الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب حد السرقة
السرقة - بفتح السين وكسر الراء-: أخذ مال الغير على سبيل الخفية، وإخراجه من حرزه.
ويجوز إسكان الراء مع فتح السين وكسرها، ويقال - أيضا-: السرق، بكسر الراء.
وهي مأخوذة من "المسارقة".
ويقال: سرق منه مالا، وسرقه مالا، يسرقه سرقا، بفتح السين والراء.
[و] يتعلق بها القطع في الجملة؛ لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديها} [المائدة: 38]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". خرحه البخاري ومسلم وغيرهما.
والأمة مجمعة عليه.
قال: إذا سرق بالغ عاقل مختار، وهو مسلم أو ذمي أو مرتد، نصابا من المال، من حرز مثله، لا شبهة له فيه - وجب عليه القطع؛ لعموم الآية؛ فإنها متناولة لكل سارق، واستثني منها الصبي والمجنون والمكره؛ للحديثين المشهورين، والحربي؛ لعدم التزامه أحكام الإسلام، وفي معناه المعاهد على أحد الأقوال المذكورة في باب عقد الهدنة.
[واعتبار النصاب سيأتي الدليل عليه.
وقد تقدم في باب عقد الذمة] خلاف في وجوب القطع على الذمي.
وفي "تعليق" القاضي الحسين إشارة إلى حكاية وجه [في] أن [المسلم يقطع بسرقة مال الذمي؛ حيث قال: ويجب على المسلم] القطع بسرقة ماله على الصحيح من المذهب، وحكى فيما إذا سرق المسلم مال المعاهد في وجوب القطع [قولين]؛ بناء على القولين في وجوب القطع على المعاهد بسرقة مال المسلم، فإن قلنا: يقطع، قطع، وإلا فلا.
قال: فإن سرق [ما] دون النصاب، لم يقطع؛ لما روى مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدا"، وروى البخاري عنها، قالت: لم [يكن] تقطع يد السارق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في] أذنى من ثمن المجن" ترس أو حجفة وكان كل منهما ذا ثمن. زاد أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عنها: "وإن يد السارق لم تكن تكن تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في] الشيء التافه، وروى النسائي عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقطع يد السارق فيما دون المجن". قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: "ربع دينار".
وعن أبي عبد الرحمن محمد بن بنت الشافعي: أنه يقطع فيما دون النصاب؛ لعموم الآية، فإنه علق القطع باسم] السرقة، وقد روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله] السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل
فتقطع يده". وفي أخرى: "إن سرق حبلا وإن سرق بيضة".
والصحيح: الأول، والآية قد اختلف أصحابنا في أنها من العام الذي خص، أو من المجمل الذي بين ذكرناه – على وجهين. وأما الحديث: فقد قال البخاري: قال الأعمش: كانوا يرون أنها بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم.
وقال الإمام: الوجه حمله على جنس البيض، ومثل ذلك مساغ في قصد التعليل.
فرع: لو ذبح شاة في الحرز، وقيمتها دون النصاب؛ فصارت قيمتها لأجل الذبح نصابا، وأخرجها وقيمتها كذلك – قال الماوردي: ففي قطعه وجهان محتملان، وجه المنع: أن [الزيادة حدثت بالذبح ولم] يستقر للمالك عليها يد.
قال: وهكذا لو أخذ لحما فطبخه، أو دقيقا فخبزه، أو دبسا فعصده، أو جلد ميتة فدبغه، وقلنا: لو كان مدبوغا لقطع.
قال: والنصاب: ربع دينار؛ لما ذكرناه، أو ما قيمته ربع دينار؛ لما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق في مجن قيمته ثلاثة دراهم. وروى أبو داود عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد رجل سرق ترسا من صفة النساء قيمته ثلاثة دراهم، وثلاثة دراهم قيمة ربع دينار في ذلك الوقت.
وفي "الشامل" حكاية وجه فيما إذا سرق من التراب ما قيمته نصابا: أنه لا يقطع؛ لأنه يوجد مباحا عام الوجود، لا تدعو النفس إلى سرقته.
وعن "الفروع" حكاية وجه مثله فيما إذا سرق قشر الرمان وما أشبهه مما
يستهان بمثله في العادة، حكاه في "الزوائد"، وحكاه المصنف وغيره في الماء إذا قلنا: إنه يملك، والصحيح الأول.
ثم ما المراد بالدينار: هل هو المثقال المصكوك، أو المثقال كيف كان، حتى لو سرق قطعة ذهب، وزنها ربع مثقال قطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه المصكوك، وهو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق؛ فلا يقطع من سرق سبيكة وزنها ربع مثقال، ولا تبلغ قيمتها [قيمة] ربع مثقال مصكوك.
وهذا ما أورده أبو الحسن العبادي، ويحكى عن الإصطخري وابن أبي هريرة والطبري، وهو أظهر عند الإمام.
والثاني: أنه المثقال، ولا نظر إلى كونه مصكوكا كما في الزكاة.
قال الرافعي: وإلى ترجيحه يميل] كلام [جماعة منهم: البغوي. وقال في "البيان": إنه المذهب. وفي "الحاوي": إنه ظاهر المذهب. وفي "تعليق" أبي الطيب و"المهذب" و"الكافي": إنه الذي عليه أكثر أصحابنا.
وعلى هذا: إذا سرق قطعة ذهب مصوغة ينقص وزنها [عن ربع دينار]، وتبلغ قيمتها ربع دينار – لا قطع، وعلى الأول: يقطع.
وحكى القاضي الحسين الوجهين فيما إذا سرق ربع مثقال من القراضة إذا لم تبلغ قيمتها ربع مثقال مصكوك.
ولا خلاف أنه إذا سرق ثوبا ونحوه، فإنما يقوم بالذهب المصكوك، قاله الإمام.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يظن السارق أن قيمة المسروق تبلغ ذلك أو لا؛ كما إذا سرق شيئا ظنه [فلوسا لا تبلغ قيمتها ربع دينار فكانت دنانير، أو سرق شيئا ظنه] دنانير فكانت فلوسا [لا] تبلغ قيمتها ربع دينار، ولو لم تبلغ ذلك فلا قطع. نعم، لو سرق جبة خسيسة تنقص قيمتها عن ربع دينار، فكان في جيبها دينار أو ما تبلغ به [قيمتها] نصابا، ولم يشعر بالحال – ففي وجوب القطع وجهان:
أظهرهما – في "تعليق" القاضي الحسين وغيره-: الوجوب أيضا.
ووجه [مقابله]: أنه لم يقصد سرقة نصاب، ويخالف ما إذا سرق دنانير ظنها فلوسا؛ فإنه قصد سرقة عينها.
فرع: إذا كان في البلد نقدان من الذهب، كلاهما خالص، وأحدهما أعلى ثمنا، والآخر أنقص – اعتبرت القيمة بالأغلب من دنانير البلد في زمان السرقة، فإن استويا فبأيهما يقوم؟ فيه وجهان في "الحاوي".
أحدهما: بالأدنى؛ اعتبارا بعموم الظاهر.
والثاني بالأعلى؛ درءا للقطع بالشبهة.
تنبيه: في قول الشيخ: "ما قيمته نصايا"، [ما] يعرفك أنه إذا سرق كلبا أو خنزيرا أو خمرا أو جلد ميتة لم يدبغ، لا قطع عليه؛ لأن هذه الأشياء لا قيمة لها، وقد صرح بذلك الأصحاب.
قال: وإن سرق ما يساوي نصابا، ثم نقصت قيمته بعد ذلك، لم يسقط القطع؛ لأن هلاك العين بجملتها بعد وجوب القطع لا يسقطه، فنقصان القيمة أولى، ولأنه نقص حدث بعد وجوب القطع، فلم يسقط به؛ كما لو استعمله السارق، فنقصت قيمته. ولو انعكس الحال فسرق ما قيمته دون النصاب، ثم زادت قيمته حتى بلغت نصابا – فلا قطع، وإن كانت العين باقية، قاله أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما.
قال: وإن سرق طنبورا، أي: بضم الطاء، أو مزمارا يساوي مفصله نصابا، أي: لكونه يصلح لمنفعة مباحة [- قطع؛]؛ لأنه مال يقوم على متلفه؛ فقطع سارقه، كما لو سرقه مفصلا وقيمته نصاب، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، وجزم به القاضي أبو الطيب، وقال الرافعي: إنه مال إليه الأكثرون، ومنهم العراقيون والروياني.
وقيل: لا يقطع فيه بحال؛ لأن التوصل إلى إزالة المعصية مندوب إليه؛ فصار شبهة في درء القطع.
قال الإمام: ولأن الحرز لا يتحقق في مثل هذه الآلة؛ فإنه يجوز الهجوم على الدور لأجلها.
وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة، كما قاله الماوردي، وهو الأظهر عند الشيخ أبي الفرج الزاز، وكذا الإمام، ثم قال: ويتجه أن يقال: إن قصد [السرقة ففيه الوجهان، وإن قصد بإخراجها أن ييسر [له] تغييرها وإفسادها؛ فيقطع بأنه لا قطع.
قال الرافعي: وهذا هو قضية كلام الأصحاب، وليجعل بيانا لما أرسلوه، لا احتمالا خارجا عن المنقول.
قال الإمام: وما ذكرناه من الخلاف يجري في كل ما سلط الشرع على تكسيره، كالأصنام ونحوها ولو كسر ما أخذه في الحرز، ثم أخرجه وهو يبلغ نصابا – فقد قطع قاطعون بوجوب القطع، ومنهم صاحب "الكافي".
وفي "المهذب" ما يقتضي إثبات خلاف فيه؛ فإنه حكى ثلاثة أوجه في المسألتين، ثالثها – وبه قال ابن أبي هريرة-: إن أخرجه بعد التفصيل والتغيير، قطع، وإلا فلا قطع.
وكذلك حكى الأوجه الثلاثة الماوردي في أثناء كتاب السرقة عن رواية ابن أبي هريرة، وصرح بأنه لا يقطع على وجه منها، سواء أخرجه مفصلا أو غير مفصل، وادعى أن ظاهر المذهب [مقابله.
ولو كان عليها ذهب أو فضة يبلغ نصابا [قطع].
قال الماوردي: لأن الذهب] والفضة زينة الملاهي؛ فصار مقصودا، وصار هذا كما إذا سرق آنية ذهب أو فضة؛ فإنه يقطع.
وما ذكره في تحلية الملاهي بالذهب والفضة هو [وجه حكاه الرافعي مع وجه آخر: أنه لا قطع فيه، وما ذكره في آنية الذهب والفضة هو] المذكور في "المهذب" و"الشامل" و"التهذيب" و"الكافي".
قال الرافعي: والوجه ما قاله في "البيان": أن يبنى ذلك على أنه هل يجوز اتخاذها أم لا؟ إن قلنا: يجوز، فيجب القطع بسرقتها،] وإلا فهي كآلة الملاهي. وهذا ما أورده الإمام، لكنه رأى نفي الخلاف بعيدا].
ولو كان الإناء محترما، لكنه فيه خمر، ففي القطع وجهان في "الحاوي" وغيره: أحدهما: لا يجب؛ لشبهة إراقة الخمر منه.
والثاني – ويعزى إلى النص-: الوجوب؛ كما لو سرق إناء فيه بول؛ كذا قاله في "المهذب" و"التهذيب" وقضيته: أنه إذا سرق إناء البول يقطع جزما، وقد صرح به الماوردي، وفرق بأن استبقاء البول في الإناء يجوز، بخلاف الخمر، وعن "البيان" حكاية الوجهين فيه أيضا.
واعلم أن ما ذكرناه من القطع فيما قيمته ربع دينار، محله بالاتفاق ما إذا قطع أهل الخبرة الذين لا يزلون في قولهم بأن القيمة كذلك، فلو قطعوا القيمة بالاجتهاد، قال الإمام: فقد يوجد للأصحاب أن القطع يجب، والذي أرى القطع به: أنه لا يجب، ما لم يقطعوا بأن القيمة لا تنقص عن هذا، ولو قطع بذلك معدودن لا يبعد الزلل عليهم، فللإمام فيه احتمال.
قال: وإن اشترك اثنان في سرقة نصاب، أي: لا غير، لم يقطع واحد منهما، خلافا لأبي ثور؛ لأن كل واحد منهما لم يسرق إلا] ثمن دينار [، فلم يقطع؛ لقوله – عليه السلام:"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا"، ولأن كل واحد منهما لم يسرق ربع دينار؛ فلم يجب عليه القطع كما في حالة الانفراد، وليس كالشركة في القتل، حيث يجب القصاص عليهما؛ لأن المقصود منه وقاية الروح والعضو، فلو لم يشرع في حالة الاشتراك لأدى إلى التواطؤ وفوات المقصود، ولا كذلك السرقة؛ فإن المقصود منها لاستكثار من المال، والتواطؤ كذلك لا يحصله.
قال: وإن اشتركا في النقب، فأخذ أحدهما نصابين، ولم يأخذ الآخر [شيئا]- قطع الآخذ؛ لسرقته [نصابا.
قال:] [وحده؛ لأن الآخر لم يأخذ المال، فلم يكن سارقا].
قال: ومن سرق من غير حرز، لم يقطع؛ لما روى أبو داود عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق، فقال:"من أصاب منه من ذي حاجة غير [متخذ خبنة]، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن فعليه القطع". قال الترمذي: وهو حسن. وقد خرجه النسائي.
وقال في آخر عن هشام بن سعد عن عمرو بهذا الإسناد: "وليس في شيء من الماشية قطع، إلا فيما إذا آواه المراح فبلغ ثمن المجن، ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثله وجلدات نكال".
وجه الدليل: أنه – عليه السلام – فرق بين ما آواه الجرين وما لم يؤوه، وبين ما أواه المراح وما لم يؤوه، وليس بين الحالين فرق إلا اعتبار الحرز، ولأن الأصل عدم القطع؛ فمن ادعى وجوبه [في هذه الحالة] فعليه البيان.
وأبدى الإمام معنى اعتبار الحرز، [فقال]: السارق يأخذ المال في خفية باحتراز واحتيال، لا اعتمادا على الشوكة والقوة، فحكم بالقطع زجرا؛ كي لا يضيع المال على المالك، وذلك إذا احتاط المالك بصيانة المال؛ فإن السارق حينئذ يكون على خطر من أن يطلع [عليه] وتعظم جنايته إذا اختزل منتهزا للفرصة، أما إذا ضيع المالك المال، فقد جرأ السارق ومكنه من أخذه بلا
خطر؛ فلا تعظم جنايته.
والخبنة في الحديث: معطف الإزار وطرف الثوب والسراويل، أي: لا يأخذ في ثوبه.
والجرين: موضع تجفيف الثمار، وهو له كالبيدر للحنطة.
قال: ويختلف الإحراز باختلاف الأموال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما في الحديثين السابقين.
قال: وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه، وإنما كان كذلك؛ لأن الحزر ليس له في الشرع أمر مضبوط ولا في اللغة، فرجع فيه إلى العرف؛ كما في القبض في البيع والتفرقة فيه، والإحياء، لما لم يرد فيهما توقيف رجعنا في جميعهما إلى المعتاد بين الناس، [والعرف بين الناس] مختلف بما ذكرناه؛ فكان المرجع إليه.
قال الماوردي: وإذا كان هنا مناطه، فقد يكون الشيء حرزا في وقت [وليس حرزا في وقت] آخر؛ لأن الزمان لا يبقى على حال، وربما أنتقل من صلاح إلى فساد، ومن فساد إلى صلاح، وقد ضرب الأصحاب لما أجملوه ودمجوه فيما ذكروه أمثلة؛ [ليسهل بها تناول الأحكام، فقالوا: الإصطبل حرز للدواب على] نفاستها وكثرة قيمتها، وليس حرزا للثياب والنقود؛ لأن إخراج الدواب مما يظهر ويبعد الاجتراء عليه، بخلاف ما يخفف ويسهل حمله وإخراجه، والصفة في الدار وعرصتها حرزان [للأواني] وثياب البذلة، دون الحلي والنقود؛ فإن العادة فيها الإحراز في المخازن، وكذا الثياب النفسية تحرز في الدور وفي بيوت الحانات والأسواق المنيعة.
قال الماوردي: وسوق الرقيق لا يكون حرزا للصيدلة؛ لأن أبوابها في الغرف
أضعف، وحوانيت الصيدلة لا تكون حرزا للعطر ولا للبز؛ لأن إحراز البز أغلظ.
[وما كان حرزا لمال فهو حرز لما دونه، وأمتعة العطارين] والبقالين
والصيادلة، إذا تركها صاحب الحانوت على باب الحانوت ونام فيه، أو غاب عنه: فإن ضم بعضها إلى بعض وربطها بحبل، أو علق عليها شبكة، أو وضع لوحين على وجه الحانوت مخالفين – كفى ذلك إحرازا بالنهار، ولو تركها متفرقة ولم يقيدها بشيء مما ذكرناه، لم تكن محرزة، وأما بالليل فلا [تكون محرزة] إلا بحارس. واعتبر الماوردي مع الحارس وربط بعضها إلى بعض: أن يكون في سوق تغلق دروبها، أو في قرية يقل أهلها، فإن كان في بلد واسع ولم يكن عليه درب، لم يكن حرزا، وكذا اعتبر أن يكون الوقت سالما عن كثرة الفساد، فإن تحركت فتنة أو انتشر فساد، لم يكن حرزا.
وفي "التهذيب": أن متاع البقال في الحانوت بالليل محرز في وقت الأمن إذا كان الباب مغلقا، وفي غير وقت الأمن لا بد من حارس.
قال الروياني: والبقل والفجل قد يضم بعضه إلى بعض، ويترك عليه حصير، ويترك على باب الحانوت في السوق، وهناك حارس ينام ساعة [ويدور ساعة]؛ فيكون محرزا. وقد يزين الفامي حانوته أيام العيد بالأمتعة النفسية، ويعسر نقلها، فيترك ويطرح عليها نطعا، وينصب حارسا؛ فيكفي ذلك إحرازا، بخلاف سائر الأيام؛ لأن أهل السوق يعتادون ذلك، فيقوى بعضهم ببعض.
والثياب على باب حانوت القصار والصباغ كأمتعة البقالين والعطارين، قاله الرافعي.
قال الشافعي – رضي الله عنه: والحنطة حرزها أن تجعل في الغرائر موضع البيع، ويكون بعضها إلى بعض، وإن لم يغلق دونها باب. فمن الأصحاب من قال:] إن [هذا حرزها في جميع البلاد، ومنهم من خص ذلك بغير العراق، وقال: حرزها في العراق أن تكون في البيوت والمساطيح وعليها الأغلاق. قاله أبو الطيب والمصنف وغيرهما. وفي "الحاوي": اعتبار ما ذكرناه عنه فيها.
قال الروياني: ورأيت في بلدنا صبر الأرز تترك في موضع البيع، وتغطى بالأكسية والمسموح، وهي محرزة، ولو كانت الحنطة في مطامير المفازة، فليست بمحرزة، وكذلك التبن في المتبنة، والثلج في المثلجة، والجمد في المجمدة في الصحراء لا يكون محزرا إلا بحارس. [وكذا الزرع قصيلا ومشتد الحب، والقطن قبل خروج جوزه وبعده، والبذر المستتر بالتراب، لا يكون محرزا إلا بحارس].
وعن "جمع الجوامع": أن الزرع في المزارع محرز، وإن لم يكن حارس.
وعن "تعليق" الشيخ إبراهيم المروروذي: أن الزرع إذا كان قصيلا لا يحتاج إلى الحارس؛ لأنه [لا يحتاج] مثله في العادة [إلى حفظ].
قال الرافعي: وهذا يجري [مثله] في البذر.
وفي "الحاوي" و"تعليق" القاضي أبي الطيب وغيرهما حكاية وجه: أنه لا قطع في البذر أصلا؛ لما سنذكره.
ولو كانت هذه الأشياء في محوط، فهي كالثمار في البساتين. [والثمار على الأشجار إن كانت في برية، لا تكون محرزة إلا بحارس، وفي الكرم والبساتين] المحطوطة كذلك إن كانت بعيدة عن الطرق والمساكن، فإن كانت متصلة بها والجيران يراقبونها في العادة، فهي محرزة، وإلا احتيج إلى الحارس، [والأشجار في أفنية الدور محرزة، وفي البرية تحتاج إلى الحارس].
والحطب، قال البندنيجي: قال الشافعي: حرزه: أن يترك بعضه على بعض، ويربط أعلاه بحبل؛ بحيث لا يمكن أن يسل أحد منه شيئا. ومن الأصحاب من قال: لا يصير محرزا] في الليل [إلا بأن يسرج عليه أو يجعل دونه باب. قال الشيخ أبو حامد – كما نقله ابن الصباغ -: وهذا ليس بشيء.
والجذوع الكبار حرزها أن تكون مطروحة على الأبواب، وسنذكر في أثناء
مسائل الباب صورا أخر، إن شاء الله تعالى.
قال: فإن سرق الثياب والجواهر دونها أقفال في العمران؛ وجب القطع؛ لأن ذلك حرز مثله في العرف، سواء كان في البيت حافظ أو لم يكن، وفي معنى ذلك: الذهب والفضة والطيب، وهذا في النهار في حالة الأمن، ولا فرق [فيه] بين الحانوت والمنزل، وأما في الليل فقد أطلق في "التهذيب" أنه إذا كان فيها أحد [مع وجود الأقفال قطع، وإلا] فلا قطع. وهكذا الحكم عنده في النهار في حالة الخوف.
وقال الماوردي: في حوانيت الصيارف والبزازين إن كان ذلك في زمان عدل السلطان وأمن الزمان، كانت حرزا لأموالهم من الدراهم والدنانير والبز في الليل، إذا كان بناؤها محكما، وأبوابها وثيقة، وأقفالها مكملة، ويكون على أسواقها دروب، ويكون فيها حراس. وإن كان الزمان منتشر الفساد [و] قليل الأمن، لم تكن حوانيت الصيارف والبزازين حرزا لذلك، وينقل بالليل إلى منازلهم أو [إلى] حاناتهم. أما إذا كان الباب مفتوحا والموضع في العمران فقد أطلق الرافعي في موضع حكاية عن الأصحاب: بأن النقدين والجواهر والثياب لا تكون محرزة إلا بإغلاق الباب عليها، وقال في موضع آخر: إن لم يكن في [الموضع أحد] فليس بحرز، [وإن كان فيه أحد، فإن كان نائما لم يكن حرزا بالليل]، وكذا بالنهار في حالة الخوف، وفي حالة [الأمن] وجهان، أصحهما: لا؛ كما لو لم يكن فيها أحد. وإن كان مستيقظا، فإن لم تتم ملاحظته بأن كان يتردد في الدار، فيغفله السارق ويسرق – فعن حكاية الشيخ أبي علي: فيه وجهان، ويقال: إن القفال جعلهما جوابين في درسين، أشبههما – ويحكى عن النص-: أنه لا يجب القطع، ولا يجعل ما في الدار والحالة هذه
محرزا؛ للتقصير بإهمال المراقبة مع فتح الباب. ولو كان يبالغ في الملاحظة؛ بحيث يحصل الإحراز بمثله في الصحراء فلا خلاف في وجوب القطع، ولو كانت الأقفال في برية، أو في [طرف خراب] من البلد، أو في بستان – لم يكن ذلك حرزا عند عدم الملاحظة وإن تناهت حصانة الدار المقفلة، وكذلك القلعة المحكمة؛ فإنها في هذه الحالة يسهل الوصول إلى ما فيها بالنقب والتسليق من غير خطر، وإن كانت ملاحظة كانت [حرزا، ولا يشترط عند حصانة الموضع – والحالة هذه – دوام المراقبة] في النهار، وأما في الليل: فإن لم يكن فيها أحد فليست [بحرز لما] فيها، وإن كان – لكنه نام – فعن "البيان" حكاية وجهين عن رواية المسعودي:
الذي أجاب به منهما الشيخ أبو حامد ومن تابعه: أنها حرز.
قال الرافعي: والموافق لما أطلقه الإمام والبغوي خلافه.
وإن كان من فيها مستيقظا فهي حرز. نعم، لو كان ممن لا يبالي به وهو بعيد عن الغوث فهو خائف في نفسه وماله.
فرع: الخيمة والفسطاط إذا ضربا في برية، وشدت أطنابهما، [وأسبلت أذيالهما]- فحرزهما وما فيهما من الأمتعة: أن يكون صاحبهما فيهما، سواء كان مستيقظا أو نائما، كما قاله البندنيجي وأبو الطيب. وكذا إذا كان على بابهما كما نقله القاضي أبو الطيب عن حكاية القاضي أبي حامد في "الجامع"؛ لأن عادة الناس في إحراز أمتعتهم في الخيام هكذا.
وفي "الكافي": أن الحافظ لو كان نائما فلا قطع على السارق على الأصح، وعلى مقابله هو يشترط إسبال [باب] الخيمة؟ فيه وجهان عن رواية [الشيخ] ابن كج، ورأي الأظهر: أنه لا يشترط.
ولو لم يكن فيها ولا على بابها أحد فليست بمحرزة ولا ما فيها.
[وفي "الرافعي" [حكاية] وجه: أنها تكون محرزة في نفسها دون ما فيها].
قال الأئمة: والشرط أن يكون هنالك عند كون صاحبها فيها وجعلها محرزة به، وما فيها أن يكون هنالك من يتقوى به، فأما إذا كان في مفازة بعيد [عن الغوث] وهو ممن لا يبالى به، فلا إحراز.
ولو لم يشتد أطناب الخيمة ولم يرسل أذيالها، فهي وما فيها كالمتاع الموضوع في الصحراء، وحكمه إن نام دونه أو ولاه ظهره أو ذهل عنه بتشاغل لم يكن محرزا، وإن كان [متيقظا] يلاحظه فتغفله السارق وأخذ المال – قطع، وعن كتاب ابن كج [حكاية وجه آخر: أنه لا قطع عليه].
وهل يشترط ألا يكون في الموضع ازدحام الطارقين؟ فيه وجهان يأتي مثلهما، ومحل كونه محرزا بالملاحظة: إذا كان الملاحظ بحيث يقدر على المنع لو اطلع على أخذ السارق، إما بنفسه أو [بالاستغاثة] بالاستنجاد، فلو كان ضعيفا لا يبالى به السارق والموضع بعيد عن الغوث فالملاحظ ضائع مع المال.
وحكم المسجد حكم الصحراء.
ولو نام على المتاع، [أو جعله] تحت رأسه، [أو اتكأ] أو نام والعمامة على رأسه والخاتم في إصبعه والمدارس في رجله – فهو حرز.
روى أبو داود عن صفوان بن أمية، قال: كنت نائما في المسجد [على] خميصة لي بثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهما؟!
أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، فقال:"هلا كان] هذا [قبل أن تأتيني به".
ولو شد الخيمة بالأوتاد ولم يرسل أذيالها، وكان يمكن الدخول إليها من كل جانب – فهي محرزة، وما فيها ليس بمحرز.
قال الرافعي: وقد يفهم منه أن الأمتعة [والأحمال] إذا شد بعضها ببعض تكون محرزة بعض الإحراز، وإن لم يكن هناك خيمة، ولو أن السارق نحى النائم [أولا عن الخيمة] ثم سرق فلا قطع؛ لأنها لم تكن حرزا حين سرق.
وهكذا لو رفع السارق النائم عن الثواب [ثم أخذ الثواب، أو زالت رأس المتوسد النائم عما توسده][ثم أخذ، أو انقلب في النوم] أولا [ثم أخذه] السارق – فلا قطع عليه.
قال: وإن سرق المتاع من الدكاكين، أي: في الليل، وفي السوق حارس، أو سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ، [أو الجمال] من المرعى ومعها راع، أو السفن من الشط وهي مشدودة، أو الكفن من القبر – وجب القطع.
هذا الفصل ينظم خمس مسائل في الحكم لعد أهل العرف ذلك حرزا لما [ذكر:].
فالأولى إذا سرق المتاع من الدكاكين في الليل وفي السوق حارس قطع؛ لما ذكرنا.
وقد اشترط الماوردي في متاع الصيارف والبزازين ما ذكرناه من قبل، وقال: إنه لا يشترط أن يبت في الحوانيت أربابها؛ لخروجه عن العرف.
وفي "المهذب": عدم اشتراط الحارس في سوق الصيادلة والبقالين عن وجود
الأمن الظاهر، واشتراطه في حالة قلة الأمن، أما إذا كان في النهار فمجرد إغلاق
الحانوت كاف، وكذا فتحه وملاحظة المالك وما فيه من المتاع أو جلوسه على بابه كما قال الماوردي، فإن انصرف عنه أو نام صار ما فيه غير محرز، وهذا إذا انتفت الزحمة [من] على الحانوت، فلو وجدت ففي القطع وجهان جاريان فيما لو كان المتاع مطروحا في الشارع ملاحظا والزحام موجود.
قال الإمام: فلو كان المتاع الذي في الشارع ملحوظا بملاحظة جمع فيصير عدد اللاحظين في معارضة عدد الطارقين كاللحاظ في الصحراء في معارضة طارق واحد.
ويشترط أن [يكون الملاحظ][بحيث] يقدر على المنع كما تقدم.
واعتبر الماوردي فيما إذا كان المتاع في أفنية الأسواق وطرقاتها في الحرز ثلاثة شروط:
أن يكون بين يديه؛ فإن كان وراءه فليس بحرز.
وأن يرى جميعه؛ فإن لم ير منه شيئا فليس ما لم [يره] محرزا.
[وأن يكون] مجتمعا لا يمشي بينه مارة الطريق؛ فإن تفرق لم يكن ما حال بينه وبين المارة محرزا.
والثانية: إذا سرق الثياب من الحمام وهناك حافظ، قطع، لما ذكرناه.
والمراد [بالحافظ]: من استحفظه [صاحب الثياب المسروق، سواء كان حافظ الحمام] أو غيره، فلو نزع ثيابه والحمامي أو الحارس حاضر، ولم يسلمها إليه، ولا استحفظه إياها، بل دخل على العادة، فسرقت – فلا قطع، ولا ضمان على الحمامي والحارس على أي وجه سرقت، قاله البندنيجي والبغوي وغيرهما. وفي "فتاوى" القاضي: أنه يضمن للعادة، قال مؤلفها: وهو أصح.
ثم في قول الشيخ: وهناك حافظ، ما يعرفك أن شرطه [أن] يكون مستيقظا مراقبا؛ لأنه إذا نام أو أعرض فليس بحافظ حقيقة، وبه صرح الأصحاب، لكنه في هذه الحالة إذا كان قد استحفظ الثياب فسرقت ضمنها، وإن لم يقطع السارق.
وقد اعتبر القاضي الحسين وصاحب "الكافي" والرافعي في وجوب القطع: أن يكون [قد] دخل ليسرق لا لغرض آخر، فإن كان الحمامي قد أذن للناس في الدخول، فدخل [الحمام] واغتسل وسرق عند خروجه [منه –] فلا قطع.
قال القاضي: كما لو أذن للناس بالدخول في حانوته، فدخل إنسان، وسرق منه [لا قطع عليه].
والرافعي قال بعدم القطع إذا دخل مشتريا، وبوجوبه إذا دخل سارقا، وحكى قبل ذلك فيما إذا فتح صاحب الدار بابها، وأذن للناس في الدخول عليه لشراء متاعه كما يفعله الذي يخبز في داره – وجهين في وجوب القطع من غير تفصيل، ووجه المنع بأن الزحمة قد تشغل الحس.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين في أنه هل يعتبر [في القطع] خروجه من الحمام، أو لا [كما لا] يعتبر خروج السارق من المسجد إذا سرق منه؟ والأول هو الذي أجاب به الغزالي في "الفتاوى".
والثالثة: إذا سرق الجمال من الرعي ومعها راع، أي: ينظر إلى جميعها ويبلغها صوته؛ كما قاله في "المهذب" و"الحاوي" وغيرهما – قطع؛ لما ذكرناه.
وأطلق القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ القول بأن الراعي إذا كان ينظر
إلى جميعها قطع [السارق]، وسكتوا هم وغيرهم عن اعتبار بلوغ الصوت،
وكأنهم اكتفوا بالنظر، اعتمادا على أنه إذا قصد ما يراه أمكنه أن يعدو إليه، فيدفع.
ولو لم ير بعضها؛ لكونه في وهدة أو خلف جبل أو حائط أو شجرة – فلا قطع على الشارق، وكذا لو نام أو تشاغل.
[ولو بعد] بعضها بحيث لا يبلغها صوته، فلا قطع عند المصنف والماوردي على من سرقه.
واعتبر الماوردي وراء ما حكيناه عنه في القطع: أن تكون الجمال على ماء واحد ومسرح واحد لا يختلف بها مسرح ولا ماء، وألا يبعد [ما] بين أوائلها وأواخرها؛ حتى لا يخرج عن العرف في المسرح.
والحكم في الخيل والبغال والحمير إذا كانت ترعى على ما ذكرناه، وكذا الغنم إذا كان الراعي على نشز من الأرض يراها جميعها، فهي محرزة، وإن كانت متفرقة إذا بلغها صوته، قاله الرافعي وغيره.
أما إذا لم تكن الإبل ترعى، فإن كانت باركة، قال القاضي أبو الطيب: فحرزها بشيئين:
أحدهما: أن تكون معقلة.
والثاني: أن يكون صاحبها معها، مستيقظا كان أو نائما؛ لأن عادة الرعاة إذا أرادوا النوم أبركوا إبلهم وعقلوها.
وهذا يدل على اعتبار عقلها في حالة النوم خاصة، وهو ما صرح به ابن الصباغ وغيره، واعتبروا في حال عدم عقلها ونقيضه أن ينظر إليها ويلاحظها.
واعتبر الماوردي في حال النوم أن يضم بعضها إلى بعض، وأن يربطها إلى حبل قد مدة لجميعها، فإن فقد شيء من ذلك لم تكن محرزة.
وحكم الخيل والبغال والحمير كذلك إلا في اعتبار إناختها، ويكون شكلها عوضا عن العقل، قاله الماوردي.
وإن كانت الإبل سائرة، فإن كانت مقطرة كان الرجل الواحد في القطار حرزا
لما يراه منه ويقدر على زجره [في مسيره]، قال الماوردي: فتصير بهذين
الشرطين – الرؤية والزجر – حرزا، دون أحدهما، والأغلب: أنه يكون في ثلاثة من الإبل، فإن تجاوزت فإلى أربعة، وغايته خمسة إن كان في الجمال [فضل شهامة وجلد]، وسواء كان قائدا أو سائقا، فإن سرق شيء منها، وأبعد به عن نظر جماله وموضع حرزه – وجب القطع.
وفي "تعليق" أبي الطيب: أن حرزها إذا كان يسوقها مقطرة نظره إلى جميعها بحيث لا يخفى عليه شيء منها، وإن كان يقودها فحرزها يكون أمامها بحيث يشاهد جميعها كلما التفت إليها، ويكثر تعاهدها بالنظر والالتفات كالمراعي لها، فإن لم ير البعض لحائل – جبل أو بناء – أو كانت تسير في العمران، فذلك البعض [ليس بمحرز].
وفي كتاب ابن كج [وجه آخر]: أنه لا يعتبر انتهاء النظر إلى آخرها، ويكفي النظر إحرازا.
قال الرافعي: وليجئ هذا في سوقها أيضا.
واعتبر الفوراني ألا يزيد على القطار، وهو تسعة جمال، وعليه جرى الغزالي.
[وقال الرافعي]: ينبغي ألا يزيد القطار الواحد على تسعة للعادة الغالبة، فإن زادت فهي كغير المقطرة. قال: ومنهم من أطلق ذكر التقدير، ولم يقيده بعدد.
والأحسن توسط أورده أبو الفرج في "الأمالي"، فقال: في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، و [في] العمران يعتبر ما جرت العادة بأن يجعلها قطارا واحدا، وهو ما بين سبعة إلى عشرة، فإن زاد لم تكن الزيادة محرزة. وهذا هو الذي أورده القاضي الحسين في "التعليق".
وإن لم تكن مقطرة، بل كانت تساق، فمنهم من أطلق القول بأنها غير محرزة؛ لأن الإبل لا تسير هكذا في الغالب،] وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب". وعن الإيضاح: أنه لا فرق بين أن تكون مقطرة أو لا؛ وبهذا أخذ القاضي الروياني، وقال: المعتبر أن يقرب منه ويقع نظره عليها، ولا تعتبر صورة التقطير.
وفي "الحاوي": أن الواحد في هذه الحالة حرز لما يناله سوطه [منها؛ لأنه بالسوط يسوقها ويزجرها، ولا يكون حرزا لما لا يناله سوطه] وإن كان يراه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن التقطير ليس بشرط في الحرز إن كان يسوقها، بل المعتبرة نظره إليها، وإن كان يقودها فالتقطير شرط.
والخيل والبغال والحمير والغنم السائرة، كالإبل السائرة إذا لم تكن مقطرة.
قال الرافعي: ولم يعتبروا التقطير فيها؛ لكنه معتاد في [البغال].
وعدد الغنم المحرزة بالواحد يختلف بالبلد والصحراء.
وعن المسعودي: أن الغنم المرسلة في سكة تشرع إليها أبواب الدور، لا تكون محرزة حتى [تأوي إلى] الموضع.
قال الرافعي: وليكن هذا فيما إذا كثرت وتعذرت الملاحظة.
قلت: وإذا كان كذلك، لم يختص الفرض بهذه الصورة.
واعلم أن ما جعلناه محرزا من الإبل ونحوها، فما على ظهره محرز أيضا، حتى إذا سرق منه ما قيمته نصاب قطع، [وكذلك لو سرق البعير وما عليه، إلا أن يكون صاحبا راكبا عليه؛ فلا قطع] كما جزم به أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة، إذا كان الراكب نائما، في وجوب القطع وجهين:
أحدهما: نعم؛ لأنه محرز على طريق الحقيقة.
والثاني: لا يقطع.
ثم قال: وقال ابن أبي هريرة: إن كان قويا وعلم السارق أنه لو انتبه منعه من
ذلك، لم يقطع، وإلا يجب القطع. رأيته على الحاشية. انتهى.
وحكى الفوراني الوجه الأول، ووجها ثانيا: وهو إن كان الراكب قويا؛ بحيث لو انتبه لم يقو اللص عليه، لم يقطع، وإلا قطع.
والفرق بينه وبين ما حكاه القاضي عن ابن أبي هريرة: [أن ابن أبي هريرة اشترط] علم اللص بقوته، وهذا لم يشترطه.
قال الفوراني: وقد قيل: إن كان الحارس عبد فعلى السارق القطع؛ لأنه بمنزلة المتاع المملوك، وإن كان جرا فلا قطع. وهذا ما أورده البندنيجي، قال الرافعي: وكثيرون، وهو الصحيح، وقال: إن العبد لو كان نائما على مال فأخذ والمال معا؛ ففيه القطع.
فرع: إذا كانت الماشية من غير الإبل والخيل والبغال والحمير [في] حظيرة دير أو مراح أو إصطبل، قال البندنيجي: نظرت: فإن كانت في بادية فليس بحرز، سواء أغلق الباب أو لم يغلق، ما لم يكن معها في المكان حارس، فإن [كان] وكان الباب] مغلقا، فهو حرز، [نائما كان الحارس] أو مستيقظا، وإن كان الباب] مفتوحا: فإن كان مستيقظا يراها فهي حرز، وإن كان نائما فليست في حرز.
قال الرافعي: ويكفي أن يكون المراح من حطب أو حشيش إذا كان صاحبها فيها.
وإن [كان] ذلك في الأبنية المتصلة بالعمارات والأبواب مغلقة، قال ابن الصباغ والرافعي وغيرهما: فهي محرزة، سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن، وإن [كانت][الأبواب] مفتوحة، فهي حرز إن كان صاحبها فيها مستيقظا، وإلا فليست بحرز.
ولو دخل المراح المحرز، وحلب من ألبان الغنم، أو جز من أصوافها ما
قيمته نصاب – قال الرافعي وابن الصباغ: قطع. وفي "الحاوي": إن كان المحلوب
من البهيمة الواحدة يبلغ نصابا، قطع، وإن لم يبلغ إلا باحتلاب غيرها، ففي القطع وجهان، وجه المنع، أن كل ضرع حرز للبنه.
والرابعة: إذا سرق السفن من الشط وهي مشدودة، قطع؛ لما ذكرناه، فلو لم تكن مشدودة فلا قطع؛ لأنه ليس بحرز في العادة.
والسفن: المراكب الكبار، والشط، جانب البر والوادي، جمعه: شطوط.
والخامسة: إذا سرق الكفن من القبر، قطع، لأنه سارق، وإن اختص باسم آخر وهو النباش؛ فاندرج في قوله تعالى:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، وإنما قلنا: إنه سارق؛ لقول عائشة – رضي الله عنهما: "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا". وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله. وقد روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من غرق غرقناه، ومن حرق حرقناه، ومن نبش قطعناه". وروي أنه – عليه السلام – أمر بقطع المختفي.
قال الأصمعي: أهل الحجاز يسمون النباش: المختفي.
ولأن الحرز إنما شرط في وجوب القطع؛ لأن المحرز يحتشم الناس من تناوله ومد الأيدي إليه، وهذا المعنى موجود في الكفن في القبر: فإن [في] الطباع نفرة عن تناوله؛ فحل القبر محل الحرز بالبيوت المغلقة والأبواب المقفلة.
فإن قيل: هذا ينتقض بمن سرق حبا مبذورا؛ فإن الأرض حرز مثله، ومع ذلك لا قطع عليه.
قال [القاضي] أبو الطيب والماوردي: الجواب أن من أصحابنا من قال:
يجب عليه القطع؛ فسقط السؤال، ومنهم من قال: لا قطع، والفرق: أن الذي
سرق الحب لم يخرج من الحرز ما [لم] يبلغ [نصابا؛ لأنه يخرجه حبة حبة،
وهي لا تبلغ نصابا، [بخلاف النباش، فإنه يخرج][من الحرز ما يبلغ] نصابا]؛ فلذلك قطع.
فإن قيل: الكفن لا مالك له، فلم يجب القطع بسرقته كسائر الأشياء المباحة.
قال أبو الطيب والماوردي: لأصحابنا في الكفن إذا كان من تركة الميت، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ملك للميت، فإذا أكله سبع أو أخذه سيل، انتقل إلى ملك الورثة على رأي، وعلى رأي الأكثرين: يكون بيت المال، وبه جزم ابن الصباغ.
والثاني: أنه ملك للورثة، والميت أحق به ما دام باقيا، فإذا بلي تصرفوا فيه بالفريضة، وهذا هو الأصح في "الرافعي". وعلى هذين الوجهين يندفع السؤال.
والثالث: أنه لا مالك له، أي: معين؛ فيكون لله – تعالى – كما قاله الرافعي؛ لأن الوارث لا يتمكن من التصرف فيه، والميت لا يملك شيئا، فإذا بلي الميت؛ كان لبيت المال. وجزم القاضي الحسين بأنه يكون ملكا للوارث على هذا الوجه أيضا؛ كما جزم به إذا قيل بغيره. والمشهور الأول، وعلى هذا لا يمتنع أن يقطع فيه؛ كما أن ستارة الكعبة لا مالك لها، ويقطع سارقها، وكذلك أبواب المساجد.
على أن ابن خيران روى قولا آخر: أنه لا يجب القطع بسرقة الكفن بحال؛ لأنه موضوع للبلى، ويذكر أن أبا حفص ابن الوكيل نسب ذلك إلى القول القديم، والصحيح – وبه [قطع أكثر الأصحاب] الأول.
وحيث تكلمنا في ملك الكفن، فلننه الكلام فيه:
فإذا كان الكفن من بيت المال أو من مال أجنبي، فلمن هو؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخلاف المذكور فيما إذا كفن من تركته.
والثاني: القطع بأنه يبقى على ملك الأجنبي أو حكم بيت المال؛ لأن نقل
الملك إلى غير مالك لا يمكن، والميت لا يملك ابتداء، وغير الميت لم يملك؛ فكان الأجنبي معيرا للكفن إعارة لا رجوع فيها كالإعارة للدفن، ويرجع إليه وإلى بيت المال بعد بلى الميت، وهذا أصح في "الكافي"؛ حيث قال: يرد إليه بعد بلى الميت على الأصح.
ولو كان الميت عبدا، وقد كفنه السيد، فالملك في الكفن للسيد، أو لا يملكه أحد؟ فيه وجهان في "تعليق" البندنيجي وغيره، قال: ولا يجيء فيه أنه على حكم ملكه.
قال الرافعي: لأن العبد لا يملك إلا بتمليك السيد على القول القديم، والسيد لم يملكه. ثم قال: ولمنازع أن ينازع فيه، ويجعل التكفين تمليكا، كما جعل تكفين الأجنبي تمليكا على رأي، وحكم بأن الكفن ملك للميت.
قلت: ويجيء هذا – أيضا – على قولنا: إن العبد لا] يملك بتمليك [السيد؛ لأن هذا التمليك جرى بعد الموت، وبالموت زال الرق عنه، فصار كالحر المعسر؛ كما أشار إليه الغزالي في كفارة اليمين، والله أعلم.
واعلم أن ما ذكرناه، في الكفن المشروع وهو خمسة أبواب؛ كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما. وقال القاضي الحسين: إنه ثلاثة، فأما إذا كفن في الزائد على المشروع، [فالزائد] ليس بمحرز، وقيل: يقطع سارقه، وقد أجرى هذا الوجه فيما إذا وضع في القبر مضربة أو وسادة للميت، ويجري في سرقة التابوت الذي دفن فيه الميت، وعن بعضهم إجراؤه فيما إذا دفن معه [دراهم أو دنانير.
وعن "الرقم" للعبادي: أن القاضي الحسين حكى عن القفال وجوب القطع فيما إذا دفن معه] مال تبعد المهم والأوهام عن دفنه فيه، ومحل ذلك إذا لم يكن القبر في بيت محرز، أما إذا كان، وجب القطع جزما؛ كما قاله الإمام، وإن كان ذلك المالك متعرضا للبلى.
والطيب الزائد على ما يستحب تطييب الميت به، كسائر الأموال؛ فلا قطع فيه
على المشهور. وبه أجاب الماسرجسي، وقال بالقطع فيما إذا سرق القدر المستحب، وبلغت قيمته نصابا؛ لأن تطييبه من السنة؛ فجرى مجرى الأكفان.
قال ابن الصباغ: وعندي أنه لا يجتمع الطيب [المستحب؛ فإن] المستحب التبخير بالعود، وأن يطرح في الحنوط كافور، وذلك مما لا يجتمع، فإن كان مجتمعا فلا قطع فيه. يعني: لأنه زائد.
وقد حكى الماوردي وجها أنه لا قطع في الطيب بحال؛ لأنه يستهلك، بخلاف الأكفان.
ثم ما أطلقناه من وجوب القطع بسرقة الكفن محله – كما قال الأصحاب – إذا أخرج من جميع القبر مجردا عن الميت، أما إذا أخرج من اللحد إلى فضاء القبر وتركه هنالك لخوف أو غيره، لم يقطع على المنصوص المشهور.
قال الرافعي: ويجوز أن يخرج ذلك على الإخراج من البيت إلى صحن الدار، يعني: وقد فتح اللص بابها؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ولو أخرجه على الميت ولم يجرده عنه، ففي قطعة وجهان [في "الحاوي"]:[أحدهما]- وينسب إلى المروزي -: أنه لا قطع؛ لاستبقائه على الميت.
والثاني – وهو قياس [قول] ابن أبي هريرة -: أنه يقطع.
وقد أطلق الشيخ هنا ذكر القبر، ولم يفصل فيه بين أن يكون في مفازة أو في مقابر المسلمين في الصحراء، أو [في] العمران. وهو متبع في الإطلاق للقاضي أبي الطيب والبندنيجي، و [عليه جرى] ابن الصباغ أيضا. وقضيته: أن القبر حرز على الإطلاق، كما حكى ذلك وجها، ويعزى إلى اختيار الشيخ أبي حامد والقفال والقاضي الحسين وأبي الحسن العبادي؛ لأن النفوس تهاب الموتى.
وفي "المهذب": إن كان القبر في برية، لم يقطع، وإن كان في مقبرة تلي
العمران، قطع. وهو منطبق على قول الماوردي: إن كان القبر منفردا في الفلوات،
فلا قطع في السرقة منه، وإن كان في مقابر البلد الأنيسة [قطع]، سواء كان
في وسط البلد أو ظاهرها؛ بشرط أن يكون القبر عميقا؛ فلو كان قريبا من وجه الأرض، فلا قطع. انتهى.
وعن "فتاوى" الفراء: أنه لو وضع الميت [قريبا] على وجه الأرض، ونضدت الحجارة عليه – كان ذلك كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن، خصوصا إذا كان ذلك حيث لا يمكن الحفر.
وقد انتظم من مجموع ذلك وجوب القطع إذا كان في المقبرة المتصلة بالعمران، [و] من طريق الأولى إذا كان محرزا في بيت، وسرق الخارج عن البيت الكفن منه، وإن كان في مفازة فوجهان، وكذلك أورده صاحب "الكافي"، والوجهان يجريان فيما إذا كان القبر في بيت، وسرق من في البيت الكفن؛ كما حكاه في "التهذيب".
وقال القاضي الحسين [وغيره]: إن كان القبر محرزا في بيت أو في المقابر العامة التي بقرب العمران، وهناك حارس – قطع، وكذلك إذا كانت المقبرة محفوفة بالعمارات؛ بحيث يندر تخلف الطارقين عنها زمنا يتأتى فيه النبش؛ كما قاله الإمام. وإن كان في المقابر العامرة التي بقرب البلد، ولم يكن ثم حارس – فوجهان، والمذهب في "تعليق" القاضي الحسين وجوبه، وإن كان في المقابر التي لا يعلم أن الناس يبلغون إليها، فإن كان بعيدا من البلد، لا قطع. قال القاضي: والذي عندي أنه يقطع؛ لأنه إذا مات في صحراء أو في مفازة، يجب دفنه هناك، ولا يجوز نقله إلى موضع آخر، فإذا فعل الواجب استحال أن ينسب إلى تضييع.
فرع: إذا طرح الميت في الماء، فأخذ أحد كفنه فلا قطع؛ لأنه ظاهر، وهو كما لو وضع الميت على شفير القبر فأخذ سارق كفنه. ولو غيبه الماء، فغاص سارق وأخذ كفنه لم يقطع؛ لأن طرحه في الماء لا يعد إحرازا، وهذا كما لو وضعه] على وجه [الأرض فغيبه الريح بالتراب، قاله الفراء في "فتاويه".
قال الرافعي. وقد يتوقف في هذا.
قال: وإن كان [المال] محرزا [في بيت]؛ يعني: لكون باب البيت مغلقا، [فأخرجه منه إلى الدار وهي مشتركة بين سكان – قطع، أي:] سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا؛ كما قاله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي [الحسين]؛ لأنه أخرجه من الحرز [إلى ما ليس بحرز، فقطع كما لو أخرجه من دار] إلى زقاق غير نافذ وإن كان موثقا بالدرب، وهكذا الحكم في المدرسة والرباط والخان إذا أخرج من مخزن منه شيئا، وطرحه في وسطه، وفيه سكان.
وفي "الإبانة" وغيرها من كتب المراوزة: أنه إذا أخرج المال من بعض البيوت المغلقة إلى الخان ونحوه من لا بين له فيه، والخان مغلق – فهل يقطع؟ فيه وجهان.
قال الرافعي: ويقرب من هذا ما حكى عن "المنهاج" للشيخ أبي حامد: أنه إن كان بالليل لم يقطع؛ لأن الباب يكون مغلقا بالليل، وإن كان بالنهار يقطع.
ولو كان المخرج من البيت المحرز إلى صحن الخان بعض سكان الخان ونحوه، فعليه القطع، سواء كان باب الخان مغلقا أو مفتوحا؛ لأن الصحن في حق السكان كالسكة المسندة بالإضافة إلى الدور، وهذا بخلاف ما لو سرق من [في] الخان شيئا من عرضه الخان، فإنه لا قطع عليه؛ لأنها مشتركة بينهم وما فيها فير محرز عنه.
قال الإمام: هذا إذا [كان] فتح الباب هينا على من يخرج [من] العرصة بأن [كان] موثقا بالسلاسل ونحوها، فأما إذا كان موثقا بالمغاليق، وله مفاتيح بيد حارس؛ وكان يحتاج [مخرج المتاع] إلى معاناة ما يحتاج إليه [من يحاول] الدخول من خارج – فهذا فيه تردد. وذكر احتمالا في عدم
وجوب القطع بالإخراج من الدار إلى السكة المسندة الأسفل الموثقة بالدروب – إيقاف عرصة الخان؛ لأنها مملوكة لأصحاب الدور، وهي من مرافقهم، فتشبه عرصة الدار. وقال:[إن] الذي رآه الأصحاب الأول. قال الرافعي: وقد يفرق على هذا بأن الأمتعة قد توضع في العرصة؛ اعتمادا على ملاحظة سكان الحجر والبيوت، بخلاف السكة.
قال: وإن كان الجميع لواحد وباب الدار مفتوح، أي: لم يغلقه المالك – قطع؛ لأن ما في الدار ليس بمحرز مع فتح بابها؛ فأشبه ما لو أخرجه إلى الزقاق.
قال: وإن كان مغلقا فقد قيل: يقطع؛ لأن [باب] البيت حرز لما فيه من المال، فإذا أخرج منه فقد أخرجه من حرزه؛ فوجب عليه القطع كما لو كان باب الدار مفتوحا، وهذا أصح في "الجيلي".
وقيل: لا يقطع؛ لأن الدار حرز لما فيها، والبيت حرز لما فيه؛ فلم يجب القطع بهتك أحد الحرزين [وإخراج المال منه] دون الآخر؛ كما لو كان المال في صندوق وهو مقفل، وذلك الصندوق في بيت مقفل، فأخرج السارق المال من الصندوق إلى البيت؛ فإنه لا قطع عليه، وهذا ظاهر النص في "المختصر"، وأصح في "الحاوي" وعند النواوي وصاحب "المرشد".
وما ذكره الشيخ في الحالين هو ما أورده الأكثرون، وحكى الإمام الخلاف في الحالة الثانية فيما إذا كان المخرج من البيت تصلح الدار حرزا له، وقال فيما إذا لم تكن الدار حرزا له: وجهان مرتبان على الوجهين في الحالة السابقة، وهاهنا أولى بوجوب القطع، والفرق أن الدار مضيعة [بالإضافة إلى المخرج]، بخلافها في الحالة السابقة، ووجه عدم وجوب القطع في هذه الحالة بأن باب الدار إذا كان مغلقا فهو مزيد إيثاق المال الذي في البيت، فهي تتمة الحرز، فاعتبر قائله في القطع الإخراج من تمام الحرز. قال: وإذا جمعت بين المسألتين انتظم فيها ثلاثة أجه، ثالثها – وينسب إلى [ابن] القطان -: الفرق بين أن يكون المخرج
إلى الدار مما يحرز بها، فلا قطع، وإلا فيقطع.
وعلى ذلك جرى الغزالي، وقد حرر الإمام هاهنا بحثا في تصوير المسألة فقال: لا شك في جريان ما ذكر فيما إذا تسلق اللص الجدار وتدلى إلى العرصة أخرج المتاع من البيت، فلو فتح باب الدار [ثم أخرج] المتاع [أو الدراهم] من البيت إلى العرصة فهذا فيه نظر؛ لأن الحرز إذا هتكه السارق فهو في حكم الحرز الدائم، ولولا ذلك لما أوجبنا عليه القطع بدخوله بعد النقب والأخذ منه، وقد نجيز هذا تخفيفا على السارق إذا قيل: أخرج من حرز إلى حرز، ولو حكمنا بانتهاك الحرز [في العرصة] لقطع، ونحن فإنما جعلنا الحرز بعد النقب في حكم الباقي تغليظا عليه، فقياس هذا الفقه: أن تجعل العرصة مضيعة؛ ليلزم الداخل بالإخراج [من البيت] إليها القطع، والمسألة محتملة؛ لأنه ليس مبنى الباب على التغليظ، وإنما جعلنا الناقب إذا سرق سارقا؛ لأن صورة السرقة في الغالب تكون كذا.
قلت: والذي يظهر صحته الأول؛ لأن بمجرد فتح الباب أو نقب الدار لم يبق حرزا، وكذلك لو سرق منها سارق لم يقطع، وكذا لو لم يكن في الحرز حالة النقب [إلا] دون النصاب، فدخل المالك ووضع فيه شيئا، ولم يدر بهتك الحرز وكون اللص فيه، فأخذه اللص - فلا قطع عليه؛ كما حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب؛ لأنه وضعه في حرز مهتوك، وإذا كان [ذلك] كذلك فما أخرجه إليها فهو مخرج إلى غير حرز؛ فأشبه ما لو أخرجه إلى الزقاق، لكن الذي يظهر موافقة الأصحاب عليه الثاني؛ حيث قالوا: لو أخرج الكفن من اللحد إلى فضاء القبر، وتركه هنالك لخوف أو غيره - لم يقطع على النص. ولم يحكموا سواه مع أنه قد صيره في غير حرز، والله أعلم.
فرع: إذا رفع اللص المال من البيت إلى السطح، قال الماوردي: إن كان
على السطح ممرق يغلق] على السفل قطع، لأن خروجه من الممرق كخروجه
من باب الدار، وإن لم يكن [عليه] ممرق يغلق]: فإن كان السطح عاليا أو عليه سترة مبنية تمنع من الوصول إليه لم يقطع؛ كما لو صعد بالمال من سفل الدار إلى غرفها، وإن كان بخلاف ذلك قطع.
قال: وإن نقب رجلان، فدخل أحدهما وأخرج المتاع، ووضعه في وسط النقب، أي: وقيمته نصابان فأكثر، فأخذه الخارج – ففيه قولان:
أحدهما: يقطعان؛ لأنهما اشتركا في هتك الحرز وإخراج المال؛ فوجب عليهما القطع؛ كما لو حملاه جميعا من الحرز وأخرجاه، ولأنا لو لم نوجب القطع عليهما صار ذلك طريقا إلى إسقاط القطع. وهذا ما نقله الحارث بن سريج النقال عن الشافعي – رضي الله عنه – كما قاله القاضيان أبو الطيب والحسين.
وقال الماوردي: إنه رواه ابن شبرمة عن الشافعي – رضي الله عنه – في القديم.
والثاني: لا يقطعان؛ لأن كل واحد منهما لم يخرج المال من كمال الحرز؛ لأن الحرز هو الحائط، وهذا ما رواه المزني والربيع، وهو الصحيح في الطرق، وبه قطع الصيدلاني؛ لأن فعل كل واحد منهما منفرد عن الآخر فلم يبن عليه؛ كما لو نقب واحد فجاء آخر فأخرج [المال]، وما ذكر من أنا لو لم نوجب القطع لصار طريقا لنفي القطع، يلزم عليه أن يقال: إذا ادعى السارق أن المسروق ملكه، يقطع لهذا المعنى، وقد نسب ابن الصباغ القولين إلى رواية الحارث بن سريج النقال، وقال القاضي أبو حامد: إنهما في كتبه القديمة.
وعلى هذا يكون في المسألة طريقان، وقد جزم البندنيجي وغيره بأن أحدهما والصورة هذه لو قرب المتاع من النقب، فأخذه الخارج، كان القطع على المخرج دون المقرب، ومن طريق الأولى إذا نقبا ودخل أحدهما وأخرج المتاع، في اختصاصه بالقطع.
قال الإمام: ورأيت في بعض التعاليق عن شيخي حكاية وجهين في وجوب القطع على المخرج.
وإذا جرى الخلاف في هذه الصورة ففي التي قبلها أولى، ثم ما المراد بالاشتراك في النقب؟ فيه وجهان:
أحدهما – وينسب إلى رواية الفوراني -: أن يأخذا آلة واحدة فينقبان بها على النعت الذي يجب به القصاص عند الاشتراك في قطع الطرف، أما إذا كان بيد كل [واحد] منهما آلة [ينفرد بها] فلا شركة، قال في "الإبانة": ولا قطع عليهما.
والثاني – وهو الصحيح، وبه جزم في "الوجيز"-: أنهما مشتركان في الصورتين.
فرع: لو أن أعمى ومقعدا اجتمعا ونقبا، فركب [المقعد] الأعمى والمقعد يهديه، فأخذ المقعد وركب الأعمى – ففي "تعليق" القاضي الحسين وجهان:
أحدهما: لا قطع على واحد منهما.
والثاني: عليهما.
وقيل: يجب على الزمن دون الأعمى، حكاه الرافعي وهو في "الزوائد" للعمراني معزي إلى "العدة" للطبري.
ولو أخذ الأعمى المال بدلالة الزمن، وخرج به، فعن "البيان" أنه] هل [يجب القطع عليهما، أو لا يجب إلا على الأعمى؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
ولو كانا بصيرين سالمين، فأخذ المال أحدهما، وحمله الآخر فأخرجه والمال في يده – وجب القطع على المحمول، وفي الحامل وجهان، الذي أورده الروياني منهما المنع.
آخر: إذا سرق جذعا، فلحقه الراعي قبل أن يخرج جميعه، وكان المخرج يساوي نصابا – حكى القاضي أبو الطيب عن الماسرجسي: أنه لا يقطع، وكذلك إذا أخرج بعض عمامة ثم تركها، لأن بعضها لا ينفرد عن بعض؛ كما إذا كان في بعضها نجاسة والباقي على رأسه، لا تجوز صلاته.
قال القاضي: وكذلك إذا أخذ الغاصب طرفا والطرف الآخر في يد صاحبها، لم يضمنها؛ فكذلك في السرقة، قاله ابن الصباغ.
قال: وإن نقب أحدهما، فدخل الآخر وأخرج المتاع – لم يقطع واحد منهما؛ لأن الناقب لم يسرق، والآخذ أخذ من غير حرز؛ فعلى هذا: على الأول ضمان ما نقبه من الجدار، وعلى الثاني ضمان ما أخذ، وهذه طريقة ابن أبي هريرة وطائفة.
وقيل: فيه قولان كالمسألة قبلها، ووجه القطع: خشية جعل المواطأة على ذلك ذريعة للسرقة، وهذه الطريقة – كما حكاه الماوردي – قال بها كثير من أصحابنا، وقد حكاها الشيخ القاضي أبو الطيب وغيره، وظاهر اللفظ في إيرادها يقتضي أنهما يقطعان على قول، وهو ما صرح به الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين.
وفي "النهاية" أنه يختص قول القطع فيها بالآخذ، وعليه جرى الجيلي، وهو الأقرب؛ لأن الأصحاب مطبقون على أن ثلاثة لو [نقبوا، ثم] دخلوا الحرز بعد نقبهم وكوروا المتاع، وحمله واحد [منهم] فأخرجه – لا قطع [إلا] عليه، وحكوه عن النص، ولو كان القطع في مسألة الكتاب على الناقب [على قول]، لكان جريانه في مسألة التكوير أولى، ويجوز أن يكون ما حكوه فيها بناء على الصحيح.
وعن [ابن القاص] في مسألة الكتاب أن صاحب الدار إن لم يكن فيها فلا قطع، وإن كان فيها وجب على المخرج القطع؛ لأنها محرزة به فيكون قد أخرجه من حرز.
قال ابن الصباغ: وعلى هذا ينبغي أن يقال: إن كان صاحب المتاع منتبها
يراعي ما فيها، فالأمر كذلك. وإن كان نائما فإنما حرزها بالغلق وقد زال
بالنقب، وهذا ما فهمه القاضي أبو الطيب من كلام ابن القاص؛ لأنه قال بعد حكاية ما ذكرناه عنه: وهو كما قال؛ لأن صاحب الدار إذا كان فيها فما فيها محرز] به [، والوجهان إذا لم يكن صاحبها فيها أو كان نائما.
وفي "الرافعي": الجزم بأن صاحبها إن كان يلاحظ المتاع [فهو محرز] به؛ فيجب القطع على الآخذ، وإن كان نائما فلا يكون المال محفوظا به في أصح الوجهين؛ كما ذكرناه فيمن نام في الدار وبابها مفتوح، وهذا منه إشارة إلى كون السرقة بالنهار؛ لأنه محل الوجهين كما ذكر، أما إذا كانت بالليل فقد جزم بأن ما في الدار لا يكون محرزا إذا كان نائما.
وحينئذ يتلخص من مجموع ما ذكرنا: أن المالك إن كان مراعيا للمال قطع الآخذ بلا خلاف، وفي قطع الناقب الطريقان، وإن كان نائما: فإن كان في الليل ففي قطعهما الطريقان، وإن كان [في النهار]، فإن قلنا بالقطع في الليل ففي النهار أولى، ولا فلا قطع على الناقب. وفي قطع الآخذ وجهان، أصحهما: المنع.
قال: وإن نقب أحدهما وانصرف، وجاء الآخر، [أي]: الذي لم يشهد النقب؛ كما قال الماوردي، وسرق – لم يقطع واحد منهما؛ لما ذكرناه، ومن طريق الأولى إذا أخذ الآخر من وسط النقب؛ كما قاله البندنيجي، ولا يجيء الطريق الثاني في المسألة قبلها؛ لأنه لا تواطؤ بينهما، كذا أطلقه الجمهور.
وفي "الحاوي": أنه لا قطع [في مسألة الكتاب] على الذي نقب، وأما الآخر فلا قطع عليه إن اشتهر خراب الحرز، وإن لم يشتهر ولم يظهر ففي القطع وجهان جاريا فيما لو عاد الذي نقب بعد هربه في ليلة أخرى وأخرج السرقة، وجعل أظهرهما وجوب القطع. وقد حكى الوجهين في الصورة الأخيرة القاضي الحسين أيضا.
فرع: لو نقب سارقان حرزا واحدا: [أحدهما من جانب، والآخر من جانب]، وأخذ كل منهما نصابا، وأحدهما لا يعلم بصنع صاحبه – قال القاضي الحسين: فالقطع إنما يجب على السارق الذي نقب أولا، ولا قطع على الثاني؛ لأن الحرز صار مهتوكا، وإن وقع النقبان معا فعليهما القطع، وإن أخرج كل منهما ما سرقه من نقيب صاحبه، كما لو نقب واحد وأخرج المال من الباب.
قال: وإن نقب الحرز [واحد] وأخذ دون النصاب وانصرف، ثم عاد وأخذ تمام النصاب، أي: لا غير، كما قال القاضي الحسين، وإن كان في كلام القاضي أبي الطيب خلافه – فقد قيل: يقطع؛ لأنه أخذ المال من حرز مثله فصار كما لو أخرجه دفعة واحدة، أو كان المسروق حبلا فأخرجه شيئا فشيئا. وهذا ما حكاه المصنف وغيره عن ابن سريج، والرافعي عنه وعن القاضي أبي حامد، وهو الأصح عند الجمهور.
وقيل: لا يقطع؛ لأن المأخوذ أولا دون النصاب فلا قطع فيه، [والمأخوذ ثانيا] غير محرز فلا قطع فيه، وهذا قول أبي إسحاق.
[وقيل]: إن اشتهر خراب الحرز، أي: بأن علم بالنقب المالك أو الناس – لم يقطع؛ لأنه أخذه من حرز مهتوك وإن لم يشتهر، أي: بأن ردم السارق النقب، أو نضد لبنه من غير بناء – قطع؛ لأنه أخذه من حرز هتكه هو بنفسه فقطع؛ كما لو نقب ودخل وسرق، وهذا قول ابن خيران كما حكاه المصنف وغيره، وهو المختار في "المرشد"، وفي "تعليق" القاضي الحسين أنه حكي عن ابن سريج.
وهذه الأوجه، قال البغوي: إنها تجري، سواء عاد في تلك الليلة أو في [الليلة] الثانية، وقيل: إن عاد في الليلة الثانية لم يقطع وجها واحدا.
وفي "تعليق" البندنيجي و"الشامل" حكاية الأوجه فيما إذا كان [العود في ليلة
أخرى، واقتصر فيما إذا] عاد في وقته أو [في] ليلته على حكاية الوجهين
الأولين. وهذا هو المحكي في "الزوائد" عن أبي حامد، وهو يفهم تخصيص
الوجه الثالث بالحالة الأولى، وكلام أبي الطيب كالمصرح به؛ لأنه حكى الوجهين فيما إذا عاد في ليلته، ثم قال: ولو عاد في الليلة الثانية، [وأخذ ما يساوي ربع دينار]، [أو ما يتم به ربع دينار]- فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: حكمه حكم المسألة السابقة، وقال أبو علي من خيران .. وساق مذهبه الذي ذكرناه، وفي "الحاوي" ما يقتضي خلافه؛ فإنه حكى الوجهين السابقين فيما إذا كان عوده من وقته أو من غده، وحكى الثالث، ونسبه إلى ابن خيران وأنه قال: إن عاد لوقته فاستكمل النصاب قبل اشتهار هتكه – قطع، وإن عاد من غده بعد اشتهار هتكه لم يقطع؛ لاستقرار هتك الحرز بالاشتهار، وهذا أصح.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية الوجهين الأولين فيما إذا عاد السارق قبل أن يعود إلى منزله، أما إذا عاد بعد رجوعه إلى منزله ففي القطع وجهان مرتبان على الوجهين في الحالة الأولى، وأولى بعدم القطع؛ لأنه كالمبتدئ لهذا الأمر، وغيره بانية على الأول، وعند اختصار ما ذكره يرجع حاصله إلى ثلاثة أوجه، ثالثها: إن لم يعد لمنزله قطع، وإلا فلا، وكذا حكاها الفوراني والطبري في "العدة".
وكلام الإمام قريب من ذلك؛ فإنه حكى في المسألة ثلاثة أوجه عند عدم علم المالك بخراب الحرز، ثالثها: إن تواصل الفعلان من غير تخلل فصل يجب القطع، وإن انفصل أحدهما عن الثاني بزمان طويل فلا قطع.
وحكى [أن شيخه] كان يقول: لو أخرج مقدارا وانطلق به وعاد، فهذا فصل بين الفعلين [وإن قرب الزمان وأسرع الكرة. وهذا حسن في إفصاح معنى الفصل بين الفعلين] على هذا الوجه، وجزم بأن المالك لو اطلع على خراب الحرز فلم يسده، أو سده فعاد السارق واستكمل بما أخذه ثانيا تمام النصاب – أنه لا قطع.
وحكم فتح الباب أو كسره أو فتح غلقه فيما ذكرناه، حكم النقب.
قال: وإن ترك المال على بهيمة، فلم يسقها، فخرجت البهيمة بالمال، أو تركه في ماء راكد فتفجر [وجرى]، أي: تحرك إما بزيادة ماء آخر بسبب سيل، أو لانفتاح ما يمسكه عن الجريان بنفسه، وجرى، أي: المال، مع الماء إلى خارج الحرز – فقد قيل: يقطع، وقيل: لا يقطع.
هذا الفصل ينظم مسألتين:
إحداهما: إذا ترك المال على بهيمة ولم يسقها فخرجت بالمال، وفيها وجهان:
أحدهما: يقطع؛ لأن وضع المال على الدابة تسبب إلى خروجه؛ فإن الدابة إذا استقلت بالحمل سارت، فصار كما لو وضعه على دابة سائرة أو واقفة وساقها، فإنه يقطع وجها واحدا.
والثاني: لا يقطع؛ لأن للبهيمة اختيارا، فإذا لم يسقها وسارت، فقد سارت بنفسها لا باختيار السارق؛ فلم يقطع، قال القاضي أبو الطيب: وهذا كما قال الشافعي – رضي الله عنه – فيمن فتح قفصا عن طائر لإنسان ولم يزعجه، فوقف ساعة، ثم طار-: لم يضمنه؛ لأن للطائر اختيارا صحيحا، فحين طار طار باختياره. وهذا أصح في "الرافعي" وعند النواوي وصاحب "المرشد"، وبه جزم الفوراني، قال الرافعي: ويحكى عن القاضي أبي الطيب القطع به. وقد قيل به فيما لو وضعه على دابة واقفة وساقها، وينسب إلى "الفروع" كما قال في "الزوائد"، ورأى الإمام تخريجه في الوضع على الدابة السائرة مما سنذكره في منع [القطع] عند انثيال الصبرة.
وقد اختلف الأصحاب في محل الوجهين المذكورين في مسألة الكتاب:
فمنهم من قال: محلهما إذا وقف ثم سارت،] أما إذا سارت [عقيب الوضع قطع وجها واحدا؛ لإشعار الحال بأنها سارت بفعله.
وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي هذا؛ حيث استدل بوجه عدم [القطع بنص
الشافعي – رضي الله عنه – في مسألة الطير إذا وقف ثم طار.
ومنهم من قال: محلها إذا مشت عقيب الوضع]، أما إذا وقفت ثم سارت فلا قطع. وهذا ما حكاه الإمام عن العراقيين، وهو اختيار الشيخ أبي علي وغيره، ولم يورد البغوي سواه، وحكى العمراني إن الشيخ ابا علي طرد ذلك فيما إذا ربط لؤلؤا على جناح طائر، وقال إن مكث [من غير] طيران ساعة، ثم طار فلا قطع، وإن طار عقيب الربط من غير تهييج، ففيه وجهان.
ومنهم من أطلق الوجهين، قال الرافعي: وهو الأظهر. ومقتضاه جريانهما في الحالين.
وعند الاختصار يجيء في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما حكاها الماوردي، ثالثها: إن وقفت ثم سارت، فلا قطع، [وإلا قطع]، وهذا ما قال به ابن أبي هريرة، وحكى القاضي الحسين ذلك طريقة مستقلة، وطردها فيما لو شد لؤلؤة على جناح طائر.
وهكذا فيما لو كان في الحرز غنم، فنقب: فإن خرجت في الحال قطع، وبعد ساعة لا قطع، والأقوال في المسألة تشابه الأقوال التي حكاها الإمام وغيره في مسألة فتح القفص عن الطائر.
قال الإمام: ومن أصحابنا من قطع فيما نحن فيه بنفي السرقة، وإن تردد القول في مسألة الطائر [في الضمان]، والسبب فيه: أن السبب مضمن في الغصوب، والسرقة بتعاطي الإخراج بالنفس، وهذا المعنى لا يتحقق مع اختيار البهيمة، ولو فصل مفصل بين بهيمة مطمئنة لا نفار بها وبين بهيمة ذات نفار، لكان هذا وجهاً في الاحتمال، وهذا الاحتمال يمكن إجراؤه في فتح القفص عن الطائر، وحل الرباط [عن الطائر]. انتهى.
فرع: لو أخرج هادي الغنم أو أم السلخة، فتبعه الغنم أو السلخة، ولم تكن الأولى
وحدها [تساوي] نصابا - قال الرافعي: ففيه الخلاف، والذي
أورده القاضي الحسين: أنه إن علم أنه يخرج ذلك على أثرها، قطع، وإلا فلا، وهذا ما اختاره الطبري في "العدة"، وعن الشيخ أبي علي: القطع بالوجوب؛ لأن طبيعتها الاتباع.
قال الرافعي: والظاهر: الأول، وبالمنع أجاب في "التهذيب"، وفي دخول السلخة في ضمانه وجهان.
المسألة الثانية: إذا وضع المال في الماء الراكد، فتفجر وجرى مع الماء إلى خارج [الحرز - ففيه الوجهان].
وجه القطع: أنه تسبب إلى خروجه بتركه في الماء؛ فأشبه ما لو وضعه في ماء جارٍ أو راكد وحركه حتى خرج؛ فإنه يجب القطع وجهاً واحداً.
ووجه مقابله – وهو الأصح في "الرافعي" و"المرشد"، وعند النواوي-: أن الماء الموضوع فيه لم يكن آلة لإخراجه، وإنما خرج بسبب حدث، وقد قيل بطرده فيما إذا وضع المال في الماء الجاري، وينسب إلى رواية الشيخ أبي حامد، وهو مذكور في "أدب القضاء" للزبيلي – أيضا – قال الرافعي: ورأيته في "تعليق" إبراهيم المروزي، ورأى الإمام تخريجه مما سنذكره من منع القطع عند انثيال الصبرة وهو جار فيما إذا حرك الواضع الماء، لكن الصحيح: القطع.
والوجهان في مسألة الكتاب جاريان – كما حكاه المصنف وغيره – فيما إذا نقب وأخرج المال فوضعه في النقب، فحدثت ريح فأخرجته إلى ظاهر الحرز، واختار في "المرشد" عدم القطع، ولو كان ذلك في وقت هبوب الريح قطع، ويظهر مجيء وجه الشيخ أبي حامد فيه.
فرع: لو كان في البستان أترج، والماء يدخل من أحد طرفيه ويخرج من الآخر، فجمع
النار والوقود في طرف، ووضعه على الماء حتى دخل وعلا الدخان، فأسقط الأترج في الماء،
وخرج من الطرف الآخر، فأخذه، أو رمى بالأحجار إلى الأشجار حتى تناثرت الثمار في الماء
وخرجت من الجانب الآخر – فعن إبراهيم المروروذي: أن القاضي الحسين قال في كرة: لا قطع،
وهو المذهب، وقال في أخرى: يجب؛ كما لو أخذ الثوب من خارج الحرز
بمحجن، [وهذا مذكور] في "فتاوى" القاضي.
قال: وإن نقب الحرز، وقال لصبي لا يعقل: أخرج المال، فأخرجه، أو طر جيبه فوقع منه المال – وجب القطع.
هذا الفصل – أيضاً – ينظم مسألتين:
الأولى: إذا قال لصبي لا يعقل: أخرج المال، فأخرجه – قطع؛ لأن الصغير الذي لا يعقل كالآلة؛ ولهذا يوجب على آمره بالقتل – إذا قتل- القصاص، وإذا كان كذلك وجب عليه القطع؛ كما [لو] أخرج المال بمحجن – وهو: السوط المعوج الرأس – أو نحوه.
وقد زاد القاضي أبو الطيب في تصوير المسألة: أن يناول الصبي المال للآمر، وغيره سكت عن ذلك.
وهكذا حكم المجنون والبالغ الأعجمي الذي لا تمييز له، كما ذكرناه من قبل.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" حكى وجهين فيما إذا دفع المال لصبي لا [تمييز له] فخرج به، كالدابة إذا خرجت عن سوق، ويظهر جريانهما في المجنون والبالغ الذي لا تمييز له أيضا.
ولو دفع المال لصبي أو مجنون، ولم يأمره بإخراج ولا أشار إليه به – قال الماوردي: فقد اختلف قول الشافعي – رضي الله عنه – في جناية الصبي والمجنون، هل يجري عليهما حكم العمد أم الخطأ؟ فعلى الأول لا يقطع السارق؛ كما لو دفعها لبالغ عاقل، وعلى الثاني يكون كوضعها على الدابة؛ فيكون في قطع السارق وجهان، أما إذا كان للصبي تمييز فلا قطع عليهما في مسألة الكتاب.
وفي "فتاوى" القفال: أنه لو علم قرداً النزول إلى الدار وإخراج المتاع، فنقب وأرسل القرد، فأخرج المتاع – ينبغي ألا يجب القطع؛ لأن للحيوان اختيارا، والحد يسقط بالشبهة.
الثانية: إذا طر جيبه، أي: شقه [في خفية؛] فوقع منه المال – قطع؛ لأنه خرج بفعله متصلاً فقطع به، كما لو جر من الحرز عمامة فأخرجها، وهكذا الحكم عند القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والمصنف وغيرهم فيما إذا نقب غرفة؛ فانثال منها طعام قيمته نصاب. وهو في "الحاوي" كذلك إذا أخرج من الطعام ما قيمته نصاب [دفعة واحدة، وحكي فيما إذا أخرج شيئا فشيئا وجهين في وجوب القطع، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين] وقال: إن الأصح الوجوب. قال القاضي الحسين: ومن قال بمقابله فرق بينه وبين العمامة: بأن العمامة يتصل بعضها ببعض؛ فكان خروج الجميع بيده وفعله، وأما الحنطة فما خرجت في الدفعة الثانية بفعله.
وفي "الوسيط" و"النهاية" و"الزوائد" و"الرافعي": أن الوجهين في هذه الحالة مفرعان على قولنا: إنه لو أخرج نصابا بفعلين متواصلين من غير فصل لا يقطع، أما إذا قلنا بوجوبه ثم فهاهنا أولى.
قلت: ومن هذا البناء يظهر أن يقال: لو انثال من الطعام ما قيمته [دون] نصاب، ثم وقف، ثم انثال بعد ذلك ما يكمل به النصاب – أن يجري الخلاف من غير ترتيب.
وقد ادعى الزبيلي في "أدب القضاء" له أنه لا خلاف في عدم القطع في هذه [الصورة، وإن حكى الوجهين في الصورة السابقة، والصحيح – وإن ثبت الخلاف – ما قاله العراقيون، وهو جار في مسألة طر الجيب – أيضا – كما حكاه الرافعي [وحكى] في الصورتين وجها – وينسب إلى رواية أبي إسحاق-: أنه لا يقطع فيهما بحال؛ لأن الخروج حصل بتسببه لا بمباشرة الإخراج، والسبب ضعيف لا ينبغي أن يتعلق به قطع، وقد أشار إليه في "الكافي" بقوله: ولو نقب جدارا؛ فانثالت منه الحنطة، فأخذها، أو طر جيبه أو كمه؛ فسقطت منه الدراهم والدنانير – فعليه القطع في أصح الوجهين.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي إيجاب القطع عند طر الجيب ووقوع المال وإن لم يأخذ الطرار، وهو على وزان ما قاله أصحابنا فيما إذا رمي الناقب بالمتاع من من داخل الحرز إلى خارجه ولم يأخذه: أن عليه القطع، سواء أخذه سارق آخر أو لم يأخذه، لكن حكى الإمام في هذه الصورة وجها عن بعض المصنفين:[أنه] إن لم يأخذه فلا قطع عليه؛ لأن الموجود حينئذ إتلاف لا سرقة، وهذا ما جزم به الزبيلي في "أدب القضاء" له إذا كان الوقوع مهلكة أو أخذه آخذ.
قال الإمام: وعلى هذا لو أخذه [معينه و] صاحبه فالوجه: ألا يحب القطع على الملقي، ويجوز أن يقال بوجوبه؛ لأخذه بإذنه.
والذي رأيته في "الإبانة" و"الزوائد" و ["تعليق"] القاضي الحسين: أنه [إذا خرج] وأخذ ما رماه قطع، وإن أخذه سارق آخر، فمنهم من قال: فيه الوجهان المذكوران فيما إذا نقب الحرز، فدخل أحدهما [وأخرج المتاع ووضعه][في وسط النقب، وأخذه الخارج، ووجه الشبه: أن الرافعي لم يتناول] المسروق بعد إخراجه إياه من الحرز؛ كما أن من أخرج المتاع إلى نصف النقب لم يتناوله مخرجا من الحرز، ومنهم من قال بوجوب القطع على الرامي وحده وجهاً واحداً، كما ذكرناه أولا، قال القاضي الحسين: وهو الصحيح؛ لأن الإخراج وجد منه هاهنا تاما، بخلاف ما إذا وضعه في بعض النقب.
قلت: والذي يظهر من قوة كلامهم: أن التردد محله ما إذا اشترك الرامي والآخذ في النقب؛ لأنه نظير المسألة المخرج منها الخلاف، أما إذا لم يكن الآخذ شريك الرامي في النقب فيجيء فيه الطريقان السابقان فيما إذا نقب واحد وسرق آخر:
فإن قلنا بطريقة القولين فيها، اتجه جريان ما حكاه الفوراني وغيره من
الخلاف فيها – أيضا – وعلى هذا يتجه أن يجيء [مثله][في مسألة] طر الجيب؛ إذ لا فرق يظهر بين المسألتين.
وإن قلنا بطريقة القطع بعدم القطع على الناقب والمخرج، اتجه القطع في مسألة الرامي بعدم القطع على الآخذ وإجراء الخلاف في [الناقب الرامي؛ ولأجل ذلك أعرض الإمام عن الترتيب، وحكى الخلاف في] وجوب القطع على الرامي إذا لم يأخذ، وعليه جرى الغزالي، ويتجه جريان مثل ذلك في مسألة طر الجيب – أيضا – والله أعلم.
وقد بالغ النواوي في ذلك، فجعل أخذه المال بعد طر الجيب من تمام تفسير الطر، قال: يقال: طره يطره طرا، [إذا] شقه وقطعه؛ فهو طرار.
قال: وإن ابتلع جوهرة في الحرز، وخرج من الحرز – فقد قيل: يقطع؛ كما لو تركها في جيبه و [خرج بها]، وهذا أصح عند الإمام والروياني.
وقيل: لا يقطع؛ لأن ما بلعه الإنسان لا يدري إلى ماذا يئول، فلا يتحقق خروجها من الحرز؛ ولهذا المعنى وجب عليه قيمتها، قال أبو الطيب وغيره: ولأنه كالمكره على الخروج بها؛ لأنه يلزمه الخروج ولا يمكنه إخراجها من جوفه. وهذا ما اختاره [في "المرشد" وصححه المحاملي وطائفة، وقال القاضي الحسين:] إنه المذهب.
والوجهان عند الشيخ أبي حامد مخصوصان بما إذا خرجت منه الجوهرة، أما إذا لم تخرج فلا قطع جزما، وعلى هذا جرى البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وصاحب "الكافي"، وأطلق مطلقون – ومنهم القاضي أبو الطيب والمصنف – الوجهين ولم يقيدوهما بحالة.
قال الرافعي: فنزل بعضهم المطلق على المقيد، ورأى الإمام إثبات ذلك وجها فارقا بين أن تخرج [منه بعد خروجه من الحرز فيجعل سارقا، وبين ألا تخرج] فيتبين أنها فسدت وانمحقت فلا يجعل سارقا، وهذا ما اختاره النواوي.
وروى الماوردي الوجه الثالث على غير هذا النحو عن أبي الفياض: أنها إن خرجت بعلاج ودواء لم يقطع، وإن خرجت بغير علاج ولا دواء قطع، وبه يحصل في المسألة أربعة أوجه.
وأورده الغزالي على غير هذين الوجهين، فقال: والثالث: إن أخذها بعد الانفصال عنه قطع، وإلا فلا. قال الرافعي: ولم أره لغيره.
قلت: ومادة هذا الوجه يمكن أن تكون مأخوذة من الوجه المنقول فيما إذا نقب ورمي المال إلى خارج الحرز، فإن أخذ المال قطع، وإلا فلا، ووجه الشبه: أنه برمي المال إلى خارج الحرز كالمضيع له قبل أن يصل إلى يده، فإذا أخذه تمت السرقة، وإذا لم يأخذه كان إتلافا لا سرقة، كذلك إذا بلع الجوهرة؛ فكأنه عرضها للإتلاف، فإذا خرجت منه ولم يأخذها فهي معرضة للضياع أيضا؛ فكان بلعها وخروجها بمنزلة رمي المتاع، فإن أخذه فقد تحققت السرقة، وإلا فهو إتلاف لا سرقة، والله أعلم.
وبهذا الوجه يحصل في المسألة خمسة أوجه.
فرع: لو تطيب في الحرز [بطيب وخرج]، فإن لم يمكن أن يجمع منه بعد الخروج ما قيمته نصاب كالماورد ونحوه، ولم يقطع، وإن أمكن كالمسك والغالية، فوجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي الحسين: الوجوب، وهو المختار في "المرشد"، والأشبه في "الرافعي".
قال: وإن سرق حرا صغيرا وعليه حلي، [أي: يليق به]، يساوي نصابا – قطع؛ لأنه قصد سرقة ما عليه من المال، وهو نصاب؛ فأشبه ما لو أخذه منفردا، وهذا قول ابن أبي هريرة كما حكاه الماوردي وغيره، وأبي علي الطبري كما حكاه القاضي أبو الطيب وكذا ابن الصباغ، ونسبه إلى "التلقين"، وبه جزم القاضي الحسين.
وقيل: لا يقطع؛ لأن يده ثابتة عليه؛ ولهذا لو وجد اللقيط وعليه مال، كان له،
وإذا كان كذلك لم يقطع؛ كما لو سرق جملا وعليه صاحبه، وهذا هو الصحيح عند الجمهور، وقال أبو الطيب: إنه الذي قال به الباقون، يعني: من الأصحاب غير الطبري.
وخص الزبيلي من أصحابنا في "أدب القضاء" له محل الوجهين بما إذا نزع الحلي من الصبي، وقال إذا لم ينزعه: لا قطع عليه قولا واحدا.
وصور الإمام المسألة بما إذا كان الصغير نائما أو مربوطا عند الحمل، وقال: إن الوجهين يجريان في أن ثيابه في غير صورة السرقة، هل تدخل تحت يد غاصبه وحامله أم لا؟ وهذا يقتضي إجراء الخلاف في القطع وإن لم يقلع الحلي من عليه.
ثم على الثاني منهما، قال الماوردي: لو أخذ الحلي من الصبي أخذ مستخف قطع؛ لأنه أخذه من حرزه، وأشار القاضي الحسين إلى خلاف في هذه الحالة؛ حيث قال: وقيل إن أخرجه من الحرز، ثم سرق الحلي منه – لا قطع عليه على أحد الوجهين، وإن أخذ الحلي منه مجاهرا، فإن [كان] للصبي تمييز يمكن [به] أخذ ذلك منه [لم يقطع؛ لأنه يصير كالغاصب، وإن لم يكن له تمييز يمكن به أخذه منه] قطع.
أما إذا كان الحلي غير لائق بالصبي: فإن أخذ الصبي من حرز الحلي قطع، وإن أخذه من [حرز] الصبي دون [حرز الحلي] لم يقطع، وعلى هذا يحمل جزم القاضي الحسين بأن الحلي إذا كان طوقاً فسرقه لا قطع [عليه].
فرع: لو كان الحر كبيرا عاقلا، فسرقه في حال نومه وعليه ثياب – فحاصل
ما ذكره الإمام: بناء ذلك على أن الحر إذا نام على بعير وعليه أمتعة، فجاء
سارق فأخذ بزمامه، وأخرجه عن القافلة وجعله في مضيعة – فهل يقطع؟
وفيه ثلاثة أوجه تقدمت، ثالثها: إن كان الراكب قويا لا يقاومه السارق لو انتبه فلا يجب القطع، وإن كان ضعيفا لا يبالي به السارق فعليه القطع، ولا اعتبار بيد الضعيف.
[فإن قلنا: لا يقطع في مسألة البعير ففي مسألتنا أولى؛ لأن الثياب التي على الإنسان أبعد عن يد آخذها من الجمل الذي تحته والبعير؛ فإن ثياب الإنسان في حكم جزء منه].
وإن قلنا بوجوب القطع ثم، انبنى على ما لو حمل حرا أو حبسه، فتلفت عليه ثيابه، والمذهب: أنه لا ضمان.
وأبعد بعض نقلة المذهب، فحكى وجها أن يد الغاصب ثبتت على الثياب، فعلى الأول: لا قطع، وعلى الثاني: إن كان المحمول ضعيفا ثبتت السرقة ووجب القطع، وإن كان قويا ففي السرقة وجهان، والظاهر – وإن ثبت الخلاف – عدم القطع.
آخر: لو سرق عبدا نظر: فإن كان نائما قطع، صغيرا كان أو كبيرا؛ كما قاله القاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ.
وأبدى الإمام فيما إذا كان [النائم] قويا بحيث لا يقاومه السارق لو انتبه نظرا في عدم القطع، مع جزمه بدخوله في ضمانه بذلك، ووجهه بأن مثل هذا العبد محرز بيد نفسه، فإذا احتمله ضعيف باحتيال فليس منتهيا من صون إلى ضياع. وعلى ذلك جرى الغزالي في "الوسيط"، وجزم في "الوجيز" بعدم القطع، ثم قال الإمام: وينشأ من هذا أن من جلس ببرية حيث لا مستغاث يجاب إليه، ومتاعه مخلوط، فاستغله ضعيف وأخذ المال، ولو شعر به صاحب المتاع لطره – فهل نقول: يعد هذا المال ضائعا بالنسبة إلى القوي؛ فلا قطع [على آخذه] وإن كان ضعيفا، أم نقول: يختلف الحكم بحسب اختلاف الآخذين؟ والرأي الظاهر عندنا: الثاني؛ كما أن أصل الإحراز يختلف باختلاف أصناف الأموال.
ولو كان العبد مستيقظا، فإن كان صغيرا لا تمييز له قطع، ولا فرق بين أن يحمله أو يدعوه فيتبعه؛ لأنه لا تمييز له فهو كالبهيمة تساق أو تقاد.
قال الرافعي: ويجيء فيه الخلاف الذي ذكرناه في تسيير البهيمة، وحرزه دار سيده أو فناؤها، سواء كان وحده أو كان يلعب مع الصبيان، ولو بعد عن ذلك ودخل سكة أخرى، فهو مضيع إن لم يكن معه حافظ.
والمجنون والأعجمي الذي لا تمييز له كالصغير الذي لا تمييز له.
وإن كان العبد صغيرا مميزا، فإن سرقه سكران أو مضبوطا محمولا فهو كغير المميز، وإن أكرهه بالسيف حتى خرج من الحرز؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا قطع؛ لأنه فارق الحرز بفعله؛ فأشبه ما لو خدعه حتى فارقه؛ فإنه لا قطع عليه.
والثاني: يجب؛ كما لو ساق البهيمة بالضرب، وهذا ما أورده البغوي.
وإن كان بالغا عاقلا له تمييز فلا قطع إن كان قويا؛ لأن حرزه قوته، وهي معه.
قال: وإن سرق المعير مال المستعير من الحرز المعار، فالمنصوص، أي: في المختصر، أنه يقطع؛ لأنه أحرز ماله بحرز بحق فقطع السارق منه وإن كان الحرز له؛ كما لو سرق الآجر مال المستأجر من الدار المستأجرة؛ فإنه [يجب عليه القطع] وجها واحدا.
وقيل: لا يقطع؛ فإن المستأجر ملك منفعة الدار، والمستعير لم يملكها، بل استباحها، وللمعير حق الرجوع في العارية متى شاء، وكان ذلك شبهة في درء القطع، وقد أطلق البندنيجي حكاية هذا الوجه كما أطلقها الشيخ، وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والفوراني وتبعه صاحب "العدة": هذا إذا نوى الرجوع عند النقب، فأما إذا [لم] ينو، قطع وجها واحدا.
قال [ابن الصباغ: وحمل قائله – وهو المروزي كما قال] الماوردي – النص على هذه الحالة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية" وما أخذ منهما: حكاية الوجهين مع
المنصوص، فجعلوا في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن قضد الاسترجاع، قال
القاضي: بأن دخل بالنهار – لم يقطع، وإن لم يقصد الاسترجاع بأن دخل بالليل
ونقب الجدار قطع، ويجوز أن يختلف الحكم بالقصد وعدمه؛ كالمسلم إذا دخل دار الحرب متلصصا، فوطئ حربية: إن قصد به قهرها وتملكها لو يكن زنى، وإن أحبلها صارت أم ولد [له]، ويثبت النسب، وإن لم يقصد به تملكها وقهرها كان زانيا، ولو أحبلها [لا تصير] أم ولد [له]. ونسب الإمام هذا إلى القفال، والصحيح عند الأصحاب – منهم القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "الكافي"-: القول المنصوص، وبه قال ابن أبي هريرة.
قال القاضي الحسين: ومن قال به يزيف التفصيل؛ [فإن المستعير] وإن جاز له الرجوع في العارية فبعد الرجوع فيها لا يلزمه أن يمكث ريثما يفرغ المستعير الدار من أمتعته.
ويجري الوجهان الأولان فيما لو سرق الآجر مال المستأجر من الدار المستأجرة بعد انقضاء مدة الإجارة، أو المشتري مال البائع من الدار المبيعة قبل القبض وقبل إمكان تفريغها وبعد توفير الثمن، وأصحهما في هذه الحالة في "التهذيب" و"الكافي": عدم القطع، أما إذا كانت السرقة قبل توفير الثمن، قطع وجها واحدا.
تنبيه: عدول الشيخ عن قوله: وإن سرق المعير مال المستعير المحرز بما استعاره، إلى [ما] ذكر؛ لأن هذا اللفظ يدخل ما إذا أعاره قميصا فلبسه المستعير، فطر المعير جيبه وأخذ المال؛ فإنه يجب القطع.
قال الرافعي: ولا يكاد يجيء فيه الخلاف، وكذا يدخل ما إذا أعاره عبدا للحفظ أو لرعي الغنم، ثم سرق مما يحفظه غلامه نصابا، وللأصحاب في هذه الصورة طريقان حكاهما الإمام:
أحدهما: طرد الخلاف السابق.
والثاني: القطع بوجوب القطع؛ لأن الإحراز هاهنا بملاحظة العبد لا بنفس
العبد المملوك، فلعل الشيخ رأى هذه الطريقة.
قال: وإن سرق المغصوب منه مال الغاصب من الحرز المغصوب، فقد قيل: يقطع؛ لأنه سرق ما لا شبهة له فيه من حرز مثله.
وقيل: لا يقطع؛ لأن هذا [ليس بحرز] بالنسبة إليه، [فإنه يجوز له دخوله؛ لأنه محض حقه لا حق للغاصب فيه،] وهذا ما أورده الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وكذا الفوراني والإمام وصاحب "الكافي" والرافعي، وادعى الإمام أنه مما لا شك فيه. انتهى.
ولم أر ما يخالفه [في شيء] مما وقفت عليه، بل جزم بعضهم بعدم القطع – أيضا – فيما لو كان السارق من الحرز المغصوب أجنبيا، ومنهم القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ، ووجهوه بأن يد الغاصب ثابتة على هذا الحرز بغير حق؛ فلم يكن لها حكم، فكان وجود هذا الحرز وعدمه سواء، وبعضهم حكى الخلاف في قطع الأجنبي، وجعل القاضي الحسين وجوبه هو الظاهر، وحكى الرافعي عن بعضهم أنه نسبه إلى النص، لكنه صحح المنع لما ذكرناه [أولا].
ولأجل ما ذكرناه صور الجيلي مسألة الكتاب بما إذا غصب إنسان حرزا من شخص ومالا من آخر، ووضعه في الحرز المغصوب [مع مال نفسه، فسرق المغصوب منه المال مال الغاصب من الحرز المغصوب،] ولا شك في جريان الخلاف في هذه الصورة، لكن بطريق البناء على أصلين:
أحدهما: أن الأجنبي إذا سرق مال الغاصب من الحرز المغصوب، هل يقطع أم لا؟
والثاني: أنه إذا غصب من شخص مالا ووضعه مع ماله في حرز نفسه، فنقب
صاحب المال الحرز، وسرق ماله المغصوب منه ومال الغاصب، وهو نصاب –
فهل يقطع؟ وفيه ثلاثة أوجه حكاها في "المهذب"، ثالثها: إن كان ما سرقه من
مال الغاصب يتميز عن ماله قطع، وإن [كان] مختلطا به لم يقطع.
وفي "تعليق" البندنيجي والقاضيين أبي الطيب والحسين و"الشامل": الجزم بعدم القطع عند الاختلاط، وحكاية وجهين في حالة التمييز:
أحدهما: لا قطع، وهو الأصح في "تعليق" أبي الطيب و"الكافي"، والمختار في "المرشد"؛ لأن له هتك الحرز لأخذ مال نفسه، فلم يجب عليه بما اخذه من مال الغاصب قطع، لكونه أخذه من حرز مهتوك، وهذا قول أبي إسحاق.
والثاني – وهو قول ابن أبي هريرة-: أنه يقطع؛ لأنه لما أخذ مال [الغاصب، علمنا أنه هتك الحرز لذلك، لا لأجل أخذ مال] نفسه؛ فلزمه القطع، كما لو أخذ مال الغاصب دون مال نفسه؛ كذا قاله ابن الصباغ.
وفي "النهاية": أن الوجهين جاريان فيما لو أخذ مال الغاصب، ولم يأخذ مال نفسه.
إذا تقرر ذلك، فإن قلنا: إن الأجنبي إذا سرق مال الغاصب من الحرز المغصوب لا قطع عليه، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يقطع، فهاهنا وجهان إن أجرينا الخلاف فيما إذا أخذ مال الغاصب خاصة، وإلا قطع، وعلى كل حال فقد تحقق الخلاف فيها، لكن هذه الصورة ليست بظاهرة من كلام الشيخ.
فروع:
إذا نقب المودع الحرز الذي فيه الوديعة وأخذها فلا قطع عليه، وكذا لو أخذ من مال المودع نصابا وهو مانع للوديعة، وإن كان غير مانع لها فالذي أطلقه الجمهور: وجوب القطع، وفي "الحاوي" حكاية وجهين فيه:
أحدهما – [وهو قياس قول أبي إسحاق، كما قال -: لا يقطع؛ لأن اقترانها بوديعته شبهة.
والثاني] – وهو قياس قول ابن أبي هريرة -: يقطع؛ لأنه متعد بهتك الحرز وأخذه منه ما لا يستحقه.
إذا سرق من له دين على إنسان من مال المديون نصاباً، فظاهر النص في
"المختصر": أنه لا يقطع، وبهذا الظاهر أخذ بعض الأصحاب كما حكاه ابن كج. والأظهر – وبه قال الجمهور-: أنه ينظر:
فإن لم يكن المديون مماطلا، بل كان باذلا قطع، وإن كان غير باذل لما عليه وعجز [عن] استيفائه وأخذ قدر دينه فلا قطع [عليه] إذا قصد بالأخذ استيفاء دينه؛ كما صرح به في "الكافي" و"الرافعي"، وعليه حمل نص الشافعي رضي الله عنه.
ولا فرق بين ان يكون المال من جنس دينه أو لا، كما هو أحد الطريقين، وهو الأظهر في "النهاية". وقيل: إذا أخذ قدر دينه من غير جنسه قطع، بناء على منع أخذه عند الظفر، كما سيأتي.
ولو قصد السرقة دون أخذه في دينه قطع، قاله في "الكافي".
وإن أخذ أكثر من دينه، قال ابن الصباغ: فهو كما ذكرنا في المغصوب منه إذا سرق أكثر من المغصوب.
ولو كان مماطلا، لكن رب الدين يقدر على أخذه بالمطالبة – [ففي القطع وجهان في "الحاوي"]، والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: القطع [بالقطع] إذا سرق مستحق الزكاة [نصابا] من مال من عليه الزكاة، إن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، فلا قطع، وإن قلنا:[تتعلق] بالذمة، فهو كما لو سرق من مال المديون. قاله في "الكافي".
إذا وهب منه شيئا ولم يقبضه له بعد، فنقب وسرقه – لم يقطع على الأصح في "الكافي"، بخلاف ما لو أوصى له بشيء فسرقه قبل موت الموصي، فإنه يقطع، لأن تمام الوصية بالقبول ولو يوجد، وتمام الهبة بالقبول وقد وجد. نعم، لو سرقه بعد موت الموصي وقبل القبول، فالأصح أنه لا يقطع.
قال: وإن سرق الأجنبي المال المغصوب من الغاصب أو المسروق من
السارق، فقد قيل: يقطع؛ لأنه أخذ المال من حرز مثله، وهذا ما أفهم من كلام ابن
الصباغ ترجيحه، وصححه الجيلي. وعلى هذا فالخصم في قطع هذا السارق:[المالك]، دون الغاصب والسارق الأول. وقال الماوردي: عندي أن كل واحد من المالك والسارق والعاصب حتم.
وقيل: لا يقطع؛ لأنه أخذه من حرز لم يرضه المالك، وهو في يده بغير حق، وهذا أصح في "البيان" وعند النواوي، والظاهر في "تعليق" القاضي الحسين.
والوجهان جاريان – كما قال في "التهذيب" و"الكافي" – سواء علم السارق بأنه مغصوب أو لا، وقد أشار الغزالي وإمامه إلى بناء الخلاف المذكور على أن غير المغصوب منه من الأجانب، هل له انتزاع المال من العاصب بطريق الحسبة [لمالكه] أم لا؟ وفيه خلاف تقدم، فإن قلنا: نعم، لم يقطع، [وإلا قطع.
وفي "الكافي": أنه لو أخذه ليرده إلى مالكه لم يقطع] قولا واحدا.
ويجري الوجهان – أيضا، كما حكاه الزبيلي في "أدب القضاء" له – فيما إذا اشترى طعاما شراء فاسدا وقبضه، فسرقه منه سارق.
قال: وإن سرق ما له فيه شبهة كمال بيت المال، أي: إذا سرقه مسلم قبل إفرازه لطائفة كما سيأتي، سواء كان غنيا أو فقيرا، والعبد إذا سرق من [مال] مولاه، والأب إذا سرق من ابنه، [والابن إذا سرق من أبيه، والغازي، أي: من المسلمين أو الكفار إذا كان له رضخ، أو من الأحرار أو العبيد إذا سرق من الغنيمة قبل القسمة، والشريك إذا سرق من المال المشترك، أي: [المحرز عنه]- لم يقطع.
جمع الشيخ – رضي الله عنه – بين هذه المسائل في الحكم؛ لاشتراكها في علته وهي الشبهة.
روى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان [له] مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن
يخطئ في [العفو خير من أن يخطئ في] العقوبة، ويروى:"ادرءوا الحدود بالشبهات"، والشبهة في المسألة الأولى وهي سرقة مال بيت المال كونه: مرصدا لحاجات الناس، فالفقير ينفق عليه منه، والغني يعطي منه بسبب ما التزمه بحمالة يحملها لطفء نار الفتنة، وقد احتج لمنع القطع فيها بما روي أن رجلا سرق من [مال] بيت المال، فكتب بعض عمال عمر – رضي الله عنه – إليه بذلك، [فقال]: لا قطع عليه، ما من أحد إلا وله فيه حق. وروى الشعبي أن رجلا سرق من مال بيت المال، فبلغ عليا – كرم الله وجهه – فقال: إن له فيه شيئا: ولم يقطعه، وقد اشتهر ذلك ولم ينكره أحد.
قال الأصحاب: ولا فرق في ذلك بين أن يكون من مال الصدقات، أو من مال المصالح، ووراءه طريقان حكاهما الفوراني والرافعي:
أحدهما – وينسب إلى رواية القفال -: أنه يقطع لكل حال.
والثاني – وهو ما أورده الماوردي صححه الرافعي -: أنه إذا كان السارق
صاحب حق في المال المسروق [منه] فلا قطع؛ كما إذا سرق الفقير من مال الصدقات أو من مال المصالح، [وإن لم يكن صاحب حق كالغني إذا سرق من مال الصدقات قطع، وإن سرق من مال المصالح] فوجهان:
أحدهما: يقطع؛ كمال الصدقات.
وأصحهما: لا؛ لأنه قد يصرف ذلك المال إلى عمارة المساجد والرباطات والقناطر، فينتفع بها الغني والفقير.
أما إذا كان السارق ذميا فالمشهور، وبه قال صاحب "التقريب" والعراقيون: أنه يقطع؛ لأنه مخصوص بالمسلمين، ولا نظر إل إنفاق الإمام على الذمي عند الحاجة؛ لأنه إنما ينفق للضرورة بشرط الضمان، وذلك لا يسقط القطع، بخلاف المسلم، ولا نظر إلى انتفاعه بالقناطر ونحوها؛ لأنه ينتفع بها تبعا من حيث إنه قاطن في دار الإسلام.
وفيه وجه حكاه المراوزة: أنه لا قطع عليه إذا سرق من مال المصالح، كما لا قطع على الغني المسلم؛ فإنه قد يسلم، وهذا ما ارتضاه صاحب "التهذيب"،] وقد وافق هذا القائل على وجوب القطع عليه إذا سرق [من مال من لم يخلف وارثا من المسلمين؛ لأنه إرث للمسلمين خاصة.
ولو كان المسروق مما أفرد لطائفة: كذوي القربى، واليتامى، والفيء إذا قيل: إن الغانمين تملكوه – قطع، ويلتحق بذلك الكفن إذا أخرج من بيت المال.
والشبهة في المسألة الثانية، وهي سرقة العبد من مولاه: أنه يستحق النفقة عليه،
ويده كيد سيده، بدليل أن ما في يد العبد إذا ادعاه مدع، كان القول قول السيد،
وقد احتج [لذلك] بما روى السائب بن زيد قال: شهدت عمر وقد جاءه عبد
الله بن عمر الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده، فقال
عمر: ما سرق؟ فقال: [سرق] مرآة امرأتي قيمتها ستون. فقال: أرسله، لا قطع
عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيركم قطع. وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ومثله ينتشر، ولم ينقل مخالف؛ فكان إجماعا. ومع هذا، فقد خالف [أبو ثور]، ورأى وجوب القطع عليه؛ لظاهر الآية.
وحكم المدبر والمكاتب وأم الولد ومن فيه جزء من رق وإن قل، إذا سرق من [مال] سيده حكم العبد، وكذا عبد مكاتبه؛ لثبوت رقه عليه. قاله الماوردي، وعليه جرى الروياني وصاحب "التخليص" في المكاتب، وحكى الرافعي وغيره فيه وجهين؛ لاستقلاله باليد.
فرع: من له من عبد بعضه، وباقيه حر، إذا سرق مما جمعه العبد بحريته نصابا، وهل يقطع؟
قال القفال: لا؛ لأن المال لجميع البدن، والقطع بماله يتوجه؛ فله في بدن المسروق منه شبهة؛ فهو كسرقة مال الابن أو الأب.
وقال الشيخ أبو علي السنجي: [عندي] أنه يقطع؛ لأنه [لا] شبهة له في ذلك النصف، وهو مالك له ملكا تاما تلزمه الزكاة والتكفين منه؛ كذا قاله القاضي الحسين في "التعليق" وفي "الفتاوى"، وقال: إنه يمكن بناء الخلاف على أنه لو مات، هل يكون ماله لسيدة أم لا؟ فإن قلنا: يكون له، [فلا] قطع، وإلا فيجب.
والشبهة في المسألة الثالثة والرابعة، وهما إذا سرق الأب من ابنه أو الابن من أبيه: ما بين الأصول والفروع من الاتحاد، وكون [مال] كل واحد من النوعين مرصدا لحاجة الآخر، ومن حاجاته: ألا يقطع بسرقته ذلك المال، وبالمعنى الأول حصل الفرق بين [سقوط القطع] عنهما وإن كانا غنيين، وبين الغني إذا سرق مال بيت المال على رأي من أوجب القطع [عليه]؛ لأنه لا اتحاد ثم.
وحكم الأمهات والبنات مما ذكرناه حكم الأب والابن، وكذا حكم الأجداد والجدات من الطرفين، وأولاد الأولاد إن سفلوا؛ للمعنى الذي ذكرناه.
وقد خالف أبو ثور فأوجب القطع على الجميع؛ لظاهر الآية.
والشبهة في المسألة الخامسة، وهي إذا سرق الغازي من الغنيمة قبل القسمة: أنه إن كان مسلما فله في الأخماس الأربعة حق، وكذا في خمس خمسة، وهو سهم المصالح وهو غير متميز؛ [فأثر ذلك شبهة]؛ كالمال المشترك. وقد روي أن رجلا سرق من خمس الخمس، فلم يقطعه علي – رضي الله عنه – ولا مخالف له، كما قال الماوردي؛ فكان إجماعا.
وإن كان ذميا أو عبدا، فله في كل المال أو في أربعة أخماسه أو في خمسة حق الرضخ.
ولو كان الكافر ممن لا حق له في الرضخ كالمستأجر، قال القاضي الحسين: فإذا سرق قطع؛ كما لو لم يكن غازيا، أما إذا سرق منه بعد القسمة، فإن كانت قسمة الخمس من الأخماس الأربعة لا غير؛ نظر؛ فإن سرق من الخمس لم يقطع؛ لأنه إن كان حرا مسلما فله فيه حق، وإن كان كافرا أو عبدا، وقلنا: الرضخ من خمس الخمس – فكذلك، وإن قلنا: الرضخ من الأخماس الأربعة، فذاك مختلف فيه؛ فكان الاختلاف شبهة، كذا أشار إليه القاضي أبو الطيب، وصرح به البندنيجي.
ويجيء فيما إذا كان حرا مسلما غنيا، ما ذكرناه من قبل.
وإن سرق من الأربعة الأخماس ففي "الإبانة": أن الحكم فيه كما لو سرق الشريك من المال المشترك، وسنذكره. وفي غيرها: أنه ينظر فإن سرق قدر نصيبه أو أقل أو أكثر ولم يتبلغ الزيادة عليه نصابا، لم يقطع؛ لأمرين:
أحدهما: أن له شبهة في هتك الحرز، وعلى هذا: إذا كان الزائد [قدر
النصاب] لا قطع أيضا؛ كما هو الأظهر من الوجهين في "الرافعي"، والمختار
في "المرشد"، والمذهب في "تعليق" البندنيجي.
والثاني: أن له شبهة في أخذ قدر حقه، فإذا لم يزد عليه أو نقص عنه، فالشبهة موجودة، وإذا زاد ما لم يبلغ نصابا لم يوجد شرط القطع فيما انتفت الشبهة فيه، وعلى هذا إذا بلغت الزيادة نصابا قطع؛ كما قيل بمثله في السرقة من المال المشترك [وقيل: لا قطع وإن قطع في المال المشترك] لأن حق كل واحد من الغانمين متعلق بجميع المغنم؛ لأنه يجوز أن يعرض الباقون فيكون الكل له، أما إذا أفرز لكل شخص حقه وملكه قطع.
ولو سرق غير الغانمين من الغنيمة: فإن كان ممن له في الغانمين ولد أو والد أو مملوك أو زوج، وقلنا: لا يقطع أحد الزوجين بسرقة مال الآخر – كما سيأتي – فهو كسرقة أحد الغانمين على التفصيل السابق، وإن لم يكن له في الغانمين أحد من المذكورين، فإن كان قبل إفراز الخمس فهو كما لو سرق مال بيت المال، وكذا إن كان بعد إفراز الخمس، وسرق من الخمس أو من خمسه، وهو سهم المصالح، وإن سرق من أربعة أخماس الغنيمة قطع، وإن سرق من أربعة أخماس الخمس، فإن كان من أهل استحقاق ما سرق منه، ويتصور بأن يكون من ذوي القربى أو المساكين أو أبناء السبيل – لم يقطع، وإن لم يكن من أهل الاستحقاق؛ فوجهان في "الحاوي"[و"الرافعي"]، وأصحهما: وجوب القطع، وبه جزم القاضي؛ كما إذا سرق من أربعة أخماس الغنيمة، ووجه مقابله – كما قال الماوردي والرافعي -: أنه قد يصير من أهل الاستحقاق، ومن هذا يؤخذ أن مرادهما ما إذا سرق من سهم المساكين أو أبناء السبيل، وأما إذا سرق من سهم ذوي القربى فلا؛ لأنه لا يتصور أن يصير منهم.
والشبهة في المسألة السادسة، وهي إذا سرق الشريك من المال المشترك:
[كون] كل جزء [تجرد النظر] إليه له فيه حق؛ فكان شبهة دافعة للقطع؛
كما أن وطء الجارية المشتركة لا يوجب الحد.
قال الأصحاب: ولا فرق على هذا بين أن يكون للسارق دينار ولشريكه ألف، وقد سرق الجميع، أو بالعكس، وهذا هو الصحيح، قال الإمام: وميل معظم الأصحاب إليه.
وفي المسألة قول آخر: أنه إذا سرق من نصيب الشريك قدر نصاب، وجب القطع، وكيف يحصل سرقة نصاب من نصيب الشريك؟ الحكاية عن أكثرهم: أنه إن كان المال بينهما [بالسوية]، فإذا سرق نصف دينار فصاعدا فقد سرق من مال الشريك نصابا، [وإن كان ثلثاه للسارق، فإذا سرق ثلاثة أرباع دينار فصاعدا، فقد سرق من مال الشريك منه نصابا].
قال مجلي: وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى رواية القاضي عن بعض الخراسانيين في "المنهاج"، وبهذا تمتاز هذه المسألة عن سرقة الغانم من الأخماس الأربعة، فتأمل ذلك.
وقيل: إنما يجعل سارقا لنصاب من مال الشريك، إذا زاد المأخوذ على قدر [حق] السارق؛ بأن يكون به في المال نصفه، فيسرق النصف وزيادة ربع دينار فصاعدا، وإن اقتصر على أخذ حصته – وهي النصف لا غير في مثالنا فلا قطع؛ لإمكان أن يقع [جميع] المأخوذ في حصته عند القسمة، هكذا حكي عن القفال.
ومنهم من قال بالوجه الأول إذا لم يكن المال المشترك مما يجري فيه الإجبار على القسمة؛ [كالثياب، وبالوجه الثاني إذا كان المال المشترك مما [لا] يجري فيه الإجبار على القسمة] كالحبوب وسائر الأموال المثلية، ويحمل آخذه على أنه استقل بالقسمة، وهي إن كانت فاسدة، فإنها تصير شبهة
دارئة، هكذا وجهه الرافعي والإمام.
قلت: ويجوز أن يكون قائله [هو الذي] صار إلى جواز أخذ ذلك للشريك بدون إذن شريكه، وصحح القسمة كما حكيناه وجها عن رواية الماوردي في آخر باب الربا، وقد اقتصر الإمام على حكاية هذا الوجه مع الأول من الوجهين، وفي "الإبانة" الجزم بوجوب القطع إذا أخذ من المال المشترك الذي لا يقع فيه الإجبار كالثياب ما قيمته نصاب، وحكاية الوجهين الأول والثاني فيما إذا كان المال يجبر الشريك على قسمته بالقرعة كالدراهم والحنطة والشعير، أما إذا سرق أحد الشريكين من مال شريكه الذي ليس بمشترك، قال القاضي الحسين: إن قلنا: لا يقطع أحد الزوجين إذا سرق مال الآخر، فهل يقطع الشريك والحالة هذه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقطع؛ لأن الغالب أنه لا يحوزه عنه؛ لما بينهما من الاشتراك والاختلاط؛ فأشبه أحد الزوجين، وهذا ما أورده الماوردي عند اشتراكهما في الحرز.
وبمقابله إذا كان] في [حرز منفرد يختص به مالكه؛ لعدم الشبهة فيه، وإن وجدت في غيره.
قال: وإن سرق أحد الزوجين من الآخر، أي: مالا محرزا عنه، فقد قيل: يقطع؛ لعموم قوله - تعالى -: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، ولأن النكاح عقد على استيفاء منفعة؛ فلا يسقط [للعقد] القطع بالسرقة كالإجارة، وهذا ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في حق الزوجة في كتاب اختلاف أبي حنيفة و"الأوزاعي"، وقد يقال له:"سير الأوزاعي"؛ كما عبر به صاحب "الكافي"، ولفظ الشافعي – رضي الله عنه – كما قاله الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ: فإن سرقت من مال زوجها الذي لم يأتمنها عليه وفي حرز منها قطعت، [وهو في الزوج] من طريق الأولى.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"الذخائر": أنه منصوص [عليه فيهما] في هذا الكتاب، واختاره المزني، وصححه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وصاحب "الكافي" والرافعي والجمهور.
وقيل: فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يقطع؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يقطع؛ لأن لكل واحد منهما شبهة في مال الآخر؛ فأشبها الأب والابن، وشبهة الزوجة: أنها تستحق النفقة في مال الزوج، وشبهة الزوج – كما قال البغداديون، وعليه جرى في "المهذب" وأبو الطيب وغيرهم -: أنه يملك الحجر عليها ومنعها من التصرف في مالها [عند بعض أهل العلم، وأرادوا الإمام مالكا – رضي الله عنه – كما صرح به الماوردي. وقال البصريون: إن شبهته: كونه يستحق منعها من الخروج لإحراز مالها؛] فصار الحرز معه واهيا، ولأن كل واحد منهما متبسط في مال الآخر، ويرثه إذا مات، ولا يحجب؛ فلم يقطع بسرقة ماله؛ كالولد والوالد، وهذا ما حكاه المزني في "المختصر" هاهنا.
والثالث: يقطع الزوج دون الزوجة؛ لأنه لا حق له في مالها، ولها في ماله حق بالنفقة والكسوة؛ فكانت كالأب والابن، [بل أولى؛ لأن استحقاقها ناجز، واستحقاق الأب والابن] قد يكون متأخرا لغناه، وهذا ما حكاه الحارث بن سريج النقال عن الشافعي، واختاره في "المرشد"، وحكي الفوراني أن بعض الأصحاب قال به، وحمل النصين السابقين على [الحالين اللذين] ذكرهما، وهذه طريقة [أخرى، وهي] بعيدة؛ لأن لفظ الشافعي – رضي الله عنه – في "سير" الأوزاعي؛ كما حكيته، صريح في قطع الزوجة، ولفظه في "المختصر" صريح في الزوج؛ فإنه قال: ولا قطع على زوج سرق من مال امرأته، ولا [على] امرأة سرقت من متاع زوجها. فيضعف مع ذلك الحمل على ما
ذكر. نعم، الذي قال به أصحاب الطريق الأول من حمل الموضع الذي نص فيه على عدم القطع، على ما إذا لم يكن محرزا عن السارق، والموضع الذي نص فيه على القطع، [على] ما إذا كان محرزا [عنه]- حسن، وحينئذ فيكون الفرق عندها بين كون أحد الوالدين أو المولودين لا يقطع بسرقة مال من تجب عليه نفقته، وبين الزوجة حيث تقطع بسرقة مال زوجها وإن وجبت نفقتها عليه -: أن نفقة القريب تجب لا في مقابلة عوض، بل للإحياء، فأشبه نفسه؛ لأنه يجب عليه النفقة لها [لتحيا]، وليس كذلك الزوجة؛ فإن نفقتها معاوضة؛ ولذلك لم تتقدر بالكفاية، لم تسقط بمرور الزمان، فأشبهت الأجرة.
والذي أورده الشيخ أبو حامد وتبعه البندنيجي في المسألة طريقان:
إحداهما: الجزم بقطعهما.
والثانية: حكاية القولين الأولين.
[وحينئذ] فينتظم مما ذكرناه في المسألة طرق:
إحداها: القطع بقطعهما.
الثانية: القطع بقطع الزوج دون الزوجة.
الثالثة: حكاية قولين فيهما.
الرابعة: فيهما ثلاثة أقوال، وهي طريقة القاضي أبي حامد؛ كما حكاها القاضي أبو الطيب عنه، وعليها جرى في "المهذب"، وكذا الإمام وصاحب "الكافي"، ورأى الرافعي [نسبتها في "الشامل" إلى القاضي، ورأى في غيره نسبتها إلى القاضي أبي حامد، فظن – والله أعلم – أن ابن الصباغ أراد القاضي أبا الطيب؛ فنسب الطريقة إليهما، ويجوز خلاف ذلك، والله أعلم.
أما إذا لم يكن المال محرزا عن السارق، بل كان في حرزهما – لم يقطع بلا خلاف.
فرع: من لا يقطع من الزوجين إذا سرق من مال الآخر لا يقطع عبده إذا
سرق منه؛ كما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – [في "المختصر"؛ لأثر عمر] السابق في قصة الحضرمي، والشبهة، وهي أن يد العبد كيد سيدة؛ كما تقدم.
وبهذا النص جزم العراقيون، وكذا الماوردي وطرده فيما إذا سرق والد كل واحد منهما أو ولده من مال صاحبه، وكذلك القاضي الحسين في "تعليقه" جزم بالمنصوص في عبد أحد الزوجين، ثم قال: وقال أصحابنا: وإذا لم يقطع عبد كل واحد منهما بسرقة مال الثاني، [فلا يقطع والد كل واحد منهما وولده بسرقة مال الثاني]، وقد حكاه ابن كج عن ابن القطان، وأنه قال بمثله فيما إذا كان للرجل امرأتان، فسرقت إحداهما من الأخرى.
ثم قال القاضي الحسين: وعلى هذا القياس يجب أن يقال: كل شخصين لا يقطع أحدهما بسرقة [مال] الثاني، فمن لا يقطع بسرقة ماله لا يقطع صاحبه بسرقة ماله أيضا، وحينئذ فيؤدي هذا إلى فسام وإلى ما لا يتناهى.
وأراد بالفساد – والله أعلم -: ألا يقطع الأخ بسرقة مال أخيه؛ كما فسره الصيدلاني؛ لأنه ابن أبيه، وهو لا يقطع في مال أبيه، ومال الولد كمال الوالد على هذا، وهذا مما لا خلاف فيه عندنا، بل الأخ يقطع بمال أخيه.
وأراد بما لا يتناهى أن يقال: إذا سرق أخو الزوجة مال الزوج لا يقطع؛ لأنه لا يقطع إذا سرق مال أبيه، وأبوه لا يقطع إذا سرق مال الزوجة، والزوجة لا تقطع إذا سرقت مال الزوج وهكذا.
ثم قال القاضي: فيجب أن يحذف الكل، ويقتصر على ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – فأما من عداه فيقطع، والفرق أن العبد يده يد مولاه، بخلاف [يد] الوالد والولد، وعلى هذا: تقطع [يد] مكاتب كل واحد منهما بسرقة مال الآخر؛ لأن يد المكاتب لا تكون كيد سيده. وهذا من القاضي يقتضي الجزم بالمنصوص [عليه] كما ذكرناه في العبد عنه.
و [قد] حكي الإمام الحكم المنصوص عليه كما ذكرناه في ضمن قاعدة حكاها حيث قال: قال الأصحاب: كل من لا يقطع بالسرقة من مال إنسان فلا يقطع عبده بالسرقة من ماله أيضا؛ فإذا لم يقطع الزوج في مال الزوجة لا يقطع عبده في سرقة مالها.
وكذلك القول في سرقة عبد الإنسان من مال والده أو ولده، حكي الصيدلاني هذا مقطوعا عن القفال، ثم قال من عند نفسه – يعني: الصيدلاني-: والصحيح: أنه يقطع العبد وإن كان لا يقطع سيده؛ فإن للسيد شبهة النفقة إذا وقع الفرض [في الوالد والمولود،]، وليس للعبد شبهة النفقة في مال ولده.
ثم قال: ولو كنا لا نقطع عبد الوالي في مال الولد؛ لأن مال ولده كماله؛ للزم أن نقول: لا قطع على الأخ بسرقة مال أخيه.
قال الإمام: وهذا الذي ذكره متجه لا دفع له إلا بتمويه سنشير إليه، وحكي عن القاضي] الحسين [أنه قال: إذا لم يقطع أحد الزوجين في مال الثاني لم يقطع عبد واحد منهما في مال الثاني، ووجب ألا يقطع ولد أحدهما في مال الثاني وإن كان ربيبا. وهذا قبيح؛ فإن القول به يلزم إسقاط القطع عن الآخر إذا سرق مال أخيه.
ثم قال الإمام: وليس هذا إلزاما؛ بل هو عين ما قال به [لو رد] التفريع إلى الوالد والولد؛ فإن ابن الأب أقرب إلى الولد من ابن الزوج، وهو ربيب إلى الزوجة، فهذا غلط صريح.
قلت: وما حكاه عنه مخالف لما [هو] في "تعليقه"؛ لأن مساق كلام القاضي
الذي حكاه عنه يقتضي مخالفته للنص وإيجاب القطع على عبد أحد الزوجين إذا
سرق من مال الآخر؛ لأنه لما حكي أنه لا قطع على العبد [قال: [إن] مقتضاه
أن لا قطع على [والد أحد] الزوجين ولا ولده – أيضا – ويتجه؛ لأن مقتضاه أن لا قطع على] الأخ إذا سرق [من] مال أخيه، وهذا مما لا خلاف فيه؛ فليكن حكم عبد أحد الزوجين كذلك، وقد حكيت عنه أنه جزم بالمنصوص، وفرق بين العبد والوالد [والولد] بما ذكرناه. ثم على تقدير تسليم ما ادعاه فالمناقشة التي أبداها الإمام وغلطه لأجلها غير ظاهرة، بل أقول: يظهر أن يكون ما ذكره القاضي هو الصواب؛ لأنه حكي عن الأصحاب – كما نقلناه عنه، وحكاه الماوردي أيضا -: أنهم قالوا: يمنع قطع والد أحد الزوجين أو ولده إذا سرق من مال الآخر، وجزموا بأن الأخ يقطع بسرقة مال أخيه. فأراد بما ذكره إبطال النص في عبد أحد الزوجين، وإبطال قول الأصحاب في والده وولده، وهذا المقصد لا يحصل بما ذكره الإمام، والله أعلم.
قال: وإن سرق رتاج الكعبة قطع؛ لأنه مال يضمن باليد وبالإتلاف، وللإمام المطالب به؛ فقطع سارق كسائر الأموال، ولأن القطع لحق الله تعالى، وإذا وجب في حقوق الآدميين، فأولى أن يجب في حقوق الله – تعالى – لأن تحريمها أغلظ لتحريك ملكه.
والرتاج – براء مكسورة، وتاء ثالثة الحروف، وجيم -: الباب؛ كما قاله النواوي، وكذا الرتج، بفتح الراء والتاء.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أنه غلق بابها، وهو الأشبه بكلام الشيخ؛ لأنه ذكر باب المسجد بعده، ولا فرق بينه وبينه باب الكعبة، فلو كان الرتاج هو الباب لكان فيه تكرار، وقال القاضي الحسين في باب النذر:[إنه قيل]: إنه الستر.
قال: وإن سرق تأزير المسجد أو بابه قطع؛ لما سبق، وهكذا الحكم فيما إذا
سرق جذعه أو ساريته أو آجره المنضد، وادعى الإمام إطلاق الأصحاب
الوفاق على ذلك، وأبدى لنفسه تخريج وجه مما سنذكره من عدم القطع في المستولدة؛ لنقص الملك فيها بسبب نقص بعض التصرفات، ومن عدم القطع في سرقة حصر المسجد وقناديله؛ لكونها متعلق حقوق المسلمين، فشابهت مال بيت المال.
وكلام الماوردي يشير إلى حكايته عن ابن أبي هريرة؛ فإنه قال عند الكلام في سرقة الموقوف: ومذهب أبي حنيفة أنه لا قطع فيه، بخلاف آلة المسجد وأستار الكعبة، وإن [كان] ابن أبي هريرة سوى بينهما، والصحيح الأول، وإذا ثبت القطع بسرقة هذه الأشياء من المسجد مع كون السارق له فيه شبهة الانتفاع؛ فثبوته في سرقته من أملاك الآدمي المحضة أولى.
وقد صرح به الأصحاب حتى في حلق الباب؛ كما حكي عن أبي إسحاق وجوب القطع فيها إذا كانت مسمرة؛ لأن ذلك حرز مثلها في العادة.
وحكم أبواب الخزائن عند أبي إسحاق حكم المتاع في الدار؛ فإن كان باب الدار مغلقا، فأبواب الخزائن في حرز، مغلقة كانت أو غير مغلقة. وإن كان باب الدار مفتوحا: فإن كانت أبواب الخزائن مغلقة فهي في حرز، وأن كانت غير مغلقة فليست محرزة، أي: إن لم يكن في الدار أحد؛ كذا حكاه البندنيجي والقاضي الحسين [عنه].
والتأزير – بزاي ثم راء – مشتق من "الإزار"، يقال: أزرته تأزيرا، فتأزر، وهو كما قال النواوي: ما يستر به أسفل جدار المسجد وغيره. من خشب وغيره، وقريب منه ما حكاه ابن يونس أنه: ما عقد من الجريد المطول المعرض بالمسامير، مثلما يعمل بالستور في أركانها، وذلك عند الحجر وما حواليه، وحكي تفسيرين آخرين:
أحدهما: أنه الحلق التي يشد بها أذيال الستور.
والثاني – وهو معزي إلى تفسير المزني -: أنه الشاذؤوان، وصوبه أكثرهم في ذلك.
وقد أطبق الأكثرون على قطع السارق لأستار الكعبة المحيطة عليها، وحكاه القاضي أبو حامد عن النص في القديم، ورواه البندنيجي وابن الصباغ عن رواية الحارث بن سريج النقال عن الشافعي، ووجهوه بما روي الحسن البصري أن أول من صلب في الإسلام رجل من بني عامر بن لؤي، سرق كسوة الكعبة؛ فصلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي أن سارقا سرق في عهد عثمان – رضي الله عنه – فبطية منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعه، ولم ينكر عليه أحد.
وعن كتاب ابن كج أن قوله الجديد والأصح: أنه لا قطع بسرقته؛ لأنه ليس له مالك معين؛ فأشبه مال بيت المال. وهذا يخالف ما قاله البندنيجي في التصوير، وعدم القطع قد حكاه المارودي عن ابن أبي هريرة أيضا، وبه يقوى الوجه الذي أبداه الإمام.
قال: وإن سرق القناديل [أو الحصر] فقد قيل: يقطع؛ لأنه سرق مالا يضمن باليد والإتلاف لا مالك له [معين]، فقطع كما لو سرق أستار الكعبة وبابها، وهذا ما قاله البصريون، وجزم به الفوراني في القناديل، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه اختيار الشيخ في الصورتين.
وقيل: لا يقطع، أي: إذا كان مسلما؛ لأن ذلك وضع لمصلحة المسلمين؛ فكان له فيه حق؛ فلم يقطع به كمال بيت المال، وهذا قول البغداديين من أصحابنا، واختاره في "المرشد"، ولم يورد المصنف وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ سواه.
وعن الروياني في "جمع الجوامع": أنه لا خلاف بين الأصحاب [في عدم] القطع بسرقة الحصر والبواري، وادعى القاضي الحسين في موضع آخر من كتاب السرقة الإجماع على أنه لا يقطع فيما يراد للمنفعة، مثل الحصر والبواري والقناديل، ومحل الكلام – كما قال الماوردي -: فيما إذا كانت معدة للاستعمال، وصرح به القاضي الحسين أيضا. أما إذا كانت موضوعة للزينة قطع،
وبهذا جزم صاحب "الكافي" مع جزمه بعدم القطع في حالة كونها معدة للاستعمال، وحكي الماوردي عن ابن أبي هريرة أنه قال بعدم القطع أيضا، وعليه ينطبق ما ذكره الإمام؛ فإنه حكى في وجوب القطع بسرقة حصر المسجد وجهين.
وعن العراقيين أنهم قالوا: ما يظهر الانتفاع به فالظاهر أنه لا قطع على سارقه للاشتراك، وما أثبت في المسجد للزينة كالقناديل التي يزين بها المسجد ففيها وجهان. فانتظم من ذلك ثلاثة أوجه، ثالثها: الفصل بين ما ينتفع به فلا قطع، وبين آلة الزينة فيقطع.
ولا خلاف [في] أن الذمي يقطع بسرقة ذلك.
قال: وإن سرق الطعام عام السنة، أي: عام القحط، ومنه قوله تعالى:{ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين} [الأعراف: 130].
قال: والطعام مفقود، لم يقطع؛ لأنه روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال:"لا قطع في عام المجاعة"، [ولأنه كالمضطر، والمضطر إذا سرق الطعام الممنوع منه لا قطع عليه] كما قال القاضي الحسين وغيره.
قال: وإن كان موجودا أي: يبذله صاحبه وهو قادر على ثمنه، وإن كان بثمن غال – قطع؛ لأن لا يؤخذ من مالكه قهرا، فأشبه غير عام السنة، فأما إذا لم يقدر على شرائه لغلائه وعدم ثمنه، قال مجلي: فهو كعدم الطعام فلا قطع.
قال: وإن سرق شيئا موقوفا، أي: على غيره، مثل أن يكون موقوفا على الفقراء
وهو غني، أو على بني فلان و [هو] ليس منهم – فقد قيل: يقطع، أي: سواء قلنا إن الملك لله – تعالى – أو لغيره؛ لأنه عين تضمن باليد، فوجب فيها القطع كالأعيان المطلقة، وهذا ما ادعى الماوردي أنه ظاهر المذهب، وهو المختار في "المرشد"، والأصح في "النهاية" و"الكافي" والإبانة.
وقيل: لا يقطع، أي: سواء قلنا: الملك لله – تعالى – أو لغيره، أما إذا قلنا: إنه لله – تعالى – فبالقياس على الصيود. وإن قلنا: إنه لغيره، فملكه ناقص؛ لأنه لا يملك التصريف فيه، ومن شرط القطع تمام الملك، هي طريقة البندنيجي وغيره.
وفي "الحاوي" حكاية وجه ثالث: أنه لا يقطع إن قلنا: إن الملك لله – تعالى – وإن قلنا: [إنه] لغيره، قطع.
وفي "النهاية" حكاية طريقة أخرى لم يورد القاضي الحسين سواها، وهي أن الملك إن قلنا: لغير الله – تعالى – ففي القطع وجهان كالوجهين في القطع بسرقة أم الولد في حال نومها أو جنونها، وأصحهما في أم الولد: القطع، وهو المختار في "المرشد" و"الإبانة"، وإن قلنا: إنه لله – تعالى – قطع وجها واحدا؛ كما [في] رتاج الكعبة وبابها. قال الإمام: وهذا ليس بشيء؛ لأن صاحب الترتيب يشير إلى أن لا يصفو القول بإضافة الملك إلى جهة من الجهات، وهذا يتحقق إذا قلنا: الملك لله – تعالى – أما إذا سرق شيئا موقوفا عليه فلا قطع.
قال الماوردي: وكذا إذا سرق ما وقف على وجوه الخير أو [في] عموم المصالح؛ لأنه في حكم مال بيت المال، وقال: إن [الذمي] إذا سرقه لم يقطع أيضا؛ [لأنه] تبع للمسلمين.
وفي "الإبانة" الجزم بأن المسلم إذا سرق بكرة البئر المسبلة قطع، وكذلك قاله البغوي وقال: الوجه عندي أن تكون كحصر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس.
ولا خلاف [في] أنه إذا سرق من ريع الوقف، ولم يكن من جملة المستحقين – أنه يقطع، سواء كان جهة المسجد أو غيرها.
قال ابن الصباغ: وهكذا لو كان موقوفا على الفقراء والسارق غني، وليس كما إذا سرق مال بيت المال وهو غني؛ لأنه بصدد أن يصرف إليه مع الغنى بسبب حمالة، ولا كذلك مال الوقف.
فرع: إذا سرق شخصا بعضه حر وبعضه رقيق، قال الزبيلي في "أدب القضاء" له: لا قطع عليه، لأن الحرية فيه صارت شبهة. وكذا حكاه الرافعي، وطرده في المكاتب؛ لكونه في يد نفسه، وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية عن القفال في مسألة من بعضه حر: أنه يقطع، كما إذا سرق ما يقطع فيه وما لا يقطع.
قال: ومن سرق عينا، أي: بقول صاحبها، [وأقام بينة] على ذلك، فادعى أنها له، أو أن مالكها أذن له في أخذها، أي: وديعة أو لنفسه؛ بأن يكون قد وهبها منه ولم يقبضها – فالمنصوص، أي: في "المختصر"، أنه لا يقطع، أي: بعد حلف مدعي السرقة؛ لأن المدعي للسرقة قد صار خصما للسارق، بدليل أنه لو نكل عن اليمين ردت على السارق ولا قطع؛ فكيف يقطع في مال هو خصم فيه؟! ولأن ما يدعيه محتمل، والقطع يسقط بالشبهة، وهذا ما قال به أكثر الأصحاب.
قال القاضيان أبو الطيب والحسين: وهذا السارق يسمى اللص الظريف – أي الفقيه – وقد حكي هذا اللفظ عن [الشافعي والبندنيجي] وابن الصباغ.
وقيل: يقطع، أي: إذا حلف مدعي السرقة أن العين له أو لم يأذن في
أخذها؛ كي لا يتخذ ذلك ذريعة لدفع الحد والتسلط على السرقة، وهذا ما
حكاه أبو إسحاق المروزي عن بعض الأصحاب كما قاله أبو الطيب، [وابن
الصباغ [واختاره] كما قاله الماوردي، ونسبه القاضي الحسين والبندنيجي إليه، وأنه حمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه، قال الروياني في "الحلية":[ولهذا وجه] في زمان الفساد.
قال القاضي أبو الطيب] [والماوردي:] وليس بشيء؛ لأن الحد يسقط بالشبهة، وهذا أثبته بها، ولأنه لو قامت عليه البينة بالزنى بامرأة، فادعى أنها زوجته لم يستوف منه الحد، ولا يقال: إن ذلك ذريعة إلى إسقاط حد الزنى؛ فكذلك هاهنا.
وقد ادعى الماوردي اتفاقهم على مسألة الزنى، وقال في "الشام": إن القائل في مسألة السرقة بالقط ينبغي ألا يسلم ما ذكره، وقد قال البغوي وغيره: إن الخلاف يجري فيها – أيضا – وقال الإمام: إن ظاهر المذهب والنص فيها عدم السقوط، بخلاف القطع؛ بناء على ما سنذكره من أن الظاهر فيما إذا قامت بينة على أن فلانا زنى بجارية فلان الغائب، يحد، ولا ينتظر حضور الغائب، بخلاف [مثله في] السرقة.
أما إذا لم يحلف مدعي السرقة، [وحلف المدعى عليه السرقة]- قال الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن كج والإمام: فلا قطع عليه وجها واحدا.
قال القاضي الحسين: وإنما يحتاج إلى يمين المدعى عليه إذا ادعى السارق الملك، أما إذا ادعى الإباحة فلا يحلف، وعلى ذلك جرى الإمام، وادعى: أنه لا يحلف بلا خلاف مع كون القطع ساقطا، ولو نكل مدعي السرقة ولم يحلف السارق، فالذي أورده البغوي والفوراني: مجيء الخلاف، وهو ما أبداه الرافعي احتمالا لنفسه، وقال في "الشامل": ينبغي أن يسقط القطع وجها واحدا؛ لأن دعواه لم تبطل.
وحكم دعوى السارق أن المسروق منه عنده وهو مجهول النسب، أو أن
الحرز ملكه غصب منه المسروق منه – حكم ما ذكرناه، كذا حكاه الشيخ أبو علي
في "شرح التلخيص" وغيره، وكذا إذا ادعى العبد السارق أن المسروق ملك سيده، سواء صدقة السيد أو كذبه في الدعوى، وبه جزم في "الوجيز"، وهو الذي أجاب به في "التلخيص".
وفي "النهاية"[وغيرها] حكاية وجه فيما إذا كذبه السيد: أنه يقطع؛ [بناء] على المنصوص.
ولو ادعى السارق نقصان قيمة المسروق عن النصاب لم يقطع، فإن قامت البينة على أن قيمته تبلغ تمام النصاب قطع، قاله في "التهذيب".
ثم اعلم أن [محل] الخلاف في [ضبط] مسألة الكتاب إذا لم [يكن] في دعوى السارق تكذيب للبينة التي شهدت بالسرقة، بأن تكون البينة قد شهدت أنه سرق نصابا من الحرز، وهو بما فيه تحت يد إنسان – فإن حكم الظاهر: أن المسروق مردود على صاحب اليد، فإذا قال السارق: ما شهدت به البينة من أني دخلت الحرز، وأخذت [منه] المال صحيح، إلا أنه كان قد وهبه مني قبل السرقة، أو باعه مني، أو أباحه لي؛ فلا قطع علي، والشهود اعتمدوا ظاهر الحال. أما إذا كان في دعواه تكذيب للبينة بأن قال: لم يزل ملكي، وكان قد غصبه مني، أو قال: ما سرقت أصلا – ففي سقوط القطع والحالة هذه تفريعا على المنصوص تردد حكاه الإمام، وقال: في كلام الأصحاب ما يدل عليه.
قال الرافعي: وهذا التردد الذي حكاه قد حكاه ابن كج كذلك، وقال: المذهب: أنه لا يسقط القطع، وعندي أنه يسقط، وإطلاق عامة الناقلين يوافقه.
قلت: والذي جزم به أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وابن الصباغ في مسألة دعوة عدم السرقة: وجوب القطع،] و [في مسألة دعوة الغصب والبيع وغيرها بأنه محل الخلاف، وقد [بني] التردد المذكور على أن المدعى عليه بعد قيام البينة بالملك والسرقة لو قال: اعتمد الشهود ظاهر اليد، والمدعى [عليه] يعلم أنه ملكي، فحلفوه على نفيه هل يجاب إليه؟ وفيه خلاف،
والظاهر – وهو ما ادعى الغزالي في كتاب الأقضية نفي خلافه -: أنه لا يحلف، فعلى هذا لا يندفع القطع، وإن قلنا: إنه يحلف، فيبعد أن يقطع بيمين المدعي ويتوجه دفعه.
فرع: إذا سرق اثنان، فادعى أحدهما أن المسروق ملكه أو أنه لهما، وأنكره الآخر واعترف بالسرقة – فلا قطع [على المدعي] تفريغا على النص، وفي المنكر وجهان:
أحدهما: أن عليه القطع؛ لأنه مقر بأنه سرق نصابا لا شبهة له فيه، وهذا هو المذهب عند الإمام وأصح في "الكافي"، وبه قال ابن القاص، وجزم [به] الماوردي وابن الصباغ.
والثاني – وينسب إلى القفال -: أنه لا يجب؛ لأن المدعي الملك قد ادعى ما لو صدق فيه لسقط القطع عنهما، فصار كما لو قال المسروق منه: إنه ملكه؛ فإنه يسقط القطع.
وإن كان مقرا بأنه سرق نصابا لا شبهة له فيه، ولو لم يكذبه الآخر، لكنه قال: لا أدري – قال في "الكافي": يحتمل وجهين، أصحهما: أنه لا يقطع. ولو ادعى أحدهما: أنه ملك شريكي، وأني أخذت معه بإذنه، وأنكر الشريك ذلك – فالمنقول في "النهاية" وغيرها: أنه يسقط القطع عن المدعي، وفي المنكر وجهان.
وقرب بعضهم ذلك مما إذا شهد اثنان على إنسان بالقصاص، فاقتص منه، ثم رجعا، فقال أحدهما: أخطأنا، وقال الآخر: تعمدنا – لا قصاص على مدعي الخطأ، وفي الآخر وجهان، وقال في "التهذيب" بعد حكاية ذلك: الأولى أن يقال: يجب القطع على المنكر، وفي المدعي وجهان، ووجه القطع: أنه لا يدعي لنفسه ملكا، وإنما يدعيه الشريك وهو منكر، ونظيره من شهود القصاص: أن يقول أحدهما: تعمدنا جميعا، ويقول الآخر: تعمدت] أنا [وأخطأ هو؛ فإنه يجب القصاص على من قال: تعمدنا جميعا وفي الآخر وجهان؛ لأنه يدعي الشبهة لشريكه وهو منكر، وقد حكي الطريقين صاحب "الكافي"، وعلى
الأخير ينطبق ما ذكرناه من دعوى العبد الملك لسيده وقد كذبه.
قال الرافعي: وعلى رأي الغزالي في مسألة العبد، فالفرق: أن تعلق السيد بالعبد فوق تعلق الشريك بالشريك؛ ألا ترى أن يد العبد يد السيد، [وتمليك العبد تمليك للسيد]؟! فجعل دعوى ملك السيد كدعوى الحر الملك لنفسه.
إذا سكت السارق بعد إقامة البينة عليه بالسرقة، وفرعنا على النص في أنه إذا ادعى الملك ونحوه لا يقطع – فهل يستفصله القاضي تذرعا إلى السقوط؟ أبدى الإمام فيه ترددا مأخوذا مما إذا أقر بموجب حد، فهل يشيب القاضي بالرجوع عن إقراره؟ فيه تردد سيأتي، إن شاء الله.
إذا ادعى السارق أنه ظن أن المال المأخوذ ملكه أو ملك أبيه أو ابنه، أو أن الحرز ملكه، حكي الغزالي وغيره: أنه لا قطع عليه للشبهة، وهو فيما إذا ظن أنه ملكه قياس ما إذا وطئ امرأة [ظن أنها] زوجته أو أمته، وفيما إذا ظن أنه ملك ابنه ونحوه يشابه ما إذا وطئ أجنبية ظنها جاريته المشتركة، وقد حكينا في هذه الصورة في وجوب الحد ترددا للإمام، وقد حكي مجلي ما أورده الغزالي عن بعض الأصحاب عند الكلام في سرقة أحد الزوجين مال الآخر، وقال في فرع قبله: إنه لو سرق نصابا من دار وهو يظن أن الدار داره والمال ماله، يقطع، وألحق به ما إذا سرق شيئا ظن [أن قيمته] دون النصاب، فوجد قيمته دينارا، وهذا ما حكاه [في]"التهذيب" و"العدة".
قال: وإن أقر [له] المسروق منه بالعين [المسروقة] لم يقطع؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقا فتكون شبهة، وهكذا الحكم لو أقر أنه كان قد أذن له في أخذها، ولا فرق في ذلك بين أن يصدق السارق أو يكذبه كما ذكرناه من قبل، ولما ستعرفه من كلام الأصحاب.
ولو أقام المدعى عليه السرقة شاهدا وامرأتين أو شاهدا وحلفه معه، وانتفى القطع، وإن كانت الشهادة بالملك مطلقة، قال القاضي أبو الطيب: لأن الإطلاق يقتضي الملك في الحال، والظاهر مع دعواه أنه ملكه قبل ذلك؛ فكان شبهة في القطع.
وفي "الجيلي" وجه: أنه إذا أقر بالملك المطلق لا يسقط القطع، ويظهر جريانه إن صح في البينة – أيضا – [وقد رأيت ما حكاه الجيلي في كتاب "الأسرار" للقاضي الحسين].
قال: وإن وهب منه، أي: بعد الرفع إلى السلطان، قطع، والأصل [فيه]:"ما روى أبو داود عن صفوان بن أمية، قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين؟! أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به" وفي رواية أنه كان نائما، فجاء سارق فسرق من تحت رأسه. وأخرجه النسائي وابن ماجه. وفي رواية أخرى:"إني قد وهبتها له". وهي التي أوردها الفقهاء.
قال عبد الحق: ولا أعلمه يتصل من وجه يحتج به.
وعلى هذا فنقول: الهبة معنى يسقط المطالبة بالموهوب، فلم يسقط بها القطع؛
كما لو رد المال، ولأنه لو زنى بامرأة ثم ملكها أو تزوجها لم يسقط الحد؛ فكذلك هاهنا، أما إذا وهب منه قبل الرفع إلى السلطان فظاهر الخير يدل على عدم القطع لو صح الاحتجاج به، لكنه يعضده قوله صلى الله عليه وسلم:"تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد وفقد وجب" كما خرجه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب. وعلى هذا جرى القاضي أبو الطيب فقال بعدم القطع، وأنه يسقط، وتبعه ابن الصباغ في عدم القطع؛ لأنه إذا وهبه قبل الرفع لم يكن هناك منازع في المال ولا مخاصم فيه.
والقاضي الحسين جزم بعدم سقوطه] وبعدم القطع لأجل عدم المنازع، وتبعه صاحب "العدة" في القطع بعدم السقوط]، وكلام الماوردي يقتضي إجراء خلاف في القطع؛ فإنه حكي عنه أنه قال: قال أكثر أصحابنا: إن المطالبة شرط في استيفاء القطع، فعلى هذا يسقط بالهبة استيفاؤه كالحقوق التي ليس [لها] مطالب [بها].
قال: ولا قطع على من انتهب أو اختلس [أو خان]؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس، قطع" خرجه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح. ولفظ ابن ماجه في موضع: "من انتهب نهبة مشهورة فليس منا"، وفي موضع [آخر]:"لا يقطع الخائن ولا المنتهب ولا المختلس".
[وفرق] بينه وبين السارق بأن السارق يأخذ المال [في] خفية؛ فلا يتأتى منعه، فشرع القطع زاجرا، وهؤلاء يقصدون المال عيانا؛ فيمكن دفعهم بالسلطان وغيره.
قال: أو جحد؛ لأنه لا بد وأن يسبق الجحد بزعم المدعي السرقة، إذن في وضع اليد على المال؛ فهو مقصر حيث وضعه] عنده؛ فصار كما لو وضعه [في غير حرز، ولأنه لم يوجد منه أكثر من حبسه عن مالكه، والكذب في جحوده، وليس واحد منهما موجبا للقطع.
وما رواه ابن عمر – رضي الله عنه – أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع فتجحده؛ فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها – فجوابه – كما قال ابن المنذر -: أنه روي في الحديث: [أنها سرقت] فقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك ما روى أبو داود عن عائشة: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: ومن يجترئ [عليه] إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟! "، ثم قام واختطب فقال:"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق [فيهم] الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". وأخرجه البخاري ومسلم، وغيرهم.
وذكر العارية في الحديث السابق إنما هو على وجه التعريف بالمرأة؛ لاشتهارها بذلك، [لا أن] القطع بسببها. قال القاضي الحسين: وهذا كما قال: "الجالس وسط الحلقة ملعون"، عرف بالجلوس وسط الحلقة.
تنبيه: المنتهب: من يأخذ المال عيانا معتمدا بقوته وغلبته، والمختلس: من يأخذ المال من غير غلبة ويعتمد الهرب. ثم قيل: يكون ذلك مع غفلة المالك، وقيل: مع معاينته، وهو الصحيح، والسارق: من يأخذ في خفية، والخائن: من يخون في وديعة ونحوها بأخذ بعضها، والجاحد: من ينكرها.
قال: ولا يقطع السارق، أي: الحر، إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام؛ لأن القطع في السرقة وإن تعلق به حق الآدمي بسبب حفظ ماله، فالمغلب عليه حق الله – تعالى – والإمام هو النائب فيه، ولأن إعمال السلاح لصاحب الأمر أقرب، وقد ذكرنا أنه لم يقم حد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، وكذلك في عصر الخلفاء من بعده [إلا بإذنهم]، فلو فعله بعض الرعية، قال في "التهذيب": فلا قصاص عليه؛ لأنه قطع يدا مستحقة القطع، غير أنه يعزر؛ لتفويت القطع على الإمام، وزاد الرافعي على ذلك فقال: لو سرى إلى النفس فلا ضمان؛ لتولد السراية عن مستحق. ثم قال: ويشبه أن يجعل وجوب القصاص على الخلاف في قتل الزاني المحصن. وسيكون لنا عودة إلى الكلام في هذا في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن كان السارق عبدا جاز للمولى أن يقطعه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أقيموا
الحدود على ما ملكت أيمانكم"، وروي أن ابن عمر – رضي الله عنهما -
قطع عبدا له سرق، وأن عائشة – رضي الله عنها – قطعت أمه لها سرقت، ولم ينكر ذلك أحد.
وقيل: لا يقطعه؛ لأن ما يقطع فيه السارق مختلف فيه؛ فيحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا ما يحكي عن ابن سريج، وفرق بينه وبين الجلد بأنه يملك جنس الجلد في التعزيز، بخلاف القطع، وبأن له في إقامة الحد غرضا، وهو أن يخفي الحال فلا تنقص قيمته، والقطع يظهر لا محالة.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وهو ما نسبه القاضي أبو الطيب والحسين والبندنيجي إلى نصه في "البويطي"، ووافق الشيخ على التصحيح أهل الطريقين، وقال الماوردي وغيره: وليس ما ذكر من التوجيه السابق بسالم؛ لأن السيد يملك قطع يد العبد للمصلحة من جهة أكلة تلحقه، وغرض الإخفاء غلط؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بإظهار العيب ونهى عن كتمانه؛ فقال:"إن كتما محقت بركة بيعهما"، والخلاف المذكور جار في أن السيد هل يقطع عبده في المحاربة وكذا قتله فيها؟ مخرج على أنه هل يقتل العبد إذا ارتد؟
قال: ولا يقطع إلا بمطالبة المسروق منه بالمال؛ لأن المال يدخله الإباحة، فيحتمل أنه أباح له أخذه، وبمطالبته ينتفي ذلك.
ولأن القطع فرع ثبوت المال، وثبوته فرع المطالبة؛ فلذلك توقف القطع عليها، ويقوم مقام مطالبة المالك [مطالبة] وكيله، كما صرح به البندنيجي وغيره.
وقد يعكر هذا على التوجيه السابق؛ فإن الموكل قد يكون أباح ولم يعلم به الوكيل. نعم، [لو وكله بعد السرقة في الطلب اندفع السؤال، وقد يقال: لا يصح التوكيل] إلا على هذا النحو.
فرع: الخصومة مع النباش لمن إذا قلنا بوجوب القطع عليه؟
قال الأصحاب: ذلك بنبني علي أن الملك [في الكفن] لمن؟ وقد تقدم، فإن قلنا: الملك [فيه] للوارث، فهو المخاصم، وإن قلنا: إنه للميت، فعن ابن أبي هريرة أنها للوارث أيضا؛ لأنه القائم مقامه في حقوقه، وهذا ما أورده البندنيجي، وقال أبو علي الطبري:[إن] للإمام أن يقطعه ولا يحتاج إلى المطالبة؛ لأن القطع حق الله تعالى، وإنما يحتاج إلى مطالبة الحي إذا سرق منه؛ كي لا يكون قد أذن فيه، وذلك مأمون في حق الميت، وإذا قلنا: لا مالك [له]، فالأمر فيه إلى الحاكم.
وهكذا الحكم في سرقة رتاج الكعبة ونحوه، وزاد الإمام فقال: إن كان من يذهب إلى [أن] الملك في الكفن للميت أو لله تعالى،] يقول بتعين رد ما أخذه النباش إلى الميت، ولا يجوز للوارث إبداله بغيره –] فالتفريع [صحيح]، والخلاف في أن الخصم من هو صحيح، لكن هذا قول عري عن التحصيل، والوجه عندي: أن للوارث إبداله بعدما انفصل عن الميت، وحينئذ فيجب القطع بأنه الخصم لا غير.
قال: وإن أقر أن سرق نصابا لا شبهة له فيه من حرز مثله من غائب،
فقد قيل: يقطع؛ لأن القطع لزمه بالإقرار، فاستوفي منه في الحال؛ كما لو أقر
أنه زنى بفلانة؛ [فإنه] لا ينتظر حضورها، وهذا ما حكاه الماوردي عن
[ابن] أبي هريرة، واختاره، [وفي] الرافعي نسبته إلى أبي إسحاق.
قال: والمذهب: أنه لا يقطع، أي: في الحال؛ لأن من الجائز أن يقول صاحب المال عند حضوره: كنت وهبته منه، أو: أبحته إياه، أو يقر بأنه ملكه، ولو قال ذلك لم يقطع، وإن أصر على الإقرار بالسرقة؛ كما حكاه الإمام والعمراني وغيرهما، جعل ذلك شبهة في تأخير القطع، وقد صحح الرافعي وصاحب ["الكافي" هذا أيضا، ويخالف ما لو اقر باستكراه جارية غائب على الزنى؛ فإن الأشهر والمذكور في]["الوجيز" و]"النهاية": أنه يقام عليه حد الزنى، ولا ينتظر حضور المالك؛ لأن حد الزنى لا يتوقف على طلب، ولو حضر وقال: كنت أبحتها له لم يسقط [حد] الزنى بذلك.
قال الإمام: وقد ينشأ من هذا أن يقال: لو حضر مالك الجارية، وقال: كنت بعتها منه أو وهبتها، وأنكر المقر، لا يسقط الحد.
قيل: وكذا إذا حضر وأقر بوقف الجارية عليه، وكذبه.
وفي "الكافي" وغيره عن ابن سريج أنه قال: لا يقام عليه الحد، بل ينتظر حضور مالكها؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وقف تلك الجارية عليه؛ فتصير شبهة في سقوط الحد، ولا خلاف في أن الإقرار المطلق [بالسرقة لا يوجب الحد، وإن كان الإقرار المطلق] بشرب المسكر يوجب حده، وفي الإقرار بالزنى وجهان، والفرق أن اسم "السرقة" يتحقق ولا قطع معه؛ كما إذا سرق ما له فيه شبهة وما ليس بنصاب، بخلاف الشرب؛ فإن المتبادر إلى الذهن عند إطلاق شرب المسكر أن شربه حرام، والزنى لا يكاد يقع إلا على ما يتعلق به الحد، وكذلك إذا أطلق القذف به حد القاذف بلا خلاف.
ثم يتفرع في مسألة الكتاب على المذهب فرعان:
أحدهما: هل يحبس المقر إلى حضور الغائب؟ حاصل ما ذكره العراقيون كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وكذا الإمام والقاضي الحسين أنه ينظر: فإن كانت الغيبة قريبة أو بعيدة، [والمسروق تالف – حبس، وإن كان باقيا والمسافة بعيدة] ففي حبسه وجهان، المذهب منهما في "تعليق" القاضي الحسين: عدم الحبس؛ فتنزع [العين من يده]، وتحفظ للمقر له إلى أن يرجع فيدعيها، فتسلم إليه، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وأفهم إيراد المصنف [في "المهذب"] حكاية وجه في منع حبسه عند تلف العين وبعد المسافة؛ لأنه حكى في حبسه وجهين:
أحدهما: نعم؛ كما يحبس من عليه قصاص لصبي أو غائب إلى أن يبلغ [أو يقدم].
والثاني: إن كان السفر قريبا حبس إلى أن يقدم الغائب، وإن كان بعيدا لم يحبس، ولأجل ذلك [حكي] الرافعي في حبسه ثلاثة أوجه:
أحدها: الحبس مطلقا.
والثاني: يحبس إن كانت الغيبة قريبة، وإلا فلا.
[والثالث: يحبس إن كانت العين تالفة، وإلا فلا].
قال الإمام: وعلى هذا إذا بذل قيمة التالف خرج حبسه على الخلاف المذكور في [حالة] بقاء العين.
ثم ليعلم أن الخلاف في الحبس ليس لأجل حق الله تعالى؛ فإن من أقر بمال لرجل في غيبته لا يحبسه السلطان؛ [كما قال الإمام، وكذا [إذا] أقر أنه غصبه من غائب]؛ كما قال الرافعي – بل لأجل القطع.
قال الإمام: وهو مبني على أن القطع يسقط [بالرجوع عن الإقرار أم لا – كما سنذكره – فإن قلنا: يسقط]، فلا معنى للحبس، وإن قلنا: لا يسقط، فيجوز أن يقال: يحبس؛ لأنه لو خلي يوشك أن يفلت ويفوت الحق.
قلت: وهذا يقوي ما سنذكره عنه من الجزم بحبسه عند شهادة البينة بالسرقة والإصغاء لها، وقد جعل الرافعي عدم الحبس في الغصب ووجوبه في السرقة مسألتي فرق، وحكي عن بعض أنه فرق بأن الحاكم لا مطالبة له بمال الغائب، وليس موجب الغصب إلا ذاك، والسرقة يتعلق بها القطع الذي يملك الحاكم المطالبة به.
الفرع الثاني: إذا حضر الغائب، فإن ذكر أنه أباح المال المسروق للسارق، أو أباعه منه، أو أنه ملكه – لم يقطع؛ لما ذكرناه، وإن ادعى السرقة، فظاهر كلام الأصحاب يقتضي القطع؛ كما سنبينه من بعد، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة، فقد قيل: يقطع، وهو المنصوص، وقيل: لا يقطع، وقيل: فيه قولان:
اعلم أن الموجود في أكثر النسخ وبعض الشروح حكاية لفظ الشيخ كما ذكرته، والذي أورده الجيلي من لفظ الشيخ:"فقد [قيل]: لا يقطع، وهو المنصوص، وقيل: يقطع، وقيل: فيه قولان"، وهو على كل حال لا يخلو من مناقشة، لكنها على الثاني أسهل، وبيان ذلك أن المنقول في كتب الأصحاب التي وقفت عليها حكاية ثلاثة طرق، ليس المنصوص منها القطع بالقطع، بل المنصوص خلافه؛ كما ستعرفه، وهذا وجه المناقشة على [العبارة الأولى، وليس فيها طريقة قاطعة [بعدم القطع]، وهذا وجه المناقشة على العبارتين] [معا]؛ بل الذي حكاه في "المهذب" والقاضي أبو الطيب شيخه والماوردي وابن الصباغ والبندنيجي والإمام والقاضي الحسين وغيرهم: أن الشافعي – رضي الله عنه – نص في مسألة الكتاب على عدم القطع في الحال، ونص في كتاب الحدود على أنه إذا شهد [عليه] أربعة بالزنة بجارية غائب، يقام عليه
الحد، لكن لفظ الإمام والقاضي الحسين في حكاية هذا النص فيما إذا شهد شاهدان على واحد أنه زنى بجارية فلان الغائب: أنه يحد، ولعل المراد: الشهادة على الإقرار بالزنى، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثم اختلف الأصحاب في النصين على ثلاث طرق كما ذكرنا:
إحداها – وهي طريقة ابن سريج وابن أبي هريرة -: أنه لا قطع في الحال، ولا حد للزنى في الحال – أيضا – لأنه يجوز أن يكون صاحب المال المسروق قد أباحه لكل من دخل الحرز وأخذه، أو وقف الجارية الموطوءة على الواطئ، أو إذا حضر يقر بأنه غصب المال والجارية منه أو: من ابنه؛ فلا يجب القطع والحد؛ فصار ذلك شبهة في التأخير، وقالا: ما حكي عن نصه في مسألة الزنى غلط من الناقل، قال الرافعي: وربما أول على أنه لا حاجة إلى حضوره وقت الإقامة.
والثانية – قالها أبو إسحاق المروزي -: جعل المسألتين على قولين بالنقل والتخريج؛ لأنه لا معنى لحمل كلام الشافعي – رضي الله عنه – على أنه خطأ في النقل، والفرق بين المسألتين ليس بشيء، [وتعليل قول التأخير قد سبق]، وتعليل مقابله: أنه قد ثبت القطع والحد في الحال فاستوفي، والأصل عدم ما يسقطه.
والثالثة – قالها أبو الطيب بن سلمة وأبو حفص بن الوكيل والقاضي أبو حامد الخراساني، وهي التي صححها الرافعي -: تقرير النصين، وفرقوا من أوجه:
أحدها: أن القطع أخف حكما من الزنى؛ لأنه يسقط [بالاعتراف] بالإباحة، [بخلاف حد الزنى؛ فإنه لا يسقط بالإباحة].
الثاني: أن السرقة مخالفة للزنى؛ فإن سرقة مال الأب والأم لا توجب القطع، والزنى بجارية أحدهما [يوجب الحد]؛ فدل على الفرق بينهما.
الثالث: أن القطع يتعلق بحق الآدمي؛ لأنه شرع صيانة للأموال وحفظا لها؛ فاعتبر حضور الآدمي، وحد الزنى لم يشرع صيانة لجواري الناس وحفظا لحريمهم؛ فهو حد محض لله تعالى، فلم يعتبر حضور الآدمي، والصحيح – وإن ثبت الخلاف – في مسألة الكتاب: عدم القطع.
قال الرافعي: وقد يرتب الخلاف في هذه الصورة على الخلاف فيما إذا أقر بالسرقة، وتجعل صورة الإقرار أولى بتعجيل القطع؛ لبعد الإقرار عن التهمة.
ثم إذا قلنا: لا يقطع، حبس كما قال الإمام إلى حضور الغائب.
وفي "الرافعي": أن في حبسه الخلاف السابق عند الإقرار، ثم إذا حضر المالك: فإن ذكر أنه أباحه وما أشبه ذلك سقط القطع، وإن ادعى المال ولم يظهر شبهة، أطلق الغزالي [القول بالقطع]، وعليه ينطبق ما قاله القاضي الحسين وغيره: أنه لا يحتاج عند الحضور والطلب إلى إعادة الشهادة في القطع، وفي المال وجهان:
أحدهما: هكذا لا يحتاج إلى إعادة الشهادة لأجله، وهو أصح في "التهذيب" وغيره، وبه جزم في "الوجيز"، [وهو] في "النهاية" مفرع على القول بأن شهادة الحسبة لا تسمع في حقوق الآدميين؛ كما هو المذهب، أما إذا قلنا بسماعها فلا خلاف في السماع هنا، يعني: وعدم الاحتياج إلى الإعادة.
والثاني: يحتاج؛ لأنه حق آدمي، والشهادة قبل الاستشهاد لا تسمع في حقوق الآدميين بحال. وهذا منهم يدل على سماع الشهادة بالسرقة من غير استشهاد، بالنسبة إلى ما تضمنته من حق [الله – تعالى – وفي سماعها بالنسبة إلى ما تضمنته من حق] الآدمي إذا قلنا: لا تسمع فيه شهادة الحسية استقلالا – وجهان.
وفي ذلك نظر من حيث [إن] الأصحاب اختلفوا في [تصوير مسألة
الكتاب؛ كما قاله القاضي الحسين، فقال: إن منهم من رأى] تصويرها بما إذا لم يعلم صاحب المال بالسرقة أو عرف بها ولم يعرف السارق، أما إذا عرف الحال فلا تقبل الشهادة حتى يحضر ويدعي هو أو وكيله؛ كسائر الدعاوى؛ وبهذا ينبغي أن يجمع بين قول الشيخ:"ولا يقطع إلا بمطالبة المسروق منه بالمال"، وبين قوله: "وإن قامت البينة عليه من غير مطالبة
…
" إلى آخره، فيحمل الأول على ما إذا علم رب المال بصورة الحال، و [الكلام] الثاني: على ما إذا لم يعلم.
قال القاضي: ومنهم من أطلق القول بالسماع، وهو الصحيح؛ لتعلق حق الله – تعالى – فيقبل من غير دعوة كالزنى.
وتبعه في التصحيح الرافعي، وإذا كان هذا كلامهم في التصوير، فينبغي أن يحمل ما أطلقوه من عدم الاحتياج إلى إعادة الشهادة لأجل القطع على الحالة التي تسمع فيها الشهادة، دون ما إذا قلنا بعدم سماعها عند علم المالك بالحال، ويؤيد ذلك أن الإمام قال: إن معنى رد الشهادة هنا: أنا لا نصغي إليها، ولا نرتب عليها حبسا. ثم أبدى احتمالا لنفسه في الاحتياج إلى إعادة الشهادة بالنسبة إلى القطع مع القول بالسماع ابتداء، على قولنا: إن المال لا يثبت ما لم تعد الشهادة، ووجهه: أن القطع فرع بثبوت المال، وإذا لم يثبت الأصل كيف [يثبت الفرع]؟! والله أعلم.
وقد أشار الرافعي إلى اعتراض على الإمام فيما ذكره، فقال بعد حكايته: إن لك أن تقول: العبارة المنطبقة على اختيار الأئمة أصلا وفرعا في المسألة أن يقال: شهادة الحسبة مقبولة فيما يرجع إلى القطع الذي هو حق الله – تعالى – فيقطع من غير إعادة البينة التي قد سمعناها أولا، وإنما انتظرنا لتوقع ما يسقط، فلم [يظهر شيء]، وفي قبولها فيما يتعلق بالمال الخلاف في أن شهادة الحسبة هل تقبل في حقوق الآدميين؟ إن قلنا: نعم، [فلا حاجة إلى إعادة البينة، وإن قلنا:
لا، فنحتاج إلى الإعادة. وأنت إذا تأملت ما ذكرته] عرفت [أن كلام] الرافعي غير قويم، والله أعلم.
فرع: لو سرق مال صبي أو مجنون، فعن ابن كج أنه [قال]: ينظر: [فإن انتظرنا] حضور الغائب واعتبرنا طلبه؛ انتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون، وإلا قطعناه في الحال.
قال: وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى، أي: من مفصل الكوع:
أما وجوب قطع اليد فدليله الآية، وقد ورد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق. وروى الشافعي بسنده عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق:"إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله".
وأما كونها [اليد] اليمنى، فوجهه ما روى النخعي أن ابن مسعود كان يقرأ:"والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما".
قال الماوردي: وهذه القراءة وإن شذت، فهي جارية مجرى خبر الواحد في
وجوب العمل به، أو هي على وجه التفسير للأيدي المذكورة في القراءة
المشهورة؛ كما قاله أبو الطيب، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سرق [السارق] فاقطعوا يمينه"، وروي أن الخلفاء الأربعة قطعوا يمين السارق.
والمعنى فيه: أن البطش بها أقوى؛ فكانت البدأة بها أوزع وأولى، وقد ادعى القاضي أبو الطيب أن المسلمين أجمعوا عليه.
واختصاص القطع بالمفصل وجهه ما روى الدراقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع السارق الذي سرق رداء صفوان من المفصل. وذكر أبو أحمد من [حديث] ليث عن مجاهد، عن عبد الله ابن عمر قال: قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم سارقا [سرق] من المفصل. وادعى الماوردي أنه فعل مجمع عليه.
والمعنى فيه: أن البطش بالكف، وما زاد من الذراع تابع؛ ولهذا يجب في الكف دية اليد، وفيما زاد حكومة.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون له يسرى أو لا يكون، ولا يضاف إلى القطع التعزيز، وعن الفوراني: أنه يعزر مع القطع.
وقال مجلي: إن أراد [بتعزيزه تعليق] يده المقطوعة [في عنقه] فحسن، وإن أراد غيره فهو منفرد به، ولم أره لغيره.
قال: فإن عاد قطعت رجله اليسرى، أي: من المفصل بعد اندمال اليد، سواء سرق ثانيا ما سرقه أولا أو غيره.
ووجه قطع الرجل بعد اليد: الخبر الذي رواه الشافعي – رضي الله عنه -
وقد روي أن [نجده] المروزي كتب إلى عبد الله بن عمر يسأله: هل قطع رسول الله ? بعد يد السارق يده أو رجله؟ فقال ابن عمر: قطع رجله بعد اليد. ولأنه فعل أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – ولا مخالف لهما من الصحابة.
ووجه كونها اليسرى: اتفاق من صار إلى قطع الرجل بعد اليد على [أنها اليسرى]؛ كما قاله القاضي أبو الطيب، ولأن في الحرابة تقطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى، فوجب أن تقطع في السرقة كذلك؛ لأن السرقة مرتين كقطع الطريق مرة؛ لكونها مجاهرة.
والمعنى في ذلك خشية استيفاء [منفعة] أحد الجانبين الذي يضعف معه عن الحركة؛ فيكون في معنى ضم عقوبة على عقوبة؛ ولهذا المعنى قطعت الرجل اليسرى دون اليد اليسرى؛ لأنه لو قطعت اليد اليسرى بعد اليمنى لاستوعبت منفعة الجنس، وذلك في معنى زيادة عقوبة.
وإنما قطع من مفصل القدم؛ لأن عمر – رضي الله عنه – كان يقطع القدم من مفصلها؛ كما رواه أبو بكر بن المنذر، ولأن البطش بالقدم، وفيه تجب دية الرجل؛ فوجب قطعه كاليد.
وعن أبي ثور، أن الواجب قطعها من معقد الشراك.
واعتبار اندمال القطع الأول خشية إفضاء التوالي إلى زهوق الروح، وليس هو المقصود، ويخالف الموالاة بينهما في الحرابة؛ لأن قطعهما ثم حد واحد؛ فلا يفرق.
قال: فإن عاد قطعت يده اليسرى، فإن عاد قطعت رجله اليمنى؛
للخبر السابق، والاستيعاب هاهنا للضرورة، وقد روي أن "أقطع اليد والرجل نزل من
اليمن على أبي بكر – رضي الله عنه – يشتكي إليه عامله أنه قطع يده ورجله
ظلما، فأنزله وكتب إلى عامله في أمره، وكان ينفق عليه، فافتقد عقدا لعائشة – رضي الله عنها – وكان ذلك الأقطع يدعو على سارقه، وكان يقول: اللهم عليك بمن فعل هذا بأهل [هذا] البيت، فوجد عند صائغ، فقال: دفعه إلى ذلك الأقطع، فاعترف؛ فقطع يده اليسرى". كذا نقله القاضي الحسين.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن المسروق كان لأسماء بنت عميس زوجة أبي بكر، رضي الله عنهما.
قال: وإذا قطع حسم بالنار، وهكذا لفظ البندنيجي والقاضي الحسين في "التعليق"، وحكاه القاضي أبو الطيب عن النص، ووجهه ما روي عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل سرق شملة، فقال: اقطعوا يده، ثم احسموها".
وعن معمر عن [ابن] المنكدر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع رجلا، ثم أمر به فحسم، وقال:"تب إلى الله تعالى"، فقال: أتوب إلى الله – تعالى – فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن السارق إذا قطعت يده وقعت [في النار]، فإن عاد تبعها، وإن تاب استشلاها"، قال عبد الرزاق: يقول: استرجعها.
ولأن في حسمها صيانة عن التلف؛ فإنه لو ترك لنزف الدم وهلك به.
والمراد بالحسم: كي موضع القطع؛ لينقطع الدم، فإن الحسم: القطع، وصفته – كما قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب والحسين وغيرهم من العراقيين -: أن يغلي الزيت أو ما يقوم مقامه، ويغمس محل القطع فيه.
وفي "الحاوي": إن كان السارق بدويا حسم بالنار؛ لأنه عادتهم، وإن كان
حضريا حسم بالزيت المغلي.
وفي "الجيلي" نسبة هذا النقل إلى "الكافي"، وهو غلط من الناسخ؛ بل هو كما ذكرت؛ لأن المذكور في "الكافي" الأول.
ثم الحسم من تمام الحد حتى يؤاخذ به بغير رضاه، أو هو لأجل نفسه؛ كالمداواة حتى لا يفعل بدون إذنه؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي والقاضي الحسين والإمام، وأصحهما في "الرافعي": الثاني.
[ومن أثرهما]: أن ثمن الزيت ومؤنة الحسم على من تكون؟ فعلى الصحيح تكون على السارق، وعلى مقابله تكون كمونة الجلاد؛ كما قاله الإمام والرافعي.
والمذكور في "الشامل" و"تعليق" البندنيجي وأبي الطيب و"المهذب" و"الكافي": أن ثمن الزيت يكون من بيت المال، فإن لم يفعل الإمام فلا شيء عليه،] ويستحب للمقطوع أن يفعله، فإن لم يفعله فلا شيء عليه [.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إنما يحسم من [مال] بيت المال، فلو لم يكن فيه مال فمن ماله، فإن لم يعط المال تركه ولم يجبر عليه.
وأجره القطع، قال في "المهذب" والبندنيجي وأبي الطيب و"الحاوي" هاهنا: إنها تكون في بيت المال. وقد استقصيت الكلام فيها من باب العفو والقصاص، وحكوا هاهنا أن السارق لو قال: أنا أتولى قطع يدي بنفسي، ففي تمكينه [منه] وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لا [يتولى ذلك في القصاص].
والثاني: بلى، وهو المختار في "المرشد"؛ لأن قطع السرقة موضوع للزجر، وهو حاصل إذا تولاه بنفسه، وقطع القصاص [موضوع للتشفي، والولي أحق به، وهذا يدل على أن القصاص] مجزوم فيه بعدم تمكينه من الاستيفاء، وقد حكيت فيه خلافا.
فائدة ذكرها الأصحاب: وهي أن السارق إذا أريد قطع يده أجلس؛ لأنه أمكن.
وقد نص عليه في "الأم"، ثم يضبط؛ كي لا يضطرب فيتعدى القطع إلى موضع آخر، ثم تخلع كفة حتى يبين المفصل، وذلك بأن يربط فيه حبل ويجر جرا عنيفا حتى تنخلع، ثم يقطع بحديدة ماضية دفعة واحدة.
قال الماوردي: ولا يضرب السكين بحجر.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه توضع يده على لوح أو غيره، ويوضع السكين على المفصل، ويدق من فوقه بشيء ثقيل دفعة واحدة، أو يمر السكين عليها مرة واحدة.
قال الأصحاب: ويستحب أن تعلق في عنقه؛ للتنكيل والتغليظ.
وقد روى أبو داود عن فضالة بن عبيد قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه، وأخرجه النسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب.
وفي "النهاية": أن من الأصحاب من رأى تفويض الأمر [في ذلك] إلى رأي الإمام، ومنهم من لم ير التعليق، ولم يصحح الخبر فيه.
قلت: لأن في إسناده حجاج بن أرطاة، وقال [النسائي و] غير واحد من الأئمة: إنه ضعيف لا يحتج بحديثه.
وعلى الأول فمدة التعليق ساعة؛ كذا قال الشيخ في "المهذب" والقاضي
أبو الطيب والبندنيجي، وحكاه القاضي الحسين عن النص، وحكي الإمام أنها
تعلق في رقبته ثلاثة أيام، ولا يقطع السارق في حر [شديد]، ولا برد شديد،
ولا في مرض يرجى برؤه، وهل يقطع في المرض الذي لا يرجى برؤه؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين في كتاب حد الزنى، وفي "زوائد" العمراني، والمذهب منهما في "الرافعي"، وهو المذكور في "التهذيب": أنه يقطع، وإلا ففيه إهمال للحد، وبالقياس على القصاص.
وحكي القاضي الحسين في هذا الباب مقابله [عن النص] حيث قال: [قال] الشافعي – رضي الله عنه: ولا تقطع يد السارقة إذا كان بها حبل أو كانت مريضة، والسارق إذا كان مريضا دنفا. ولأجل هذا قال مجلي: المذهب: أنه لا يقطع. وهو الذي قال القاضي الحسين في كتاب [حد] الزنى إنه الأظهر. وقاسه الماوردي على حد الجلد [في الزنى والقذف.
وكما لا تقطع الحامل في حال الحبل لا تقطع] في زمن النفاس؛ لأنها في هاتين الحالتين ضعيفة، فإذا انضم إلى ضعفها ألم القطع خشي عليها التلف، قاله أبو الطيب وغيره.
قال: فإن عاد بعد قطع اليدين والرجلين وسرق عزر؛ لأن قطع ذلك ثبت بالكتاب والسنة، ولم يذكر بعده شيئا آخر، فلو كان لذكر، والسرقة معصية؛ فتعين فيها التعزيز.
قال في "الكافي": ويحبس حتى يموت. وفي "الجيلي": حتى تظهر توبته.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أنه [قد] حكي قول قديم: أنه يقتل، وقد يحتج له بما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله أنه قال: جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، [فقال:"اقتلوه"]، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال:"اقطعوه"، [قال: فقطع]، ثم جيء به الثانية، فقال:"اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال:"اقطعوه"[قال: فقطع، ثم جيء به الثالثة فقال: "اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: "اقطعوه"]، ثم أتي به الرابعة،
فقال: "اقتلوه"، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال:["اقطعوه"، فأتي به الخامسة، فقال:] " اقتلوه. قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة. وأخرجه النسائي.
والصحيح الأول؛ لأن هذا الحديث قال النسائي: إنه منكر، وفيه مصعب بن ثابت، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة.
وروى الزهري أن القتل منسوخ؛ لأنه رفع إليه في الخامسة، فلم يقتله، وكذلك قال الشافعي – رضي الله عنه: إنه منسوخ، وإن هذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من أهل العلم، ولأن كل معصية أوجبت حدا لم يكن تكرارها موجبا للقتل؛ كالزنى والقذف.
قال: ومن سرق ولا يمين له أو كانت وهي شلاء، أي: وقال أهل الخبرة: إنها إذا قطعت [لم] تنسد عروقها – قطعت رجله [اليسرى]؛ قياسا على المرة الثانية، أما إذا قال أهل الخبرة: إن عروقها تنسد قطعت. قاله في "المهذب" والماوردي وغيرهما. قال الإمام: وفيه احتمال؛ لأنه لا منفعة فيها؛ فأشبهت الكف الباقية [بلا أصابع] على ما سنذكره. [ثم] قال: والظاهر الأول؛ فإن [من] قطعت يده السليمة وكانت يد القطاع شلاء، فاكتفى بها مستحق القصاص – وقعت موفع الإجزاء، فإذا لم يبعد اكتفاء [مستحق القصاص بالشلاء لم يبعد اكتفاء الشرع بها في السرقة].
قال: وإن كانت له يمين بلا أصابع قطع الكف؛ لأنه بقي ما يمكن قطعه في
السرقة، فلم يعدل إلى ما بعده كما لو بقي على الكف أنملة. وهذا ما اختاره
الشيخ أبو حامد وجماعة، ومنهم صاحب "المرشد"، وقد رواه الحارث بن سريج النقال عن الشافعي – رضي الله عنه – وبه جزم ابن الصباغ في باب قاطع الطريق.
وقيل: تقطع رجله اليسرى؛ لأن المنفعة المقصودة قد ذهبت من اليد؛ ولهذا لا تضمن بالأرش المقدر، فصار كما لو يبق فيها شيء، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه المذهب، وحكاه القاضي أبو حامد – أيضا – عن النص، واختاره وحكي عنه أنه حكى [مثله وجها فيما] إذا كانت يمناه مقطوعة الإبهام.
ويجري الخلاف المذكور في الكتاب فيما إذا كان بعض الكف قد ذهب، ومحل القطع باقيا، كما حكاه البندنيجي وغيره.
فرع: اليد المشتملة على أصبع زائدة تقطع، وكذا الكفان على معصم واحد يقطعان إذا لم يتميز الأصلي منهما من الزائد، بخلاف ما إذا تميز؛ فإنه يقطع الأصلي خاصة، ويخالف هذا القصاص؛ لأنه مأخوذ من المساواة، فمنع [من] الزيادة، والقطع في السرقة القصد منه التنكيل والزجر دون المساواة، وهذا ما أورده الإمام والقاضي الحسين.
قال الرافعي: ويوافقه [في] مسألة الكفين [ما] في "فتاوى" القفال: أن الكفين الباطشتين تقطعان جميعا؛ لأنهما معا [في حكم يد واحدة؛ ألا ترى أنه لا يفرد كل واحد [منهما] بدية، لكن في "التهذيب": أنه يقطع] أحدهما، فإن سرق ثانيا يقطع الآخر، ولا يقطعان بسرقة واحدة، بخلاف [الأصبع الزائدة]؛ لأنها لا يقع عليها اسم اليد، وحكي وجه آخر: أن [الأصبع الزائدة] تمنع
القطع؛ كما في القصاص، وعلى هذا يكون كمن لا يمين له.
قال: ومن سرق وله يمين فلم تقطع حتى ذهبت، [أي]: بآفة سماوية أو في قصاص أو غيره، سقط القطع؛ لأنها لما سرق عند وجودها صارت مستحقة القطع، فلما زالت فات المستحق ولم يرجع إلى غيره؛ كما لو جنى عبد فتعلق الأرش برقبته ثم مات.
قال الماوردي: وإذا كان ذهابها بجناية تستحق بها قودا ودية كان للسارق أن يقتص بها من الجاني، ويأخذ ديتها، وهو أحق بالدية، ولا تؤخذ منه الدية بدلا عن قطعها في السرقة؛ لأن المستحق في السرقة: القطع دون الدية، وقد فات.
فإن قلت: قد حكيتم عن البغوي وغيره أن آحاد الرعية إذا قطع اليد في السرقة لم يجب عليه إلا التعزيز، فكيف ينتظم القول بذلك مع إيجاب القصاص أو الدية عليه؟
قلت: يجوز أن يجعل اختلاف النقلين وجهين في المسألة، وتكون مادتمها ما أشار إليه الرافعي من تخريج ذلك على قتل الزاني المحصن، ويجوز أن يجمع بين النقلين من غير خلاف: بأن يحمل ما قاله الماوردي على ما إذا لم يقصد القاطع استيفاء الحد، بل قصد الجناية، وما قاله غيره على ما إذا [لم] يقصد الجناية. ويرشد إليه ما سنذكره عن الماوردي فيما إذا قتل قاطع الطريق مرتدا، ويستأنس لذلك بأن الإمام إذا قتل عبدا اشتراه مرتدا في يد البائع قبل القبض بأن قصد قتله عن الردة وقع عنها، وانفسخ البيع، وإن لم يقصد ذلك جعل قابضا للمبيع، واستقر عليه الثمن؛ كما حكاه الرافعي قبيل باب الديات عن "فتاوى" صاحب "التهذيب"، لكن مساق هذا أن يقال: إذا قتل شخص زانيا محصنا وهو يجهل حاله، ثم ثبت بعد ذلك زناه بالبينة – أن يقتل به، وقد صرح الأصحاب بأن لا ضمان على الصحيح، عند الكلام فيما إذا شهد ستة بالزنى، ثم رجع اثنان.
ولو قيل: يحمل ما أطلقه الماوردي هنا على ما إذا كان القاطع [ذميا والسارق مسلما، ويحمل ما قاله البغوي وغيره على ما إذا كان القاطع] مسلما – لم يبعد، كما قلنا بمثل ذلك في قتل الزاني المحصن، والله أعلم.
وحكم اليد إذا شلت وتعذر قطعها بعد الوجوب، حكم سقوطها، قاله القاضي الحسين، وقد حكي الإمام عن بعض التصانيف – وعنى "الإبانة" – وجها: أنه ينتقل إلى الرجل اليسرى عند سقوط اليمين بعد السرقة، وقال: إنه غلط. واتبعه الغزالي في ذلك، ولم يحك في "الإبانة" سواه.
فرع: لو وجب قطع اليمين، فلم تقطع حتى سقطت اليسرى بأكلة – لم يسقط قطع اليمين، وعن أبي إسحاق: أنه يسقط [قطع اليمين] في أحد القولين؛ كما لو قطع الجلاد يساره غلطا.
قال الأصحاب: وهو غلط؛ لأنه خلاف النص، وليس كتيك؛ لأن الجلاد ثم قطع اليسار لأجل السرقة، وإذا ذهبت بمرض لم يأخذ بدلا.
قال: وإن وجب قطع اليمين، فقطع اليسار [عمدا]- قطعت يمينه، أي: حدا؛ لأنها التي وجب قطعها [وهي باقية]؛ فلم يجز غيرها كما في القصاص.
قال: وأقيد من القاطع من يساره؛ [لأنه قطع يساره] عمدا بلا شبهة.
قال: وإن قطع سهوا [، أي:] بأن قال: ظننت أنها اليمين، أو أن اليسار تجزئ عن اليمين.
قال: غرم الدية، أي: بعد حلفه على ما ادعاه إن كذبه السارق؛ لأن ما يقوله محتمل، فكان شبهة في درء القصاص، ووجبت الدية؛ لقطعه عضوا معصوما.
قال: وفي يمين السارق قولان:
أحدهما: تقطع؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا تقطع؛ لأنها لو قطعت لأدى [إلى قطع] يديه لأجل سرقة
واحدة، ولأن اليسار تقوم مقام اليمين عند عدمها وعدم الرجل؛ فكذلك هاهنا، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد التي أوردها البندنيجي.
قال ابن الصباغ: إنها لا تستمر إلا أن يكون قطع الإمام صدر من غير بدل من جهة السارق، فإن بدلها يسقط القصاص كما ذكرنا من قبل. وهذا ما أورده الرافعي، وكلام الشيخ لا يأباه.
وكلام القاضي الحسين يقتضي إثبات قولي السقوط وعدمه في الحالين؛ لأنه قال: نص الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم": على أن الجلاد إذا قال [له:] أخرج يمينك، فأخرج يساره، فقطعها – [على] سقوط قطع السرقة.
وحكي الحارث بن سريج البقال أو النقال – كما قال الإمام -: أنه إن علم الجلاد أنها اليسار، وتعمد قطعها فعليه القصاص، وقطع السرقة باق بحاله، [وإن قال: دهشت، فعليه الدية، وقطع السرقة باق بحاله]؛ فحصل قولان:
أحدهما: لا يسقط قطع السرقة؛ كما في القصاص.
والثاني: يسقط كما نص عليه في "الأم"، والفرق: أن المقصود من القود التساوي، واليسار لا تكافئ اليمين، والقصد في السرقة الزجر والتنكيل، وقد حصل.
وتبعه الإمام في أول الكلام، ثم قال: ولعل ما ذكرناه إذا ظن السارق أنها اليمين لدهشة أصابته، أو ظن أن اليسار تجزئ عن اليمين، [فأخذها]، وحينئذ فيكون [كلامه] منطبقا على ما حكاه ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب؛ فإنه حكي عنه في هذه الصورة وجهين في الإجزاء، ورأيتهما في "التعليق" له، وقال:[إن] الثاني هو المنصوص. وتبعه في ذلك المصنف، وصحح القاضي الثاني، وكذلك صاحب "الكافي" و"المرشد" و"الرافعي"، ثم قال الرافعي: إنا على مقابله ننظر: فإن كان القاطع عالما بالحال وتعمد القطع وجب
عليه القصاص، وإلا فالدية، وهو كذلك في "المهذب"، وقد أحال الإمام [في آخر الأمر] الكلام في هذه المسألة على نظيرها في القصاص؛ فليطلب منه [ثم]، والله أعلم.
* * *