المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب صلاة المريض - كفاية النبيه في شرح التنبيه - جـ ٤

[ابن الرفعة]

الفصل: ‌باب صلاة المريض

‌باب صلاة المريض

قال: إذا عجز - أي: المريض - عن القيام، صلى قاعداً؛ لقوله تعالى:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] قال أهل العلم: [معناه] الذين يصلون قياثا مع القدرة عليه، وقعوداً مع العجز عن القيام، وعلى جنوبهم مع العجز عن القعود.

ولرواية البخاري عن عمران بن حصين قال: "كانت بي بواسير؛ فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، قال: "صلّ قائماً، فإن لم تستطع [فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب"، زاد النسائي: "فإن لم تستطع] فمستلق، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".

وعن أنس قال: سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم فخُدِشَ - أو جُحِشَ - شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده؛ فحضرت الصلاة؛ فصلى قاعداً. رواه البخاري، ومسلم.

ص: 91

[و] معنى "جحش شقه": انخدش.

وقد نقل الثقات أن الإجماع منعقد على أن من عجز عن القيام كان له أن يصلى قاعداً.

قال في "التهذيب": ولا ينقص ثوابه.

وقوله عليه السلام على هذا: "من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً، فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً، فله أجر نصف القاعد" كما أخرجه البخاري رواية عن عمران بن حصين- محمول على صلاة النفل في حال القدرة.

ثم المفهوم من [لفظ العجز عن] القيام: ألا يتمكن منه بحال، وليس ذلك شرطاً بالاتفاق، وقد نص الشافعي على أن كل من لم يطق القيام إلا بمشقة غير محتملة أنه يصلى الفرض قاعداً.

ص: 92

قال بعضهم: وعني: بمشقة غليظة.

وفي معناه: ما إذا كان يزيد مرضه بسبب القيام؛ صرح به ابن الصباغ وغيره.

وبعضهم ضبط ذلك: بأن يحصل له من المشقة [ما] يضجره ويقلقه، ويسلب خشوع الصلاة؛ فمتى وجد ذلك، جاز له القعود، وعليه يدل خبر أنس السابق، وإن قدر على دفع ذلك باعتماد أو اتكاء على شيء؛ فليس بعاجز عنه؛ فلا، يجوز له القعود؛ قاله الإمام والمتولي.

وفي "تعليق" القاضي الحسين في آخر باب صلاة التطوع: أن العاجز عن القيام إذا أمكنه القيام بالعكازة، وأن يعتمد على شيء- لا يلزمه ذلك، وعلى ذلك يخرج ما لو قدر [على القيام]، لكن بمعين طلب منه أجرة، أو لم يطلب، وقد قال المتولي: إنه لا يجوز له القعود [أيضاً، ويجب عليه بذل الأجرة كثمن الماء.

وفي "التهذيب": قيل: إنه لا يلزمه ذلك، بل يصلي قاعداً]. وهو ما حكاه العبادي في "فتاويه" موجهاً له بأنه عليه السلام قعد، ولو استعان لأعين [، وهو قياس ما ذكره القاضي من قبل].

فرعان:

أحدهما: إذا قدر على أن يصلي قائماً منفرداً، وإن صلى في جماعة قعد - قال الشافعي: أمرته أن يصلي منفرداً. أو كان له عذر في ترك الصلاة مع الإمام، فإن صلى مع الإمام، جاز له أن يجلس إذا لم يستطع القيام؛ كذا قاله الماوردي، وظاهره أن القيام، أفضل له، وبه صرح في "المهذب" وابن الصباغ عن نصه في "الأم" موجهين له بأن القيام ركن من أركان الصلاة؛ فالإتيان به في جميع الصلاة أفضل، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين والمتولي والبغوي، وقالوا فيما لو قدر أن يصلي منفرداً بأم القرآن قائماً، ولا يقدر أن يصلي قائماً إذا أضاف إلى ذلك سورة [أخرى]- كان الأفضل أن بصلي بأم القرآن فقط.

وعن الشيخ أبي حامد أن الأفضل فعلها جماعة، وحكي عنه أنه قال: يتخير.

قال مجلي: ويحتمل أن يقال: لا يجوز فعلها مع الجماعة؛ فإنه يحوز فضيلة بفوات ركن.

ص: 93

الثاني: لو كان يقدر على الصلاة قائماً على الأرض، ولا يقدر على ذلك في المركب؛ لأجل دوار يعتريه؛ بسبب ذلك - لا يمنع من ركوبها، وبصلي قاعداً؛ قاله في التتمة، وكذا ابن الصباغ في باب موقف الإمام والمأموم.

والمفهوم من لفظ القيام: الانتصاب، وكلام الشيخ الذي اتبع فيه الخبر يوهم أنه متى عجز عنه، جاز أن يصلى قاعداً، سواء قدر على دونه أو لا، وهو وجه حكاه قي "التهذيب"، [لكنه] خلاف ما نقله الأصحاب؛ فإن الإمام قال: إنه إذا قدر على القيام على انحناء وجب.

ولو لم يقدر على الارتفاع من حد الراكعين، فالذي دل عليه كلام الأئمة أنه يقعد، ولا يجزئه غير ذلك؛ فإن حد الركوع مفارق لحد القيام وحكمه، وهو أيضاً هيئة ركن في نفسه، بخلاف هيئة القائمين، [و] لو عجز عن الانتصاب على قدميه، وقدر على الانتهاض على ركبتيه، فقد كان شيخي يتردد في وجوبه، وهو محتمل من جهة أن هذا لا يسمى: قياماً.

والذي حكاه الماوردي: أنه متى قدر على قيام ما، وجب عليه الإتيان [به] حتى لو لم يقدر إلا على حد الراكعين، أتى به؛ فإذا أراد الركوع، خفض قليلاً، وهكذا حكاه الرافعي عن العراقيين، والمتولي، والبغوي، [و] قال: إنه المذهب. وهو الذي حكاه ابن كج عن نص الشافعي.

ووجه الأصحاب أنه عليه السلام لما قال: "صل قائماً؛ فإن لم تستطع، فقاعداً؛ فإن لم تستطع، فعلى جنب" علم أن الحالات المتوسطة أولى مما هي دونها؛ لأنها أقرب إلى الأصل؛ فلا يعدل عنها إلى الأبعد، وعلى هذا يتعين حمل كلام الشيخ على مطلق قيام، لا على القيام الذي يجب عند القدرة.

وقد اعترض بعفهم على علة الأصحاب؛ فقال: الشرع أمر بإيقاع العبادة في الأحوال العادية؛ لتكون على سكون وطمأنينة، وحال الهوى ليس حال استقرار؛ فلا يلحق بما ورد فيه النص، ولا يلزم من كونه أقرب إلى القيام أن يعطى حكمه؛ كما [لم] يلزم أن يعطى المسح على الأعضاء حكم الوضوء، وإن كان أقرب إلى

ص: 94

الوضوء من التيمم، والمائع أقرب إلى الماء في الوضوء من التراب.

قال: ويقعد متربعاً في أحد القولين؛ لأنه عليه السلام كان يصلي النفل متربعاً؛ كذا ذكره ابن الصباغ عن رواية عائشة، ورواية النسائي عنها أنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلي متربعا.

وقد روي [عن] أنس، وابن عمر أنهما كانا يفعلان ذلك.

والعجز عن القيام يلحق فرض الصلاة بنفلها في القعود، والمعنى فيه: أنه يدل على القيام؛ فاستحب أن تكون صورته مخالفة لصورة القعود؛ [كما] في صلاة الصبح، [و]، لأنه أبعد عن السهو.

[وهذا ما نص عليه في "لبويطي"،] وحكاه عنه ابن المنذر أيضاً، وقال الروياني في "تلخيصه": إنه أصح. وكذا الجيلى.

قال: ومفترشاً في الآخر؛ لأنها هيئة مشروعة في الصلاة؛ فكان الإتيان بها أولى من التربيع؛ لأنه لا يليق بهيئة الخضوع لله تعالى، وكذلك قال ابن مسعود؛ "لأن أجلس على رضف أحب إلي من [أن] أصلي متربعا".

وهذا ما حكاه القاضي أبو حامد عن الشافعي.

وقال الطحاوي: إن المزني رواه [عنه] أيضاً، واختاره الشيخ أبو محمد، وهو أصح في "الرافعي"؛ تبعاً لـ"التهذيب"، وهو مخصوص في "الحاوي" بالرجال، وقال:[إن] الأولى للمرأة التربع في قعودها؛ لأن ذلك أستر لها.

ص: 95

وحكى الفوراني عوض هذا القول: أنه يقعد متوركاً؛ كما في آخر الصلاة.

قال الإمام: وهو عندي غلط صريح لا يتوجه، وقد بلغني ممن أثق به أن القاضي الحسين كان يرى أن الأولى أن ينصب ركبته اليمنى، وينحني عليها، كالذي يجلس في اعتيادنا قارئاً على من يقرئه ويثني اليسرى.

قال: وبهذا يخرج عن هيئة الإقعاء المنهي عنه، وأشار بذلك إلى قوله عليه السلام:"لا تقعوا إقعاء الكلاب".

والإقعاء - كما قال-: هو الجلوس على الوركين، ونصب الفخذ والركبتين، وبه فسر أبو عبيدة مع زيادة أخرى، [وهي وضع] اليدين على الأرض.

ص: 96

ومنهم من قال: الإقعاء: أن يفرش رجليه، ويضع أليتته على عقبيه.

ومنهم من قال: أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه؛ كالمصطلي.

قال القلعى: وأظنه وهماً، وإنما هو على أطراف أليتيه.

ثم ما ذكرناه من الخلاف في الاستحباب، صرح به الإمام والمتولي وغيرهما؛ فلو قعد على أي هيئة، ولو مقعياً أجزأه.

قال الروياني: والقولان في الكتاب جاريان في كيفية قعوده في النفل.

وقد أفهم كلام الشيخ أن ركوعه في [حال] صلاته [قاعداً؛ كركوعه في حال صلاته] قائماً؛ فإنه تعرض لكيفية القعود، وسكت عن كيفية الركوع، وهو كذلك؛ لأنه فرض الكلام فيما إذا عجز عن القيام، وظاهر هذا أنه لم يعجز عن غيره؛ إذ لو عجز عن غيره معه، لقال: إذا عجز عن القيام، وكذا، وإذا كان لم يعجز إلا عن القيام، وجب عليه أن يأتي بما قدر عليه من الركوع، وغيره؛ كما لو كان قادزاً على القيام، وبه صرح الأصحاب، فقالوا: لو كان قادزاً على الركوع الكامل، وجب عليه أن يرتفع إلى حد الراكعين، نعم لو كان يعجز عن ذلك أيضاً، ركع، وهو جالس، وأقله أن ينحني حتى يقال وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، كذا حكاه الإمام عن بعضهم، بعد أن حكى عن صاحب "التقريب" في ضبط أقله:[أنا نجعله] كأن قامته مقدار انتصابه في قعدته، ويعتبر نسبة انحنائه من قيامه لو كان قائماً، ثم ينتسب مثل تلك النسبة في قعوده، وتأمره بمثل ذلك في حالة القعود.

[ثم] قال: وليس بين الكلامين مخالفة.

وأكمله: أن يطأطأ رأسه حتى تحاذي جبهته موضع سجوده؛ فإنه يناظر الكمال قي هيئة الركوع من القيام الذي لا مانع به من مد ظهره، ولو عجز [مع ذلك] عن السجود، أتى بغاية إمكانه حتى لو كان ما قدر عليه هو الانتهاء إلى أقل الركوع - كما سبق - وجب عليه أن يأتي به عن الركوع، ئم يركع، ثم يرفع

ص: 97

[ثم] يأتي به عن السجود.

قال الإمام: ولا نقول في هذه الحالة: يقسم ما يقدر عليه من الانحناء بين الركوع والسجود، ويصرف شيئاً إلى الركوع والزيادة عليه إلى السجود؛ ليتميز الركوع عن السجود؛ لأنا لو فعلنا هذا، كنا مسقطين عنه أقل الركوع، مع قدرته عليه.

ولو كان يقدر على الانحناء إلى حد الكمال في الركوع، قال الإمام: فليس يظهر لي تكليفه أن يأتي بأقل الركوع، ثم يأتي بالفاضل عنه في حال السجود، وإن كان يحصل بذلك التمييز بين الركوع [والسجود]؛ فله أن يأتي بذلك عن الركوع الكامل، ثم عن السجود، ولو كان [لا] يقدر إلا على أقل من حد الركوع، أتى به عن الركوع، ثم عن السجود.

قال الإمام: وهل يجب عليه أن يتخيل تمامه بقلبه، ويجريه على ذكره، هذا محتمل عندي؛ [لجواز أن يقال: الفكر للعاجز عن أصل الفعل بالكلية؛ فأما إذا كان يقدر على شيء من الفعل أغناه عن الفكر، وهو الظاهر عندي].

[و] لا خلاف أن القاعد العاجز عن القيام لا يلزمه أن يجري القيام في فكره.

ولو لم يقدر على انحناء أصلا، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع، وهكذا لو لم يعجز عن القيام، ولا يقدر على الركوع والسجود أصلاً، صلى قائماً، وأومأ بالركوع والسجود؛ قاله في "المهذب"، والإمام، وغيرهما.

ولو كان العاجز عن السجود على جبهته يقدر على الجود على صدغيه، فعله؛ لأنه إذا فعل ذلك، قرب جبهته من الأرض؛ قاله ابن الصباغ.

قال: وإن عجز عن القعود- أي: والقيام - صلى مضطجعاً على جنبه؛ للخبر السابق.

قال: الأيمن، لفضله، ولذلك يوضع الميت في لحده على شقه الأيمن.

ويجب أن يكون في هذه الحالة مستقبل القبلة؛ لأنه مقدور عليه.

وقد ادعى الإمام أن من يعتمد عليه روى في "رءوس مسائله" [عن

ص: 98

علي]، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يصلي المريض قائماً؛ فإن لم يستطع صلى جالساً؛ فإن لم يستطع السجود، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع؛ فإن لم يستطع، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وأومأ بطرفه؛ فإن لم يستطع صلى على قفاه مستلقياً، وجعل رجليه مستقبلة القبلة".

ص: 99

وقد أخرجه بمعناه الدارقطني، لكن عبد الحق قال:[إن] في إسناده الحسن بن الحسين العرني، ولم [يكن] عندهم بصدوق، وكان من رؤساء الشيعة.

وما ذكره الشيخ هو ما نص عليه في ["مختصر"] البويطي.

وقال الإمام: إنه المذهب المشهور الذي عليه التعويل.

وقال أبو علي في "الإفصاح": يستلقي على قفاه، ورجلاه إلى القبلة؛ كما يوضع الميت على المغتسل؛ لرواية جعفر بن محمد عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "يصلي المريض قائماً؛ فإن لم يستطع، فقاعداً؛ فإن لم يستطع، فمستلقياً على قفاه، ورجلاه مما يلي القبلة، ويومئ بطرفه؛ [ليكون] إيماؤه بالركوع والسجود إلى القبلة"، وضعفه الأصحاب، وقالوا: ما ذكرناه من الخبر أصح، وما ذكره من الاستقبال لا يصح؛ لأن المتمكن من الركوع والسجود لا يكون متوجها إلى القبلة فيهما؛ بل إلى الأرض؛ فكذلك عند العجز؛ ولأنه إذا كان كالموضوع في اللحد استقبل بجميع مقادمه القبلة.

[قال الإمام: وفي بعض التصانيف وجه ثالث: أنه يكون على جنبه الأيمن، ولكن يكون أخمصاه إلى القبلة، وهو محكي في "الزوائد" عن المسعودي].

قال الإمام: وهو غلط غير معتد به، ولست أرى له وجهاً.

وادعى الروياني في "تلخيصه" أنه اختاره صاحب "الإفصاح"، وزاد فيه: أن رجليه تكونان إلى القبلة، ووجهه إلى القبلة أيضاً؛ حتى إذا أومأ بالركوع والسجود برأسه أومأ إلى القبلة.

وهذا الخلاف في الوجوب؛ لأجل الاختلاف في كيفية الاستقبال، بخلاف الاختلاف في القعود؛ فإنه مستقبل فيه على كل حال، نعم كونه على جنبه الأيمن مستحب، حتى لو خالف فصلى على جنبه الأيسر مستقبل القبلة، جاز؛ لقوله عليه السلام:"فإن لم يستطع فعلى جنب"، ولم يفرق، نعم يكون تاركاً للسنة؛ قاله

ص: 100

القاضي الحسين والبغوي.

ثم محل الخلاف إذا كان قادزاً على الأمرين معاً؛ فلو لم يقدر إلا على أحدهما - تعين؛ لأنه الممكن؛ قاله المتولي وغيره.

قال: ويومئ- أي: برأسه - الركوع والسجود- أي: إذا عجز عن السجود بجبهته على الأرض- ويكون سجوده أخفض من ركوعه؛ لما روى البيهقي بسنده، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضاً، فرآه يصلي على وسادة؛ فأخذها، فرمى بها، فأخذ عوداً يصلي عليه؛ فأخذه فرمى به، وقال:"صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك".

وفي رواية: "إن أطقت أن تصلي على الأرض فافعل، وإلا .. " وساق الحديث.

والإيماء: الإشارة، وهو مهموز.

وقد اعترض بعضهم علي الشيخ؛ فقال: قوله: ويكون سجوده أخفض من الركوع، ليس على إطلاقه، بل يجب عليه أن يخفض رأسه في سجوده نهاية ما يمكنه؛ لأنه أقرب إلى الواجب الأصلي.

وجوابه: أنه اتبع فيه النبي صلى الله عليه وسلم فإن هكذا لفظ الخبر؛ كما تقدم.

ومن حيث المعنى: أن المراد: أن يجعل إيماءه للركوع فوق إيمائه للسجود، وذلك لا ينافي كونه يخفض رأسه في السجود إلى نهاية ما يقدر عليه.

ثم هذا في "الرافعي" و"النهاية" مخصوص بما إذا كان يقدر على زيادة على أفضل الركوع، وللإمام فيه احتمال. أما إذا كان لا يقدر إلا على حد الركوع- إما على وجه الكمال، أو على وجه الأقل والإجراء- فقد سبق ما يمكن منه أخد الحكم فيه.

وقد أفهم كلام الشيخ أن العجز عن القعود السجوز للاضطجاع، مثل العجز عن القيام المجوز للقعود، وقد سبق بيانه.

قال الرافعي: وكذلك إطلاق الجمهور يقتضي التسوية بين العجزين.

واعتبر الإمام هنا أن يلحقه بسبب القعود كلفة فوق الكلفة التي تجوز له ترك القيام إلى القعود.

ص: 101

قال: وأقرب شبيه به ضرورة المتيمم، وقد تقدمت.

قال: ويشهد للفرق بين الحالين: أن الأئمة لما قسموا الأعذار إلى العامة، والنادرة، عدوا ما يقعد المصلي لأجله من الأعذار العامة، والمرض الذي لا يتصور معه القيام ليس بعام، ولكنهم [لما اعتقدوا] أنه يكتفى في ترك القيام بما دون الضرورة - ألحقوا ذلك بما عم، وأما ما يضطجع المصلي لأجله؛ فإنهم ألحقوه بما يندر ويدوم.

قال: فإن عجز عن ذلك، أومأ بطرفه؛ لظاهر الخبر؛ ولأن ذلك حد طاقته.

قال: ونوى بقلبه؛ أي: إن عجز عن الإيماء بالطرف؛ مثل أفعال الصلاة بقلبه؛ كذا رأيته في كلام بعض الشارحين، وعليه ينطبق كلام الإمام.

وفي كلام بعضهم أن مراد الشيخ: أنه عند العجز عن الإيماء بالرأس، يومئ بالطرف وينوي بالقلب ما يومئ إليه؛ لأن الإيماء إلى أركان الصلاة مشبه صورة؛ فلا يتميز لبعضها دون بعض إلا بالنية.

ثم في هذه [الحالة] إذا قدر على النطق بالتكبير والقراءة والتشهد والسلام نطق به، وإلا أجراه على قلبه.

قال في "التهذيب" ولا ينقص ثوابه.

قال: ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتاً؛ لأن الصلاة تجري مجرى الإيمان؛ فلا تسط مع العقل والفهم بحال.

وقد استدل الغزالي على [إيجاب إمرار] الصلاة بالقلب بقوله عليه السلام: "فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [كما أخرجه مسلم، وهذا حد استطاعته.

واعترض الرافعي على الاستدلال به؛ فقال: هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه [المأمور عند العجز عن ذلك] المأمور به؛ فإنه قال: "فأتوا منه ما استطعتم"] وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها؛ يعنى: في خبر عمران بن الحصين.

قال: ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال، ولم يحضرها في ذهنه حينما أتى بها،

ص: 102

أجزأته صلاته؟! فلا تكون هذه المسألة متناولة للخبر.

قلت: وهذا قاله بناء على رواية [البخاري، وأما على رواية] النسائي، والخبر الذي حكاه الإمام عمن يثق به عن علي - كرم الله وجهه - عنه عليه السلام، فالدلالة منه ظاهرة؛ لأنه لما أمر المستلقي بالصلاة، [والصلاة] في الشريعة عبادة مخصوصة، ذات أركان قولية وفعلية؛ فلا يتصور اعتقادها عند سقوط الأفعال الظاهرة إلا بإجرائها في الفكر؛ كذا قاله الإمام، وقال: إنه حسن لطيف.

وعن "العدة" أنه إذا لم يقدر على الإيماء، سقطت الصلاة، كمذهب أبي حنيفة، وقد حكاه الرافعى وجهاً عن رواية صاحب "الييان"، والذي رأيته في "زوائد" العمراني: أن الطبري ذكر في "عدته" أنه إذا عجز عن الإشارة، وعجز لسانه عن القراءة، وعقله معه، صلى يقلبه، ويجري القرآن على قلبه، وكذلك أفعال الصلاة.

وقال أبو حنيفة: تسقط عنه الصلاة قى هذه الحالة.

وحكى شيخنا الإمام تأخير أنه لا يصلي في هذه الحالة، ولكن يقضي إذا قدر على الأصح، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه:

أصحها: ما ذكره الشيخ: أنه يصلي، ولا إعادة عليه.

والثانى: لا يصلى، ولا يعيد.

والثالث: يعيد، ولا يصلي.

ثم ما ذكرناه من كون المريض لا يتركها ما دام عقله ثابتاً، ثابت في غيره من طريق الأولى، وبه صرح الأصحاب؛ فقالوا: المصلوب إذا دخل عليه وقت الصلاة، يلزمه أن يصلي، نصى عليه الشافعي، ثم إن صلى مستقبل القبلة، لا إعادة عليه، وإن صلى غير مستقبل، عليه الإعادة، وكذلك الغريق في البحر إذا كان على خشبة، هذا حاله؛ قاله القاضي الحسين.

وقال الماوردي في باب موقف الإمام والمأموم: إن الحكم كذلك في الغريق على لوح.

وقال: إن الشافعي فرق بين الحالين؛ بأن الخائف يسقط عنه [فرضه

ص: 103

بالإيماء]، وهو المريض؛ فكذا هذا جاز أن يسقط عنه] فرضه، وغير الخائف لا تصح صلاته، مع ترك القبلة؛ فلم تصح هنا.

قال القاضي الحسين: ثم إذا أعاد الصلاة ففي الفرض من الصلاتين أوجه ذكرناها في الطهارة.

وقد ألحق بالمريض فى جواز القعود فى الصلاة من إذا صلى قائماً أبصره العدو؛ حكاه في "التتمة"، وقال: إنه إذا صلى قاعداً، لا تجب عليه الإعادة على الصحيح من المذهب؛ لأنا نجوز لمن يخاف من سيل أو سبع أن يصلي صلاة شدة الخوف؛ فلأن نبيح له ترك القيام وحده، وتصح صلاته أولى. نعم الكمين إذا صلوا في وهدة قعوداً هل تصح صلاتهم؟

حكى الشيخ أبو عاصم العبادي فيها قولين:

أحدهما: نعم؛ لأنهم يتركون القيام لغرض، وهو التوصل إلى حرب العدو؛ فصار كمن صلى راكباً في حال القتال.

والثاني: لا؛ لأنهم آمنون لا خوف عليهم، وهذا ما حكاه الرافعي.

ومن به سلس البول، وإذا قام لحقه، يصلي قاعداً على أصح الوجهين، وعليهما لا إعادة عليه.

قال: فإن قدر على القيام في أثناء الصلاة؛ أي: وقد صلى جالساً، أو مضطجعاً، أو القعود؛ أي: وقد صلى مضجعاً- انتقل إليه؛ لقدرته عليه، وأتم صلاته، [أي]: ولا إعادة عليه؛ لأنه إذا جاز فعل جميعها كذلك من غير إعادة، ففعل بعضها أولى، وخالف هذا المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، لا يستعمله؛ لأن استعماله يبطل ما مضى على الصحة، ولا كذلك ها هنا.

ثم في حال انتقاله إلى القعود، أو القيام إذا كان لم يقرأ الفاتحة بجملتها، أو قرأ بعضها لا يأتي بما عليه منها في حال انتقاله؛ لأنه ينتقل إلى حالة هي أعلى مما هو

ص: 104

عليه، وبمكنه القراءة فيها؛ فلو قرأ في حال انتقاله، [لم يجزئه] قال البغوي: فلا تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو، وهذا بخلاف ما إذا عجز عن القيام أو القعود وقد شرع فيه؛ فإنه ينتقل إلى ما دونه، ويجوز [له] أن يقرأ في حالة الانتقال إليه؛ لأنه لزمه القراءة قاعداً أي مضطجعا، والانتقال أعلى منه؛ فأجزأه، وهى عبارة المتولي والبغوي، وهي تؤذن بأنه في حالة عجزه عن القيام يتخير بين القراءة في حال هويه إلى القعود والاضطجاع، وبين أن يصبر إلى حالة قعوده أو اضطجاعه، وكلام الغزالي يقتضي أنه يجب عليه القراءة في حال هويه، وبه صرح الرافعي، وقال في "المرشد": لا تجزئه قراءته فيه - كما في الحالة الأخرى- حتى يستقر.

ثم محل وجوب الانتقال إلى القيام؛ إذا بقي محله؛ بأن كانت القدرة حصلت له في الركعة الأولى، أو في الثانية قبل الركوع، أو بعده، وقبل السجود، دون ما إذا حصلت بعد السجود، ثم إذا حصلت بعد فراغ القراءة، قام؛ ليركع، وهل يجب عليه أن يطمئن قائماً فى هذه الحالة؟

قال الإمام: فيه تردد عندي؛ فإنه إن ظن ظان أن الاعتدال عن الركوع ركن مقصود فما أرى ذلك ظاهزاً في هذه القومة التي وجبت لأجل الهوى منها إلى الركوع؛ فإنها غير مقصودة قطعاً ولا يمتنع أيضاً أن يقال: ينبغي أن يكون الركوع عن سكون وقيام، ولا يجزئه في هذه الحالة أن يقوم إلى حد الراكعين، ثم يطمئن، ثم يرفع، ثم يسجد.

كذا قاله الإمام هنا، وخرج في باب سجود السهو وجها آخر: أنه يكفيه أن يرتفع إلى حد الراكعين، ثم يطمئن، ويسجد؛ أخذاً مما قاله ابن سريج فيما إذا هوى القائم إلى السجود وقد ترك الركوع ناسياً؛ فإنه على رأي ينتصب قائماً، [ثم يركع؛ ليلي الركوع القيام، وعلى رأي: يكفيه أن يرتفع إلى حد الراكعين، ولا ينتصب قائماً]، ومن ها هنا خرج الوجه في مسألتنا.

قلت: وإذا لاحظنا هذا في الأصل في مأخذ الخلاف امتنع على القول بإيجاب الانتقال إلى القيام ها هنا، ثم السجود بعده إجراء تردد في اشتراط الطمأنينة في

ص: 105

هذه القومة، بل يتعين الإتيان بها؛ [لأنا نشترط] ذلك في الأمل المبني عليه؛ كما تقدم في باب فروض الصلاة، فلو قدر عليه وهو راكع؛ فلا نأمره بالرفع، ثم بالركوع، بل نقول: لو فعل ذلك بطلت صلاته، ولو رفع في هذه الحالة إلى حد الراكعين القادرين على القيام، قال الأصحاب: جاز، ولم ينصوا على أن ذلك يجب.

قال الإمام: وأنا أقول فيه: إن قدر قبل الطمأنينة في الركوع، فالظاهر أنه يجب، وإن ركع، واطمأن عن قعود، ثم وجد القدرة- فالظاهر أنه لا يجب، ولا يمتنع أن يقال: يجب ذلك ما دام ملابساً للركوع تخريجاً على أن الركن إذا مد، فجميعه فرض، أم الفرض منه مقدار الاكتفاء؟

ولو حصلت قدرته على القيام بعد الرفع من الركوع، وقبل السجود، قام ليسجد، واطمأن قبل سجوده.

فرع: حيث قلنا: يجب [عليه] القيام؛ فلو لم يقم، بطلت صلاته.

قال في الحاوي: ومن أصحابنا من قال: لا تبطل، ولكن تصير نفلاً. ولا وجه له.

وهذا قد ادعى المتولي أنه مخرج من نصه فيما إذا كبر وهو يهوي إلى الركوع أنه تنعقد صلاته نافلة؛ كما خرج من نصه هنا إلى ثم [قولاً]: أنها لا تصح.

وقال القاضي الحسين: إن الخلاف المذكور جار فيما لو تحرم بالفرض قاعداً مع القدرة على القيام، وقال: إن المذهب البطلان.

وعليه في مسألتنا: لو عاوده العجز، ومنعه من القيام، قال في "الحاوي" في كتاب الصلاة: نظر في حاله حين أطاق القيام: فإن كان قاعداً في موضع جلوس من صلاة المطيق، كالتشهد والجلوس بين السجدتين- فصلاته جائزة، ولا إعادة عليه، وإن كان قاعداً في موضع قيام من صلاة المطيق؛ فصلاته باطلة، وعليه الإعادة؛ لأنه لما استدام القعود في موضع القيام، صار كالمطيق إذا قعد في موضع القيام.

قال: وإن كان به وجع العين؛ فقيل [له]: إن صليت مستلقياً أمكن

ص: 106

مداواتك، وهو قادر على القيام- احتمل أن يجوز له ترك القيام؛ كما يجوز له ترك الصيام؛ لأجل رمد العين، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وكثير من أصحابنا؛ كما قاله الروياني في "تلخيصه".

واحتمل ألا يجوز؛ لأن ابن عباس لما قرب من العمى، قال له بعض الأطباء: لو صليت سبعة أيام مضطعاً وعالجتك برأت عينك؛ فاستفتى عائشة وأم سلمة وأبا هريرة؛ فنهوه عن ذلك، ويخالف الصوم؛ لأنه يرجع إلى بدل تام مثله، ولا كذلك ها هنا، وخالف الاضطجاع لأجل المرض؛ لأن هناك المشقة تحصل من نفس القيام؛ فتركه دافع للضرر قطعاً؛ فلذلك لم نوجبه، وها هنا القيام لا تحصل به مشقة، [بل الموجود ظن حصول البرء لو اضطجع، وبينهما فرق.

ثم هذا التردد من الشيخ] مؤذن بأنه ليس في المسألة نص للشافعي، ولا لأصحابه، وإنما الاحتمالان له، ولا شك بأنه لا نص فيها للشافعي، والاحتمالان لغيره، وقد حكاهما في "المهذب" وجهين.

وقال العبادي في "زوائده": إن الطبري شبه ذلك بما لو كان يخاف من استعمال الماء طول الضنى فهل له أن يتيمم؟ وفيه قولان.

وعلى هذا يمكن أن يحمل كلام الشيخ على أنه أراد أن التردد لشخص واحد، [لا أنه] قال بكل احتمال شخص، ومنع غيره.

ويؤيد ذلك أنه قال فيما إذا وكل عبده في شيء، ثم أعتقه: احتمل أن ينعزل، واحتمل ألا ينعزل. والاحتمالان لابن سريج، ولا جرم صرح في "المهذب" بحكاية وجهين في الانعزال؛ كما فعل في هذه المسألة.

ثم [هذا] التردد ظاهر الشبه بما ذكره الطبري، إذا كانت المسألة مصورة بما ذكرناه [من أنه] لا يخشى من القيام زيادة في الوجع [إلى أن يفضي إلى العمى.

أما إذا كان يحصل منه زيادة في الوجع؛] فقضية تشبيه الطبري أن يجيء فيه الخلاف بالترتيب، وأولى بالجواز كما في التيمم؛ ومن ها هنا يقوى ما ذكره الإمام

ص: 107

من أن المرض الذي يجوز الاضطجاع في الصلاة فوق المرض الذي يجوز القعود فيها، وأن أقرب شبه به المرض المجوز للتيمم، لكنه قال في هذه المسألة بعد أن قال:"إنه لا نص للشافعي في هذه المسألة"-: إذا لم يكن للشافعي فيها نص، وقد نقل أصحابنا فيها خلاف العلماء؛ فالمسألة محتملة، وفساد البصر شديد، وتكليف المصلي ما يغلب على الظن منه العمى بعيد، وحديث ابن عباس واستفتاؤه تعلق بمذهب آحاد من الصحابة، وحكاية حال؛ فلعلهم لم يثقوا بقول الطبيب، ورأوا أن الأمر شديد، وأن العلاج غير مُجد.

وقد أفهم كلام ابن الصباغ الميل إلى جواز الاضطجاع؛ فإنه قال بعد حكاية التردد: إن ما ذكر من الجواب عن الصوم والمرض فاسد؛ لأن فعل الصوم في غير زمانه بدل ناقص، والآخر يبطل بما إذا خاف الزيادة في المرض من استعمال الماء؛ فإنه غير متحقق، ويجوز تركه به.

قال الإمام: ثم إن صح ما قاله العراقيون، فالذي أراه لو كان [القعود] معيناً على البرء، جاز بلا خلاف؛ ولذلك ذكر شيوخ الأصحاب الخلاف في المسألة فص صورة الاضطجاع، وسكتوا عن صورة القعود.

قال الرافعي: وهذا قاله بناء على ما حكاه من أنه يجوز ترك القيام بما لا يجوز به ترك القعود، والمفهوم من كلام غيره أنه لا فرق.

واعلم: أن الشيخ محيي [الدين] النواوي قال: إن المذكور في الأصل: "وإن كان به وجع؛ فقيل: إن صليت

" إلى آخره، ويقع في أكثر النسخ: "وجع العين"، والصواب: حذفها؛ [لأنه أعم]. وفيه نظر، والله أعلم.

ص: 108