المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب التعزير "التعزير" معناه في اللغة: التأديب. وفي الشرع: تأديب على ذنب - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ١٧

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌ ‌باب التعزير "التعزير" معناه في اللغة: التأديب. وفي الشرع: تأديب على ذنب

‌باب التعزير

"التعزير" معناه في اللغة: التأديب.

وفي الشرع: تأديب على ذنب ليس فيه حد ولا كفارة.

وخصصه بعضهم بالتأديب الذي يفعله الإمام، دون ما يفعله الزوج بزوجته، والمعلم بالصبي، وقال: هذا يسمى تأديبا.

وعلى ذلك [جرى] البندنيجي وابن الصباغ.

قال الرافعي: والأول أشهر الاصطلاحين.

وأصل "التعزير": من "العزر"، وهو: المنع والزجر، يقال: عزره، إذا دفعه، ومنه سمي النصر:[تعزيرا؛ لأنه يدفع العدو ويمنعه]، وإليه الإشارة بقوله تعالى:{وتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9].

ثم التعزير يوافق الحد في [وجه وهو] كونهما شرعا؛ زجرا وتأديبا للصلاح، يختلفان بحسب الذنب، ويخالفه من ثلاثة أوجه:

أحدهما: أن تعزير ذوي الهيئات أخف من تعزير غيرهم، وهم متفقون في الحد.

والثاني: تجوز الشفاعة في التعزير والعفو عنه، ولا [يجوز ذلك] في الحد.

والثالث: لو تلف من التعزير ضمن على الأصح؛ كما ذكرناه في باب ما تجب به الدية من الجنايات، ولو تلف من الحد كان هدرا، وقد صرح بما ذكرناه [الماوردي] في "الحاوي" و"الأحكام".

قال: ومن أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالمباشرة المحرمة فيما دون

الفرج، أي: من الأجنبية كما بينه في "المهذب"، أو من صبي، وسرقة ما

دون النصاب، والقذف بغير الزنى، والجناية بما لا يوجب القصاص، والشهادة

ص: 434

بالزور، وما [أشبه ذلك] من المعاصي – عزر.

بين الشيخ بهذه الأمثلة أن التعزير يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة، سواء كانت من مقدمات ما فيه حد كالأمثلة الأول، أو لا [كشهادة الزور]، وأنه لا فرق بين أن يتمحض لله تعالى، أو يتعلق بالآدمي.

والأصل في إيجابه – قبل الإجماع؛ كما ادعاه القاضي أبو الطيب - من الكتاب، قوله تعالى:{واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء 34]، فأباح للزوج الضرب عند النشوز والمخالفة؛ فكان فيه تنبيه على التعزير.

ص: 435

ومن السنة: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: في خبر سرقة الثمر: "فإذا أواه الجرين، وبلغ [قيمته ثمن] المجن ففيه القطع، وإن كان دون ذلك ففيه غرم مثله وجلدات نكال"، وغيره من الأخبار التي سنذكرها.

وقد عزر عمر – رضي الله عنه من زور كاتبا.

وعن علي – رضي الله عنه لما سئل عن قول الرجل: يا فاسق يا خبيث، فقال: هي فواحش فيهن تعزير، وليس فيهن حد.

وروي عن ابن عباس أنه لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الدؤلي،

فأتي بلص نقب على قوم، فأخذوه في النقب، فقال: مسكين! أراد أن يسرق،

ص: 436

فأعجلتموه، وضربه خمسة عشر سوطا.

قال: على حسب ما يراه السلطان، أي: في [الجنس والقدر] على ما سنبينه؛ لأنه غير مقدر ولا مضبوط، فوكل إلى رأيه يعمل فيه ما تقتضيه المصلحة، من الحبس أو الضرب جلدا أو صفعا]. فإن رأى الجمع بينهما فعل، كذا قاله القاضي أبو الطيب والرافعي وغيرهما.

قلت: وينبغي أن يكون الضرب في هذه الحالة ينقص عن أدنى الحدود نقصا إذا عدل معه الحبس بضربات لا يبلغ مجموع ذلك أدنى الحدود؛ كما سنصفه، وإلا فيلزم فيه زيادة على أدنى الحدود. وهذا مستمد مما حكيته عن الإمام في تفريق الجلد في حد الزنى.

وللسلطان [أن] يقنع بالتبكيت والتوبيخ باللسان إذا اقتضته المصلحة، وكذا له إشهار التعزير في الناس؛ لتكون زيادة في نكال التعزير، وهذا محثوث عليه في شاهد الزور؛ كما قاله الاصحاب في باب ما على القاضي في الخصوم، ويكون إشهاره على باب مسجده إن كان من أهل المسجد، وإن كان من أهل السوق ففي سوقه، وإن كان من قبيلة [أو قبيل] ففي قبيلته [أو قبيله].

والفرق بين القبيلة والقبيل: أن القبيلة: بنو الأب الواحد، والقبيل: الأخلاط المجتمعون من آباء شتى.

ويقول في النداء عليه: [هذا] شاهد زور فاعرفوه، قال الماوردي [ثم]: ولا يزاد في هذه الشهرة تسويد وجهه ولا حلق رأسه.

ولا فرق في ذلك عند بعض أصحابنا بين أن يكون من ذوي الصيانة أو [من] غيرهم؛ لأن الصيانة قد خرج منها بزوره.

ص: 437

وعن [ابن] أبي هريرة: أن النداء على شاهد الزور مخصوص بغير أهل الصيانة، أما أهل الصيانة فيقتصر معهم على إشاعة الأمر.

[وله أن يجرد من ثياب المعزر ما عدا ما يستر عورته، وينادي] عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم يقلع عنه؛ كما حكاه الماوردي هنا. قال: ويجوز أن تحلق رأسه، ولا يجوز أن تحلق لحيته، وفي جواز تسويد وجهه وجهان.

وقال في "الأحكام": إن الأكثرين جوزوه، [ومنع منه] الأقلون.

وقال القاضي أبو الطيب في كتاب الأقضية – وتبعه ابن الصباع -: إنه لا يحلق نصف رأسه، ولا يسخم وجهه، ولا يركبه، ولا يطوف به؛ لأنه مثلة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن المثلة.

قال الماوردي: ويجوز أن يصلب في التعزير حيا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلب رجلا [على جبل يقال له]: أبو ناب. ولا يمنع – إذا صلب- من طعام وشراب ومن وضوء وصلاة، ويصلي مومئا، ويعيد إذا أرسل، ولا يجاوز بصلبه ثلاثة أيام، وفيما دونها النظر إليه.

ومدة الحبس إذا رآه هل تتقدر؟ قال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: نعم، تتقدر بشهر؛ للاستبراء والكشف، وبستة أشهر؛ للتأديب والتقويم. وغيره لم يقدرها.

ص: 438

ويجوز للإمام النفي في التعزير؛ كما قاله الماوردي، وإن ظاهر مذهب الشافعي – رضي الله عنه أن مدته مقدرة بما دون السنة ولو بيوم؛ كي لا يصير مساويا للتغريب، وكذا صرح به في "الإشراف" عن قول الشافعي، وقد أشار الإمام إلى تضعيف هذا القول في "الغياثي" وإن لم يحكه؛ فإن التغريب بعض الحد، فلو غرب في التعزير [مدة] سنة لم يكن قد بلغ به الحد.

ثم جنس ما يضرب به: الثوب، والنعل، والعصا، والسوط، على حسب ما يراه إلا في ضرب الزوج زوجته؛ فإنه يضرب بالثوب، والنعل، وأكثره العصا، ولا يجوز أن يكون بالسياط؛ لخروجه عن العرف، [ولنقصه عن أحكام الحدود]، كذا قاله الماوردي وغيره، ويظهر أن يكون مفرعا على القول بأنه يضرب في حد الشرب بالسوط، وإنه لا يبلغ بالتعزير حد الشرب –فيظهر أن يقال: لا يجوز الضرب في التعزير [بالسياط] أيضا، والله أعلم.

ثم حيث يجوز بالسوط فصفته في التعزير وكيفية الضرب [به] قد مضت من قبل في باب حد الزنى.

وعلى الإمام في إقامة التعزير –كما قال الأصحاب- مراعاة الترتيب والتدريج في ذلك [كما] يراعيه الدافع للصائل، ولا يرقى إلى درجة وهو [يرى] ما دونها كافيا مؤثرا، كذا صرح به الإمام.

وقد ذكرنا أن بعض التعزيرات يتعين لها بعض الأنواع المذكورة على خلاف فيها؛ كما في قاطع الطريق.

قال [الشيخ- رحمه الله]: ولا يبلغ به أدنى الحدود؛ لما روى

النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ضرب حدا في غير حد فهو من

ص: 439

المعتدين"، ولأن هذه المعاصي دون المعاصي الموجبة للحد؛ فلا يبلغ بما يجب فيها ذلك، لكن ما المراد بالأدنى الذي لا يبلغه؟ اختلف فيه الأصحاب:

فمنهم من قال: لا يبلغ تعزير الحر أربعين، وتعزير العبد عشرين، وهذا ما أورده البندنيجي [والمصنف] وابن الصباغ.

ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير الحر والعبد] أربعين؛ كما حكاه القاضي الحسين، وتبعه البغوي.

ومنهم من قال: لا يبلغه عشرة؛ لما روى مسلم عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، وروى البخاري في كتاب الحاربين نحوه، وهذا قول ابن سريج؛ كما حكاه القاضي الحسين، وكذا الماوردي، ونسبه في موقع آخر إلى أبي علي بن أبي هريرة، [وغيره نسبه إلى ابن أبي هريرة] وأبي علي الطبري، ووافقهم صاحب "التقريب"، فقال: الخبر صحيح، ولو بلغ الشافعي –رضي الله عنه لقال به، وقد صح من أقوال الشافعي: "أن من يبلغه مذهب منه، ويصح فيه خبر على خلافه، فحق عليه أن يعتقد الخبر، [ويعتقد

ص: 440

أنه مذهب الشافعي"؛ فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر]، وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافة؛ كذا ساقه الإمام.

ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير مقدمات الزنى، والوطء الحرام الذي لا يوجب [فيه] الحد حد الزنى، وله أن يزيده على حد القذف: فإن كان حرا مقصه عن المائة، وإن كان عبدا نقصه عن خمسين، ولا يبلغ تعزير القذف بما لبس بقذف حد القذف، وله أن يزيده على حد الشرب: فإن كان حرا نقصه عن ثمانين، وإن كان عبدا نقصه عن أربعين، ولا يبلغ تعزير مقدمات الشرب حد الشرب، ومنها: إدارة كأس الماء على الشراب؛ تشبها بشارب الخمر، فإن كان عبدا لم يبلغ عشرين، وإن كان حرا لم يبلغ به أربعين، كذا قاله القاضي الحسين والإمام في الكل.

قال الرافعي: وقرب هذا من قولنا: الجناية الواردة على عضو تعتبر بأرش ذلك العضو. وهذا ما قال به القفال، واختاره الروياني في "الحلية"، وصححه القاضي الحسين في "التعليق"، وجعله القاضي أبو الطيب أصلا لمسألة الحكومة، وذكر الإمام تفريعا عليه: أن مقدمات السرقة تعتبر بأغلب حدود الجلد، وهو [حد] الزنى؛ لأن القطع أبلغ من مائة جلدة.

وفي "تعليق" القاضي الحسين إطلاق القول على هذا الوجه: بأن الجريمة إذا لم يكن في جنسها حد مقدر كالغيبة والنميمة، لم يبلغ تعزيرها أربعين في طريق، وفي طريق: لا يبلغ به عشرين.

وحكى الماوردي في "الحاوي" عن أبي عبد الله الزبيري –من أصحابنا- أنه قال: تعزير كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه، [وأعلاه [فيمن تعرض لشرب الخمر: تسعة] وثلاثون؛ لأن حد الخمر أربعون]، وأعلاه فيمن تعرض [للقذف بغير الزنى]: خمسة وسبعون؛ لأن حد القذف ثمانون؛ كذا قاله في

ص: 441

الحاوي، وقال في "الإحكام" بعد قوله حكاية عنه:" إن تعزير كل ذنب [مستنبط] من حده المشروع فيه"-: وأعلاه خمسة وسبعون؛ تقصيرا به عن حد القذف بخمسة أسواط، فإن كان الذنب في التعرض للزنى روعي ما كان منه، فإن أصابوه نال منها ما دون الفرج ضربا [معا] أعلى التعزير، وهو خمسة وسبعون سوطا، وإن وجدا في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاطيين للجماع ضربا ستين سوطا، وإن وجدا غير متباشرين ضربا خمسين سوطا، وإن وجدا في بيد متبذلين عريانين غير متباشرين ضربا أربعين سوطا، وإن وجا جالسين في بيت عليهما ثيابهما ضربا ثلاثين سوطا، وإن وجدا في طريق يكلمها وتكلمه ضربا عشرين سوطا، وإن وجد منهما الغشارة بغير كلام ضربا عشرة أسواط، وإن وجدوه يتبعها ولم [يقفوا على] غير ذلك فخفقات. وهكذا نقول في التعرض لسرقة مال يجب فيه القطع: فإذا سرق نصابا من غير حرز ضرب خمسة وسبعين، وإذا سرق من حرز أقل من نصاب ضرب ستين، وإذا سرق أقل من نصاب من غير حرز ضرب خمسين، وإذا جمع المال في الحرز واسترجع منه قبل اخراجه ضرب أربعين، وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ ضرب ثلاثين [سوطا]، وإذا نقب ولم يدخل ضرب عشرين، وإذا تعرض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله ضرب عشرة، وإن وجد معه منقب أو كان مراصدا للمال فخفقات، ثم على هذه العبرة فيما سوى هذين.

قال الماوردي: وهذا الترتيب وإن كان مستحسنا في الظاهر فقد يجرد للاستحسان فيه عن دليل يتقد ربه.

والصحيح الأول، وهو الذي قال أبو الطيب هنا والماوردي: إنه مذهب الشافعي، رضي الله عنه.

والحديث فقد قال بعضهم: إنه منسوخ، واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير

إنكار، وعن عمر – رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ألا تبلغ

بنكال أكثر من عشرين سوطا، ويروى: ما بين الثلاثين إلى

ص: 442

الأربعين، ويروى: عشر جلدات. ذكر جميع ذلك عنه أبو بكر ابن المنذر.

قال الماوردي: ولو صح فلا يلزم العمل به؛ لجواز أن يرد في ذنب بعينه؛ فلا يجب حمله على جميع الذنوب، ولا على عموم الناس.

وقال غيره: إنه محمول على الزيادة على الجلدات العشر إلى استيفاء الأربعين.

وقال الشيخ زكي الدين: إن ابن المنذر قال: في إسناد الحديث [مقال].

قال: فإن رأى ترك التعزير جاز؛ لما روى أبو داود عن عائشة - رضي الله

عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"،

ص: 443

قال الأصحاب: وأدنى درجات الأمر الإباحة، لكن هذا [الحديث] يرويه عبد الملك بن زيد وعطاف بن خالد، وهما ضعيفان؛ فالحجة فيما ذكرناه: ما قاله الشافعي رضي الله عنه أنه كان غير شيء يثبت له التعزير صلى الله عليه وسلم فلم يعزر.

ومن ذلك ما روي أنه عليه السلام كان يقسم الغنائم، فمر به واحد، فقال: هذه القسمة ليس يراد بها وجه الله. [ويروى] أنه قال: اعدل [يا محمد فلست تعدل، فقال [له]: "لقت خبت وخسرت إن لم أعدل] فمن يعدل"، ولم يعزره.

ومن ذلك ما روى عبد الله ابن الزبير أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير:"اسق، [ثم أرسل إلى جارك"؛ فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟! نتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:" يا زبير اسق] أرضك، واحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فلو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال.

[ومن ذلك ما] روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأسفار على بعير، فجاءه أعرابي وجبذ رداءه حتى أثرت جبذته في عنقه، وقال: احملني فإنك لا تحملني على بعيرك [ولا] على بعير أبيك؛ فثرنا إليه مالجبل من الحديد، وهممنا بقتله؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"عزمت على من سمع كلامي أن يثبت مكانه"، فوقفنا بعضنا على إثر بعض، وأيدينا على مقابض السيوف ننتظر أمر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا أسامة، وقال:"احمله على بعير الزاد"، ولم يعزره.

ص: 444

ولأنه ضرب غير محدود؛ فلم يكن واجبا؛ كضرب الزوج زوجته، والوالد ولده، والمعلم صبيلنه.

ثم ظاهر إطلاق الشيخ يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون التعزير لمحض حق الله تعالى أو للآدمي فيه حق، والشيخ في هذا الإطلاق تبع الشيخ أبا حامد، وقال في "المهذب": إذا رأى [الإمام] ترك التعزير جاز إذا لم يتعلق به حق آدمي. فأفهم أنه إذا تعلق به حق آدمي لم يجز تركه، وقد صرح القاضي أبو الطيب والماوردي به، وحكاه الإمام وجها وكذا الرافعي، وقاسه على القصاص، وقال: إن قضية ما في "التهذيب" ترجيح مقابلة.

قال الإمام: والأول أغوص، وهو جواز الترك وإن كان فيه حق آدمي؛ لأن مقدار التعزير إلى الإمام، والتغليظ بالقول من التعزير، ونحن لا نعتقد تصور صورة لا يرى الإمام فيها توبيخا؛ فإن من أساء أدبه بالجهات التي ذكرناها لا يسكت عنه، ولا يلزم على مقابلة سوء أدبه؛ فيؤل هذا إلى أن الإمام لو أراد الاقتصار من التعزير على ترك سلام فهل له ذلك؟ وسئل الغزالي [عن] ذلك، فقال: لا يجوز له الإهمال مع الطلب، ولكن هل يجوز الاقتصار على التوبيخ باللسان دون الضرب؟ فيه وجهان.

وفي الإشراف: أن بعض المتأخرين من أصحابنا قال: التعزير في قذف زوجته الكتابية [والرقيقة] واجب، وما سواه ليس بواجب، وأن في وجوبه على البكر إذا ظهر فيها حمل [وجهان] والأصح: المنع.

ص: 445

فرع: إذا كان التعزير متعلقا بحق الآدمي، فعفى عنه، فهل للإمام إقامته إذا رآه؟ فيه وجهان، وهما جاريان فيما لو وجب له قصاص أو حد قذف فعفى عنه، فهل للإمام التعزير أم لا؟ لكن بالترتيب، ويجيء عند الاختصار فيهما ثلاثة أوجه:

أحدها: [لا؛ لأن المستحق] قد أسقطه.

والثاني: نعم؛ لأنه لا يخلو ذلك عن حق الله -تعالى-[ولأنه يحتاج] إلى زجر غيره عن مثل تلك الجناية.

وأشبههما: الفرق بين أن يكون العفو عن الحد فلا يعزر، وبين أن يكون عن التعزير فيعزر؛ لأن الحد لازم مقدر لا يتعلق بنظر الإمام؛ فلا سبيل إلى العدول إلى غيره بعد سقوطه، والتعزير يتعلق أصله بنظر الإمام؛ فجاز ألا يؤثر فيه إسقاط غيره.

وسلك في "الحاوي" طريقا آخر، فقال: إذا عفا مستحق التعزير عنه، نظر: فإن كان [بعد الترافع] إلى الإمام لم يسقط حق الإمام عنه، وكان له أن ينفرد بتعزيره.

وإن كان العفو قبل الترافع، ففي سقوط حق الإمام عنه وجهان:

أحدهما – وهو قول الزبيري -: السقوط.

والأظهر: عدمه.

وبنى على ذلك فرعا، وهو أنه لو تشاتم والد مع ولده سقط حق التعزير الذي للابن على الأب، ولا يسقط التعزير الذي للأب على الابن، وللإمام تعزيرهما [معا].

فرع: إذا كان التعزير المشروع لا ينجع في كف الجاني عن المعصية، فقد قال الإمام: إن الزوجة إن كان لا يحصل تأديبها إلا بالضرب المبرح وعلم ذلك، فلا يجوز الضرب المبرح ولا غيره؛ فإنه عري عن الفائدة.

قال الرافعي: والذي أطلقه الإمام يقتضي أن يكون ذكر الزوج جاريا على

طريق المثال، وسائر المعزرين في معناه، ويجوز أن يبنى الأمر في حق

الإمام على أن أصل التعزير هل هو ولجب عليه؟ فإن أوجبناه التحق بالحد،

ص: 446

وحينئذ فيشبه أن يقال: تضرب ضربا غير مبرح؛ إقامة لصورة الواجب، وإن [لم يفد] التأديب.

تنبيه: في قول الشيخ: على حسب ما يراه السلطان، ما يعرفك أن متوليه السلطان، كما صرح به الأصحاب، وهذا في حق الأحرار إن لم يسم ضرب الزوج زوجته، والمعلم الصبي، والوالد الولد: تعزيرا، وإن سميناه فنستثنيهم [من هذا الإطلاق]، وقد حكيت في باب عشرة النساء وجها حكاه الغزالي ثم: أن للزوج أم يستوفي التعزير المختص بحق الله -تعالى- وحقه في غير النشوز، ولم يحكه ها هنا.

وأما العبيد فالسادة يتولون التعزير المتعلق بحقهم، وهل يتولون التعزير المتعلق بمحض حق الله تعالى؟ فيه خلاف حكاه الغزالي وغيره، وقد سبق في باب حد الزنى، والصحيح: أنهم يتولونه أيضا.

فائدة – نختم بها هذا الباب؛ لتعلقها بحديث ذكرناه فيه؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"-:

قال الشافعي – رضي الله عنه: ذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم هم الذين لا يعرفون بالشر، فتترك لأحدهم الزلة.

و [حكى الماوردي فيهم وجهين [آخرين]:

أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر].

والثاني: أنهم الذين إذا ألموا بالذنب ندموا عليه وتابوا منه.

قال: وفي عثراتهم ها هنا وجهان:

أحدهما: صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود.

والثاني: أو للمعصية زل فيها مطيع.

والله أعلم بالصواب.

ص: 447