيجاب الحد على من زنى وهو جاهل بتحريم الزنى؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لكونه نشأ في بادية بعيدة، لزعمهم أنه ليس في كلام الشيخ ما يخرجه، فقالوا: وهو لا يجب [عليه] الحد؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة، في حديث ماعز: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "هل تدري ما الزنى؟ " قال: نعم، أتيت منها حراما [ما] يأتي الرجل من أهله حلالا. فلو لم يكن الجهل مانعا من الحد لم يكن للسؤال فائدة، ولأن الحد يتبع الإثم وهو غير آثم. وهذا متفق عليه.

ص: 169

نعم، اختلف الأصحاب فيما لو وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن، وادعى جهله بتحريم [ذلك، في] أنه هل يقبل منه أم لا؟ كما حكاه في "المهذب"، ورجح في "المرشد" القبول؛ لأن معرفة ذلك تحتاج إلى فقه. وقريب منه ما حكاه ابن كج فيما إذا نكح أخته من الرضاع، وادعى أنه يجهل تحريم ذلك؛ فإن في قبول قوله قولين، مع القطع بعدم القبول فيما لو ادعى ذلك في الأخت من النسب.

قلت: وليس الأمر كما فهم، بل كلام الشيخ مخرج للصورة المذكورة أيضا؛ لأنه قال: إذا زنى

إلى آخره. وقد ذكرنا حد الزنى، وبه يظهر أنه وطء من جهل تحريم الزنى وهو قريب عهد الإسلام، ليس بزنى؛ فلا يكون هو زانيا، والله أعلم.

قال: فإن كان محصنا، أي: في حالة زناه، فحده الرجم، أي: رجلا كان أو امرأة؛ لما روى أبو داود، عن عبد الله بن عباس: أن عمر – يعني: ابن الخطاب، رضي الله عنه – خطب، فقال: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، فأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا من بعده، وإني خشيت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله – تعالى – فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء [إذا كان محصنا، إذا قامت البينة، أو كان حمل أو اعتراف]، وأيم الله، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله – عز وجل – لكتبتها. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي مختصرا ومطولا. وقد كان ذلك بمحضر من الصحابة، [ولم ينكره أحد].

ص: 170

وروى مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – وزيد بن خالد الجهني: أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنشدك الله، إلا قضيت بكتاب الله! [فقال الخصم الآخر – وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله] وأذن لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل". فقال: إن ابني كان عسيفا عند هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: "الوليدة والغنم رد عليك، و [على ابنك] وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر [بها] رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت.

وفي رواية أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم جلد ابنه مائة وغربه عاما. وخرجه البخاري ومسلم أيضا.

وظاهر الحال: أن المرأة كانت محصنة دون العسيف، ويدل عليه ما سنذكره.

ولا يجب عندنا على المحصن مع الرجم الجلد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به في هذا الخبر، وكذا في حديث ماعز. وقد روي عن جابر أنه قال: رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا ولم يجلده.

قال أبو الطيب: ولا نقول: ولم يجلده إلا وقد علمه وقطع به.

وذهب ابن المنذر من أصحابنا كما حكاه [عنه] ابن الصباغ وغيره إلى

ص: 171

وجوبه؛ متمسكا بما رواه مسلم عن [عبادة] بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"، وأراد بالثيب: المحصن، يدل عليه ما روى أبو داود والنسائي عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنه يرجم

"، ورواية البخاري ومسلم، عن عبد الله – وهو ابن مسعود -: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث:[الثيب] الزاني

".

[والصحيح الأول]، وأجاب أصحابنا عن حديث عبادة بوجهين.

أحدهما: أن الجلد [فيه] مع الرجم منسوخ بما ذكرناه من حديث أبي هريرة؛ لأن ما رواه عبادة هو البيان الأول؛ ولهذا قال: "خذوا عني، [خذوا عني] "، وأبو هريرة إسلامه متأخر؛ فكان ما رواه ناسخا للأول.

والثاني: أنه محمول على ما إذا زنى وهو بكر، فلم يحد حتى زنى وهو محصن.

قال: والمحصن: من وطئ [و] هو في نكاح صحيح.

"الإحصان" و"التحصين" في اللغة: المنع؛ قال الله – تعالى: {لتحصنكم من بأسكم} [الأنبياء: 80]، وقال – تعالى –:{في قرى محصنة} [الحشر: 14]، ومنه سمي الحان حصانا؛ لامتناع راكبه، ودرع حصينة؛ لامتناع وصول السلام للابسها.

و [قد] ورد في الشرع بمعنى "الإسلام"، وبمعنى "البلوغ"، وبمعنى "العقل"، وقد قيل كل منها [في قوله – تعالى]:{فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة} [النساء: 25].

ص: 172

وبمعنى الحرية، ومنه قوله – تعالى -:{فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات} [النساء: 25][بمعنى: الحرائر]، [وكذا قوله تعالى:{ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح في المحصنات المؤمنات} [النساء: 25].

وبمعنى العفة]، ومنه قوله – تعالى:{والذين يرمون المحصنات} [النور: 4].

وبمعنى التزويج، [ومنه قوله تعالى:{والمحصنات من النساء} [النساء: 24].

وبمعنى الإصابة في النكاح]، ومنه قوله تعالى:{محصنين غير مسافحين} ، قيل: مصيبين [في النكاح]، ويدل على تعين هذا فيما نحن فيه ما روى مسلم والبخاري وغيرهما عن عبد الله – وهو ابن مسعود – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم [يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله] إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

[وليس المراد بالثيابة: زوال العذرة: لعدم هذه الصفة في الرجال]. فتعين أن المراد بها الوطء.

قال القاضي أبو الطيب: وقد أجمعوا على أن المراد بالثيوبة الوطء في النكاح [الصحيح].

[وعبارته في "المهذب": ولا خلاف أن المراد بالثيب: الذي وطئ في نكاح صحيح].

قال المتولي: والمعنى فيه: أن الشهوة [مركبة في النفس]، فإذا أصاب في النكاح فقد نال اللذة، وقضى الشهوة؛ فحقه أن يمتنع عن الحرام.

وأيضا: فإنه إذا أصاب امرأته فقد أكد استفراشها، وحينئذ فلو لطخ غيره فراشه عظمت وحشته وأذيته؛ فحقه أن [يمتنع عن تلطيخ فراش الغير]، فإذا لم

ص: 173

يمتنع فقد عظمت جنايته، وهذا أشبه من الأول.

ولا فرق في الإصابة بين أن يقع قي حال الإباحة، [أو حال] الإحرام والحيض وعدة الغير، كما صرح به الرافعي وغيره، وهو مذكور في "الشامل" في باب إتيان النساء في أدبارهن.

ولا يقوم مقامه الوطء في النكاح الفاسد ووطء الشبهة؛ لأن ذلك يحصل صفة الكمال، وقد ذكرنا في باب ما يحرم من النكاح: أن الوطء في النكاح الفاسد [و] وطء الشبهة لا يحصل [به] صفة الكمال.

وهذا ما أورده المعظم، وحكى الغزالي وإمامه قولا: أنه يحصل بهما. وبعضهم نسبه إلى القديم. ولا يقوم الوطء في الملك مقامه [وفاقا؛ كما قاله الإمام وغيره].

قال: وهو حر بالغ عاقل.

هذا الفصل يقتضي أمرين:

أحدهما: اعتبار الحرية والبلوغ والعقل في الإحصان.

[وجه اعتبار الحرية قوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات} [النساء: 25]، أي: الحرائر كما ذكرنا، فإذا كانت الحرية شرطا في إكمال [الجلد] فلأن تكون شرطا في الرجم، وهو أكمل من تمام الجلد كان أولى.

قال المتولي: والمعنى في ذلك: أن العقوبة [تتغلظ بتغلظ] الجناية، والحرية تغلظ الجناية من وجهين:

أحدهما: أنها تمنع من الفواحش، لأنها صفة كمال وشرف، والشريف يصون نفسه مما يدنس عرضه، والرقيق مستذل مهان، لا يتحاشى ما

ص: 174

يتحاشاه الحر، ولذلك قالت هند [عند] البيعة:"أو تزني الحرة؟! ".

والثاني: أنها توسع طريق الحل؛ ألا ترى أن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد، ولا ينكح إلا امرأتين، ومن ارتكب الحرام مع اتساع [طرق الحل]، كانت جنايته أغلظ.

ووجه اعتبار البلوغ والعقل: كون الصبي والمجنون لا يجب عليهما الحد كما تقدم.

[و] الأمر الثاني: اعتبار الحرية والبلوغ والعقل في حالة الوطء في النكاح الصحيح، ووجهه قوله صلى الله عليه وسلم:"الثيب بالثيب [جلد مائة والرجم"؛ لأن ذلك يقتضي أن الرجم مستحق بالزنى] بعد الثيوية، ولو جاز أن تكون الثيوبة حاصلة [في الوطء][في النكاح] الصحيح عند انتفاء الحرية والتكليف، لأدى [إلى إيجاب] الرجم على العبد والصبي والمجنون، وهو لا يجب، أو لما كان استحقاق الرجم بالزنى متعقبا للثيوبة؛ كما دل عليه الخبر. وللمعنى الأول أشار في "الوسيط" بقوله:"إذ ليس يحصل التحصين بالمباح به؛ لأن المباح [هو الوطء]. والضمير في قوله "به" عائد إلى النكاح الصحيح، وكأنه قال: إذ ليس يحصل التحصين بالوطء المباح بالعقد الصحيح حالة الوطء]؛ فإنه لو زنى بعد تلك الحالة لم يقم عليه حد المحصن، وكذا فيما بعد الكمال] والله أعلم.

ثم ظاهر كلام الشيخ على هذا التقرير يقتضي أن للإحصان شرطا

[واحدا]: وهو الوطء في النكاح الصحيح، وأن لهذا الشرط ثلاثة شروط:

وقوعه في حالة الحرية والبلوغ والعقل، [وقد عد القاضي أبو الطيب شروط]

ص: 175

الإحصان أربعة: الحرية، والبلوغ، والعقل، والوطء في النكاح الصحيح، وقال في "الحاوي": إن ذلك مذهب الشافعي، وعليه جمهور أصحابه.

وعبارة الشيخ منطبقة على قول البندنيجي: [المذهب]: أن شرائط الإحصان أربعة: أن يطأ في نكاح صحيح، وهو حر، بالغ، عاقل. [لكن يلزم على هذا: أن يقال: إذا وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل] وكان ذميا، فالتحق بدار الحرب، ثم استرق، فزنى: إنه يرجم.

وقد صرح القاضي الحسين وغيره بأن عليه جلد خمسين والتغريب – إن رأيناه – لا غير؛ لأن الاعتبار في الحدود بحالة الوجوب؛ فيجب أن يقال: المحصن الذي يجب عليه الرجم: من وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل في حال الوطء وحالة الزنى، [و] يدخل في ذلك ما إذا استمر على الحرية والعقل من [حين] الوطء في النكاح الصحيح إلى فراغه من الزنى، وما إذا وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك، [ثم نقض العهد، واسترق، ثم عتق فزنى؛ أو وطئ في نكاح صحيح وهو كذلك]، ثم جن، وأفاق، ثم زنى – فإنه يرجم في هذه الأحوال اتفاقا؛ لعود الإحصان واستمراره؛ كما صرح به القاضي [الحسين].

وألحق ابن الصباغ بذلك ما إذا وطئ في نكاح [صحيح] وهو كذلك، ثم ارتد وأسلم، ثم زنى.

وقد حكى الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين عن بعضه أصحابنا: أن شرط الإحصان واحد، وهو الوطء في النكاح الصحيح، والحرية والبلوغ والعقل شروط في وجوب الرجم دون الإحصان، وفرع عليه القاضي الحسين في باب حد القذف فرعا: وهو ما إذا تزوج العبد، ووطئ في النكاح، ثم عتق في خلال الزنى – فإن نزع في الحال، لا يرجم. وإن نزع، ثم أولج، رجم. وإن لم ينزع [لكن مكث] وداوم عليه، ففي رجمه وجهان؛ بناء على ما لو

ص: 176

جامع امرأته في [شهر] رمضان، وطلع الفجر، ولم ينزع، هل تجب الكفارة، قال: وقد ذكرنا فيه قولين.

وقد ذكر الشيخ ثمرة الخلاف السابق، حيث قال: فإن وطئ وهو عبد ثم عتق، أو صبي ثم بلغ، أو مجنون ثم أفاق – فليس بمحصن؛ لما ذكرناه، وهو ما ادعى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنه ظاهر المذهب، واختاره في "المرشد" ومعظم الأصحاب؛ لقول الشافعي – رضي الله عنه – في النكاح: ولو أصاب الحر البالغ، أو [أصيبت] الحرة البالغة – فهو إحصان.

[قال]: وقيل: هو محصن؛ لأنه وطء يتعلق به الإحلال للزوج الأول؛ فوجب أن يتعلق به الإحصان كما لو وطئ في حال الكمال، وهذا ما صححه في "الوسيط" وقال البندنيجي وغيره: إنه قول [من] جعل شرط الإحصان واحدا: وهو الوطء، [كما أشرت] إليه.

وحكى القاضي الحسين وجها ثالثا: أن وطء العبد يحصل الإحصان دون وطء الصبي؛ لأن وطء العبد وطء كامل، ووطء الصبي ليس بكامل؛ لأن القلم لا يجري عليه.

ووجها رابعا عن أبي إسحاق على ضد هذا؛ لأن الصبي حر كامل.

وفي "الرافعي" حكاية الوجهين – أيضا – عن رواية الشيخ أبي حامد، وأنه وجه الأخير بأن الرق يوجب نقصان النكاح، بخلاف الصغر؛ ألا ترى أن الرقيق لا ينكح سوى امرأتين، وللولي أن يزوج الصغير أربعا؟!

تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:

أحدهما: أن ما ذكره حد لإحصان الرجل، ولا شك في أنه حد لإحصان المرأة – أيضا – وقد يستأنس لهذا الإطلاق بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا له في عبد

".

والثاني: أنا حيث نعتبر [صفة] الحرية والبلوغ والعقل في الواطئ

حالة وطئه في النكاح الصحيح، لا نعتبر ذلك في الموطوءة في النكاح الصحيح،

ص: 177

حتى لو وطئ الحر [البالغ] العامل أمة أو صبية أو مجنونة [في نكاح] صحيح، ثبت الإحصان في حقه دونها، وكذلك العكس. وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في "تعليقه"[عن] رواية القاضي أبي حامد عن الشافعي – رضي الله عنه – في كتاب النكاح من القديم، وأنه حكى عنه في النكاح من "الأمالي": أنه لا يصير واحد منهما محصنا إلا أن يكونا كاملين في حال الوطء؛ لأنه وطء لم يصر به أحدهما محصنا؛ إلا أن يكون كاملين في حال الوطء؛ لأنه وطء لم يصر به أحدهما محصنا؛ [فلا يصير به الآخر محصنا] كوطء الشبهة، وعلى ذلك جرى في "المهذب"، وصحح القول الأول، وتبعه الرافعي.

وفي "الحاوي" الجزم بما ذكره الشيخ فيما إذا كانت الموطوءة ناقصة، وكذا فيما إذا كانت كاملة والواطئ ناقصا [بسبب رق] أو جنون، وإن كان بسبب صغر، وكان مما يستمتع بمثله كالمراهق، ففي تحصيل حصانتها قولان:

أحدهما – وبه قال في "الإملاء"-: لا يحصنها؛ لضعف إصابته.

و [القول] الثاني – نص عليه في "الأم" – أنه قد حصنها وإن لم يتحصن بها؛ لأن المعتبر في الإصابة تغييب الحشفة، ولا يعتبر فيه الضعف؛ كإصابة الشيخ.

وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي والقاضي الحسين حكاية القولين منصوصين؛ كما ذكره الماوردي، وأنهما جاريان فيما إذا وطئ الكامل صغيرة.

وفي "الوسيط" حكاية الخلاف المذكور في الصورتين وجهين، وقال: إنما ينقدح هذا في الصغير الذي لا يشتهي، أما المراهق [فلا ينقدح فيه خلاف؛ إذ العاقلة لو مكنت من نفسها مجنونا رجمت، والمراهق] المشتهي كالمجنون، وبهذا جزم القاضي الحسين. وقال في "الوجيز": الأظهر فيما إذا كان الصغير في محل الشهوة – وجوب الرجم، وإن [لم] يكن ففيه تردد.

قال: وإن كان في غير محصن، فإن كان حرا فحده جلد مائة؛ لقوله تعالى:

ص: 178

{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 20].

قال الماوردي: وسمي الجلد جلدا؛ لوصوله إلى الجلد.

قال: وتغريب عام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر: [جلد] مائة وتغريب سنة".

قال: إلى مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأن ما دون ذلك في حكم الحضر؛ ولهذا نقول: من سافر دون ذلك، لا يفطر ولا يمسح على الخفين مدة المسافرين، وإذا كان من مكة على دون هذه المسافة، كان من حاضري المسجد الحرام؛ فلا دم عليه إذا تمتع.

[و] لأن المقصود بالتغريب إيحاشه [بالبعد] عن الأهل والوطن، وفيما دون مسافة القصر تتواصل الأخبار، ولا تتم الوحشة؛ وهذا ما ذهب إليه الأكثرون.

وحكى الماوردي عن ابن أبي هريرة [وجها]: أنه يجوز لما دون مسافة القصر بحيث ينطلق عليه اسم الغربة، وتلحقه مشقة ووحشة [في المقام]؛ لمطلق الخبر، وهو في "المهذب" أيضا.

وفي "التتمة" وجه [آخر]: أنه يجوز إلى موضع لو خرج المبكر إليه، لم يرجع [من يومه].

والصحيح الأول: وهو الذي لم يورد أبو الطيب سواه.

وهذا بيان لأقل المسافة، فلو رأى الإمام تغريبه إلى [ما] فوق مسافة القصر، فعل.

روي أن أبا بكر – رضي الله عنه – غرب إلى فدك، وعمر إلى الشام،

ص: 179

وعثمان إلى مصر، وعلي إلى البصرة والكوفة، وهذا ما أورده الماوردي والمصنف وغيرهما.

وفي "التتمة": أنه إذا وجد على مسافة القصر موضع صالح، لم يجز التغريب إلى البعيد.

تنبيهات:

أحدها: تعيين جهة التغريب، حكى الإمام فيه وجهين.

أحدهما: للزاني، ورأى أنه الأظهر؛ لأن المقصود إيحاشه [بالإبعاد] عن الموضع بقدر مرحلتين، فإذا حصل هذا الغرض، [فليأخذ] في أي صوب شاء، وعلى هذا جرى الغزالي.

والثاني: للإمام، قال الرافعي: وهو اللائق بالزجر والتعنيف. وبموافقة ما ذكره صاحب التهذيب: أن الإمام لا يرسله إرسالا، بل [يغربه إلى بلد معين. وفي "الحاوي": أن الإمام مخير في تغريبه] بين أمرين:

أن يعين البلد الذي يغرب إليه، ويلزمه المقام فيه، ولا يجوز له الخروج منه، ويصير كالحبس، [ولا يعتقل في ذلك الموضع، فليحفظ بالمراقبة والتوكيل به، فإن احتيج إلى الاعتقال اعتقل، وقال في موضع آخر: إنه لا يعتقل إلا أن به، فإن احتيج إلى الاعتقال اعتقل، وقال في موضع آخر: إنه لا يعتقل إلا أن يتعرض للزنى وإفساد الناس؛ فيحبس كفا عن الناس].

والثاني: ألا يعيد البلد؛ فيجوز له إذا جاوز مسافة التغريب أن يقيم في أي

ص: 180

البلاد أراد، وينتقل إلى أي البلاد شاء.

وقد حكى الإمام وجها آخر فيما إذا عين الإمام بلد التغريب، فغرب إليه: أنه لا يمنع من الانتقال منه، وهو الذي أورده [أبو سعيد] المتولي، واختاره الإمام بعد نسبة مقابله إلى رأي بعض المصنفين، وأنه لم يذكره أحد من الأئمة، وأنه باطل؛ لأنه جمع بين حبس وتغريب، ولم تشهد له سنة ولا قياس.

وما ضعفه الإمام هو ما صححه [القاضي] الروياني في "الحلية"؛ لأن في تمكينه من السير والضرب في [الأرض] نوع تنزه.

الثاني: ابتداء العام [من أي وقت يحسب؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي وغيره.

أحدهما:] من وقت إخراجه من بلد الزنى.

والثاني: من وقت حصوله في الموضع الذي غرب إليه، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب.

الثالث: لا ترتيب في إقامة الجلد والتغريب؛ فيجوز فعل أحدهما قبل الآخر.

الرابع: لا بد في التغريب من أمر الإمام أو نائبه، حتى لو أراد الإمام تغريبه، فخرج بنفسه، وغاب سنة، ثم عاد – لم يحصل؛ لأن المقصود التنكيل، وإنما يحصل بنفي السلطان، وهذا هو الصحيح في "تعليق" القاضي الحسين وغيره.

وعن [كتاب] ابن كج [حكاية] وجه بعض الأصحاب: أنه يكتفي بذلك، وهو في "تعليق" القاضي الحسين أيضا، وبه جزم الماوردي، وفرق بينه وبين الجلد بأنه حق [يستوفى منه]؛ فلم يجز أن يستوفيه، والتغريب [انتقال] إلى مكان وقد وجد.

ص: 181

الخامس: إذا كان المغرب امرأة، فهل تغرب وحدها؟ [فيه] وجهان:

أحدهما: نعم؛ لأنه سفر واجب، فأشبه الهجرة؛ فإنها إذا كانت تخاف الفتنة على دينها كان عليها أن تسافر وحدها.

وأصحهما – وبه جزم أبو الطيب -: المنع؛ لقوله ?: "لا تسافر المرأة إلا ومعها زوجها أو محرم لها". ولأنه لا يؤمن عليها.

هكذا أطلق مطلقون الوجهين، ومنهم القاضي الحسين، وخصهما الإمام ومن تبعه بما إذا كان الطريق آمنا، وأشار إلى القطع بالمنع إذا لم يكن الطريق آمنا.

فعلى هذا: إن تطوع محرمها بالخروج معها، غربت.

وإن أبى ورضي الزوج، غربت. فإن لم يكن، أو كان وأبى، ووجدت نسوة ثقات أو امرأة واحدة تخرج في صحبتها – غربت.

وقيل: لا يكتفي بالنسوة.

فإن امتنع [من] يجوز التغريب معه من السفر إلا بالكراء، كان [الكراء] من مال الزانية؛ لأن ذلك من مؤنة هذا السفر، وذلك يجب عليها؛ كما تجب نفقتها وكذا ركوبها؛ قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي.

فإن لم يكن فمن بيت المال.

وعن كتاب ابن كج: أن نفقة المغرب ومؤنته من ماله بقدر ما يشترك فيه السفر والحضر، وما زاد بسبب السفر فهو في بيت المال، وهو ما أورده الماوردي والقاضي الحسين، وقالا: إنه إذا لم يكن فيه شيء كان في كال الزاني.

وقياس هذا: أن تكون أجرة المحرم ومن في معناه من بيت المال مع

القدرة، و [قد] صرح به الغزالي، ورجحه البغوي وابن كج، وصححه القاضي

ص: 182

الحسين، وقال: إنه إذا لم يكن في بيت المال شيء كان من مالها و [لو] لم يوجد إلا المحرم، وامتنع من الخروج مع بذل الأجرة له – فهل يجبر على الخروج؟ فيه وجهان:

أحدهما – عن ابن سريج – نعم؛ للحاجة إليه في إقامة الواجب.

والمذهب – كما قال البندنيجي -: أنه لا يجبر؛ كما في الحج، ولأنه تغريب من لم يذنب.

وعلى هذا، فالقياس: أن يؤخر التغريب إلى أن يتيسر، وبه جزم ابن الصباغ.

وعن الروياني: أنها تغرب، ويحتاط الإمام في ذلك.

السادس: أنه لا فرق في وجوب التغريب بين أن يكون الزاني من أهل البلد التي زنى فيها، أو غريبا عنها. نعم، لا يغرب الغريب إلى بلده، ولا إلى موضع بينه وبينها دون مسافة القصر.

قال الغزالي: فلو انتقل بعد ذلك إلى بلده، فالظاهر: أنه لا يمنع. وحكى غيره أنه يمنع، وهو الأشبه في "الرافعي".

فروع:

لا يمكن المغرب [من][أن يستصحب][معه] أهله وعشيرته؛ لأنه لا يستوحش حينئذ، وله أن يحمل جارية يتسرى بها وما يحتاج إليه [من نفقة] لنفسه ولمن يخدمه. قاله القاضي الحسين، وتبعه البغوي، وفي "التنمية": أنه لو خرج مع عشيرته لم يمنعوا.

إذا زنى المسافر في الطريق، غرب إلى غير مقصده.

وإذا عاد المغرب إلى الموضع [الذي غرب] منه، [رد إلى الموضع الذي غرب فيه]، وهل يستأنف المدة أو يحتسب بما مضى دون مدة الرجوع؟

الذي أورده في "الوجيز": الاستئناف، وقال في "الوسيط": إنه الأظهر.

ص: 183

وهذا ما أبداه الإمام.

والذي حكاه القاضي الحسين والماوردي والبندنيجي [والمتولي]: مقابله.

قال الرافعي: وقد خرج بعضهم هذا الخلاف من الخلاف في أنه: هل يجوز في اللقطة تغريب سنة للتعريب؟

إذا زنى المغرب في الموضع الذي غرب فيه غرب إلى موضع آخر.

قال ابن كج والماوردي: ويدخل فيه بقية الأول؛ لأن الحدين من جنس واحد فتداخلا.

وفي "تعليق" القاضي الحسين وجه آخر: أنه لا يغرب [منه]؛ لأن تلك البقعة لما صلح أن يكون التغريب بها عقوبة في الزنى الأول؛ فكذا في الثاني.

إذا انقضت مدة التغريب، فهل يجوز للمغرب الرجوع إلى وطنه؟ أطلق الأكثرون: الجواز.

وقال الماوردي: إن عين الإمام موضع التغريب، لم يجز إلا بإذن الإمام، فإن خالف عزر، كما إذا خرج من الحبس بغير إذن، وإن لم يعين له الموضع جاز من غير إذن، قال: والأولى أن يكون بإذن.

إذا ادعى المغرب انقضاء السنة فالقول قوله إذا لم تكن بينه – قاله الماوردي – لأنه من حقوق الله – تعالى، ويحلف استظهارا.

ولا يسقط عن المغرب في زمان التغريب نفقة زوجته، وتنقضي مدة العنة والإيلاء.

قال: وإن كان عبدا فحده جلد خمسين، عدول الشيخ عن لفظ "الرقيق" إلى لفظ "العبد" يجوز أن يكون من باب ذكر أحد الأمرين والمراد هو مقابله كقوله تعالى:{سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81]، ويجوز أن يكون للتنبيه على مذهب المخالف – وهو: داود – فإنه رأى أن حد العبد مائة وحد الأمة خمسون؛ تمسكا بقوله تعالى: {الزانية والزاني} الآية، وقوله تعالى:{فإذا أحصن} ،

ص: 184

أي: بالإسلام، أو العقل أو البلوغ، كما تقدم {فعليهن نصف ما على المحصنات} ، أي: الحرائر، {من العذاب} [النساء: 25]، فأوجب على كل زان جلد مائة، وخص الأمة بالاقتصار على خمسين، فبقينا فيما عداها على [موجب] الأول، وهذا هو الأقرب.

ودليلنا عليه: أن العبد ناقص بالرق؛ فوجب أن يكون [حده على النصف من الحر]؛ كالأمة.

وإنما قلنا: إن العلة في نقصان حد الأمة الرق؛ أنها [إذا] عتقت وزنت، كمل حدها.

فإن قيل: قد قرأ ابن عباس: {فإذا أحصن} بضم الألف، ومعناه: زوجن، ومقتضى ذلك: أنهن إذا لم يزوجن لا يجب [عليهن] حد، وكذلك العبد؛ كما صار إليه ابن عباس.

قيل في جوابه: إن المنع أخذ من دليل الخطاب، [وقد روى] البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت [ولم تحصن]، فقال:"إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم [إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت] فبيعوها ولو بضفير" يعني: حبلا، قال القاضي الحسين:[يعني]: حبلا باليا. وهذا منطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم.

ولأن من لزمه الحد بعد التزويج، لزمه قبل التزويج؛ كالحر والحرة، [وقد روي عن أبي ثور أنه قال:"يجب عليه جلد مائة"].

قال: وفي تغريبه ثلاثة أقوال:

أحدهما: لا يجب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها

ص: 185

الحد

" أربع مرات، ولم يذكر النفي.

ولأن النفي إنما أمر به للوحشة في الانقطاع عن الأهل، والعبد لا وحشة عليه [في ذلك؛ لأنه لا أهل له في الغالب، و [لأن] فيه تفويت حق السيد]، وهذا ما اختاره [القاضي] أبو حامد، وهو أحد قولي الجديد، كما قال البندنيجي.

وقال بعض الشارحين: إنه أضعف الأقوال؛ لأن العبد إذا [ألف موضعا شق عليه الانتقال، ويدل عليه وجوب نفي الغريب.

وحق السيد لا يبالي به في عقوبات الجرائم؛ ألا ترى أنه يقتل إذا ارتد، ويحد إذا قذف، وإن تضرر السيد؟! مع إمكان إجارته واستعماله في الغربة.

والثاني: يجب تغريب عام، لأن [أمة لابن] عمر – رضي الله عنهما – زنت فجلدها، وغربها إلى فدك، ولا مخالف له؛ فدل على ثبوته.

وأما اعتباره سنة؛ فلأنها مدة مقدرة بالشرع لأمر يتعلق بالطبع؛ فاستوى فيها الحر والعبد؛ كمدة العنة والإيلاء، وهذا ما رواه ابن أبي هريرة مخرجا، قال القاضي أبو الطيب: [ولا يحفظ عن الشافعي.

وفي "تعليق" القاضي الحسين و"الحاوي" والبندنيجي: أنه قوله في القديم، وأشار إلى ذلك ابن الصباغ أيضا.

والثالث: يجب تغريب نصف عام؛ لأنه حد يتبعض فينقص العبد فيه عن الحر؛ كالجلد، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد والماوردي والإمام والقاضي الحسين كما حكاه في كتاب اللعان. وقال هنا: إنه الجديد، وكذلك المزني، وقال

ص: 186

أبو الطيب]: إن المزني قال: إنه أولى قوليه، وبه قطع في موضع آخر، وعلى هذا جرى أبو إسحاق المروزي، فجرم به، وعلى هذا يجيء في مؤنة التغريب الخلاف السابق.

فإن قلنا ثم: إنها على الحر، كانت هنا على السيد، وإن قلنا ثم: إنها في بيت المال، فكذلك هاهنا، وقد صرح بهما الجيلي، وحكى الماوردي في كتاب اللعان الوجهين في نفقة الأمة في مدة التغريب، وعلل وجه كونها على بيت المال: بأن السيد ممنوع منها، وحكى هنا وجها في أصل التغريب: أن الإمام إن تولى جلد الرقيق غربه، وإن تولاه السيد لم يغربه.

وما ذكرناه في القن يجري في المدبر والمعتق بصفة والمكاتب وأم الولد، وفيمن نصفه رقيق ونصفه حر ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه كالكامل الرق، وبه جزم الماوردي.

والثاني: أنه يجب عليه ثلاثة أرباع الجلد، وقياسه: أن يغرب تسعة أشهر؛ تفريعا على الصحيح؛ لأنه يحتمل التقسيط وألزم قائله [أن يجوز له نكاح ثلاث نسوة.

والثالث: أن يفرق بين] أن يكون بينه وبين سيده مهايأة أو لا، فإن كانت ووقع الزنى في نوبة نفسه، فعليه حد كامل، وإن زنى في نوبة سيدة أو لم يكن بينهما مهايأة، فعليه حد الأرقاء.

قال: ومن لاط وهو من أهل حد الزنى، يعني لكونه بالغا عاقلا مختارا عالما بتحريم اللواط، وهو مسلم أو ذمي أو مرتد – ففيه قولان:

أحدهما: يجب عليه الرجم؛ أي: محصنا كان أو [غير محصن]؛ لما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط [فارجموا الأعلى والأسفل].

ورواية أبي داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من

ص: 187

وجدتموه يعمل عمل قوم لوط] فاقتلوا الفاعل والمفعول به".

وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وكذا النسائي ولفظة:"لعن الله من عمل عمل قوم لوط".

وعلى هذه الرواية: فدليل كون القتل بالرجم ما روى أبو داود عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية، قال: يرجم.

ولأنه قتل وجب بالوطء؛ فكان بالرجم كقتل الزاني؛ وهذا ما نص عليه في كتاب "اختلاف علي وعبد الله"، كما نقله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين، واختاره البغداديون.

وقيل على هذا في المسألة قول آخر أو وجه: أنه يقتل بالسيف، ويحكى عن أبي الحسين [ابن] القطان والبصريين؛ لأن إطلاق القتل ينصرف إليه؛ بدليل قتل المرتد.

وقيل يهدم عليه جدار، أو يرمى من شاهق حتى يموت؛ أخذا من عذاب قوم لوط. قال الله تعالى:{فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة} [الحجر: 74].

والثاني: يجب عليه الرجم إن كان محصنا، والجلد والتغريب إن لم يكن محصنا؛ لأن الله – تعالى – سمى هذا الفعل: فاحشة، بقوله تعالى: {لتأتون

ص: 188

الفاحشة} [العنكبوت: 28]، و [قد] قال تعالى:{والذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16]، [ثم] قال صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا

" الحديث؛ فدل على ذلك حد الفاحشة؛ لأنه بيان للآيتين.

وقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"، وإذا ثبت أن هذا زنى، دخل تحت قوله تعالى:{الزانية والزاني فاجلدوا} الآية [النور: 2].

ولأنه حد يجب بالوطء فاختلف البكر والثيب [فيه] كحد الزنا. وهذا ما حكاه الربيع، وقال: إن الشافعي – رضي الله عنه – رجع فيه عن الأول؛ كما نقله الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين، وهو المشهور من المذهب؛ كما نقله المصنف والقاضي وأبو الطيب، وصححه الرافعي وصاحب "المرشد" والنواوي.

وحكى المراوزة قولا: أن الواجب في اللواط التعزيز؛ لأنه وطء لا يجب المهر [إلا] بالإيلاج فيه، فلا يجب به الحد؛ كإتيان البهيمة، وهو مخرج منه.

قال [الرافعي]: ومنهم من لم يثبت هذا القول.

قلت: وهم العراقيون.

ولا فرق في ذلك بين أن يصدر هذا الفعل في أجنبي أو [في] مملوكة، على الصحيح.

وقيل: إذا جرى في مملوكه، كان في وجوب الحد قولان؛ لقيام الملك؛ كما

ص: 189

لو وطئ أخته [من الرضاع] المملوكة، وهذا ما نسبه القاضي الحسين إلى الشيخ أبي سهل الأبيوردي، والقائلون بالأول فرقوا بأن الملك [ثم] يبيح الإتيان في القبل على الجملة، فإذا لم يتجه في الأخت انتهض شبهة، ولا يبيح هذا النوع بحال.

وهذا كله بالنسبة إلى الفاعل، أما المفعول به: فإن كان [صغيرا أو مجنونا أو مكرها، فلا حد عليه، ولا يجب [له] المهر؛ لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم. وإن كان ممن يجب عليه الحد، فإن قلنا: يجب عليه القتل كيف كان، فكذلك هو، ويقتل كما يقتل الفاعل. وإن قلنا: إن حده كحد الزنى، فيجلد المفعول به ويغرب، محصنا كان أو غير محصن؛ قاله الرافعي والقاضي الحسين، ووجهه بأنه لا يتصور إدخال الذكر في دبره على وجه مباح حتى يصير محصنا ويقال برجمه إذا مكن من نفسه.

وفي "الحاوي"[أنه يستوي على هذا القول الفاعل والمفعول به فيما ذكرناه].

وفي "الوسيط": أن في اعتبار إصابته زوجته في نكاح صحيح، نظرا وترددا.

تنبيه: اللواط: إتيان الرجل الرجل، وسمي بذلك؛ لأن أول من عمله من الأناسي قوم لوط، وإلا فقد روي أنه – عليه السلام – قال:"أول من لاط إبليس لما هبط من الجنة فردا لا زوجة له، فلاط بنفسه، فكانت ذريته منه".

وهل يلتحق بذلك في الحكم إتيان المرأة الأجنبية في دبرها؟ فيه طريقان في "الوسيط":

أظهرهما: نعم؛ لأنه إتيان في غير المأتي فيجيء في الفاعل الأقوال، وتكون عقوبة المرأة الجلد والتغريب على قولنا: إن حده كحد الزنى. وهذا ما

ص: 190

أورده في "الوجيز"، ويحكى عن الشيخ أبي حامد، وحكى البندنيجي [عن] النص مثله، ورجحه البغوي، وعلى [هذا] إن كانت مكرهة وجب لها [مهر المثل].

والثاني: أنه زنى؛ [لأنه وطء صادف أنثى، فأشبه وطأها في القبل. قال الرافعي: وهذا ما [اختاره ابن كج، وأورده في "المهذب"]، وهو المذكور في "الحاوي"، وفي الشامل – أيضا – في باب إتيان النساء في أدبارهن، وفي "الإبانة" هنا.

فعلى هذا: حده حد الزنى بلا خلاف، وترجم المرأة إن كانت محصنة.

وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب الشهادة على الحدود: أن الصحيح على هذا القول: أن المرأة تجلد، سواء كانت بكرا أو ثيبا؛ لأنها لا تصير محصنة بالتمكين من دبرها، بخلاف الرجل؛ فإنه يصير محصنا [بإيلاج الذكر].

قال: وإن أتى بهيمة ففيه قولان كاللواط، أي: كالقولين في اللواط، وهو ما ذكره الشافعي هنا، وقال في "الوسيط": إنه وجه مخرج.

ووجه الأول: ما روى أبو داود عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة [عن ابن عباس] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه". قال: قلت [له]: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك [إلا] أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل [وأخرجه النسائي]؛ فهذا الحديث دل على القتل.

وأما كونه بالرجم؛ فلأنه قتل وجب بالوطء؛ فكان بالرجم كقتل الزنى، وهذا رأي البغداديين.

وذهب البصريون – تفريعا على وجوب القتل كيف كان – أنه يقتل بالسيف؛

ص: 191

كما تقدم مثله في مسألة اللواط.

ووجه القول القاني: أنه إيلاج في فرج [يجب به الغسل؛ فوجب به الحد، وفرق فيه بين البكر والثيب] كالإيلاج في فرج المرأة.

[قال]: وقيل فيه قول ثالث: أنه يعزر؛ لما روى [أبو داود] عن عاصم -[وهو] ابن أبي النجود – عن أبي رزين، [وهو] مسعود بن مالك الأسدي، عن ابن عباس قال:"ليس [على الذي يأتي بهيمة حد" وأخرجه النسائي. وهذا لا يقوله إلا توقيفا، وإذا انتفى الحد ثبت التعزيز؛ لأنه أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة، ولأنه [أتى فرجا] لا تميل إليه النفس ولا تدعو الشهوة إلى مواقعته، والحدود شرعت زواجر عما تدعو إليه النفوس؛ ألا ترى أنه لو شرب الخمر لوجب الحد، ولو شرب البول لم يجب؛ لما ذكرناه.

وهذا القول ادعى في "الوسيط": أنه المنصوص، وغيره قال: إنه أخذ من قول الشافعي – رضي الله عنه – في الشهادات: "ويكون فيما يسأل الإمام الشهود: أزنى بامرأة؟ [لأنهم قد] يعدون الوقوع على البهيمة زنى، [وقد يعدون] الاستمناء زنى"، وهو الأصح عند البغوي، وصاحب "المرشد"، والرافعي، والنواوي. ويقال: إن عليه أكثر أهل العلم، وكذلك قال الإمام: إنه الأصح عند الأصحاب وعن "البيان"[حكاية] طريقة قاطعة [به.

قال:] فإن كانت [البهيمة تؤكل]، وجب ذبحها؛ للحديث.

قال القاضي الحسين والماوردي: واختلف في المعنى فيه:

فقيل: لأنها ربما تأتي بولد مشوه [الخلق].

ص: 192

[قال الماوردي: روي أن راعيا أتى بهيمة فولدت خلقا مشوها].

قال القاضي الحسين: وعلى هذا لا تذبح إلا إذا كانت أنثى وقد أتاها في فرجها.

وقيل: لأن في بقائها تذكارا للفاحشة؛ فيعتبر بها.

قال القاضي: وعلى هذا تذبح ذكرا كانت أو أنثى، [أتاها] في فرجها أو في دبرها.

قال: وأكلت؛ لأنها حيوان مأكول ذبحه من هو من أهل الذكاة؛ فحل أكله كغيرها من الحيوانات المأكولة؛ وهذا أصح في "الجيلي" و"المرشد"، واختاره الإمام والبغوي، وعن ابن كج [القطع به].

وقيل: لا تؤكل؛ لأنها مأمور بقتلها لغير قربة، وما أمر بقتله لا يؤكل؛ كالسبع، وقد أشار إلى هذا ابن عباس – رضي الله عنه – حين سأله عكرمة [كما تقدم]، وهذا أصح عند الشيخ أبي حامد؛ كما نقله الرافعي.

قال: وإن كانت لا تؤكل، فقد قيل: تذبح؛ لإطلاق الخبر، وقيل لا تذبح؛ لأن النبي ? نهى عن ذبح الحيوان لغير مأكلة؛ وهذا ما صححه النواوي وصاحب "المرشد"، والحديث الأول راويه عمرو، وهو ضعيف، وقد بين البخاري ضعفه حيث قال: عمرو [صدوق، ولكنه يروي عن عكرمة مناكير.

وقال أيضا: وعمرو يروي] عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري أسمع أم لا؟ وهذه الطريقة حكاها القاضي الحسين والشيخ أبو جامد وجماعة، ولم يوردوا سواها، وكذا البندنيجي بعد قوله: إن الشافعي – رضي الله عنه – ما تكلم على البهيمة بشيء، وإنما تكلم فيها أصحابه.

ص: 193

وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما وجها فيما إذا كانت البهيمة تؤكل: يمنع الذبح؛ لأنها أسوأ حالا من المجنونة [و] المستكرهة، ثم لا تحدان؛ [فكذا: هذه] وهو مأخوذ من قول الشافعي – رضي الله عنه – في كتاب "اختلاف علي وعبد الله" بعد روايته الخبر السابق عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: إن صح قلت به؛ لأن في روايته ضعفا.

فرع: إذا قلنا بوجوب الذبح، ولم تكن البهيمة له، فإن كانت مما يحل أكلها، وقلنا بحله، وجب [على] الفاعل ما بين قيمتها حية ومذبوحة، [و] إلا وجبت [القيمة كلها]؛ لأنه المتسبب في إتلافها، كذا قاله القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمصنف، وهو الأصح في "الرافعي".

وحكى ابن الصباغ عن أبي علي الطبري أنه [قد] قيل: إن قيمتها في بيت المال، وهو الذي صححه القاضي الحسين.

وفي "الوسيط" و"الحاوي": حكاية وجه أنه لا [يغرم لصاحبها شيء]؛ لأن الشرع أوجب قتلها للمصلحة.

وما ذكرناه من وجوب الحد أو التعزيز في إتيان الرجل البهيمة، يجري فيما إذا مكنت [المرأة] قردا أو ذئبا من نفسها؛ ذكره البغوي وغيره.

وقال القاضي الحسين: المذهب: أنه يجب عليها الحد، [ويمكن أن يقال: لا يجب؛ لأنه لا يحصل لها اللذة والشهوة بهما.

وقتل البهيمة في هذه الصورة لا يجيء إلا إذا قلنا: العلة في المسألة السابقة: خشية تذكار الفاحشة، وإن ما لا يؤكل يقتل].

قال: [وإن وطئ أجنبية ميتة، فقد قيل: يحد؛ لأنه إيلاج في فرج لا شبهة [له] فيه، فهو كفرج الحية؛ وهذا ظاهر المذهب في "تعليق" البندنيجي.

وقيل: لا يحد؛ لأنه غير مقصود، ولا يميل الطبع إليه، وعلى هذا يعزر.

ص: 194

والخلاف جار فيما إذا لاط بميت، وقد رواه [المصنف] في "المهذب" وجهين، وقال القاضي [الحسين]: إنه قولان كالقولين في إتيان البهيمة؛ وقياس هذا: أنه يكون الصحيح الثاني، وبه صرح النواوي وصاحب "المرشد"، وجزم به في "الوسيط".

قال: وإن وطئ أجنبية فيما دون الفرج، عزر، أي: ولا حد عليه؛ لما روى أبو داود، عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم [فقال]: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة؛ فأصبت منها دون أن أمسها، فأما هذا فأقم علي ما شئت. فقال عمر: قد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فانطلق الرجل، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فدعاه، فتلا عليه: {وأقم الصلاة طرفي النهار

} الآية [هود: 114]، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس؟ فقال:"للناس كافة"، وأخرجه مسلم والترمذي.

وهكذا الحكم فيما إذا وطئ رجلا فيما دون الدبر.

قال: وإن استمنى بيده عزر؛ لأنها مباشرة محرمة بغير إيلاج؛ فكان كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وإنما قلنا: إنها محرمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ملعون من نكح يده".

ولأنها مباشرة تفضي إلى قطع النسل؛ فحرمت كاللواط.

قال المتولي في كتاب النكاح: ويخالف ما إذا استمنى بيد المرأة أو

ص: 195

الجارية، حيث يجوز له ذلك؛ لأنها محل الاستمتاع، بخلاف يده.

وعلى ذلك جرى الروياني في "التجربة".

وحكى الرافعي عن ابن كج: [أن] في تحريمه توقفا في القديم.

وفي "فتاوى" القاضي: أن امرأته لو غمزت ذكره بإذنه فأمنى، كره ذلك؛ لأن العزل مكروه.

[قال: وإن أتت المرأة المرأة عزرتا؛ لأنه فعل محرم لم يحصل فيه الإيلاج، فلم يوجب إلا التعزيز؛ كالمباشرة فيما دون الفرج.

قال القاضي أبو الطيب: وتحريم ذلك تحريم الزنى، ويأثم كما يأثم الزاني، لرواية أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"].

قال: وإن وطئ جارية مشتركة بينه بين غيره، أو جارية ابنه، عزر [، أي:] ولا يحد.

أما في الجارية المشتركة؛ فلأنه اجتمع مع يوجب الحد وما لا يوجبه، والحد مبني على الإسقاط.

وأما في جارية الابن؛ فلما للأب فيها من الشبهة بدليل لحوق نسب الولد.

وفي "الحاوي" وجه: أنه لا يعزر.

قال: وإن وطئ أخته بملك اليمين ففيه قولان:

أحدهما: يحد؛ لأنها محرمة عليه [على] التأبيد، وملكه ليس شبهة فيه؛ كما لو وطئ عبده.

وبقولنا: "على التأبيد" خرجت الجارية المشتركة والمزوجة والمعتدة؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، وهو من الكتب الجديدة؛ كما قال الرافعي. وقال الإمام: إنه منصوص عليه في القديم، فعلى هذا: هل يثبت النسب لو أتت منه بولد؟ وهل تصير أم ولد [له]؟ فيه خلاف سبق، وادعى البندنيجي أنه ثابت على القولين معا.

ص: 196

[و] الثاني: [يعزر،] وهو الأصح؛ لأنه وطئ في ملكه في المحل المستباح على الجملة؛ فلم يجب به الحد؛ كما لو وطئ أمته الحائض.

وفي "تعليق" البندنيجي أن هذا القول مع الأول منصوصان في آخر "الإملاء".

وقد وافق الشيخ على التصحيح القاضي أبو الطيب والحسين والبندنيجي.

وحكى الرافعي طريقة مجربة لهذا الخلاف فيما إذا وطئ الجارية المشتركة، والمزوجة والمعتدة عن الغير والجارية المجوسية والوثنية، ووطئ الكافر الجارية التي أسلمت في ملكه قبل البيع.

وقد حكينا وجه الإيجاب في الجارية المشتركة في باب عتق أم الولد من تخريج الإمام، وأن الإصطخري خرج قولا في وجوب الحد على الأب إذا وطئ جارين الابن، مما إذا وطئ أخته المملوكة؛ لأجل أن الوطء في الصورتين حرام بالاتفاق، ووجوبه فيما إذا كانت الجارية موطوءة الابن أظهر؛ لقوة المشابهة، وهو ما حكاه الإمام فيها نصا عن القديم.

وحكى البندنيجي الخلاف فيما إذا كان الابن قد وطئها: وجهين.

وحكى الروياني في "التجربة" عن الأصحاب: القطع به فيما إذا كان الابن قد استولدها، وخص محل الخلاف بما إذا لم تكن مستولدة؛ وكانت موطوءة الابن.

وفي "الوسيط" الجزم بعدم الوجوب إذا حبلت من الأب، وأن الخلاف فيما إذا لما تحبل. والصحيح: ما أورده الشيخ كما تقدم.

وجارية بيت المال إذا وطئت: هل يجب الحد على واطئها؟ تقدم الكلام فيه في أواخر باب: قسم الفيء والغنيمة.

قال: وإن وطئ امرأة في نكاح مجمع على بطلانه، وهو يعتقد تحريمه: كنكاح ذوات المحارم، أي بالقرابة أو بالرضاع أو النكاح، أو استأجر امرأة للزني، فوطئها – حد، أي: خلافا لأبي حنيفة في الجميع.

أما في الأولى؛ فلقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} [النساء: 22]، فجعل الله

ص: 197

- تعالى - وطء امرأة الأب أغلظ من الزنى؛ [لأنه قال فيه: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32]، وزاد [فيه] هاهنا:{مقتا} ، وإذا كان أغلظ من الزنى،] وجب أن يكون أولى بوجوب حده.

وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: "من وقع على ذات رحم [محرم] فاقتلوه".

قال الماوردي: وهو محمول على مواقعتها بالنكاح؛ لأن غير النكاح يستوي فيه ذات المحرم وغيرها، وإذا كان كذلك فهو عام في المحصن وغير المحصن، إلا أن الدليل قد دل على أن غير المحصن لا يقتل؛ فبقي العموم فيما عداه.

وأما فيما إذا استأجرها على الزنى؛ فلأنه عقد باطل بالإجماع؛ فلم يكن شبهة في درء الحد؛ كنكاح ذوات المحارم.

وهكذا الحكم فيما إذا تزوج بامرأة خامسة، أو بمن طلقها ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره، أو بمعتدة، أو بأخت زوجته ونحوها، أو بمرتدة، أو بذات زوج، أو نكح الكافر مسلمة ووطئها.

وبمثله أجاب البغوي فيما إذا وطئ وثنية أو مجوسية بنكاح.

وعن "جميع الجوامع" في المجوسية: أنه لا يجب الحد؛ لأن في نكاحها خلافا.

وكما يجب عليه فيما ذكرناه الحد عندنا، [يجب على المرأة – أيضا – خلافا له. ولا خلاف عندنا] وعنده في أنه لو استأجر امرأة لغسل أو خبز أو غير ذلك، فزني بها - وجب [عليه] الحد.

قال: وإن وطئ في نكاح مختلف [في إباحته: كالنكاح] بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة لم يحد؛ لأنه نكاح مختلف في صحته؛ فإن أبا حنيفة

ص: 198

– رحمه الله – يصحح النكاح بلا ولي، ومالك – رحمه الله – يصححه بلا شهود، وابن عباس – رضي الله عنه – يروى عنه إباحة نكاح المتعة؛ وإذا كان كذلك، لم يجب [به] الحد؛ للشبهة كما لو وطئها في عقد وليه فاسق.

وقيل: إن وطئ في نكاح بلا ولي، وهو يعتقد تحريمه – حد؛ لقوله - ?:"لا تنكح المرأة المرأة؛ إنما الزانية [هي التي] تنكح نفسها".

ولأن الاعتبار بما يعتقده؛ ألا ترى أنه لو رأى أمة [في داره] ظنها أمته، فوطئها – لا حد عليه، ولو علم أنها أجنبيه وجب الحد.

وقد روي أن رفقة جمعت ركبا فيهم امرأة، فجعلت أمرها إلى رجل، فزوجها، فجلد عمر – رضي الله عنه – الناكح والمنكح، وهو قول أبي بكر الصيرفي.

وحكى الإمام في آخر [باب] الغصب: أن الصيدلاني قال به.

وفي الرافعي: أنه يحكي عن الإصطخري وأبي بكر الفارسي أيضا.

قال: وليس بشيء؛ لقوله ?: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، والاختلاف شبهة.

[وأما قوله: إن الاعتبار بالاعتقاد، فهو إذا اعتقد تحريمه من طريق النظر كانت شبهة] المخالف قائمة فيه، بخلاف أمة الغير.

وأما الخبر فالمراد به تشبيهها بالزانية في تبرجها واستقلالها بضم نفسها؛ ولهذا قال: "الزانية هي التي تنكح نفسها"، ولم يقل: التي تنكح نفسها زانية.

وأما فعل عمر – رضي الله عنه – فإنما فعل ذلك؛ تأديبا لا حدا؛ [لأنه] لا يجب الحد على المنكح ولا على الناكح إلا بعد الوطء، ولم ينقل.

فإن قيل: ما ذكرتموه من المعنى يبطل بالنبيذ؛ فإنكم تحدون فيه، وفيه شبهة المخالف.

ص: 199

قيل: الجواب عنه من وجوه:

أحدها: أن الغرض من الحد الردع والزجر، والنكاح بلا ولي لا يفتقر إلى ذلك؛ لأنه لا غرض فيه يدعو النفس إليه، وليس كذلك [في] النبيذ؛ [فإنه لا طريق إلى استباحته]، والنفس تدعو إليه؛ فلا يمكن الزجر عنه إلا بالحد؛ ألا ترى أنا نحد من اعتقد إباحته، بخلاف النكاح بلا ولي؛ وهذا ما أورده ابن الصباغ.

والثاني – قاله الإمام – أن كل ما يحذر من الخمر فهو في النبيذ موجود، وليس كذلك الزنى.

والثالث – قاله القاضي أبو الطيب في كتاب السير -: أن الوطء في هذا النكاح لا يئول إلى حالة تحرم بالإجماع، وليس كذلك النبيذ؛ فإن له حالة تئول إلى ما يحرم بالإجماع بمعنى حالة السكر؛ فوجب الحد.

قال الإمام: وكان شيخي يحكي عن الصيرفي في ثبوت الحد على الحنفي في النكاح بلا ولي – طرد قياس النص في شرب النبيذ، وحكاه الرافعي عنه، وعن غيره، وعن الشيخ أبي علي: أنه حكى عنه القطع بأنه لا حد عليه.

وقد ذكرت في كتاب النكاح خلافا في وجوب الحد على من وطئ في نكاح المتعة؛ بناء على القول بأن ابن عباس – رضي الله عنه – رجع عن [القول بإباحته]، وقد نسب الغزالي القول بإيجاب الحد فيه على هذا التقدير إلى القديم، وما أرده الشيخ [فهو] بناء على أنه لم يرجع عنه.

فإن قيل: إذا كان خلاف ابن عباس في حل نكاح المتعة شبهة دارئة للحد مع ثبوت تحريمه بالنص؛ فينبغي أن يجعل عطاء في إباحة الجواري شبهة دارئة للحد عمن وطئ جارية الغير بإذنه.

قيل: قد اختلف الأصحاب في ذلك:

فمنهم من رأى ذلك؛ عملا بالأصل المذكور.

ومنهم من أوجب الحد، وهو الصحيح؛ لأنه لم يصح هذا المذهب عن عطاء،

ص: 200

وقد أشار إليه [الغزالي] في كتاب الرهن حيث قال: وقيل: [إن] مذهب عطاء إباحة الجواري.

نعم، لو ادعى الواطئ جهله بتحريم ذلك مع الإباحة، فهل يقبل؟ تقدم الكلام [عليه] في أول الباب.

فرع: إذا شهد [شاهدا زور] على نكاح [رجل] لامرأة، فلا تحل له عندنا؛ خلافا لأبي حنيفة.

فإذا وطئها الزوج وهو عالم بالحال، قال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين: عليه الحد دونها إن كانت مكرهة.

قال ابن الصباغ قبيل كتاب الشهادات: وفيه نظر؛ فإن التحريم مختلف فيه؛ ولأجل ذلك قال في "البحر" في باب عدد الشهود: وقال بعض أصحابنا: في وجوب الحد نظر، وأنا أقول: لا يلزم الحد؛ لأنه مختلف في إباحته، وخلاف أبي حنيفة في صحة النكاح أعظم الشبهة؛ فالوطء وطء شبهة، سواء كان عالما أو جاهلا.

قال: وإن وجد امرأة في فراشة، فظنها زوجته، أي أو مملوكته الكاملة له، فوطئها - لم يحد، [أي]: خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم؛ فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة".

ولأن الحد يتبع الإثم، ولا إثم عليه.

ولأنه وطء يتعلق به تحريم المصاهرة؛ فلم يجب به الحد؛ كالوطء في النكاح الفاسد، وقبل [قوله] في دعوى ذلك؛ للاحتمال.

وأما المرأة: فإن اعتقدت ما اعتقده، فلا حد عليها أيضا.

ص: 201

وإن علمت بالحال، وجب عليها [الحد] دونه.

وهكذا إذا استدخلت ذكر نائم أو مجنون، أو أكرهته على الوطء.

ولو ظن [الواطئ]: أنها جاريته المشتركة بينه وبين غيره، وقلنا: لا يجب الحد بوطئها مع العلم؛ كما هو الصحيح – قال الإمام: ففيه تردد، ويظهر أن يقال: لا حد؛ لأنه ظن ما لو تحققه لاندفع الحد، ويجوز أن يقال: يجب؛ لأنه علم التحريم، [ثم ظن] أنه اقترن به ما يدفع الحد، ولم يكن؛ فكان من حقه إذا علم التحريم أن يمتنع.

فرع: إذا وجدت امرأة جامل ولا زوج لها، قال البندنيجي وابن الصباغ: تسأل، فإن قالت: إنه من زنى، أقيم عليها الحد، وإن قالت: إنه من وطء شبهة، فلا حد عليها. [وقال في "الحاوي": لا يجوز أن تسأل عما يوجب حد الزنى عليها قبل الوضع، وكذا بعده إن [كان] الولد ميتا. وإن وضعته حيا سئلت؛ لما يتعلق به من حق الولد.

ولو سئلت فسكت، قال الأصحاب: لا حد عليها.

وقد ذكرت في باب ما يلحق [من النسب] عن الروياني: أن الحمل إذا كان مجهول الحال حمل على أنه من زنى، وقضية ذلك: إيجاب الحد، وهو الذي يشهد له حديث عمر السابق في أول الباب.

قال: وإن زنى بامرأة، وادعى أنه جهل تحريم الزنى: فإن كان [ممن] يجوز أن يخفى عليه بأن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة لم يحد؛ لأنه يحتمل ما يدعيه، وقد روي أن رجلا قال: زنيت البارحة، فسئل، [فقال]: ما علمت أن الله حرمه، فكتب [بذلك] إلى عمر بن الخطاب

ص: 202

– رضي الله عنه – فكتب: إن كان علم أن الله حرمه فحدوه، وإن لم يعلم فأعلموه، فإن عاد فارجموه.

وهكذا الحكم فيما إذا كان مجنونا، فأفاق، ووطئ لوقته، ثم ادعى ذلك – يصدق.

قال الماوردي: ولا يلزم إحلافه؛ استظهارا؛ لأنه الظاهر من حاله.

ولو ادعى من ذكرناه العلم بالتحريم، وأنه لم يعلم تعلق الحد به – فقد جعله الإمام على التردد الذي ذكرناه فيما إذا وطئ امرأة على ظن أنها جاريته المشتركة بينه وبين غيره، وكانت غيرها، أما إذا كان قد نشأ [فيما] بين المسلمين وهو عاقل، حد؛ لأن الظاهر خلاف ما يدعيه، ولو ادعى في هذه الحالة جهله بكون المرأة معتدة حال النكاح والوطء، أو أنها ذات زوج – حلف إن كان ما يدعيه ممكنا، [ودرئ عنه] الحد. نص عليه.

وعن القاضي أبي حامد أنه قد قيل: إن اليمين استظهارا. وهذا يوافق ما حكيناه عن "الحاوي".

تنبيه: نشأ في بادية، مهموز، يقال: نشأ ينشأ [نشئا] ونشوءا -[بالواو]- وأنشأه الله: خلقه، والاسم: النشأة، والنشأة [بالمد]:[الحدث: الذي جاوز الصغر، والجارية ناشئ أيضا، والجمع: النشء].

قال: وإن وطئ امرأته في الموضع المكروه، أي: المحروم وهو الدبر [عزر]، أي: ولا يجب عليه الحد؛ لأنه مختلف في إباحته، ولأنها محل استمتاعه على الجملة؛ وهذا ما أورده القاضي الحسين، ولفظ "المختصر" – كما نقله ابن الصباغ -: أنه ينهاه الإمام، فإن عاد عزره. ولعل محل النهي إذا جهل تحريم ذلك.

ص: 203

وحكى [الرافعي] طريقة أخرى [قاطعة]: بأن حكمه حكم من وطئ أخته [بملك اليمين]؛ فيكون على القولين.

وعلى [هذا] جرى الغزالي؛ حيث قال: وجب على التعزيز على المذهب، وقال الإمام في باب إتيان النساء في أدبارهن: إن تخريجه على القولين في وطء مملوكته المحرمة عليه لم يشر إليه أحد من الأصحاب، لا تصريحا ولا تعريضا، بل صرحوا بنفي الحد لما فرعوا على القول القديم في وطء مملوكته المحرمة عليه، وقطعوا بأن وطء الزوجة في حال الحيض لا يوجب الحد. ثم قال: والإتيان في غير المأتى بين وطء الحائض وبين وطء المملوكة المزوجة، وتشبيهه بوطء الحائض أقرب.

وحكم وطء أمته في الموضع المكروه بالنسبة إلى الحد وعدمه، حكم وطء الزوجة، وأما لحوق النسب ففيه خلاف سبق، وقد حكاه الإمام في كتاب النكاح، وهذا فيما إذا كانت الأمة حلالا له، فلو كانت أخته أو مجوسية ونحوها، قال في "المحيط": فالمذهب: وجوب الحد.

قال: وإن وطئها [وهي حائض] عزر، أي: ولا يحد.

أما انتفاء الحد؛ فلأن ذلك جرى في محل استمتاعه؛ فكان شبهة.

وأما وجوب التعزيز؛ فلأنه محرم، كما سبق دليله في باب الحيض، ولا حد فيه ولا كفارة.

وعن "حلية" الشاسي: أن الجديد: [أنه] لا شيء عليه سوى التوبة والاستغفار. وكأنه أخذه من ظاهر قوله في "المختصر" فإن وطئ في الدم استغفر الله – تعالى – ولا يعود.

قال [الشيخ- رحمه الله:] وقال في القديم: [إن كان في] إقبال الدم، وجب عليه دينار، وإن كان في إدباره، وجب عليه نصف دينار؛ لما روى ابن عباس أنه عليه السلام قال في الذي أتى امرأته وهي حائض: "يتصدق

ص: 204

بدينار أو بنصف دينار"، وعلى هذا فما المراد بإقبال الدم وإدباره؟

قيل: إقباله: ما قبل انقطاعه، وإدباره: ما بعد انقطاعه، وهذا منسوب إلى أبي إسحاق. قال الإمام: وهو درئ لا تعويل عليه.

وقيل: إقباله: حالة قوة الدم، كالأسود بالنسبة إلى الأحمر، وإدباره: حالة ضعفه، كالأحمر بالنسبة إلى الأسود.

[ثم يصرف] المأخوذ إلى الفقراء أو المساكين.

وحكى بعض الأصحاب: أنه يجب عليه عتق رقبة كما ذهب إليه عمر – رضي الله عنه – وهو في "الحاوي" معزى إلى قول سعيد بن جبير.

والصحيح الجديد: أنه لا غرم؛ لأنه وطء محرم للأذى، فلم يتعلق به غرم كالوطء في الدبر، وأما الحديث فقد أوقف الشافعي – رضي الله عنه – في القديم العمل به على صحته، فمنهم من قال: لم يصح، ومنهم من قال: إنه صح، لكنه منسوخ؛ فإنه ورد في ابتداء الإسلام، وكانت العقوبات بالأموال، ثم ورد ما نسخه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لم يجعل في المال حقا سوى الزكاة".

قال: ولا يقيم الحد [على الحر] إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام؛ لأنه لم يقم حد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء – رضي الله عنهم – إلا بإذنهم.

وعن "تتمة التتمة": أن الشيخ أبا سعيد المتولي حكى عن رواية القفال قولا: أنه يجوز [استيفاؤه للآحاد]؛ على سبيل الحسبة؛ كالأمر بالمعروف.

قال الرافعي في قتال أهل البغي: ولا يجوز للإمام أن يتخذ جلادا كافرا لإقامة الحدود.

ص: 205

قال: ويجوز للولي – أي: المكلف، الرشيد، الحر، العدل، العالم بقدر الحدود وأسبابها – أن يقيم الحد على عبده وأمته؛ لما روى النسائي عن علي – كرم الله وجهه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:["أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"، وروى مسلم عن أبي هريرة قال]: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر"، وفي رواية:"ولو بضفير أو بحبل من شعر"، وفي رواية لأبي داود أنه قال: في كل مرة: "فليضربها كتاب الله ولا يثرب عليها". وقال الرابعة: "فإن عادت فليضربها كتاب الله، ثم ليبعها ولو بحبل من شعر"، وأخرجه البخاري ومسلم بنحوه.

والمذكور في كتاب الله – سبحانه – عقوبة للزاني هو الحد، لا التعزيز والتثريب والتعيير والتبكيت.

ص: 206

قال القاضي الحسين: والبيع المذكور في الحديث منسوخ.

وحكى الطحاوي عن أبي ثور: أنه قال بوجوبه بعد الرابعة، وعن [ابن القاص تخريج قولين في إقامته على العبد، وكأنه ألحق ذلك بالإجبار على النكاح، ولم يساعده الأصحاب على ذلك، وقطعوا بأن له إقامة الحد عليهما.

وقيل: [إن ثبت بالإقرار جاز [له]]، وإن ثبت بالنية لم يجز، والمذهب الأول.

ظاهر كلام الشيخ في [حكاية] هذه الطريقة يقتضي خلاف المراد؛ لأنه [يقتضي أن الحد إذا ثبت بالنية عند الحاكم على عبده وأمته ليس له إقامته، وإن ثبت بإقرارهما [فله]، وليس كذلك، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي و"الشامل" وغيرهما: أنه [له] في الحالين.

قال القاضي الحسين: ولا يستأذن الحاكم فيه، وإنما المراد أن السيد هل يسمع البنية على رقيقه بما يوجب الحد عليه أم لا؟

فعلى وجه نسبه القاضي أبو الطيب إلى ابن أبي هريرة: أنه ليس له ذلك؛ لأن ثبوت الشيء بالبنية يتوقف على معرفة عدالتها، وربما أفضى ذلك إلى طلب التزكية، وهذا منصب الحكام.

وعلى وجه – وهو المنصوص [و] الصحيح -: له سماع البنية والبحث عنها، والتجريح والتعديل إذا كان عالما بصفات الشهود، فإذا عرف ذلك حده؛ لأنه سبب يملك به الحاكم إقامة الحد، فملك به السيد ذلك؛ كالإقرار. وعلى هذا: لو علم السيد [سبب وجوب الحد، وقلنا: للقاضي أن يقضي بعلمه في الحد، كان للسيد] أن يقيم الحد، وإلا فلا يجوز.

وفي "الحاوي": أنه إذا جوز ذلك للحاكم ففي جوازه للسيد وجهان؛ لاختلاف الوجهين في جواز حده بالبينة.

ص: 207

قال القاضي الحسين: والعلم في ذلك يحصل بأن يعترف عنده، ولم تكن بينة؛ أو قال: رأيته يزني. وجعل محل الجلد بالإقرار المتفق عليه ما إذا أقر عبده بين يدي الشهود.

ولا فرق في الحد المفوض إلى السيد بين الجلد والتغريب على المذهب في تعليق القاضي الحسين، والصحيح في غيره، وعن بعض الأصحاب – وربما نسب إلى ابن سريج -: أن التغريب للإمام؛ تمسكا بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها"، فاقتصر على الإذن في الجلد.

قال القاضي أبو الطيب: وهو غلط؛ لأن ابن عمر جلد أمة له زنت ونفاها إلى فدك.

وكما يجوز للسيد إقامة الحد على مملوكه يجوز للإمام – أيضا – حتى إذا ابتدر أحدهما فاقامه، وقع الموقع.

وعن رواية الشيخ أبي خلف الطبري وجهان في أن: الأولى للسيد أن يقيم الحد بنفسه؛ ليكون أستر، وكي لا تنقص قيمة العبد بظهور زناه، أو الأولى أن يفوضه الإمام؛ ليخرج من الخلاف؟

وإذا تنازع في إقامته السيد والإمام، فمن الأولى منهما؟ فيه احتمالان للإمام، أظهرهما: أنه للإمام؛ لولايته العامة؛ كما أنه أولى بإمامة الصلاة.

قال: فإن كان المولى فاسقا أو امرأة فقد قيل: لا يقيم؛ لأنها ولاية في إقامة الحد فمنع منها الفاسق والمرأة كولاية النكاح، وهذا ما نسبه القاضي أبو الطيب وغيره في الفاسق إلى أبي إسحاق، وفي المرأة إلى ابن أبي هريرة، وعلى هذا ما يقيمه على رقيق المرأة؟ فيه وجهان:

أحدهما: وليها؛ كما يزوج أمتها.

والثاني – وهو الأظهر في "الرافعي"-: الحاكم.

والوجهان محكيان في الطريقين.

ص: 208

وقيل: يقيم، وهو الأصح:

أما في الفاسق؛ فلمعلوم الخبر، ولأنها ولاية تستحق بالملك فلم تعتبر فيها العدالة كتزويج أمته، وهذا ما نص عليه في القديم، كما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.

وأما في المرأة؛ فلما روى الشافعي – رضي الله عنه – بسنده: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جلدت أمة لها زنت [الحد]، وأن عائشة – رضي الله عنها – قطعت جارية لها سرقت، وحفصة قتلت جارية لها سحرتها، ولم ينكر عليهن أحد. وقد وافق الشيخ على التصحيح الجمهور، [فعلى هذا: هل تقيم المرأة الحد بنفسها، أو تأمر رجلا يستوفيه؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين:

أحدهما: تقيمه بنفسها؛ كالتعزيز؛ وهذا ما أورده البندنيجي.

والثاني: توكل رجلا؛ وهو اختيار المزني.

قال القاضي: ونظيره إذا ثبت لها القصاص مع جماعة، وأرادوا الاستيفاء، ففي وجه: لا تدخل [المرأة] في القرعة، وفي وجه: تدخل، ثم إذا خرجت قرعتها أمرت رجلا بالاستيفاء.

وقياس القاضي الوجه الأول على التعزيز يفهم أنها تقيمه وجها واحدا.

وقد حكى الرافعي وجها: أن السيد لا يعزر عبده لحق الله تعالى؛ لأن التعزيز غير مضبوط؛ فيفتقر إلى نظر واجتهاد.

قال: وإن كان مكاتبا [فقد قيل: يقيم؛ لعموم الخبر، ولأنها ولاية مستفادة من الملك فأشبهت سائر تصرفاته؛ وهذا ما اختاره الرافعي والنواوي.

وقيل: لا يقيم، وهو الأصح؛ لأن ملكه غير تام.

وأيضا: فذاك ولاية، والمكاتب ليس من أهل الولايات.

وقد وافق الشيخ على [تصحيح هذا البغوي].

ص: 209

وعلى هذا: فمن يستوفيه؟

حكى القاضي الحسين عن القفال: أنه سيد المكاتب، وأنه طرد ذلك فيما إذا زنى المكاتب: أن له إقامة الحد عليه؛ لأن ملكه باق عليه، ولا عبرة بجواز التصرف؛ كما يقيم على أم ولده وعلى عبده المرهون وأمته المزوجة، وهذا هو حكاه الرافعي عن تخريج ابن القطان.

والمذهب في كتاب ابن كج: أن السيد لا يقيم الحد على عبد مكاتبه.

وقد بنى القاضي الحسين الخلاف في المكاتب والفاسق والمرأة على أن الرجل الحر استفاد إقامة الحد على رقيقه لماذا؟ وفيه معنيان:

أحدهما: بحكم الولاية؛ فعلى هذا: لا يقيمه المذكورون؛ وكذا إذا كان السيد ذميا، وهو المذهب [فيه].

والثاني: لتحصين الملك، فعلى هذا يملكون إقامة ذلك؛ وكذلك الذمي يملكه على أمته المسلمة؛ كما له [أن يزوجها].

وقضية هذا الأصل المذكور: أن يكون الصحيح في الصور المذكورة واحدا، وهو قضية ما ذكره البندنيجي، فإنه قال: الحكم في الفاسق والمكاتب واحد.

لكن الذي رجحه القاضي الحسين وغيره في المرأة والفاسق والمكاتب – ما رجحه الشيخ.

قال القاضي الحسين: ويخرج على [هذين الوجهين] ولي الطفل في ماله. ثم قال: وفيه نظر؛ لأن الحد إنما يولي بالتولية أو بالملك، وليس له واحد منهما؛ لأنه لا ملك له، والسلطان لم يوله ذلك. وهذا الكلام [قد] يفهم: أن الأب [أو الجد] بقيمه جزما، وإن جرى الخلاف في القيم والوصي، وهذه طريقة صرح بها الرافعي هكذا، وحكى طريقة أخرى طاردة للخلاف في الجميع، قال: وربما بني الخلاف على الخلاف في [أن] ولي الطفل: هي يزوج

ص: 210

رقيقة أم لا؟ وهو ما صرح به الفوراني في الوصي، ويشبه أن يقال: إن جعلنا [الحد] استصلاحا، فلهم إقامته. وإن قلنا: يقام بطريق الولاية، ففيه الخلاف.

فرع: من بعضه حر وبعضه رقيق لا يملك إقامة الحد على ما ملكه ببعضه الحر، وكذا لا يملك مالك [بعضه] الرقيق إقامة الحد عليه إذا فعل موجبه اتفاقا، قاله الماوردي.

وقال الإمام: رأيت في نسخة من "تعليق" الصيدلاني إلحاقه بالمدبر، وهو خطأ صريح، [ولعله من] علل النسخ.

ولو كان العبد بين شركاء وزعت السياط على قدر أملاكهم، فإن وقع كسر فوضوا المنكسر إلى أحدهم، أما إذا لم يكن السيد عالما بالحدود، قال في "الحاوي": منع من إقامتها؛ لأنه لم يعلم وجوب الحد حتى يرجع فيه إلى غيره، فإن رجع إلى حاكم جاز أن يعمل على قوله فيما حكم به من وجوب وإسقاط، ويقوم باستيفاء ما حكم به الحاكم، وليس للإمام نقصه، وإن رجع فيه إلى استيفائه، نظر: فإن كان الحد متفقا [على وجوبه][جاز للسيد أن يستوفيه بقول من أفتاه، وإن كان مختلفا في وجوبه] ففي جواز استيفاء الحد بفتياه وجهان.

وفي "الرافعي"[حكاية] عن "البيان" وغيره أنه: هل يجوز أن يكون السيد جاهلا؟ ينبني على أن استصلاح أو ولاية، فعلى الثاني يكفي أن يكون عالما بمقدار الحد وكيفيته.

قال: ولا يقيم الحد في المسجد؛ لما روي أبو داود عن حكم بن حزام [أنه] قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستفاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود"، والمعنى فيه خشية تلويث المسجد بما

ص: 211

يحصل من المحدود من حدث ودم جراحه قد يتفق، وهذا على وجه الكراهة كما صرح به [القاضي] أبو الطيب وابن الصباغ قبيل باب قتال أهل الردة.

وكلام الرافعي يفهم أن ذلك محرم؛ لأنه قال: فلو جلد في المسجد سقط الفرص كما لو صلى أن ذلك محرم؛ لأنه قال: فلو جلد في المسجد سقط الفرص كما لو صلى في [مكان مغصوب].

وكما لا يجلد حدا في المسجد لا يجلد تعزيزا فيه، وهل يجوز إقامة الحدود في دار الحرب؟ قال القاضي الحسين في كتاب السير: الذي نص عليه هنا: أنها تقام، وهو المنصوص في "سير" الأوزاعي كما قاله البندنيجي، ونص في موضع آخر [على] أنها تؤخر إلى أن يخرج من دار الحرب، وهو ما نص عليه في "سير" الواقدي، وقد استدل له بما روى زيد بن ثابت أنه قال:"لا تقام الحدود في دار الحرب؛ مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"، وعن عمر – رضي الله عنه – أنه كتب إلى عماله: ألا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في دار الحرب.

فمن أصحابنا من جعل في الاستيفاء قولين، ولم يورد الفوراني هنا سواهما.

ومنهم من قال: المسألة على حالين، فحيث قال: لا يستوفي، أراد: إذا كان [في المسلمين] ضعف، وهو بعيد من دار الإسلام؛ مخافة هيجان الفتنة، وحيث قال: يستوفي، أراد: إذا كان [في المسلمين] ضعف، وهو بعيد من دار الإسلام؛ مخافة هيجان الفتنة، وحيث قال: يستوفي، أراد: إذا كان في المسلمين قوة، وكان قريبا من دار الإسلام يأمن هيجان الفتنة.

ومنهم من قال: حيث قال: يستوفى أراد: إذا كان الإمام قد فوض استيفاء الحدود إلى أمير الجيش، وحيث قال: لا يستوفي، أراد إذا لم يكن قد فوض ذلك إليه، وعلى طريقة نفي الخلاف جرى البندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب، وادعى ابن الصباغ اتفاق أصحابنا عليها، وحمل النص الأول على [حالة] تفرغ الإمام، والثاني على حالة اشتغاله بتدبير الجيش وما هو أهم من ذلك.

قال: ولا يجلد في حر شديد، ولا [في] برد شديد، ولا في مرض

ص: 212

يرجى برؤه حتى يبرأ؛ لأن المقصود من إقامة الحد الردع والزجر دون القتل، وإقامة الحد في الحر والبرد [والمرض] معين على قتله.

وعن رواية أبي الحسين [بن] القطان وجه: أن المريض لا يؤخر [حده]، بل يضرب بحسب ما يحتمله، كما سنذكره.

[وعلى هذا]: لو ضرب بما يحتمله، ثم برئ، فهل يقام عليه حد الأصحاء؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج أيضا.

وعلى الأول: هل يحبس في هذه الحالة إلى أن يستوفي منه الحد؟ قال الإمام: لا سبيل إلى تخليته، وفيه فضل نظر: فإن ثبت بالبنية فيتجه حبسه؛ كما تحبس الزانية الحامل. وإن ثبت بالإقرار، فالحبس محتمل عندي؛ فإنه إن كان لا يستسلم لحق الله – تعالى – فهين عليه الرجوع عن الإقرار، ويشهد لذلك حديث الغامدية؛ فإنها لما أقرت بالزنى، وكانت حاملا – لم يحبسها رسول الله ?، وخلاها حتى تضع.

ويجوز أن يقال: يحبس المقر، فإن رجع عن الإقرار خلي سبيله.

قال: فإن جلد في هذه الأحوال، فمات، فالمنصوص: أنه لا يضمن، وقيل: فيه قولان سبق توجيههما وتقريرهما في باب: ما تجب به الدية من الجنايات. وللخلاف فرع لم يذكره [ثم،] وهو أن الامتناع من إقامة الحد في هذه الأحوال، هل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب؟ قال الإمام: إن قلنا: لا يضمن، كان على سبيل الاستحباب، وإن قلنا: يضمن، فوجهان:

أحدهما: أن التأخير واجب، وإنما ضمناه؛ لتعديه بترك الواجب.

والثاني: أنه يجوز التعجيل، ولكن بشرط سلامة العاقبة؛ كما في التعزير.

ص: 213

قال الرافعي: وقد يفرق بأن التعزير غير مقدر، فيقال: التعزير المأمور به هو الذي لا يهلك، فإذا أهلك تبين أنه لم يقتصر على المأمور [به]، والحد مأمور به مع كونه مهلكا، فإنه لو والى متعد بضرب مائة سوط وجب القصاص، وأطلق الشيخ في المهذب وغيره القول بأنه لا يجوز التعجيل في هذه الأحوال.

قال الرافعي: ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في وجوب الضمان لو لم يؤخر؛ كما نقول: يجب على الآحاد تفويض إهلاك [الزاني] المحصن إلى الإمام، [مع الخلاف في وجوب الضمان] لو قتله قاتل بغير إذن الإمام.

قال: ولا تجلد المرأة في حال الحبل حتى تضع وتبرأ من ألم الولادة، أي: وينقطع دم النفاس؛ لأن في استيفائه قبل ذلك إتلافا لولدها، ولم يجن وربما كان فيه معونة على قتلها؛ لأن الحامل الولد تضعف [قوتها]، وقد روى مسلم في "صحيحه" قال: خطب [علي – رضي الله عنه –] فقال: أيها الناس، أقيموا على أقارئكم الحد: من أحصن منهم، ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس؛ فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أحسنت"، وفي رواية:"اتركها حتى تتماثل"، ولم يذكر:"من أحصن منهم، ومن لم يحصن".

ولو حدت في حال الحمل، فأجهضت [نظر: فإن لم يعلم بحملها، فإن سقط الجنين ميتا وجبت فيه غرة، وإن وضعته حيا، ثم مات، وجبت ديته، وهل يكون ذلك على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه القولان والكفارة، على التفصيل السابق، وإن كان عالما بحملها، فذلك بمنزلة شبه العمد؛ فيكون في محل الغرة أو الدية القولان.

ص: 214

قال القاضي أبو الطيب: ومن أصحابنا من قال: تكون على عاقلته قولا واحدا؛ لأن ذلك تعد من جهة الإمام بضرب من العمد، ولا يحمل بيت المال إلا ما كان خطأ، وهذه الطريقة لم يورد الإمام سواها، وقد ذكرنا الطريقين من قبل هذا في بدل الجنين.

وأما الأم [إذا ماتت] فإن قيل: إنها ماتت في إقامة الحد؛ لم يضمن، وإن قيل: إنها ماتت من الإسقاط، وجب الضمان، وإن قيل: إنها ماتت منهما، سقط النصف، ووجب النصف، وهل يكون على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ فيه القولان.

قال القاضي أبو الطيب: سمعت [الشيخ] أبا الحسن الماسرجسي يقول: سمعت أبا علي بن أبي هريرة يقول: فيه قول آخر: أن الأم تضمن كالجنين؛ لأنه متعد بضربها؛ فإنه مأمور بتأخير الضرب حتى تضع.

وقد مضى في باب ما تجب به الدية من الجنايات استقصاء ذلك.

قال: ولا يجلد بسوط جديد، أي: يجرح، ولا ببال، [أي]: لا يؤلم؛ [لما روى الشافعي – رضي الله عنه – عن مالك عن زيد بن أسلم: "أن رجلا اعترف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنى، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتى بسوط مكسور فقال: فوق [هذا،] فأتي بسوط جديد لم يكسر ثمره، فقال: بين هذين".

قال ابن الصباغ: وقد روي هذا الحديث مسندا [عن أبي هريرة] عن النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 215

والمذكور في "الموطأ" أنه أتي بسوط لم يقطع ثمره، فقال:"دون هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبين لنا صفحته نقم عليه كتاب الله".

ولأن في الضرب بالجديد زيادة ألم، وبالتالي فوات المقصود، وهكذا الحكم فيما إذا [أراد الضرب] بقضيب فليكن متوسطا: لا رطبا [طريا]؛ لأنه بثقله يشق الجلد ويغوص في البدن، ولا في غاية اليبوسة فلا يؤلم ويتشظى.

قال: ولا يمد ولا يشد يديه، ولا يجرد، بل يكون عليه قميص؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد ولا صفد، والصفد: القيد والشد، وروي أن رجلا أتى أبا عبيدة بن الجراح فأقر عنده بالزنى، فقال [أبو عبيدة: اضربوه وعليه قميص. وأيضا: فإنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمد والشد والتجريد، ولو كان لنقل، كما نقل الحد.

وحكمه عدم الشد: أن يتقي بيديه ما يخاف من تكرر الضرب عليه شدة الألم؛ فيضعهما عليه.

قال: ولا يبالغ في الضرب، أي: يرفع يده فوق رأسه، فينهر الدم؛ لما روي عن علي – كرم الله وجهه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سوط بين سوطين، وضرب بين ضربين". كذا قاله ابن الصباغ وغيره ولم يسنده للرسول صلى الله عليه وسلم.

وروى أبو بكر بن المنذر أن عمر بن الخطاب أتى برجل يريد أن يضربه فدعا بسوط، فقال: ائتوني بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: ائتوني بأشد منه، فأتي بسوط

ص: 216

بين السوطين، فقال: اضربه ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. كذا ذكره أبو الطيب، وروي أن عمر رضي الله عنه – أتي بامرأة راعية أتاها راع، فقال: ويح المرية، أفسدت حسبها، اذهبا بالمرية فاضرباها ولا تخرقوا جلدها.

ولأن القصد من إقامة الحدود الردع والزجر دون الإتلاف؛ وذلك يحصل بالضرب بين الضربين.

ومعنى "ينهر الدم"، أي: يسيل، مشبه بجري الماء في النهر، ويقال: نهر وأنهرته، أي: سال وأسلته، وهو – بفتح الياء والهاء – ولو قرئ: فينهر الدم – بضم الياء وكسر الهاء ونصب "الدم" – لكان صحيحا.

فرع: إذا ضربه، فأنهر الدم وتلف، فإن لم يضربه بعد إنهار الدم [لاستكمال حده فلا ضمان، وإن ضربه بعد إنهار الدم؛ فإن كان في غير ذلك الموضع فلا ضمان [فيه] وإن كان فيه] فوجهان، فإن قلنا به؛ ففي قدره وجهان:

أحدهما: جميع الدية.

والثاني: نصفها، قاله الماوردي.

ولو كان المضروب رقيق الجلد يدمى بالضرب الخفيف فلا يبالي به.

قال: ويفرق الضرب على أعضائه؛ لأثر عمر – رضي الله عنه – السابق حيث قال: "وأعط كل عضو حقه"، وبعضهم يروي هذا اللفظ عن علي – رضي الله عنه – ومنهم المصنف في "المهذب"، والمعنى فيه: أن في موالاة الضرب على موضع واحد تسببا إلى التلف؛ لعظم الألم.

قال: ويتوقى الوجه؛ لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه".

ص: 217

قال القاضي أبو الطيب: وهذا حديث صحيح. وكأنه يشير إلى رواية مسلم [عنه] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ضرب أحدكم أخاه فليتجنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته"، وفي رواية:"إذا قاتل".

ولأن الوجه مجمع المحاسن، وأثر الشين فيه يعظم.

[ومعنى قوله عليه السلام: "خلق آدم على صورته"، يفسره ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق وجه آدم على صورته"].

قال: و [الرأس والخاصرة [والفرج] وسائر المواضع المخوقة، [أي]: كثغرة النحر، ونحوها؛ لأن القصد هو الردع والزجر دون القتل، والضرب في هذه المواضع يؤدي إلى التلف، قال القاضي أبو الطيب [في باب حد الخمر]: سمعت الماسرجسي يقول: غلط بعض أصحابنا فقال: يضرب على رأسه؛ لأن المزني قال: ويتقى الوجه والفرج. وهذا ما حكاه بعض الشارحين والرافعي عن أكثر الأصحاب، ومنهم: القاضي الحسين والغزالي والفوراني، ويحكى عن الشيخ أبي حامد – أيضا – لأن الرأس مغطى؛ فلا يخاف تشويهه، بخلاف الوجه، وقد روي أن أبا بكر – رضي الله عنه – قال للجلاد:"أضرب الرأس؛ فإن الشيطان فيه".

وفي "الكافي": أنه يضرب الرأس أحيانا.

قال الماسرجسي: ووجه الغلط: أن الوجه عبارة عما علاه، ولأنا إذا

اتقينا الفرج؛ لأنه مقتل، فالرأس أولى بذلك؛ لأنه موضع شريف، وفيه مقتل،

ويخاف من ضربه نزول الماء في العين وزوال العقل، وأمر أبي بكر – رضي الله

ص: 218

عنه – معارض بقول علي – رضي الله عنه: "اضرب وأوجع، واتق الرأس والفرج".

قال: وعلى أني وجدت ذلك للشافعي [رضي الله عنه – نصا في "المختصر" للبويطي في باب إملاء الشافعي]، فقال: ويضرب الرجال في الحدود قياما والنساء قعودا ما خلا الوجه، والرأس، والمذاكير، والبطن. وهذا ما صححه أبو الطيب في هذا الباب، وبه جزم الماوردي في باب صفة السوط، وكذا ابن [الصباغ والروياني].

قال: وإن وضع يده على موضع ضرب غيره؛ لأنه يدل على شدة ألمه فلا يؤمن هلاكه لو والى الضرب عليه.

قال: ويضرب الرجل قائما والمرأة جالسة في شيء يستر عليها؛ لأن أبا بكر بن المنذر روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: يضرب الرجل قائما والمرأة جالسة، والمعنى في الرجل: أنه يتمكن من تفريق الضرب على جميع بدنه؛ فكان أولى؛ لقول عمر: "أعط كل عضو حقه"، ولا يجوز قياس المرأة على الرجل؛ لأنها عورة، وقيامها يؤدي إلى كشفها.

قال: وتمسك عليها امرأة ثيابها؛ كي لا تنكشف، كذا قاله الشافعي – رضي الله عنه – وقال: إن الثياب تربط.

قال: فإن كان نضو الخلق، أي: مهزولا هزالا شديدا لا يطيق الضرب، وهو بكسر النون.

قال: أو مريضا لا يرجى برؤه، أي: كمن به السل والزمانة والجذام.

[قال]: [ضرب] بأطراف الثياب وإثكال النخل؛ لما روى أبو داود عن

أبي أمامة أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل

منهم حتى أضنى، فعاد جلده [على عظمه]، فدخلت عليه جارية لبعضهم؛

فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال:

ص: 219

استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على جارية دخلت علي. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليه لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ، [فيضرب بها] ضربة واحدة وهذا نص في الباب.

قال الشافعي – رضي الله عنه: وإذا كانت الصلاة تختلف على حسب اختلاف حال المصلي فالجلد بذلك [أولى].

ويفارق هذا من يرجى زوال مرضه والحامل؛ لأن لزوال ذلك أمدا ينتظر، وهنا لو أخر الحد لأدى إلى تفويته بالكلية؛ لأن شفاءه لا أمد له. نعم، حكى الماوردي وجهين فيما إذا سرق من ذا حاله، وعلم أن القطع قاتله – هل يقطع أم لا؟ وقياس ما ذكرناه أن يقطع خشية من فواته، وهو الصحيح في "تعليق" القاضي أبو الطيب في حالة ثبوت القطع بإقراره، وجزم به في حالة [ثبوته بالبينة].

فرع: إذا أقمنا الحد كما ذكرنا، فبرئ المحدود على ندور – قال الإمام: فالذي قطع به الأصحاب أن ما مضى كاف، ولا نعيد الحد بعد البرء [والاستقلال، وإن أوجبنا على من حج عنه لعضبه [الحج عند البرء]؛] لأن مبنى الحد على الاندفاع بالشبهة، ولو برئ قبل الضرب بالإثكال أقيم عليه حد الأصحاء.

تنبيه: إثكال النخل – بكسرة الهمزة وإسكان المثلثة – والأثكول – بضم الهمزة –

والعثكال – بكسر العين – والعثكول – بضمها – هو العرجون الذي فيه أغصان

الشماريخ التي عليها البسر والرطب، قال أهل اللغة: وهي بمنزلة العنقود

في العنب. و"العثكال" أفصح من "الإثكال"، وجمع "الإثكال" أثاكيل، ويقال: شمراخ

ص: 220

وشمروخ، وعثكال وعثكول، وإثكال وأثكول.

ومراد الشيخ بالإثكال: أن يكون فيه مائة شمروخ، إن كان الزاني حرا، فيضرب بها ضربة واحدة على النحو الذي تقدم فيه الأيمان، أو يكون فيه خمسون شمروخا، فيضرب به دفعتين ونحو ذلك.

وما ذكره من الضرب بأطراف الثياب، قد قال بعض الشارحين: إنه لم [يرد له ذكر] في الكتب المشهورة إلا في "المستظهري"، وهو مذكور في "الشامل" و"تعليق" البندنيحي والقاضي الحسين هنا، وفي "الحاوي" في كتاب اللعان، وحكاه الرافعي عن الروياني أيضا.

ثم في قوله: ضرب بكذا، ما يعرفك أنه لا يكفي وضع ذلك عليه؛ كما حكى الإمام اتفاق الطرق عليه، وأنه يكفي ما يسمى ضربا، وأن بعض المصنفين قال: إنه لا يؤلم بالضرب، وأبدى لنفسه احتمالا، وقال: إذا كان هذا الشخص لا يمكن ضربه بسياط الحد المذكورة و [كان قد] يستقل بأسواط خفيفة [دون سياط الحد – فالذي أراه أنه يجب الضرب بالأسواط الخفيفة].

وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه إذا ضعف عن احتمال سياط الحد فليس [يجب] عليه إلا الضرب بالعثكال، وما ذكروه من الضرب بالعثكال لا أراه زاجرا إذا لم يكن فيه إيلام يتوقع مثله من بدن الصحيح، وهذا ما لا بد منه، وإلا بطل حكم الحد.

[واعلم أن ما ذكرناه في صفة سوط الحد]، وكيفية الضرب فيه، وهيئة المضروب – يعتبر [مثله] في الضرب في التعزير.

وحكى الماوردي، عن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا أنه قال: يجوز أن

يضرب في التعزير بسوط لم يكسر ثمره، فوق سوط الحد، وتكون صفة الضرب

ص: 221

فيه أعلى من صفته في الحد؛ لأن ذنوب التعزير مختلفة؛ فجاز أن يكون الضرب [فيها] مختلفا، وأنه يجوز أن يوالي الضرب [فيها على] موضع واحد من الجسد لا كالحد؛ [لأن الحد لما لم يجز العفو عنه، لم يجز العفو عن بعض الحد]، ولما جاز العفو عن التعزير جاز عن [ضرب [بعض الجسد.

قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن ما يوجب الحد أعظم جريمة مما يوجب التعزير؛ فاقتضى أن يكون التعزير دونه، وجمع الضرب في موضع واحد مفض إلى التلف؛ فكان المنع منه في التعزير المباح أولى، والله أعلم.

قال: وإن كان حده الرجم، فإن كان قد ثبت بالإقرار، فالمستحب: أن يبدأ الإمام، وإن ثبت بالنية، فالمستحب أن يبدأ الشهود؛ لما روي عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: أيها الناس، إنما الرجم رجمان: رجم سر، ورجم علانية، فرجم السر: أن يشهد [عليه الشهود، فيبدأ الشهود فيرجموا، ثم الإمام ثم الناس، ورجم العلانية: أن يشهد] على المرأة بأني وطئتها، فيبدأ الإمام فيرجم، ثم يرجم الناس، ألا وإني راجم فلانة فارجموا. ثم تقدم فرماها بحجر، ثم خلى بينهم وبينها.

ولأن في ذلك امتحان الإمام والشهود؛ فإن من لم يكن منهم محققا لذلك، لم يفعله، فيرجع عما شهد به؛ فيؤدي إلى إسقاط ما لم يجب من الحد؛ ولأجل ما ذكرناه صار أبو حنيفة – رحمه الله – إلى وجوب ذلك، ودليلنا على عدم الوجوب: ما سنذكره من الأخبار الواردة، فيمن أقر عند النبي ? بالزنى؛ [فأمر برجمه، ولم يرجمه بنفسه.

ولأنه أحد حدي الزنى]؛ فلا يجب على الإمام والشهود أن يحضروه، ولا أن يتولوا بأنفسهم شيئا منه كالجلد.

قال: وإن وجب الرجم في الحر أو البرد أو المرض، [أي:] الذي

يرجى برؤه، فإن كان قد ثبت بالبينة رجم؛ لأن المقصود قتله؛ فلا يعتبر حال

ص: 222

الزمان وحاله مع أنه معين على المقصود.

قال: وإن ثبت بالإقرار، فالمنصوص، أي: في "الأم"؛ كما نقله القاضي الحسين هنا، وإن لم يعزه [إليها] في كتاب اللعان – أن يؤخر إلى أن يبرأ، ويعتدل الهواء؛ لأنه ربما تمسه الحجارة فيرجع، فيعين الزمان والضعف على قتله، وهذا ما جزم به الفوراني، واختاره في "المرشد"، وصححه القاضي الحسين في كتاب اللعان، [ونسبه الإمام إلى الأئمة هنا وإلى النص في اللعان] في حالة شدة الحر والبرد. ومن هذه العلة؛ يظهر أنه إذا جن بعد الإقرار بالزنى، لا يحد؛ لأنه قد يرجع عن الإقرار؛ كما صرح به الرافعي في باب الردة، لكن قال البغوي: إن هذا على سبيل الاحتياط؛ فلو قتله لا يجب عليه شيء.

و"الهواء" في لفظ الشيخ [هنا] ممدود، ويكتب بالألف.

وقيل: يقام؛ لأن المقصود قتله، والزمان والمرض يعين [عليه]؛ فكان كما لو ثبت بالبنية، واحتمال رجوعه عن الإقرار معارض باحتمال رجوع الشهود عن الشهادة، وهذا ما صححه النووي، و] قال] القاضي [أبو الطيب] والبندنيجي: إنه المذهب. ونسبا الأول إلى قول [بعض] الأصحاب، وقال الإمام والقاضي في كتاب اللعان: إنه مخرج من نص الشافعي فيما إذا لاعن الزوج بعد قذف زوجته، وكانت محصنة: أنها ترجم في شدة الحر والبرد، قال القاضي: والمرض.

وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" رواية طريقين:

أحدهما: طرد [القولين] فيما إذا ثبت الزنى بالبينة.

وإذا جمعت بين هذه الطريقة وبين ما في الكتاب، جاء في الصورتين ثلاثة

ص: 223

أوجه، وقد حكاها الماوردي في كتاب اللعان، عن رواية ابن أبي هريرة.

أحدها – قال: وهو الظاهر من مذهب الشافعي – رضي الله عنه – والمنصوص عليه في هذا الموضع -: أنه يجعل الرجم، سواء ثبت بإقراره أو بشهادة.

والثاني: يؤخر الرجم ولا يجعل حتى يعتدل الحر والبرد، ويبرأ من مرضه، سواء [ثبت بالإقرار] أو بالبينة؛ لأنه يجوز أن يرجع عن إقراره، ويرجع الشهود عن الشهادة؛ [فلا يعجل عن زمان الترجية حتى يمكن استدراك ما يقع].

والثالث: أنه يؤخر إن ثبت بالإقرار، ولا يؤخر إن ثبت بالشهادة؛ لأن الظاهر من المقر رجوعه؛ لأنه مندوب إلى الرجوع، والظاهر من الشهود: أنهم لا يرجعون؛ لأنهم غير مندوبين إليه.

والطريق الثاني -[وهو] الذي رواه صاحب "التقريب"، وحكاه القاضي الحسين عن بعض أصحابنا: القطع بالرجم في شدة الحر والبرد عند ثبوت الزنى بالإقرار، وحكاية القولين في حالة الثبوت بالبينة؛ فإن الإنسان لا يقر بما يوجب هلاكه إلا عن ثبت وتوطين نفس على ما يلقاه؛ فالرجوع بعيد وإن كان مقبولا، والشهادة في معرض الريب.

وإذا جمعت بين هذه الطريقة وما في الكتاب، جاء في المسألة ثلاثة أوجه في إقامة [الحد في شدة] الحر والبرد، وقد حكاها ابن يونس عن رواية الشيخ أبي حامد:

أحدها: يرجم في الحال.

والثاني: إن ثبت بالإقرار لم يرجم، وإن ثبت بالبينة رجم.

والثالث: عكس هذا.

وحكى ابن يونس عن الشيخ أبي حامد الجزم في حالة المرض بأنه يؤخر الرجم، سواء كان يرجى برؤه أو لا.

وجزم القاضي أبو الطيب بالرجم في حالة عدم رجاء البرء وثبوته بالبينة،

ص: 224

وتخريجه على الوجهين فيما إذا ثبت بالإقرار، وصحح التعجيل؛ لأنه [لا] غاية تنتظر، الله أعلم.

والزنى لثابت بلعان الزوج في حالة إحصانها، نص الشافعي – رضي الله عنه – على أنه لا يؤخر لأجل الحر والبرد، وخرج بعض الأصحاب فيه قولا من نصه في الزنى الثابت بالإقرار: أنه يؤخر.

ومنهم من أقر النصين، وفرق بأن المقر يغلب على الظن رجوعه؛ لحث الطبيعة والشرع عليه، وليس كذلك الملاعن وتكذيبه؛ فإنه غير مستحب له ولا مأمور به، كذا قاله الإمام في كتاب اللعان.

قال: وإن وجب الرجم وهي حامل، لم ترجم حتى تضع؛ لأن في رجمها حال حملها قتل ولدها؛ فلم يجز.

قال: ويستعين الولد بلبن غيرها؛ لأنه إذا حفظ [حال كونه جنينا]، [فبعد] استهلاله أولى. وهذه طريقة الشيخ أبي حامد ولم يورد الماوردي سواها. نعم، حكي فيما إذا كان في البلد مرضعة، ولم تكفله بعد – وجهين في جواز رجمها.

وقد حكيت في باب العفو والقصاص عن النص، وبه قال المراوزة: أنها لا ترجم حتى تفطم الولد، وإن وجدت مرضعة غيرها.

ولناصر طريقة الشيخ أبي حامد أن يستدل لها بما روى أبو داود عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "إني [قد] زنيت، وأنا حبلى، فدعا صلى الله عليه وسلم وليا لها فقال [له]: أحسن إليها، فإذا وضعت فجئ بها، فلما [أن] وضعت جاء بها، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشكت ثيابها، أي: شدت، ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها، فقال عمر – رضي الله

ص: 225

عنه-: [يا رسول الله]، تصلي عليها وقد زنت؟! قال:"والذي نفسه بيده لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها"، وخرجه مسلم وغيره.

ولا يمكن حمل هذا الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالة عدم مرضعة؛ فتعين حمله على حالة وجودها؛ ويدل على ذلك أنه جاء في "مسلم" في قصة الغامدية حين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعها، قال:"لا، إذن ألا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا رسول الله، قال: فرجمها.

لكن للقائلين بالنص في تأخير رجمها إلى الفطام التمسك بما ذكرناه وهو ما روى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة – يعني من غامد – أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني قد فجرت، فقال:"ارجعي" فرجعت، فلما كان الغد أتت، فقالت: لعلك أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، فوالله إني لحبلي، فقال لها:"ارجعي"، فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبي فقالت: قد ولدت، فقال:"ارجعي [فأرضعيه حتى تفطميه] "، فجاءته وقد فطمته وفي يده شيء يؤكل؛ فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرجمت، وكان خالد فيمن يرجمها، فرجمها بحجر، فوقعت قطرة من دمها على وجنته فسبها؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"مهلا يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لغفر له"، وأمر بها فصلى عليها ودفنت. وأخرجه أيضا أتم من هذا.

ولا خلاف أنه إذا لم توجد مرضعة غيرها: أنها لا ترجم؛ بل تمهل إلى الفطام، أو وجود غيرها؛ على الخلاف السابق.

ص: 226

واعلم أن ما ذكرناه من الحديث مصرح بجواز الصلاة على المقتول في الحد، وهو الذي نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – لكن قد يفهم من قول عمر – رضي الله عنه – وجواب الرسول ?:[أنه لا] يصلى على الزاني إذا لم يقم عليه الحد، ولم يتب؛ لأن عمر – رضي الله عنه – قال:"كيف نصلي عليها، وقد زنت" فجعل العلة الزنى، وما ورد من الرسول صلى الله عليه وسلم في جوابه لا ينفي ذلك، بل أقره، وعلل الجواز بتوبتها، وكونها جادت بنفسها، ولم يوجد واحد منهما، والله أعلم.

قال: وإن ثبت الرجم بالبينة، استحب أن تحفر لها حفرة، أي: إلى الصدر؛ لما روى أبو داود عن خالد بن اللجلاج في حديث طويل أن فتى اعترف بالزنى، فقال له النبي ?:"أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم"، قال اللجلاج: فخرجنا به، فحفرنا له حفرة حتى أمكنا، ثم رميناه بالحجارة، حتى هدأ – أي: مات – وأخرجه النسائي.

واللجلاج – بفتح اللام وإسكان الجيم، وآخره جيم – أيضا.

ولأن الظاهر من الشهود: أنهم لا يرجعون؛ فيكون الرجم في الحفرة أسهل.

قال: وإن ثبت بالإقرار، لم تحفر؛ لأنه ربما عن له [أن يرجع ويهرب]، فإذا كان في الحفرة لم يتمكن من ذلك.

وما ذكره الشيخ من الحفر وعدمه هو المذكور في "الأحكام السلطانية"؛ حيث قال: وإذا رجم الزاني بالبينة، حفرت له بئر عند رجمه، ينزل فيها إلى وسطه [تمنعه] من الهرب، وإن رجم بإقراره لم يحفر له.

وقال ابن يونس: [إن] في بعض النسخ: استحب أن يحفر لها [حفيرة].

ص: 227

وهو الصحيح؛ لأن المنقول أن الرجل لا يحفر له، وأما المرأة: فعند الشيخ أبي حامد يحفر لها إن ثبت زناها بالبنية، ولا يحفر لها إن ثبت بالإقرار؛ لاحتمال هربها. وما ذكره من تصحيح هذه النسخة يظهر صحته؛ لأن الشيخ محيي الدين النووي لم ينبه في [هذا الموضع] على شيء، فلو كان لفظ الشيخ:"استحب أن يحفر له"، لنبه على ذلك؛ كما [هي] عادته؛ لأن ما ذكره ابن يونس من الجزم في الرجل بعدم الحفر والتفصيل في المرأة هو الذي نقله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وصاحب "الكافي"، ويحكى عن "جمع الجوامع" أيضا، ووافقهم الماوردي على ذلك في "الحاوي"، وزاد حكاية وجه في حالة ثبوته بالإقرار: أنه يحفر لها؛ تغليبا لحق صيانتها وسترها، وقد روي أن النبي ? أمر بأن يحفر للغامدية إلى الصدر، وكانت مقرة.

قلت: وقائل هذا الوجه لا يفصل بين أن يكون قد ثبت زناها بالبينة أو بالإقرار، وهو ما أورده في "المهذب"، ويحكى عن الشيخ الفراء، واختاره في "المرشد".

وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن القاضي أبا حامد ذكر في "الجامع" أن المرأة إذا ثبت زناها بالإقرار يحفر لها، وإن ثبت بالبينة: فإن شاء حفر، وإن شاء ترك.

قال [القاضي] أبو الطيب: ولا نعلم من أين نقله، والذي تقتضيه السنة: أن يحفر لها إذا ثبت بالبنية، ويتخير إذا ثبت بالإقرار؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حفر للغامدية، ولم يحفر للجهنية، وزناهما ثبت بالإقرار؛ فدل على التخيير [في] حالة الإقرار.

قال: وإن رجم – أي: المقر – فهرب، لم يتبع؛ لما روى النسائي عن أبي هريرة، وذكر قصة ماعز، قال: فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فراره حين مسته الحجارة، قال:"فهلا تركتموه".

وقال أبو داود: "لعله أن يتوب؛ فيتوب الله عليه".

وروى أبو داود في حديث طويل أن جابر بن عبد الله، قال: "كنت فيمن رجم

ص: 228

[الرجل]- يعني: ماعز بن مالك – وأنا لما خرجنا به، فرجمناه فوجد مس الحجارة، صرخ بنا: يا قوم، ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قومي قتلوني وغروني [من نفسي] وأخبروني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [غير قاتلي]. فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرناه، قال:"هلا تركتموه، وجئتموني به"؛ ليستثبت منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما لترك حد فلا. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر طرفا منه بنحوه.

لكن هل [يجعل هربه بمنزلة صريح رجوعه؛ حتى يسقط عنه الحد إذا قدرنا عليه مرة أخرى وهو ساكت؛ فلا يرجم؛ أو لا يسقط حتى إذا قدرنا عليه نستفسره، فإن إصر على الإقرار يرجم؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي و] كذا] القاضي الحسين والإمام، وقال: إن بعض الأئمة ذكر مسلكا حسنا في ذلك، فقال: الخلاف في أن الهارب هل يتبع؟ فأما المصير إلى أن الحد يسقط به، فلا. وقال: إن الامتناع من الاستسلام لإقامة الحد عليه ملحق عند الأصحاب بالهرب.

وقياس من جعل الهرب بمنزلة الرجوع عن الإقرار أن يقول إذا هرب، فاتبع، وقتل: إنه يضمن، وإن لم يصرح بالرجوع.

وفي "تعليق" أبي الطيب و"الرافعي" و"المرشد": أنه لا يضمن إذا لم يسمع منه التصريح بالرجوع، وهو الذي اقتضاه ظاهر الخبر.

ولا خلاف في أنع إذا ثبت زناه بالبينة، فهرب: أنه يتبع، ولا فرق فيه بين الرجل والمرأة؛ صرح به البندنيجي وغيره.

وفي "الوسيط": أن الهرب لا بد وأن يؤثر على رأي، وإن ثبت بالشهادة.

وحكى الرافعي: أن في "النهاية" خلافا في أن طلب ترك الحد والهرب هل

يسقط الحد؟ قال: وكأن المقصود منه أنا إذا فرعنا على أن الحد يسقط بالتوبة،

ص: 229

فينزل ذلك منزلة التوبة – على رأي – كما ينزل منزلة الرجوع عن الإقرار على رأي].

وقد نجز شرح [ما في] الباب فلنختمه بفروع:

إذا فرق الإمام الجلد، فجلد في يوم خمسين [ولاء]، وفي يوم بعده خمسين ولاء – أجزأ.

ولو جلد المائة في عشرة أيام، لم يعتد بما تقدم من الجلدات؛ فإن الإيلام الحاصل بالمائة المتواترة لا يحصل إذا فرقت الجلدات، وتخللت الفترات المريحة، كذا قاله الإمام في أوائل هذا الباب عند الكلام في التغريب.

وعلى هذا: فبم يضبط ما يجوز من التفريق؟ قال الرافعي حكاية عن الإمام: إن [كان] التفريق بحيث لا يحصل من كل دفعة ألم له وقع: كسوط، وسوطين في كل يوم – فهذا ليس بحد؛ وإن كان يؤلم، [يؤثر] بمألمه وقع، فإن لم يتخلل من الزمان ما يزول فيه الألم الأول، اعتد به، وإن تخلل ففيه تردد:

ظاهر كلام القاضي الاعتداد به.

والأوجه: المنع؛ لأن الموالاة لو عدلت بالأسواط، [البلغ] أثرها عددا منها صالحا؛ ففي ترك الموالاة إسقاط جزء من الحد.

إذا شهدوا بالزنى، ولم يثبت إحصانه، فجلد، ثم ثبت إحصانه رجم، ولو ثبت الزنى والإخصان، فأخذوا في الرجم، فرجع شهود الإحصان [عن الشهادة] ترك الرجم، وجلد، ولا يقوم ما رمى به مقام الجلد.

وفي "فتاوى" القاضي: أن بعض أصحابنا قال: [رمي] بعض الأحجار يقوم مقام الجلد. وهو غير صحيح.

المحصن لا يقتل بالسيف؛ لأن المقصود أن يمثل به وينكل بالرجم.

وليس ما يرمى به جنس ولا عدد، وقد تصيب الأحجار مقاتله فيموت

ص: 230

سريعا، وقد يتباطأ موته، ولا يرمى بصخرة تذفف، ولا بالحصيات الخفيفة فيطول تعذيبه، بل يطوف [الناس] به ويرمى بحجارة معتدلة، قال الماوردي: قدر الكف إلى أن يموت، وفي معناها قطع الآخر والخزف والمدر ونحوها، وإن كان الخبر قد ورد بالحجارة.

قال القاضي الحسين: لأن القصد منه القتل، وذلك يحصل بالجميع، كما ذكرنا في الاستنجاء.

قال الماوردي: ويكون موقف الرامي منه، بحيث لا يبعد [عليه] فيخطئه، ولا يدنو منه فيؤلمه.

والأولى لمن حضر رجمه: أن يكون عونا فيه إن رجم بالبينة، وممسكا عنه إن رجم بالإقرار.

وجميع بدنه محل الرجم في المقاتل وغير المقاتل، لكن يتوقى الوجه وحده؛ لأمره صلى الله عليه وسلم باتقاء الوجه.

يستحب أن يحضر الرجم جماعة من المسلمين؛ قال الله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2].

قال الشافعي – رضي الله عنه: وأقلهم أربعة؛ لأنه لا يثبت بأقل منهم.

قال الماوردي: وكذا يستحب أن يعرض عليه التوبة قبل رجمه؛ لتكون خاتمة أمره، وإن حضر وقت الصلاة أمر بها، وإن تطوع بصلاة صلى ركعتين، وإن استسقى ماء أسقي، وإن استطعم [لم] يطعم، والفرق: أن الماء لعطش سابق، والأكل لشبع مستقبل، ولا يربط ولا يقيد [ويخلى] والاتقاء بيديه، والله أعلم.

ص: 231